في استحضار الذاكرة المدنية

نبراس الكاظمي

“زمن جميل وعدا”

قبل سنوات عديدة، عندما كان حسني مبارك لا يزال رئيسا، وفي خضم جولة من الانتخابات الشكلية التي كانت تجري وقتها، قمت بزيارة مصر باحثاَ ومنقباَ عن قبر الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي، ابن عم جدي، الذي انتهى به المطاف بعيدا عن مسقط رأسه بغداد، ليدفن في اطراف القاهرة.

لدي ولع بالمدافن، وهذا امر قد يراه الكثيرون بأنه غريب وسوداوي. فأنا استهل اي زيارة اقوم بها لإحدى مدن العالم بالبقع التي تحتضن عظام ابنائها وبناتها. المقابر تختصر التاريخ، فولعي الحقيقي هو بالتاريخ، وشاهد القبر، وموقع القبر، يختصران لدي الكثير من حيث التواريخ (الولادة والممات) وصلات القربى والهوية المذهبية والمرتبة الاجتماعية، وما إليه. بل حتى درجة الاعتناء بهذا القبر او ذاك تخبرني الكثير عن ساكنه، وعن من يسكن حاليا في هذه المدن. وقد يقاس رُقي المدن بدار اوبرا، او متحف، او تناسق تنظيمها ورِفعة نُصبها ونضارة حدائقها، ولكن بالنسبة لي فإن تعاملها مع اسى الفراق والذكرى، ومخافة الموت، وغاية التخليد، لدليل آخر على رقيها. فعلى مدى التاريخ، كانت المدافن متاحف مفتوحة للتعبير الفني عن هذه المشاعر العميقة، من التاج محال، الى البير لا شيز بباريس، الى قبتي الكاظمية، والى الاهرام ايضا (1).

وقد وفّر لي احد الاصدقاء الدبلوماسيين العراقيين هناك واحدة من سيارات السفارة، وسائقها، ليعينني في بحثي عن قبر الشاعر.

السائق، والذي اصبح صديقا هو الآخر، اسمه طارق، وهومن مدينة اسيوط اسوان التي تقع جنوبي مصر، ومن اصل نوبي، ويعشق اغاني محمد منير، وكان من ساكني العشوائيات المترامية حول العاصمة المصرية. ويبدو بأن الابتعاد عن روتين السفارة الممل ومشاركتي في هذا البحث قد استهواه، فوجدته متحمساً ومتشوقا في مسعاي. لم يكن لدي الكثير من المعلومات عن موقع القبر لتتبعها، سوى ان الكاظمي دفن في بادئ الامر في احدى مقابر الفقراء بمصر الجديدة عام 1935، وثم نقل جثمانه الى قبر افخم، على نفقة الخارجة العراقية، عام 1947، وبأن ضريحه موجود في مكان ما في مقبرة الامام الشافعي الشاسعة، التي تسمى عامياً بالقرافة  (او الئرافة، في اللهجة المصرية)، والتي تحوي الملايين من الاموات والاحياء.

بدأنا مشوارنا مع معشر الدفانين العاملين هناك، ولكنهم لم يستطيعوا تعيين مكان القبر لا بذاكرتهم ولا بسجلاتهم، ولكنهم اعطونا استدلالات مكانية حيث يمكن ان نجد القبر حسب المؤشرات القليلة المتوفرة لدي. وعند متابعة هذه الاستدلالات، والتي اخذتنا الى بقع متعددة على طول القرافة، اتيح لي ان ارى مدافن العديد من باشوات مصر وعوائلهم، مما اعاد في ذهني ومخيلتي قصص عنهم وعن سيّرهم، والتي شاركتها مع طارق ونحن في مشوارنا. فعرجت على فلان، وعلى استقالة علّان من الحكومة، وعلى مذكرات احدهم، وعلى اللغات التي كان يتقنها آخر، وهكذا، لأسرد لطارق بعض الجوانب المضيئة من ذاك العصر الذهبي الذي رصّعه هؤلاء الرجال برفعتهم واعمالهم، والكثير منهم كان قد خرج من بيئة فقيرة وريفية كما حاله. وكان طارق يستمع لي وانا استرسل، ويوحي لي بإيماءاته بأنه يستمع ويستوعب، ويبتسم ويهز رأسه موافقا، الى حين وقوع لحظة من الصمت يبدو انه وجدها مناسبة ليقول، مختصرا في قوله الكثير، “ده زمن گميل وعدا”.

صعقتني هذه العبارة. وفي تلك اللحظة استفقت من سكرة الماضي “الجميل” لأرى واقع مصر امامي. وتولّد لدي سؤال جديد وملّح: “ما الذي حصل هنا؟” فمصر كان سبّاقة، منذ ان فتحها نابليون في آخر القرن الثامن عشر، في الانفتاح على الغرب ومحاولة اللحاق به. ولم تكن نتائجها قشرية، اي انها محصورة في طبقة صغيرة ومنغلقة على نفسها، بل استطاعت ان تستقطب اموال هائلة من الاستثمارات، وهجرة اتت بأقليات من كافة بقاع البحر المتوسط، من لبنان وايطاليا واليونان، وحتى من اماكن مثل اسكوتلندا، وشاعر عراقي، ليشتركوا جميعا في هذه التجربة. وقد سعى الفرنسيين، ومن ثم اسرة محمد علي باشا، ومن ثم الانكليز، على استيعاب دماء جديدة من ارياف مصر، من مصر “الغلابة”، وادخلوهم مدارس ولقنوهم لغات وعلوم الرياضيات والهندسة، وارسلوهم ببعثات دراسية الى الغرب، وتوالدت اجيال على هذا المنوال. فهذه التجربة استمرت لأكثر من قرن ونيف، وتركت عمرانا بهيا، واصلاحا اقتصاديا، وحفرت قناة السويس، وصنعت ثوارا ضد الوصاية الاجنبية مثل احمد عرابي وسعد زغلول، وافرزت اعتدالا دينيا مثل الشيخ محمد عبده، ونشرت كتابات جريئة كتلك للشيخ علي عبد الرازق عن الخلافة، ولمصطفى امين عن تحرر المرأة. فكيف انتهى الحال بكون كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي” من الكتب الممنوعة حسبما افادني به احد باعة الكتب في حدائق الازبكية عند بحثي عنه؟ هل يعقل بأن كتابا نشر عام 1926 في القاهرة بات محظورا في سنة 2006 في نفس المدينة التي شهد بها النور، وباتت نسخه قليلة، وتلك الموجودة منها والمعاد طبعها في تونس يتم تداولها وبيعها خلسةً؟

لم اجد قبر الكاظمي في نهاية المطاف، ولكن هذه التساؤلات الجديدة دفعتني للبحث مطولا عن تلك الفترة وما تبقى منها في مصر اليوم. وقد تعددت زيارتي من ذاك الحين الى هناك، لأستوعب المزيد وارى الكثير. ولكني لست هنا بمعرض البحث عن اسباب انهيار المدنية في مصر، وانزوائها في زوايا متوارية عن الانظار ليقضي فيها بقايا ذاك “الزمن الگميل” وذراريهم اوقاتهم بالشجن واجترار الماضي، ولعل رواية وفلم “عمارة يعقوبيان” كانا خير اختصار لهذه التساؤلات.

