خاطرة اليوم (5 ايار 2018): آراز عبد المجيد طالب الجاف، الذي تولد في كركوك عام 1969، والذي توفي فيها يوم 30-11-2016 إثر نوبة قلبية، كان فنانا عراقيا توهج فنه متأخرا. في آخر سنة من حياته، كنت انتظر منه رسم بورتريه شخصي له وإهداءه ليّ. لعدة سنوات، كنت الح عليه بأن يقوم بهذا العمل، ولكنه كان متخوفا جدا من رسم البورتريهات من بعد انقطاع لعقود من الزمن، كما كان متخوفا من مواجهة نفسه في المرآة. ولكنني كنت على يقين بأنه بات قريبا من هذه اللحظة، والتي ستكون انطلاقة لتوهج ونضوج فنه ولو بعد حين، وهذا التوهج، حسب قناعتي، كان سيكون متميزا عن اي فنان عراقي آخر، من جيل الرواد صعودا. غاب آراز في رحلة استكشافية طويلة، فبعد وصوله الى هولندا في سنة 1997، تبحر في فنون المدرسة الهولندية، وخصوصا تلك التي ازدهرت في القرنين 14-16. واستوعب آراز الكثير من تلك التجربة، فابتكر اساليب مقاربة لأساليبهم. وثم ذهب ليبحث عن مشهد او فكرة ليعبر عنها من خلال هذه الاساليب الجديدة. ولعل الغربة والاغتراب بقيت هي السمة الاهم في وجدانه. وهي ليست غربة وطن فحسب، بل هي غربة الوجود. فآراز كان من حال مثلثه الزجاجي الذي كان يحمله في كل مكان ويلتقط له الصور، ومن ثم ادخله ضمن لوحاته. هذا المثلث دخيل على المشهد، ومتسامي عنه في آن واحد. وهكذا كان آراز، الذي امتاز بروحية الطفل في جسد احدهم من الاوباش، وشهد حروبا ومعارك واصبعه يتحسس لفرشاة لا لزناد، وثم من منفاه الاردني وثم الهولندي حاول فهم معنى مجيئه الى هذه الدنيا في بقعة اسمها كركوك، وكيف ان والداه بقيا هم اقرب شيء الى وطن عرفه في حياته. وعليه، انبهر آراز بلوحة رسمها الفنان الهولندي بيتر بروغل الكبير في منتصف القرن السادس عشر لبرج بابل، وحاول آراز معالجة هذه اللوحة بطريقته الخاصة، فقلدها. ولكن، في حين رسم بروغل البرج وهو في طور الانشاء، رسمه آراز وهو خربة. واول محاولاته في ترجمة هذا العمل انتج لوحة سنة 2011، وبقيت هذه اللوحة عبئا نفسيا عليه، إذ لم يكن يجد لها مشتريا، فاصبحت هي معيار فشله كفنان من نجاحه، فأصبح هذا التراكم النفسي جزءا من محنته كفنان وساهم الامر في انضاجه ايضا. وكان آراز يعتبر ما حصل يوم 9 نيسان 2003 نصرا خاصا به، وذلك لأسباب كثيرة، وهكذا خرج محتفلا في شوارع آمستردام، وكان مواكبا لكل مقدمات الحدث من خلال اتصالاته المستمرة معي، واحيانا كنت احسبها لحوحة ومزعجة. وعندما قرر احمد الجلبي شراء هذه اللوحة، في سنة 2014 على ما اظن، حسب آراز الامر بطريقة مختلفة، واعتبرها نصرا مزدوجا، تأكيدا لفنه، وتأكيدا بأن هذه البقعة التي اسمها العراق لربما ستحتويه في نهاية المطاف. فانبرى الى الرسم بثقة وطموح، وارى بأن لوحته لتلك الفتاة اليزيدية، التي رسمها في خريف 2014، كانت بمثابة اول خطوة الى مرحلة فنه الجديد. ولكن الاقدار تداخلت، وفي يوم ما، توقف قلب آراز. ولكن المفارقة هي ان الحدث حصل عندما كان آراز معاودا في احدى مستشفيات كركوك اصلا. فاستطاع زملاءه احياءه مرة اخرى، ولكن عاود قلبه التوقف، وذهب آراز بعيدا في رحلة استكشافية اخرى. ما اتخيله حصل هو ان آراز رأى امرا ما عندما توفي للمرة الاولى، وثم اراد العودة اليه في المرة الثانية، وكان يتصور بأنه سيستطيع ان يرى ذلك الشيء وثم سيعود الى الحياة والى مرسمه مجددا ولكنه اخطأ حساب الوقت وتوانى جشعا ومتفحصا بكل شيء في ازقة هورقاليا، ولهذا خسرناه من هذا الجانب. وداعاً آراز.