استيراد مفاهيم معاداة السامية من الخارج (4-4)

سلسلة “بَحْوَشة في كَدَسْ المتنبّي” 17

لا اذكر بالضبط تسلسل الاحداث التي ادت بيّ الى اقتناء “سجل اسماء اليهود المسقطة عنهم الجنسية العراقية بموجب القانون رقم 1 لسنة 1950” والمعنوّن كذلك “سجل رقم 1 لواء بغداد”. اتذكر بأن احد الكتبيين نبهني بأن السجل هذا موجود لدى زميل له في شارع المتنبي ولكنه يريده بمبلغ كبير. لست متأكدا ان كنت قد ذهبت الى مطالعة هذا السجل في وقتها والتفاوض حول عملية الشراء، لكن صاحبه لم يتقبل فكرة تقليل سعره. ولا اتذكر ان قمت في تلك المرحلة بمخاطبة المكتبة الوطنية ببغداد والاستفسار من كادرها إن كان لديهم هذا السجل او حتى الامكانية المالية لإقتناءه. فتركت الامور على حالها، إلى ان قام كُتبّي آخر، من بعد مرور اشهر، او ربما سنة، بالاشارة الى هذا السجل في معرض حديثه عن ارشيف اليهود العراقيين، فسألته إن كان السجل لا يزال معروضا للبيع، وكنت اعلم في حينها بأن المكتبة الوطنية ليس لديها نسخة منه، فأجابني بأنه سيستفسر من الشخص الحائز على السجل وسيعود لي بالخبر. فجاء الخبر بعد دقائق معدودة، وإذ بالسعر قد انخفض الى 1,500 دولار، فعددت المال الذي في جيبي، وتصادف الامر مع وجود احد الاصدقاء الميسورين الذين عادة ما يحمل مبلغا كبيرا من المال حيثما يذهب، فطلبت منه تكملة المبلغ ووصل اجمالي النقد الواقع تحت يدنا الى 1,400 دولار فحملناها الى صاحب السجل، الذي تفاجئ بأنني سأكون المشتري، من بعد ان رفض فيما سبق أن يخفض من المبلغ، ورضي بخصم مئة دولار اخرى من السعر وخرجنا انا وصديقي الميسور من المتنبي حاملين هذا السجل النادر.

السجل يحمل ختم مديرية شرطة السفر والجنسية، والاحتمال وارد بأن الدولة العراقية طبعت نسخ محدودة منه لإستخدامه في مراقبة حركة القادمين والذاهبين لدى المنافذ الحكومية، ولهذا السبب فإنه مفقود من ارشيف المكتبة الوطنية وربما من ارشيف بقية دوائر الدولة العراقية. والسجل يحتوي على اسماء حوالي 37 الف عراقي يهودي من محافظة بغداد، والتي كانت هي تمثل الثقل السكاني لهذه الطائفة، وهذه الاسماء، المنظمة حسب الحروب الهجائية مع تاريخ ولادتها، ربما تدوّن لربع اجمالي اليهود في البلد آنذاك.

والسجل ايضا يعرض ارقام الملفات التي تقدم بها هؤلاء من اجل التنازل عن جنسيتهم العراقية طوعيا كي يسمح لهم بمغادرة البلد، وتمت هذه العملية عند قيام اليهودي بالذهاب الى مراكز مخصصة كي يوقّع امام احد ضباط وزارة الداخلية بأنه راغب في التخلي عن حقوقه كمواطن عراقي وفق قانون سّن في ربيع سنة 1950 كان قد كتب ونوقش بعجالة في مجلس النواب العراقي ابان عهده الملكي. القانون جاء بصيغة 212 كلمة فقط، وكان اثر هذه الكلمات المعدودة هو محو حوالي 2500 سنة من توطين اليهود قسريا في ارض الرافدين على يد البابليين، والتي كان قد غادرها جدهم ابراهيم قبل ذلك بمئات السنين ان اخذنا بالتقويم العبري.

قمت بتسليم السجل الى المكتبة الوطنية بشرط قيامهم بترقيمه ومدّني بنسخة الكترونية. عاتبني احد الكُتبيين وقال “ستجد السجل عائدا الى المبيع في شارع المتنبي بسبب الفساد.” بالطبع، هناك نوع خاص من الالم يواكب الاستغناء عن اي كتاب، فما بالك إن كان بهذه الندرة. وكنت اعلم بأن هناك فساد يسود في بعض الدوائر، ولكن في نفس الوقت، ومن بعد اندثار الكثير من ارشيف وملفات الدولة العراقية بسبب الاهمال والاهوال منذ عقد التسعينات، لم اتحمل فكرة بأن اسماء هؤلاء الرجال والنساء المذكورين في السجل قد تمحى ولا يبقى اثر ما في اضابير الدولة يفيد بأنهم في وقت ما كانوا عراقيين.