و منذ ذاك الحين وانا اتعمق في ارث العراق المدني ايضا، لأطرح على نفسي نفس السؤال وانا اعاين حاضره، “ما الذي حصل هنا؟”

صور من الكاظمية

وجدت هذه الصورة بين صور والدي الراحل، وقد وضع شرحا لها على خلفيتها، قائلاً: “صورة تذكارية تجمع بين الممثلين والممثلات والملقن والمذيع قرب المسرح. ان اشتراك الفتيات معنا في هذه الرواية كان للمرة الثانية في اعمال اللجنة الفنية لفرع جمعية بيوت الامة في الكاظمية، وكانت المرة الاولى في اشتراكهن في رواية تحت الرماد في نفس الموسم. مثلت هذه الرواية (القبلة القاتلة) ايام 17 و18-9-1947. الممثلات هن: امينة محمد وسميرة محمد. ديبيان (حسن عبد الباقي) لافيري (هادي مهدي) فالوا (رشيد الدبيسي) جاك (راضي السعيد) الدكتور مونروا (جعفر عمران) ريمون (علي جليل) الملقن (حكمت عبد الرؤوف) المذيع (جواد امين).” (2)

وهذه الصورة كذلك، وقد كتب على ظهرها: “جوقة اللجنة الفنية لفرع جمعية بيوت الامة في الكاظمية وهي تتألف من: السيد رضا علي: ملحن ومطرب اللجنة الفنية والعازف على العود، السيد محمد عباس: عازف العود، السيد فيصل موسى: عازف كمان، السيد سليم رستم: عازف كمان، السيد خليل الورد: الضارب على الطبل، السيد هاشم الورد: عازف الصنج. 23-9-1947”

عجيب امر هاتين الصورتين! تخيلوا، مسرحية كهذه، وبمشاركة النساء، في بيئة الكاظمية قبل 65 سنة! هذه الكاظمية التي كانت مغلقة على نفسها لقرون عديدة! ومن المفارقات ان اغلب المشتركين الظاهرين فيها كانوا من عوائل تقليدية ومحافظة، وبعضها دينية اخرجت العديد من رجال الدين الشيعة. ومن المفارقات ايضا بأن هؤلاء جلّهم من المتطوعين من دون مقابل، وهم من الهواة، فمنهم من انتهى به المطاف استاذا جامعيا، وآخرا مديرا عاما في امانة العاصمة، ومنهم من اصبح ناقدا وشاعرا، وآخر تاجراً. وكانت الغاية من هذه العروض المسرحية او الموسيقية هي تمويل نشاطات الجمعية الخيرية عن طريق مبيعات التذاكر. كما ان فعاليات كهذه ازهرت طاقات فنية اغنت العراق كله، فالشخص المشار إليه كـ “جعفر عمران” هو الفنان الراحل المسرحي الكبير جعفر السعدي، الذي بدأ مشواره من خلال اللجنة الفنية لجمعية بيوت الامة فرع الكاظمية، وربطته صداقة مدى العمر مع والدي. وملحن ومطرب فرع الجمعية في الكاظمية كان الفنان الراحل رضا علي، الذي يعتبر من رواد الاغنية العراقية، ولكن كونه كردي فيلي، فقد عانا ما عاناه جراء التمييز الطائفي والعنصري في الحقبة البعثية التي ابعدته عن جمهوره وعن النجومية التي كان يستحقها، واذكر بأن والدي كان دوما يدندن احدى اغانيه الشهيرة “يابه يابه شلون عيون…اهل البلد ما يدرون”. (3)

ما هذه الجمعية؟ وما المغزى من اسمها؟ وما كانت غايتها، ومن يقف وراءها؟ كل هذه الاسئلة تزاحمت في رأسي وانا اعاين هتان الصورتان.

وبعد بحث وجيز، توصلت الى هذه الاوليات عنها: تأسست جمعية بيوت الامة سنة 1935. وينص نظامها الاساسي (4)، المعدل سنة 1940، في مادته الثالثة على ان “لا علاقة لهذه الجمعية بالسياسة والدين”، في حين المادة الرابعة تنص على ان:

“غاية الجمعية تهذيب ابناء الشعب تهذيباً اجتماعياً وصحياً واخلاقياً في بيوت الامة التي تقيمها الجمعية خصيصا لهذه الغاية وذلك بالوسائل العلمية الحديثة.”

يتضح إلينا بأنها كانت جمعية ليبرالية مدنية منتشرة في اغلب المدن العراقية، وكانت تُعنى بالرقي الاجتماعي والتنوير، وبالاعمال الخيرية. وكانت هيئتها التأسيسية تتألف من حنا الخياط، وفاضل الجمالي، وجميل دلالي، ويحيى قاسم، ورؤوف الكبيسي، واحمد كمال، وعلي الشرقي. ولأن الاجيال الحالية قد لا تستدل على اهمية هذه الاسماء لأنها محيت من ذاكرتها، ولأن واقعها اليوم يبحث عن اجندة طائفية او عنصرية او سياسية مخفية في اي عمل خيري، فلا بد للتوضيح بأن السيد مولود مخلص، ذاك السني من تكريت، والضابط السابق واحد رجالات الدولة العراقية، قد اشترك في تأسيس هذه الجمعية مع الطبيب المسيحي الارمني حنا خياط، ابن الموصل، واول وزير صحة عراقي. وذلك بمعيّة المربي الكبير فاضل الجمالي، الشيعي الكظماوي، الذي سيشغل منصب رئيس الوزراء لاحقا. اما يحيى قاسم، فكان صحفي، وهو مالك جريدة الشعب الصادرة في تلك الحقبة. ورؤوف الكبيسي من كبار الاداريين الذي خدموا السلك الحكومي، في حين عرفنا علي الشرقي شاعرا، وكان كذلك عضوا في مجلس الاعيان واستوزر عدة مرات في الحقبة الملكية، ولنا عودة عليه لاحقا.

