علي حسين: عن “وساخة” الزهاوي و”طائفية” الرصافي (الفايسبوك)

عن ” وساخة ” الزهاوي ” و “طائفية ” الرصافي

علي حسين 

هل استطاعت الكتب ان تغير في طبائع البشر؟ وكم من كتاب قُدر له أن يوقف زحف الجيوش الالمانية على بلدان أوروبا، وهل امتلكت الاف الصفحات التي كتبها نيرودا من ان تمنع دكتاتور تشيلي ان يملا الملاعب بالجثث .. هل تستطيع افكار فوكو ودريدا وبورخس والمعري ان تجعلنا نتسامى على تاريخ من الضغائن .. اكتب هذه المقدمة وانا اقرء تعليق لاحد الاصدقاء يصف الرصافي والزهاوي ” بالعاهرات ” ففي انتقاء لايخلوا من ” الاستهداف ” والانتقاء المقصود بعناية ينشر صديقنا محمد غازي الاخرس على صفحته في الفيسبوك هذه الفقرة ” اليوم طالعت في عدد صادر عام 1977 ملفا رائعا عن الرصافي أعده عادل كامل وكتب فيه مصطفى علي وعلي جواد الطاهر وأحمد حامد الصراف . الملف يتكون من 8 صفحات ويحوي صورا نادرة وحكايات ممتعة . إستوقفتني من بينها ما ثلاثة أبيات طريفة طريفة قرأها الرصافي أثناء الصلح الشهير بينه والزهاوي :
قال صديقي حين مرت بنا
———– من هذه الحسناء ذات النقاب ؟
تمشي الهوينا في تلابيبها
———- مشية إحدى الغانيات القحاب
قلت له والداء قد حزني
——— حكومة جاء بها الانتداب !
ضحكت ، لا من الأبيات هذه ، بل لإنني قرأت مرة عند علي الوردي أن الرصافي كان يكتب في جريدة (العرب) التي أسسها الإنكليز بعد احتلالهم العراق . وكان يمدحهم مدحا مبالغا به لدرجة أنه كتب عن الجنرال مود :
“للجنرال مود ميزتان ترفعانه إلى مصاف أكابر رجال التاريخ وهاتان الميزتان قلّ من يتصف بهما من عظماء التاريخ وأبطاله ويظهر أن البطون البريطانية أكثر من غيرها تتحف العالم من حين لآخر بمثل هؤلاء الأفذاذ الذين تزدان بهم صحائف المجد البريطاني” !
ويختمها الاخرس بعبارة تقول الوثائق مفيدة ، أليس كذلك
هذه العبارة وجد فيها البعض مبررا لان يكيل الشتائم والاتهامات للرصافي وياخذ معه في طريقة الزهاوي المسكين حتى وصل الامر باحد المعلقين ان يكتب : ” مضحك أن يكون للرصافي تمثال في وسط بغداد وليس للجواهري تمثال فيها…وان يكون هناك شارع بأسم عبدالمحسن السعدون وليس هناك شارع بأسم عبدالواحد الحاج سكر ”
فيما اخر برر للجواهري تقلباته ونزواته لانه يمثل اي الجواهري المزاج العراقي .. ويختمها ناقد عراقي بوصف الزهاوي بانه ” وسخ دنيا ” .. طبعا لا اطالب اصحاب التعليقات الساخرة بمراجعة ديوان الرصافي ليجدوا ان الرجل كتب في ذم الانكليز ما لم يقله مالك في الخمر .. ولكني أسال كم واحد منا يعرف قيمة الرصافي المفكر .. كم واحد منا يعرف جيدا هذا الشاعر الذي اكتوى بنار أسئلة حارقة تؤرق ذهنه لانه كان مدركا انه يواجه واقعا مضطربا انحاز فيه منذ البداية للمسحوقين والمعدمين وذهب به هذا الانحياز إلى ان يجاهر علنا في مجلس النواب عام 1937 حين قدم عدد من النواب مشروعا لقانون الاصلاح الزراعي اعتبره آخرون قريبا من مبادئ وسياسات الدول الشيوعية: “إني شيوعي لكن شيوعيتي إسلامية لأنها وردت في القرآن في قوله تعالى (و في أموالكم حق للسائل و المحروم) كما قال الرسول (تؤخذ من أغنيائكم فترد على فقرائكم)، أليست هذه الشيوعية و من يستطيع أن يقاوم هذا المبدأ إلا عن جهل “.ويذهب بعيدا في افكاره حين ينادي العراقيين قائلا:للانكليز مطامعا ببلادكم لا تنتهي الا بان تتبلشفوا في العام 1940 يلتقي الرصافي بعبد الفتاح ابراهيم الذي كان قد قرأ راس المال بنسخته الانكليزية عام 1929 اثناء دراسته في واشنطن، ويسال عبد الفتاح ابراهيم الرصافي ما الذي استهواه بالاشتراكية؟ فيكون جوابه: \”انها وعد بمجتمع، لا سيد فيه ولا مسود،، يأخذ كل من فيه حقه بغير زيادة، ويعطي فيه كل حقوق الآخرين بغير بخس، وينتهي فيه طمع الطامع، كما ينتهي فيه حب الرئاسة ونزاع المتنازعين على مراكز التصريف والتدبير، فلا يحق لأحد أن يعتبر نفسه أنه أحق بهذه المراكز من أخيه “.. تشكلت آراء الرصافي في خضم هذا مناخ فكري تتصارع فية الرؤى والافكار فجاءت جريئة متمردة، لأجل ذلك تألبت عليه الرجعية بشكل خاص فتم التشهير به ونسج الحكايات المخزية عنه لتصبح حكايته الاكثر مأساوية في تاريخ الفكر العراقي، فقد انشغل المؤرخون بالحديث عن الصغائر متناسين ان للرجل أفضالاً كبيرة، فراحوا