الحكومة العراقية بررت آنذاك تشريع قانون اسقاط الجنسية على انه عمل انساني ينظم عملية خروج اليهود من البلد الراغبين بذلك، والذين كانوا يؤاثرون السفر بطرق غير مشروعة تعرضهم هم واهاليهم للخطر. ولا ادري إن كانت الدولة مدركة آنذاك لحجم النزوح الذي قد يحصل أم انها كانت تظن بأن الامر سيقتصر على بضع مئات او ربما آلاف من اليهود. ولكن عند الاطلاع على السجالات الصحفية والنيابية التي رافقت اصدار هذا القانون نجد بأن الخطاب كان متطرفا ونابياً وكان يكيل تهم الخيانة لكافة اليهود ولم يتأسف على مغادرتهم للعراق بل كانت يدأب لتشجيعهم على ذلك، ورافق ذلك بعض المحاولات لبث الذعر ما بين اليهود من قبل اطراف عراقية واسرائيلية في آن واحد. وهكذا، فإن احدى المفاهيم الاساسية لمعاداة السامية ، والتي كانت دارجة بشكل واسع في القرون الوسطى بأوروبا، الا وهي عملية الطرد الجماعي لليهود كحل “نهائي” لهم، قد حطت ادراجها في العراق. وفي سابق الزمان كانت احدى المخارج من الطرد الجماعي هو اعتناق اليهودي للمسيحية كما حدث في اسبانيا من بعد سقوط دولة الاندلس. ولكن فكرة معاداة السامية تبلورت مع فكرة أن اليهودي، وإن ترك دينه، فاللوثة تبقى في دمه، ولهذا على السلطات أن لا تتهاون معه. ومن بعد انتشار الافكار التنويرية الاوروبية والتي سنحت لليهودي ان يعتنق “دين” الوطنية، تمسك اعداء اليهود بفكرة لوثة الدم، إلى ان تفاقمت تلك المفاهيم الى جعل “الحل النهائي”  يوازي افران ومحارق النازية.

القانون رقم 1 لعام 1950 هو اول تشريع عراقي وربما شرق اوسطي يجرم فعليا من يعتنق الديانة اليهودية، ويجعل هذه الديانة ميّزة سلبية عن باقي المواطنين الآخرين فيدرجها ضمنيا تحت بند الشكوك في وطنيتها. وهكذا اصبحت اليهودية “لوثة” فطرية لا تتوافق مع فكرة العراق الحديث. وفي السنة التي لحقته اصدرت الدولة العراقية تشريعات اخرى تحتجز من خلالها اموال وممتلكات اليهود المغادرين.

بحثت في السجل عن اسم “عزرا حسقيل حداد” مترجم الرحلة البنيامينية التي تناولناها في الجزء الاول من هذه السلسلة فلم اجده. لربما تريث شيئا قبيل ذهابه الى تلك المراكز المخصصة لليهود كي يوقعوا على الاستمارة التي ستؤدي بهم الى ترك العراق نهائياً. وعند مطالعتي للأسماء في السجل، تملكتني الرغبة في الجلوس مع “عبد الله عزرا موشي” وهو من مواليد عام 1917 وصاحب الاستمارة رقم “1”، والاستفسار منه عما جعله يتهندم ويمشّط شعره ويلمعّ حذائه ليقف في اول الطابور المؤدي الى ترك العراق  نظاميا. وربما سيشاركنا “كرجي يوسف سلمان”، والذي وقف خلف عبد الله في الطابور، واصبح صاحب الاستمارة رقم “2”، اطراف الحديث. كما لدي فضول في مسائلة بعض النسوة الواردة اسمائهن في السجل عن سبب وضع اشارة “ب”، ابتداءا مع “راحيل يونة” واستمارتها 1-ب. ولوددت ايضا بأن اسأل “راحيل ابراهيم عزرة” إن كان عمرها فعلا 141 سنة عند الرحيل عن العراق أم ان ورود تاريخ ولادتها كـ “1809” كان خطئا مطبعيا، كما هو حال “راحيل ابراهيم بصون” والتي يفترض بأن لن تأتي الى هذه الدنيا إلا من بعد مضي ثلاثين عاماً على اتمام السجل الذي اورد ولاتها في العام 1980.