وتأسست فروع للجمعية في اماكن متعددة، منها الكاظمية، حيث كان يرأسها التاجر هاشم البياع، والنجف، حيث تألفت اللجنة التأسيسية من السادة: حسن السيد هادي زوين وعبد الوهاب كمونة ومحمد رؤوف عباس الجواهري وجواد حسام وجواد كاظم وجعفر همدر وعبد المجيد جاسم وكاظم موسى الرفيعي (5). وفي البصرة، حيث تكونت هيئتها الادارية (سنة 1941) من السادة: عبد القادر السياب وعبد القادر السواد وعبد الرحمن المنصور ويوسف السيد حسن وعبد السلام الحاج ناصر وبدر الطه العبد الجليل وغيرهم (6).

وفي سنة 1938، تأسس الفرع النسوي لجمعية بيوت الامة بهدف انشاء مدارس مسائية في الكاظمية والكرخ لتدريس الفتيات وتعليمهن مبادئ القراءة والكتابة، وفي عام 1947 افتتحت ميتما للبنات الفقيرات المشردات، وفي السنة اللاحقة وجهت نشاطها نحو العناية باللاجئين الفلسطينيين القادمين الى العراق. وساهمت، مع بقية افرع الجمعية، في انشاء عدد من الدور السكنية الصغيرة للأسر الفقيرة في منطقة بالقرب من شارع الشيخ عمر، وباتت هذه المحلة تعرف بـ “محلة بيوت الامة” في خرائط امانة بغداد آنذاك. وكانت الهيئة الادارية للفرع النسوي في عام 1951 تتألف من: عليّة يحيى قاسم، وظفيرة جعفر، وانعام الدليمي (شقيقة الوزيرة نزيهة الدليمي التي استوزرت في العهد الجمهوري لاحقا)، وبدرية علي (مديرة مدرسة)، وزكية العبايجي وجورجيت موتكة وبليغة رسول.

قد لا تعني هذه الاسماء الكثير لمن يقرأها اليوم، فالكثير منهم قد وافته المنية، وقد اضمحلت معالم هذه الجمعية وسيرتها واندرست انجازاتها وعمرانها. فأنا لم اجد اي دراسة موسّعة، او مقالة جادة، عن هذه الجمعية في اي مكان الا هذه “النتوفات” التي شاركتكم اياها اعلاه. ولولا الصورتان تلك من ارشيف والدي لما كنت قد سمعت بها ابدا.

ولكن لهذه الاسماء دلالة، لمن يتتبع ما توفر من سيرتها، على تنوع القائمين على هذا الجهد دينيا ومذهبيا وطبقيا ومهنيا. والاهم من ذلك كله انهم جاؤوا سوية، من منابت واصول متعددة، للنهوض بمجتمعهم ولتعميم الرفعة عن الجهل والستر من الفقر، بما تيسر. فما الذي دفعهم الى ذلك؟ ولماذا تناسينا كعراقيين جهود جميلة ومدنية كهذه؟

الكاظمية اليوم

خرج والدي من احدى البيوت  في محلة التّل، الظاهرة في الجانب الايسر والسفلي من هذه الصورة. الكاظمية، كما اسلفت، كانت منغلقة على نفسها لعقود وقرون، ولكن جمعية بيوت الامة جمعته مع ثلة من الشباب والشابات من محلات اخرى في المدينة، واطلعتهم على الموسيقى وعلى مسرحيات الفها رجل امريكي، ووجهت طاقاتهم تجاه تنظيم السهرات الفنية والتي كان يعود ريعها على فقراء القوم. اي انها غرست مبادئ المدنية في نفوسهم، ومنها ان الفنون غذاء الروح، ولا توجد رفعة حقيقية اذا لم يسعى القوم بالنهوض بكل من حولهم. لم تعزلهم في قوقعة أرستقراطية، لم تقل لهم بأن الفنون محصورة على فئة دون اخرى، لم تجندهم للحفاظ على مكاسبهم الطبقية، ولم تقل لهم انه لا يوجد شيء مجدي في العالم الاوسع إلا ما توارثتموه من الاجداد.

ومن هذه المحلة ايضا، خرج اجداد وآباء السيد حازم الاعرجي، ممثل التيار الصدري في الكاظمية، ولكن، وبالرغم من طول اقامته في كندا “المدنية” جدا، جاءنا الاعرجي مؤخرا بحملة الـ “لاءات” الاربعة، التي اطلقها عقب الحملة الداعية الى منع النساء اللواتي لا يرتدن العباية من دخول ارجاء مدينة الكاظمية. وقد دخل المرجع آية الله العظمى اسحق الفياض على الخط، ونشر بيانا يدعو فيه الى “وجوب تطبيق المؤمنين لحملة اللاءات الأربعة في مدينة الكاظمية”، مضيفاً “أن هذه الحملة تدخل في تطبيق الشريعة المقدسة”.(7)

تطبيق الشريعة؟ منذ متى ونحن في مسعى تطبيق الشريعة؟

بحجم احترامي لهذا المرجع، ولكن في واقع الامر كان الفياض شابا مراهقا عمره 18 عندما شارك والدي، الذي يكبره بسنتان، في الفعالية المسرحية اعلاه. بل لم يكن الفياض في العراق اصلا، وانما في محافظة غزني بأفغانستان، مسقط رأسه. فلا عتب عليه ان كان يجهل الانفتاح التي شهدته الكاظمية حينها. ولكن ليس باستطاعتي ان ارفع العتب عن السيد الاعرجي بنفس الحجة، لأنه ابن الكاظمية، بل اجداده كان يسكنون في رأس نفس الدربونة المؤدية الى بيت جدي. فهل يعتقد الاعرجي بأن الاشخاص الظاهرين في الصور اعلاه “فاجرين” او “فاسقين”؟ هل سيقول بأنهم دنسوا قدسية مدينتهم لأنهم شاركوا على مسرح مع سيدتين “سافرتين”؟ هل خانوا الامانة عندما دندنوا برفقة المغني رضا علي؟

