قراءة اولية لما بعد احداث الموصل
صورة من وكالة الاسوسياتد برس لمتطوعين عراقيين

صورة من وكالة الاسوسياتد برس لمتطوعين عراقيين

نبراس الكاظمي

في ظرفنا هذا، ظرف الهلع والفزع الذي نحن فيه، تنتعش السرديات السهلة والسلسة، من وزن “حدثت مؤامرة” و”حدثت خيانة”، وخصوصا إذا ما كانت الأرضية مهيأة لتلبيسها على “الآخر” من الطائفة كذا، والقومية كذا.

ما حدث في الموصل لا يتطلب مساهمات من كتّاب الخيال العلمي، ولا يتحمل، ان أردنا الإصلاح واسترداد المبادرة، التأويلات الخاطئة.

في ردها على مقتل البيلاوي، قائدها العسكري العراقي، وهو الرجل الثاني ما بعد أبو بكر البغدادي، سعت داعش الى اسلوبها الاعتيادي في هكذا مواقف، وهو اطلاق “غزوة” لإثبات وجودها. ولكن داعش لم تكن تتوقع النتيجة، المتمثلة بانهيار قطعات الجيش العراقي امامها في الموصل، ومن ثم في مناطق أخرى. والدليل على ذلك هو انها لم تعد العدّة لمسك الأرض، ولا حتى كانت لديها استراتيجية لوجستية لنقل كل ما غنمته. وما حصل فعلا، هو فراغ عسكري وامني احدثه الانهيار، ولم يكن لدى داعش لا عديد المقاتلين، ولا مديد التجهيزات والتنسيق، لملأ الفراغ، مما دعا اطراف مسلحة أخرى، كانت خامدة منذ سنوات، لاستغلال الموقف، والتمدد في الفراغ.

واحتمالية انهيار الجيش كان سر معروف لدى القيادة والنخبة السياسية في البلد، وهذا ما قيل في محضر اجتماع التحالف يوم 7 نيسان الماضي، الذي لم ننشره، خوفا على معنويات الجيش، وخوفا من انتشاء داعش. ما معناه بأن وضع الجيش كان معروفا منذ اكثر من شهرين، والحل الذي طرح آنذاك في الاجتماع، على لسان القائد العام، هو إعادة تشكيل مجاميع “جهادية” عوضا عن الجيش. المحضر فيه تفاصيل كثيرة، ولم يحن أوان نشرها، ولكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن، وخصوصا ونحن نسمع كلاما عن “مؤامرات” و”خيانة”، هو لما لم يتم تطبيق سلسلة من الإصلاحات في الجيش منذ شهرين، أي منذ اتضاح المشكلة، كي يستطيع ان يصمد؟

قام الامريكان بمحاولة تمتين الجيش، من خلال التسليح، والتنسيق العسكري، في معركة الانبار، وبذلك ساهموا في إيقاف تداعي الجيش.

ولكن السياسة التي آثرها دولة رئيس مجلس الوزراء في إعادة انشاء المليشيات لم تأت بثمار في معركة الفلوجة، بل اتضح بأن فاعلية هذه المليشيات، المدربة والمجهزة إيرانيا، والتي تم سحب قسم منها من معركة سورية، لم تستطع ان تواجه لا داعش ولا المجاميع المسلحة الأخرى هناك في الشهرين الماضيين، واكبر انجاز يحسب لها هو إيقاف توغل المجاميع المسلحة في اتجاه اليوسفية واللطيفية.

وفي هذه السابقة دلالة على احتمالية نجاح الاستراتيجية الحالية في مواجهة انهيار الجيش، أي الفتوى، والتعبئة، والجيش “الرديف”. فكيف سيعاود هؤلاء استراد المبادرة حيث فشلت المحاولة السابقة؟

الشجاعة والغيرة والاستبسال صفات حميدة ونريد ان نراها، ولكن الواقع والدرس التاريخي يقول بأنها ذات محدودية في مواجهة الانضباط والتمرس والمناورات العسكرية التكتيكية على ارض الميدان التي اكتسبتها المجاميع المسلحة في الجانب الآخر من أيام الجيش السابق ومن مواجهة الامريكان.