ولعل “سمحة عبودي عزيز” فعلا تولدت في عام 1840، وبذلك تكون قد شهدت اكثر من قرن من تاريخ العراق، ولعلها تعرف السر الكامن وراء تلقبّ احدى العوائل اليهودية بإسم “ست الكل” كما حال “فرحة اسرائليل ست الكل” وقريباتها “نعيمة صالح ست الكل” وجوليت نسيم ست الكل”.

وتملكني الفضول ايضا في البحث عن دليل قد يؤكد قصة كنت قد قرأتها في مجلة تايم الامريكية، ومؤرخة في يوم 11 آب 1958، اي بعد شهر تقريبا من الانقلاب الذي اطاح بالعهد الملكي والذي تسبب في مقتل نوري السعيد، تدعي فيها امرأة اسرائيلية بأن ابنها هو الحفيد الوحيد المتبقي لرئيس وزراء العراق الراحل. وجاء اسمها تارة بصيغة “ناديا مزلايا” في مجلة تايم وتارة اخرى بصيغة “نجيّة مزيل” او ربما “مزين” في تقرير صحفي امريكي آخر. وبسبب تضارب صياغة الاسم، اختلط عندي الامر في البحث ضمن السجل، فالسبب الاول هو ان اسم ناديا لم يكن متداولا في العراق آنذاك كما ان “مزلايا” كإسم عائلي في العراق كان نادرا جدا، وإن كان دارجا في انحاء اخرى من الشرق الاوسط ما بين اليهود النازحين عن الاندلس. ولكنني وجدت قيدا بأن هناك عائلة كانت متواجدة في بغداد تحمل هذا اللقب ولكنها غادرت العراق في مطلع القرن الماضي وزاولت التجارة في بورما (جنوب شرق آسيا) قبيل انتقالها نهائيا الى لوس انجلس. اما لقب “مزين” فكان دارجا ما بين يهود العراق ووجدت اسم “نجية عزرا مزين” من مواليد 1915 وعمرها يتوافق مع ما جاء في الخبر الصحفي.

ولأن الامر بقي مبهما، عدت الى نص الخبر الاصلي في مجلة تايم ووجدت بأنه حسب روايتها، فإنها تعرفت على صباح نوري السعيد من خلال العلاقات العائلية التي جمعت الاسرتين، وتطورت ما يبنهما علاقة عشق وإن كان صباح متزوجاً أنذاك، ولكنه اتخذها كزوجة ثانية له في الموصل عام 1939، وانجبت له ابناً اسمه “احلام” بعد ثلاث اعوام. ولكنها لم تعد تتحمل مضايقات زوجته الاولى ولهذا تركت العراق سنة 1946 واستقرت في تل ابيب حيث تملكت فندقا وبعض العقارات. ما يعني انها غادرت البلد قبيل انشاء السجل. ولا ادري إن كانت هناك اي صحة لروايتها، والغريب في الامر أن الموضوع لم يتم التطرق لها في وقت لاحق ولا الى ابنها الذي غيّر اسمه الى “ابراهام” مع انشاء دولة اسرائيل. ولربما هي اعتقدت بأنه لم يبقى احد على قيد الحياة من عائلة نوري السعيد ومن ضمنهم الزوجة الاولى لصباح حيث كانت تشير الاخبار الى ان جميعهم قد تم قتلهم على ايدي الجموع، ولكنه تبين من بعد ذلك بأن صباح وحده قتل عندما حاول استرجاع جثمان والده من دار الاذاعة العراقية اما زوجته وولداه فكتب لهم النجاة من العراق، ولعل ذلك التطور جعل ناديا او نجيّة ان تلتزم الصمت. يذكر بأن نوري السعيد كان يُحسب من المناصرين والداعمين لقانون رقم 1 لسنة 1950.

ولكن المفارقة في الامر هو ان القصة كان فيها شيء من المصداقية من ناحية أن التداخل ما بين اليهود وغير اليهود في مكان كببغداد كان كبيرا مما قد يؤدي الى زيجات سريّة كما ادعت هذه السيدة. ولكن الآن، من بعد مرور حوالي سبعين عاما على صدور هذا السجل،والتطبيق العملي لمفاهيم الحلول النهائية، من النادر جدا بأن تجد بغداديا كان قد تعرف على يهودي طيلة حياته.

للاطلاع على السجل اتبع الرابط التالي:

http://www.imarawatijara.com/register_iraqi_jews/

 

 

    1.
  1. January 24th, 2018 at 12:32 am
    علي
      يقول:

    عند جلبهم لبابل المرات الثلاثه لم يكونوا يهودا .بعد الثالثه تهودو في بابل.نبشت كيمت (مصر اليوم) وفلسطين نبشا لا اثر على يهود قبل بابل.وحتى المسيح يتكلم ارامي

تعليق