من اين جاؤونا بهذا التطرف من بعد ان استطاعت الكاظمية ان تكسر قيود العزلة قبل 65 سنة؟

لا بد بأن في وقتها كان هنالك من يمتعض من عرض هذه المسرحية سنة 1947 وبنفس عقلية الاعرجي اليوم، ولكن لم تكن لديه الجرأة على التطرف علنا لهذه الدرجة واطلاق سيل من الاتهامات بالفسوق ضد القائمين عليها، لأن المشاركين هم من عوائل ذات جذور قديمة في المدينة، وتجمعهم اواصر القربى والجيرة والعمل مع عدد كبير من العوائل الاخرى، فإذا اراد احدهم ان يفتعل ازمة، كان سيواجه بتوبيخ من “حكماء” المدينة، وان كانت اجواؤها العامة تقليدية او حتى رجعية، لأن هؤلاء الوجهاء مكلفين بالمحافظة على السلم الاهلي. اذن، الاواصر المدنية تعمل على تهذيب التطرف ايضا، وتحجيمه، وهذا غير موجود اليوم لأن الكاظمية التي شهدت تمزقا حادا في وشائجها التقليدية والاسرية، فحالها من حال الكثير من المدن التي تعرضت الى تغيرات اجتماعية وديموغرافية واقتصادية مهولة، ناهيك عن دورات الزمن التي مرت عليها والتي جاءتها بإنقلابات وتسفيرات وحروب وحصار وقمع واحتقان.

ما الفائدة من استرجاع ذكريات الماضي “الجميل” اذا كان الحاضر قاتما؟

قد يقول البعض بأن هذه الظاهرة المدنية التي ازهرت في الثلاثينات والاربعينات كانت قشرية، نخبوية، ولم تمتد جذورها الى اعماق ووجدان المجتمع العراقي، في حين ان الدين متجذر في بيئتنا، ولهذا استطاع الصمود، ومعاودة الانتشار من بعد الظروف القاسية التي مرت على البلد. ولكن الدين الذي ظهر علينا اليوم هو امتداد لعواصف التشدد التي تعاقبت على العراق، من القومية الشوفينية التي حاصرت وهجرت الاقليات والهويات الفرعية، الى مطحنة البعث المسخ التي اتت بلوثته على كل حصادنا المدني. ودعونا لا ننسى بأن البعث وظّف الدين لغاياته التسلطية ابان ما كان يعرف بـ”الحملة الايمانية” في التسعينات، وخّط شعار “الله اكبر” على علمنا. فالدين في العراق اليوم، في شقيه الشيعي او السني، لا يعكس الارث المتسامح الذي كان ضاربا فيه، من التصوف قديما الى الحوزة النجفية في مطلع القرن الماضي والتي انجبت محمد رضا الشبيبي ومحمد جواد الجواهري، فحتى الدين لم يكن بمعزل عن الانفتاح الذي ساد في تلك الحقبة المتسامحة. بالطبع، بقيت هناك جزر من التطرف هنا وهناك، ولكنها لم تستطع ان تمنع او تكبت الاندفاع نحو الجديد، في حين اليوم نرى بأن هذا التطرف الديني يتمدد كي يفرض ارادته على كل ما يراه مغايرا.

نحن هنا لا نجتر الماضي كي نمارس الـ”نوستالجيا”، اي الحنين الى الماضي. فغايتنا ليست التباكي على الاطلال، ونعي “زمن جميل وعدا”، واعلان استسلامنا امام التطرف. استرجاع الذاكرة المدنية يتيح لنا تقديم امثلة على ما هو ممكن في مجتمعنا لو سمحت بذلك الظروف وتظافرت الجهود. فالمسافة بين كشيدة جدي وبين هتان الآنستان اللتان شاركتا في المسرحية قصيرة جدا، بل تقاس بجيل واحد.

عندما ابتدأ المشوار نحو بلد ومجتمع جديد عام 1921، سنة تأسيس الدولة العراقية واطلاق هوية لها، كان العراق عبارة عن تراكم لمفاهيم متناقضة وحالات ثابتة لم تتغير منذ ازل بعيد، ففي الارض التي ظهرت فيها اولى مدن العالم كانت الحالة المدنية قد امست في اضعف حالاتها، من بعد سطوة الحروب والآفات والانفلات. فكان اغلب سكان العراق يسكنون قصبات ريفية منعزلة، او تتسم حياتهم بمراحل متفاوتة من البداوة. بل ان الكثير من سكانه كان حديثي القدوم الى العراق في هجرات لم يمضي عليها إلا قرن او قرنين. وحتى مدنه، كبغداد، كانت اشبه بتجمع لقرى متجاورة منغلقة هي الاخرى على نفسها، ان كانت “قصبتي” الكاظمية او الاعظمية، او حارات اليهود والنصارى، او المحلات التي نشأت جراء هجرات حصلت في القرن التاسع عشر وباتت تعرف بهوية المهاجرين إليها مثل الططران، الهيتاويين، المهدية، التكارتة، السوامرة، الدوريين، الكريمات، . . إلخ.

ولكن، في مطلع القرن العشرين، حدث امر جديد، فالظرف السياسي والعالمي اخرج العراق من عزلته، ووضعه امام امر جديد وصارخ في حداثته، وهو قدوم الانكليز والعهد الفيصلي وانشاء بلد حديث على انقاض وركام تاريخه وتناقضاته. وفي فترة وجيزة، جرت متغيرات لربما كانت تبدو وكأن العالم قد انقلب على عقباه في اعين جدّي.

لم تصل إليّ آراء جدي وخواطره، هو المتوفي سنة 1951، ولا ادري ما كان يجول في خاطره وهو يرى ابنه يشارك في عرض مسرحيات غربية، وبأزياء غريبة. هل توصل الى قناعة بأن العالم قد تغير، وبأن عليه مراعاة هذا الواقع وعدم الوقوف امامه؟ لا ادري، ولكن ما استطيع استنتاجه هو انه شهد تحولات جوهرية ومهولة، بالنسبة لما توارثه عن آباءه، في جيل ابناءه وبناته، وحسبما سمعته من والدي وعماتي، فقد استسلم لهذا التحول، بل يبدو بأنه في نهاية المطاف تقبله.

اتصور بأن هذه المتغيرات قد مرت على الكثير من العوائل والاسر في العراق، والكل لديه قصة في ذلك. فحتى الطبقات المدقعة مرت عليها تغيرات شديدة عصفت بكل قناعات الاجداد، فوجدوا انفسهم امام الحداثة وصخبها واستفزازاتها، خصوصا اؤلئك الذين هاجروا، لظروف متعددة، من الريف الى الحواضر المدنية التي باتت تتسع بتسابق مع زمن يمر سريعا وهائجا.