يكتبون القصص الخيالية عن شيخ في الاعظمية يبيع السجائر واهملوا رجلا اشعل حرائق في الفكر العربي والاسلامي، لتصبح حكاياتهم في النهاية اشبه بالحديث عن شكسبير الذي كان يتشاجر مع زوجته، وبتهوفن الذي استدان من احد الاصدقاء ولم يسدد ديونه، وعن ابو العتاهية وبخله وابن الرومي وتشاؤمه، لو ولد الرصافي خارج العراق لكان شيئا شبيهاً بجان جاك روسو. هذا هو الشاعر الذي يتجرا البعض اليوم ليوصمه بالطائفية والعهر .. اما عن وساخة الزهاوي فاحيل اصحاب التعليق الظريف الى العديد من الكتب التي دونت تاريخ العراق المعاصر حيث سيجدون فصولا عن المعركة الادبية والفكرية التي اندلعت في السنوات الاولى من القرن الماضي بين الزهاوي وعدد من رجال الدين وكيف ان شرارة المعركة كما يخبرنا الباحث رشيد الخيون بدات حين كتب الزهاوي مقالا تحت عنوان ” المراة والدفاع عنها ” نشرته مجلة المؤيد عام 1910 وحين وصلت المقالة الى بغداد قام نعمان الاعظمي صاحب مجلة ” تنوير الافكار ” بنشرها ويقول علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق، ان بعض رجال الدين وعلى راسهم السيد نور الدين الواعظ طالبوا الوالي ناظم باشا بمعاقبة الزهاوي ” الفاسق ” ولم يقولوا ” وسخ ، فيما دعا ائمة الجوامع الناس للخروج للتنديد بدعوة الزهاوي فاضطر الوالي الى عزله من وظيفته، ليعتكف الشاعر في بيته خائفا على حياته من الاعتداء، وذات ليلة. طرق باب داره ثلاثة من أشقياء بغداد وطلبوا منه السماح لزوجته بأن تجالسهم بالمقهى، وعندما احتج على الطلب، قالوا له: كيف تطلب من النساء أن يرفعن الحجاب ويختلطن بالرجال؟ وانتهى الأمر بالتهديد بالقتل إن عاد ثانية إلى ” مثل تلك الأقوال الفاسدة” وتحت التهديد استنجد الزهاوي في بيان نشره في جريدة ” الرقيب” بالوالي ناظم باشا طالبا منه التدخل لحمايته وبالحفاظ على الدستور العثماني وجاء في المقال \” إلى ناظم الحكومة في بغداد، اسمع أن أحد المشايخ المتلبسين بالتقوى في بغداد، البلد الذي يسيطر عليه الدستور وعدلك الوافي، أخذ يدير رحى فتنة جسيمة، فيعرض الجاهلون على الإيقاع بيَّ باسم الدين البريء من الظلم، جزاء مقالة اجتماعية نشرت بإمضائي في المؤيد الأسبوعي، كما في تنوير الأفكار دفاعاً عن المرأة، وهي عدا كونها شبهات ضعيفة استفهامية تزول من نفسها لم يتعين بعد كاتبها أنا أم هي مزورة على لساني من عدو لي في العراق”.استمر الزهاوي في دفاعه عن المراة فنشر بعد ان هدات العاصفة قصيدته الشهيرة
\” اسفري يابنت فهر ” :اســــــــــفري فالحجاب يا بنت فهـــــر
هــو داء في الاجتماع وخـــــــــيم
كل شـــــــيء إلى التجــــــــدد مـــــــاض
فلمـــــــاذا يقــــــر هــــذا القــــديم؟!
ويواصل تحديه للافكار السائدة:
مزقي يا ابنــــة العـــراق الحجابـــــــا
اســـفري فالحياة تبغي انقلابـا
عبر الزهاوي عن اعترافه الكامل بدور المرأة المهم والكبير في الحياة الأسرية والمجتمع وبناء الوطن وأشار إلى مساوئ المفاهيم السائدة التي تحط من قدرها وتظهرها متاعاً يمتلكه الرجل ويفعل به ما يشاء ويحق له التخلي عنه أو استبداله متى رغب في ذلك، تحدث الزهاوي مبيناً أن في الأمر امتهاناً فظيعاً لها وتكريساً لثقافة الخوف والضعف والخيانة وانعدام الثقة بين بني البشر ومحدداً سلبيات الحجاب على جميع الصعد وإيجابيات السفور التربوية والاجتماعية وانعكاسه على قدرة المرأة على التفاعل مع الرجل في تطوير المجتمع وبناء الاوطان. هذا ما قاله الزهاوي قبل مئة عام،اليوم يحاول البعض ممن لم يقرا تاريخ العراق جيداً، ولم يعرف الزهاوي جيدا ان يوصموا الرجل بصفات لم تخطر على باله يوما بتعليقات اقل ما يقال عنها انها مضحكة، فياليتهم يقراون ما كتبه سلامة موسى يوما من ان ” ثلاثة فقط في العصر الحديث كانوا من اوائل المبشرين بالافكار الحديثة في البلدان العربية اولهم اللبناني شبلي شميل والثاني العراقي جميل صدقي الزهاوي والثالث المصري اسماعيل مظهر .. في النهاية عندي سؤال لماذا لايذكر البعض ان محمد رضا الشبيبي عمل في صحيفة العرب التي ” يعيرون” الرصافي بها .

 

تنويه: الاستاذ علي حسين لديه “العمود الثامن” في جريدة المدى، ولكنه قام بنشر هذا الرد في حسابه الخاص على الفايسبوك يوم 22 آذار 2013

تعليق