وبالرغم من هذه المعطيات، هناك من يغلّب امر الحسم العسكري على الحل السياسي، بعيدا عن المنطق وعن الواقع، بل هؤلاء يتقصدون، وفي هذا الظرف العصيب، ان يستفزوا العنصر الكردي المتماسك عسكريا وامنيا، والذي قد يكون الحليف الأبرز في مواجهة داعش. أي انهم لا يفكرون بصورة صحيحة، ويعوضون التفكير بالأهازيج والنخوة والرغبة بالانتقام، وبذلك يعرضون الموقف الى المزيد من التخبط والانزلاق.

اتفهم العاطفة التي تريد ان تثبّت العزائم، من باب دعم الجيش بالمطلق، وهناك كادر اعلامي له ان يقوم بذلك. ولكن احدى اسباب هذا الحال الذي وصلنا اليه هو تقاعس الصحافة عن وصف واقع الجيش، وواقع المناطق الملتهبة، وتفسير من هم هؤلاء الذين يقفون في الجانب الآخر، ناهيك عن فهم عدو مثل داعش وما يحركه. وكانت هناك حالات نادرة قامت الصحافة بدورها الراصد، ونجحت في التحليل، ولكنها في المقابل اتهمت بشتى التهم، مثل تهبيط العزيمة، وبأنها “طابور خامس”، في حين ان تسليط الضوء على الخلل هو الخطوة الأولى في سبيل الإصلاح، ومن دون اصلاح، سنعاود على نفس الأخطاء، ونتخبط في نفس السرديات العقيمة.

وهناك نقطة أخرى، فإن الاعلام الرافع للمعنويات عليه ان يكن بحجم المسؤولية والحكمة، لإن التمادي في وصف الإنجازات قد يرتطم بالواقع، ويؤدي الى صدمة ونكسة جديدة كما حصل في الاعلام العربي في حرب حزيران 1967.

هناك شماتة، وهناك مراجعة، وقد يكون التمييز بينهما صعبا في ظروف عاطفية مثل هذه. لكن لا بد لبعض الأصوات التصدي لهذه المسؤولية، وإلا لن نرى تراكم الأخطاء الا من بعد حصول الكوارث الأكبر.

الحل يأتي ليس بالمليشيات، وانما بإعادة تشكيل القطعات العسكرية التي انهارت، واستيعاب نفس الجنود المدربين اصلا، ولكن وضعهم تحت ضباط محترفين يعرفون كيف يديرون هكذا قطعات، وغير متورطين بالفساد، وهناك الكثير منهم. والخطوة الأخرى هي التوصل الى تفاهم مع الامريكان لتوفير غطاء جوي، الذي من دونه لن نستطيع انجاز الكثير. وثم، ضرورة التفريق ما بين داعش والمجاميع المسلحة الأخرى، من خلال الحوار والتفاوض. والخطوة المكملة هو الاعتماد على البيشمركة في التضييق على مجاميع داعش وحصرهم في مناطق نائية من نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، بعيدا عن التجمعات السكانية.

وكل هذا يجب ان يسبقه حلا سياسيا في بغداد، يطمأن الجمهور السني والكردي بأن المركز والقرار فيه ليس بيد من يريد اخضاعهم بالقوة، واذلالهم بالشوفينية، خصوصا بعد ان اتضح بأن ليس للمركز القدرة على التمادي في ذلك الوهم المدمّر.

ومن يقول بالتقسيم كحل، فهو أيضا يتكلم بالعاطفة، مثل من يواجه أي مأزق عائلي بالطلاق بالثلاث. التقسيم فيه تبعات إنسانية واستراتيجية مدمرة والضرر الاكبر سيقع على الشيعة، حتى مع وفرة النفط الجنوبي، وقد كتبنا في هذا الموضوع سابقا، وحاولنا ايضاحه، وهناك ضرورة ملحة حاليا بالتفكير الهادئ والمتزن، فيما قد تعنيه الخيارات التي امامنا، لأن الهستيريا والانفعالية في ظرف القرار المصيري عادة ما تؤدي الى المزيد من الأخطاء.

تعليق