ماذا كان يجول في ذهنهم؟ هل تستطيع يا ايها القارئ ان ترى مطلع القرن الماضي من وجهة نظر اجدادك الذين واكبوه؟

نسترجع الماضي كي نطرح هذه الاسئلة على انفسنا، ولربما نستعيض ببعض اجاباتها ونحن نواجه متغيرات هائلة في مطلع القرن الواحد والعشرون. فما يعني الفايسبوك للمجتمع العراقي؟ ما هي آثار الستلايت والمسلسلات التركية على التركيبة الاسرية واعرافها؟ كيف سنمارس الديمقراطية ونحن محّملين بأعباء الهويات المتوارثة والتي علينا التنازل عن قسم منها كي نُنجح التجربة؟

بين الفينة والاخرى اقوم بتصفّح الدليل الرسمي الصادر باللغتين العربية والانكليزية سنة 1936 لأنني ارى فيه عالما لا يشبه عراق اليوم إلا باسمه وجغرافيته وبعض المؤشرات الشحيحة. ففي هذا الدليل نرى بلداً متحضرا، منفتحا، متجها بثقة نحو المستقبل ونحو العالم. بالطبع، لم يكن هذا الحال معكوسا على كافة ارجاء وطبقات البلد، ولكن الفقر والعوز كان موجودا، بل متفشيا، في الكثير من ارجاء العالم، ولكن بالرغم من ذلك استطاعت نُخبها ان تحافظ على منجزاتها، حتى من بعد حروب طاحنة وسعير اديولوجيات متطرفة. فاعود واسئل نفسي هذا السؤال وانا اقلب هذا الدليل بين يديّ: أين ضللنا الطريق نحن وبلدان اخرى كمصر؟

اسئلة معقدة، وستذكرنا بآلام مريرة، وقد لا نحصد منها الا التنهدات. فدعونا نجتر، في هذه المقالة، ما يعود بفائدة وارشاد علينا في حاضرنا. نعم، علينا ان نستدل كيف انحرفنا الى الهاوية كي لا نقع فيها مرة اخرى، ولكن قبل الامعان في ذلك، علينا ان ندب الحياة مجددا في مدنيّتنا. المدنية هي بداية العافية. دعونا نعود الى ما كان جميلا، وممكنا، في الماضي كي نمضي قدما.

ودعونا نلقن، ونطعّم، اجيال القرن الواحد والعشرون العراقي بأن تاريخنا في القرن الماضي لا يمكن اختزاله بانقلابات وسحل ومشانق وكيمياوي وبوابة شرقية وزرقاوي و”دريل” ابو درع. دعونا نذكرهم بأن تاريخنا يحوي ايضا جمعية بيوت الامة، ودليل عام 1936.

لأن اكبر تحدي يواجهنا اليوم هو التطرف الذي يجتر هو ايضا ما يناسبه من الماضي كي يباعدنا. ويتهيأ لي بأن الظاهرة المدنية افضل مضاد حيوي يكاسر هذه الحمى.

لِم المدنية تحديدا؟

لأن المدنية مبنية على فكرة بسيطة وعميقة، وهي ان المسافة التي تضعك بمقربة من نقيضك تحتم عليك تقبله، وإلا ستبقى محكوماً بزمن لا ينتهي من المواجع. لك ان تضع مسافة بينك وبين ما يستفزك في الارياف والبادية، وان تنظم هذه المسافة عن طريق اعراف عشائرية تحفظ لك تفردك ضمن الهوية المتوارثة. ولكن المدينة، في ابسط تجلياتها، تجمع عدد كبير ومتنوع من البشر، وتحتسب لهم امكنة عامة وخاصة، وتنظمها بقانون يخطط الحد الفاصل بين جدار المنزل والشارع، بين المستوصف وغرفة النوم، بين المسجد وبين الحانة. لك ان تمارس ما توده، ضمن المعقول، في اطارك الخاص والمساحة التي تخصك، ولكن عليك القناعة بأن المساحات خارج هذه الاطر هي لك ولغيرك، وعليك الوصول الى حل وسطي “يچفيك” و”يچفيه” ما لا يستطيع الطرفان تحمله.

اذن، المدنية تجبرك على التكيّف والتعايش، مع جار مزعج، مع ضوضاء السوق، مع اجراس الكنيسة، وصوت المؤذن ايضا. ملكية الشارع متكافئة بين من يقود المرسيدس، ومن يقود السايبا، ومن يمضي على قدميه، او على كرسيه المتحرك. وستقع عيناك على امرأة بعبايتها، وعلى شعر متطاير، وعلى بدلة انيقة، وعلى دشداشة بهيّة.

وإن لم تستطع تحمل ذلك، فلك ان تخرج من هذه المساحات المشتركة وتذهب الى حيث ما تريد، ولكن بالتأكيد ليس لك ان تهّجر ذاك الجار المزعج ان اراد ان يبقى في مكانه. التطرف لا مكان له في هذه المساحات المشتركة، وإلا ستُنقر حوافي المنافذ بآثار الرصاص، وستخنقك الحواجز الكونكريتية، وتلسعك اسلاك شائكة، ويفرض عليك جندي استجوابه الغليظ عليك بـ “من وين جاي؟ وين رايح؟”

وقد جاءنا التطرف مكتسحا مساحاتنا المشتركة بمفخخة تتشظى نارا وحجيما، وطعنة الكاتم، ومراهق ملثم يختبرك بتسلل الائمة واعياد ميلادهم. فتحّمل جارك المزعج يا ايها القارئ، كي لا نعود جميعا الى ظرف عام 2006.

ولنكن واقعيين: المدنية، في مراحلها الاولى، لن تُطعم فقيرا، ولن تكسيه، ولن تعالج تناقضات التاريخ والهوية. ولكنها ستحفظ كرامة هذا الفقير عند احتسابه فردا يتمتع بصلاحيات كل من يسكن هذه المساحات المشتركة، ان احسن ممارستها. وبالطبع، سيكون هناك تفاوت بين من سيستفيد منها، فالمستفيد الاكبر ستكون الطبقة الوسطى. الفقير في حالنا اليوم لا ظهير له إلا الاطر العشائرية والمذهبية والقومية التي يسوقها له من يعتاش عليها، والغني يستقوي دوما بماله. ولكن المدنية تحفظ للطبقة الوسطى منظومة تحافظ عليها عرفا ومنهجا، فلا تضطر الى الانزواء تحت عباءة امراء الحروب، ولا يستطيع الغني ان يفرض ارادته عليها.

قد لا تكون المدنية حلا لكافة مشاكل العراق، ولكنها بمثابة بداية الحل، وافضل بكثير من الحلول المتطرفة المطروحة حاليا، وهي بداية العافية، كما اسلفت، لأنها قد تطلق منظمات وجمعيات اجتماعية تسعى لمعالجة واقع الفقر، ولتحد من تجاوزات الغني والقوي والفاسد والمستبد. فحالة الغنى الفاحش، اوالفقر المدقع، هي انعكاس للتطرف في كل شيء، والمدنية، ان سعت الى التقليل من التطرف، ستستطيع معالجة هذه التناقضات لاحقا عن طريق تأهيل واعداد اجيال واعية، وذلك بإفراز فكر وتمثيل سياسي يعكس مبادئها في ميادين التشريع والتنفيذ والقضاء.

المدنية خير مربية لإجيال قد تُخرج العراق من مساره المتجه، منذ عقود، الى الهاوية. وعلينا ان نبدأ من مكان، اي مكان، يعيدنا الى درب العافية والتعايش.

التحسس المفرط لدى البعض من المدنية

في شهر آب الماضي، تواترت انباء عن تشكيل جمعية بإسم “بيوت كربلاء” هدفها جمع ابناء وبنات تلك المدينة في اطار اجتماعي-سياسي لاستذكار التراث الخاص بمدينهم. وسرعان ما انتشر الخبر قام البعض، ومن ضمنهم عضو في مجلس محافظة كربلاء (8)، بنعت هذه الجمعية بتهم “العنصرية” و”الاقصاء”، وبأن انشاؤها يعد مخالفة دستورية.

لا انفي وجود احقاد تتصف بالاحتقار والتهكم والاستعلاء لدى بعض “ولد الولاية” تجاه من يرونهم بأنهم وافدين الى مدنهم من الارياف، ويتضح ذلك عن طريق استخدامهم لمصطلحات استفزازية مثل “شراگوة” و”معدان” و”محافظات” لوصف هؤلاء المهاجرين بل حتى في وصف ابناءهم واحفادهم ممن تولدوا في المدن. وعادة ما يقوم “ابن الولاية”، اي من يعتقد نفسه من اهالي المدينة “الاصلاء”، بتفسير الحالة المتردية في مددنا اليوم بأنها نتيجة حتمية لتسلّط من هاجر الى المدينة من اصول ريفية على مجالس محافظاتها وبلدياتها، ابتداءا من خير الله طلفاح الى يومنا هذا.

ولكن، وجود هذه النزعة العنصرية لا تعني بأننا في طرحنا لإستعادة تراث المدنية فبذلك نتقصد او نروم الانتقاص من ايٍ كان. المدنية هي ذهنية اختيارية، وهوية مكتسبة، ولا ينبغي ان تورّث وتُحصر في فئة دون اخرى. والحالة العنصرية لدى بعض “ولد الولاية” لنا ان نتفهمها من دون التحسس منها، فأبناء المدن تحركهم غيرة على هذا الارث التراثي الذي جاءهم من الآباء والاجداد، وقد يتصورون بأن هذه الهوية التي تخصهم مهددة وآيلة الى الاضمحلال امام عادات وتقاليد دخيلة على مجتمعاتهم، وخصوصا تلك العشائرية منها. فهل يعقل بأن اهالي المدن لن يتحسسوا من انتشار الدواوين والمجالس العشائرية في داخل مدنهم، وفي نفس الوقت تواجه “جمعية بيوت كربلاء” بهذا الكم من الرفض وسوء الظن في نياتها؟

لا بد بأن تكون هناك طريقة للتوفيق بين المنحنيين، اي اتاحة المجال لأبناء المدن بالتفاخر بأصولهم وهويتهم الخاصة، وايضا فتح باب الانتساب الى المدنية لأي راغب بها. لا نستطيع التمتع بترف الطوبائية، والتسامي عن هذه البشاعة، والتكلم في العموميات، وبأن نشجب العنصرية ونلعنها من دون الالتفات بأن هذا الاحتقان الحاصل داخل مدننا لهو امر حقيقي وخطر. فلا بد من ايجاد الحلول، والخطوة الاولى في ذلك السبيل هو الاعتراف بوجود اشكال حاصل. العشائرية، والتي انتقلت الى مدن مثل بغداد والبصرة وكربلاء والنجف والموصل وغيرها، تناسب الحواضن التي انتجتها، في مساحات الريف والبادية، ولكنها لا تناسب واقع المدن. والعشائرية ظهرت، بأعرافها وواجباتها وتقاليدها وقيمها، بشكل منطقي وطبيعي كي تحفظ لذاك الفرد المنتسب إليها شيئا من حقوقه. فيفترض بالمدنية ان تقوم بنفس الدور، اي حفظ حقوق الفرد في الظرف المكاني الجديد الذي انتقل إليه او وجد نفسه فيه، لتساهم في حسر امتداد العشائرية الى عمق المدينة.

اول من سيتحمس للمدنية، ولإحياء تراث المدن، سيكون حتما هذا الشخص الذي يحسب نفسه من ولد الولاية، واول من سيتحسس منها، ويراها انتقاصا موجه بشكل ضمني تجاهه، هو ذاك المنحدر من اصول مهاجرة وريفية. ولكن واقع المدن المتغير جراء الهجرات الكبيرة التي حصلت فيها، وديدن وجوهر المدنية القيّمي الذي نتغنى به ونسعى اليه، تحتم علينا احتواء واستيعاب من يريد الدخول إليها، وحفظ وصيانة حقوقه، وكرامته.  فابناء المدن لن ينجزوا شيئا اذا اكتفوا بإسترجاع تراثهم والانزواء على انفسهم، لأن الظرف الديموغرافي ليس بصالحهم، وكل ما سيحصل اذا لم ينفتحوا على من يشترك معهم حاليا في العيش بهذه المدن هو ممارستهم للنوستالجيا في نوادي اجتماعية منغلقة على نفسها. ولكن، ان استطاعوا استرجاع هذه الذاكرة المدنية، ووضعوا اسفارها من صور وادلة وامثلة امام الاجيال الجديدة التي تكتظ بها المدن، ممن هم من ابناء الولاية ومن ابناء الهجرة، فربما سيستطيعون بث الحياة سوية في الروح المدنية، لتفرز، لاحقا، واقعا جديدا، قد يصنع لنا “زمنا جميلا” في المستقبل القريب.

عودة على الشيخ علي الشرقي، ودعوة لجعل المدنية مشروعا فكريا ومنهجا

وفي الختام وتعريجا على الصراع القائم بين “ولد الولاية” والمهاجرون، اود العودة على شخصية العين والوجيه والوزير والشاعر علي الشرقي المذكور اعلاه ضمن مؤسسي جمعية بيوت الامة. هل تعلمون ماذا كان لقب اسرته قبل ان يحوره الى “الشرقي”؟ كان لقبه الـ”الشروگي” (9)، وهذا هو اللقب الذي عرف به جده عندما هاجر الاخير من الشطرة الى النجف قبل مئتي عام، وما نستطيع استنباطه من التاريخ هو ان اهالي وعشائر الفرات الاوسط كانوا يصفون اهالي الاهوار المجاورة لهم والعشائر الساكنة داخلها او على تخومها بـ “الشروگيين” وهو مصطلح ذو بعد جغرافي لا يدل إلا عن وجود هؤلاء في مساحات تقع الى الشرق، او “الشرگ”، من الفرات الاوسط.

والشرقي من مواليد النجف عام 1890، وهو على الاغلب من عشيرة الفراغنة، وتخالطت اسرته المهاجرة مع اهالي النجف، فإبن خالته اللح هو الشاعر محمد مهدي الجواهري. وكان الشرقي رجلا معمما كما هو ظاهر في الصورة، وجاء الى بغداد وانخرط في حياتها السياسية والوظيفية والفكرية والثقافية، ومن نوادره التي عرف بها انشاءه لـ “شركة مقاومة الفقر” في الثلاثينات.

أليست من المفارقات بأن احد مؤسسي هذه الجمعية الليبرالية المدنية كان لقبه الاصلي “الشروگي”؟ لربما هي ليست مفارقة اطلاقا، وما يجعلنا نراها امرا مستغربا هي النزعة العنصرية المبطّنة التي لدينا، والتي قد لا نستشعرها الا في مفارقات كهذه. بل لربما قصة الشرقي، وقصة عائلته، هي الاقرب الى واقع المدنية، وعظمتها.

المدن تصبح مدناً جراء الهجرات المتتالية إليها. فلا توجد قرية في العالم تتوسع لتصبح مدينة من دون رفدها بهؤلاء الوافدين اواقتصارها على اهل القرية الاصليين وذراريهم فقط. والمدن تتعرض دوما، على مدى التاريخ، الى هجرات متماوجة، وقد يعلو مدّها في بعض الاحيان ليغير واقعها ولهجاتها وسحنات قومها. ولكن الامر الثابت والغير متغير، والذي يعكس ديمومتها كمدينة، هي قابليتها على الحفاظ على روحها المدنية، اي روح التعايش والتسامح، وكبح جماح التطرف، واطفاء النيران سريعا ان تنشب، وجعل من يأتي إليها وافدا يتشرب بهذه المفاهيم ويتنمّط عليها، لأنها تصب في مصلحته كفرد مدني، وتكفل له حقوقه وأمانه. بالمحصلة، لا تهمنا الهويات واللهجات والانساب وأغاني الاطفال التراثية وطقوس النذر بقدر اهمية المحافظة على هذه الروح المدنية.

 وهناك امر لا بد من توضيحه، وهو ان”المدنية” تعد بمثابة فكرة رافدينية عراقية نستطيع ان نتباهى بها امام العالم. فأهم نتاج لحضارة الاغريق كانت فكرة الديموقراطية، تلك الكلمة اليونانية التي اكتسبتها كافة لغات العالم، والتي طورها الغرب في مراحل متعددة قبل ان تصلنا، ولكن الغرب لا يزال يدين بالعرفان الى التراث اليوناني كمصدر للفكرة التي يقدسها. اذن، لم لا نطرح مفهوم المدنية كنتاج فكري للأرض التي شهدت انبثاق وانشاء اولى مدن العالم في اور واوروك ولاغاش وكيش؟ فمن سبقنا على ارض الرافدين كان يعلم بأن العوامل التي تجعل من تجمع بشري ما ليصبح مدينة لا يمكن اغتزالها بـ”طابوگ” وآجر ومعابد وزقورات وقصور ومدافن. بل هؤلاء السومريون الاوائل اكتشفوا بأن الروح المدنية تحديدا هي التي تجعل المدينة تصبح مدينة بحق، وتجعلها عظيمة بإطلاق ابداعها الفني الذي يدل على رُقي اهلها، ويبقى شاهدا لها عبر العصور، وبالتالي اينعت جهودهم بالألوان والتناسق العمراني وألحان القيثارة في مساحاتهم المشتركة. فلتتظافر الجهود والاقلام والمنابر كي نُنضج هذا المشروع الحضاري والفكري سوية، ولتطوير وتعميق مفاهيمه، والبحث في ركائزه التاريخية، ولجعله مستهلا لمعالجة الاضرار والتشوهات الحاصلة في بلدنا، ولبلورته ايديولوجياً وتعميمه كخيار قيّمي واجتماعي واقتصادي وسياسي في مجتمعاتنا.

المدن قد تتغير، ولكن المدنية تبقى. وهذا ما علينا ان نضعه صوب اعيننا ونحن نستعيد الماضي، ونستحضر التراث المدني العراقي، كي ننشئ اجيال جديدة وواثقة من نفسها وهي تسير نحو مستقبلا متسامحا، متناغما، و”جميلا”، لمدننا، ولبلدنا ككل.

الهوامش

1-لعل هذه الصورة، لقبر فتاة بعمر ثمانية عشر عاما، والمتوفية سنة 1898، من اجمل الاضرحة التي رأيتها في ترحالي. الفتاة كانت من عائلة يونانية مقيمة في مدينة الاسكندرية المصرية، وكانت تتعالج في سويسرا عندما توفيت. وبمجرد دخولك الى الضريح ينهيك ملاك من المرمر عن الضجيج كي لا توقظ الفتاة النائمة خلفه. والى جانب القبر هناك لوحة زيتية تظهر الفتاة وهي على فراش الموت.

2-اسماء الظاهرين في الصورة مع القابهم العائلية: الواقفون من اليمين: علي جليل الوردي، حكمت عبد الرؤوف الكاظمي، جواد امين الورد، حسين الهاشمي، راضي مهدي السعيد، رشيد حميد الدبيسي، وجعفر عمران السعدي. الجالسون من اليمين: حسن عبد الباقي، امل محمد، سميرة محمد، هادي مهدي.

3-اغنية “يبة يابة شلون عيون” بغناء وتأليف الفنان رضا علي:

4-التحميل من الرابط: النظامان الاساسي والداخلي لجمعية بيوت الامة. (الشكر موصول لكادر المكتبة الوطنية ببغداد لتوفير هذه الوثيقة)

5-التحميل من الرابط: اضبارة طلب التأسيس لجمعية بيوت الامة فرع النجف. (شكرا ايضا لكادر المكتبة الوطنية)

6-كتاب “البصرة” للمؤلف عبد المجيد الغزالي، الصادر عام 1941، ص 211

7-السومرية نيوز، المرجع الفياض يؤكد على وجوب تطبيق حملة “اللاءات الأربعة” في مدينة الكاظمية (1 ديسمبر 2012)

8-السومرية نيوز، عضو بمجلس كربلاء ينتقد تشكيل تجمع سياسي يضم السكان الاصليين للمدينة (22 آب 2012)

9-عبد الإله الصائغ، الشيخ علي الشرقي…شخصية فذة في تاريخنا المعاصر، جريدة المدى (16 ايار 2012)

    1.
  1. January 3rd, 2013 at 7:57 am
      يقول:

    رائعة جدا . عاشت الايادي

  2. 2.
  3. January 3rd, 2013 at 8:00 am
      يقول:

    صدقت نحن الشعب الوحييييييييييييييييييييد في العالم ينظر الى الماضي ويتحسر عليه والالم يعصر قلبه لان حاضره تعيس ويشعر ان مستقبله اسوء ولكن لا حياة لمن تنادي نسأل الله القوة والصبر

  4. 3.
  5. January 3rd, 2013 at 1:44 pm
    ابو حسين الخزعلي
      يقول:

    كثرة الحروب والصراعات السياسية وسيادة انظمة الاستبداد غير خارطة المدن بحركتها المستمرة وعدم استقرارها بالهجرة من الريف للمدينة شوهت معالم ارساء نظام ديمقراطي مستقر يكون اساسا في تطور الحياة المدنية \مقال رائع اعاد بنا لذاكرة المدن التي تحولت الى قرى بفكرها وتقاليدها الحاضرة مع الاسف

  6. 4.
  7. January 3rd, 2013 at 6:28 pm
    Abdulaziz Al-Wandawi
      يقول:

    أعتقد إن ما يجري في العراق هو جزء من عوامل التغيير التي تؤثر سلبا أو إيجابا في تطور المجتمع المدني أما مواقف بعض الأفراد فهو الزبد الذي يطفو على السطح مؤشرا على الأتجاهات العامة التي تأخدها حركة المجتمع صعودا أو نزولا .. أنا معك في أن المسؤولية تقع على المستضيف للهجرة قبل الضيف القادم من الريف .. على أن تكون الهجرة محدودة وليس كما حصل على شكل موجات غامرة تسببت في إفلات سيطرة إبن المدينة والفكر المدني ودفعت الهذيد من راكبي الموجات إلى إستغلالها.

  8. 5.
  9. January 28th, 2013 at 5:28 am
    Jawdat alkarady
      يقول:

    دراسة قيمة وجديرة بالاهتمام ، على ذوي المسؤلية الالتفات لها ، برأي المتواضع ماكتبته اعلاه ( مطحنة البعث المسخ التي اتت بلوثته على كل حصادنا المدني. ودعونا لا ننسى بأن البعث وظّف الدين لغاياته التسلطية ابان ما كان يعرف بـ”الحملة الايمانية” في التسعينات، وخّط شعار “الله اكبر” على علمنا) هو أس المشكلة عندما يفهم المجتمع هذه الانتكاسة ( الوصمة) يستطيع ان يبدأ من جديد بشكل صحيح. شكرا لك

  10. 6.
  11. February 6th, 2013 at 10:38 pm
    النعيمي
      يقول:

    موضوع اكثر من رائع.
    بغداد تم ابتلاعهه استاذ وماعاد لها وجود. بغداد اصبحت قرية كبيرة ثم زادت لتصبح معسكر. ولم يبقى لها سوى الأسم الذي يذكرنا بمدينة لم يعد لها وجود.

  12. 7.
  13. September 8th, 2013 at 8:14 pm
      يقول:

    بارك الله بكم أيها القائمين على هذا الموقع فقد أرجتمونا إلى أيام الزمن الجميل و الرائع عندما كانت بغداد تعيش في أوج عصرها الذهبي الحديث حيث الصدق و الأمانة و الثقافة و الفنون و العلم . قتحية لكم من الأعماق .

  14. 8.
  15. January 5th, 2015 at 8:52 pm
    عامر عجاج
      يقول:

    البيروني سمي كذلك لانه من (برا)المدينة وليس من(جواها)..لكن تبقى المدن اكثر انفتاحا لكل موجات المهاجرين وضمهم اليها.القرية والمجتمعات الصغيرة فقط هي التي لاتحتمل الاخرين وتنغلق على نفسها.

  16. 9.
  17. April 13th, 2015 at 10:14 am
    عبد الخالق كيطان
      يقول:

    العزيز اﻻستاذ نبراس.
    أشكرك كثيرا على هذا البحث القيم.ما أحوجنا لحركة مدنية تقاوم هذا الزحف الظﻻمي البائس.

  18. 10.
  19. July 27th, 2016 at 11:55 am
    الدكتور سعد ابراهيم الغبان
      يقول:

    https://www.4shared.com/photo/ZNyk6CULce/1944-7-30_1-2_A________.html

    https://www.4shared.com/photo/OiCgVD9Yba/1944-7-30_2-2_A.html
    الاستاذ الفاض نبراس شكرا لجهودكم
    وربطا الكلمة التي القاها الوالد ابراهيم محمود الغبان (وهو ابن خالة الشاعر راضس مهدي السعيد) الذي ظهر في الصورة باسم الهيئة الدارية لفرع الجمعية في الكاظمية في حفل اقامته لجنة التمثيل لعرض رواية (في سبيل التاج)
    تقبل تحياتي

تعليق