استيراد مفاهيم معاداة السامية من الخارج (3-4)

اصابني الذهول عندما تناولت كتاباً باللغة العربية—مطبوع في عقد العشرينات من القرن الماضي بمصر—يداعي بالصهيونية ويدافع عنها. قد يظنه المرء في بادئ الامر على انه من نتاج احد الكتاب اليهود الشرقيين، ولكن اسم المؤلف الموسوم على الغلاف يوحي بأنه ليس يهودياً، بل ربما مسيحيا ارمنياً (إن قصنا الامر على اسم “سركيس” الدارج ما بين الارمن) ولكن على الارجح كان مسيحياً مارونياً من اسرة سركيس والتي هاجر قسم من ابناءها من لبنان الى نواحي مصر في نهايات القرن التاسع عشر.

وكونه مسيحي الديانة ويكتب بصورة ايجابية عن اليهود ففي ذلك ايضاً معان كثيرة، إذ ان قسطا وفيراً من مفاهيم معاداة السامية كان قد انتقل من اوروبا الى المشرق في مراحل محددة من خلال العلاقات ما بين التجار والمبشرّين الاوروبيين مع الاقليات المسيحية المتنوعة في بلاد الشام. فمثلا، اولى النصوص التي تم ترجمتها الى العربية من لغات كالفرنسية  والتي كانت معادية لليهود تمت على يد قساوسة وصحفيين مسيحيين في لبنان ومصر (في نهايات القرن التاسع عشر). ويرى بعض المؤرخين بأن الامر، وإن كان نابعاً من التراث المسيحي المعادي تقليدياً لليهود، فإن مرده الحقيقي هو التنافس التجاري ما بين الاقليات اليهودية والمسيحية في الفترة العثمانية. ولعل اشهر هذه الانتقالات حصلت في دمشق عام 1840 في القضية الشهيرة التي اخذت قالب “فريّة الدم” المعهودة في اوروبا، حينما ادعى القنصل الفرنسي وافترى على مجموعة من اليهود بأنهم قد خطفوا وقتلوا راهب فرنسي لغرض استخدام دمه في طقوسهم الدينية. وبالطبع، فإن الاقلية المسيحية الدمشقية وقفت معه في هذا الاتهام مما حدى بالسلطات العثمانية بالتدخل واعتقال مجموعة من اليهود، ولكن في المقابل ايضا تدخلت بريطانيا لأنها كانت تحسب كبار التجار اليهود في سوريا تحت رعايتها، فتم تسوية الامر. (يذكر بأن هذه التوازنات لم تكن ثابتة في كل مكان وزمان، فمثلا، كانت بريطانيا تناصر التجار الارمن ضد التجار اليهود في البصرة في القرن الثامن عشر.)

ويبدو بأن ميشيل سركيس، مؤلف “كتاب النهضة الاسرائيلية وتاريخها الخالد” (مطبعة رعمسيس بالفجالة بمصر)، كان واعياً لهذه الحزازيات المتجذرة ما بين المسيحيين واليهود في المشرق، فيقول “لا يهمني ان يقال مسيحي يمدح اليهودية”، وفي موضع آخر يجيب على ما “قد يقول بعض الحاسدين وأعداء الخير والاتحاد غداً. هذا مسيحي. فما شأنه بنهضة اسرائيل؟ ولماذا اهتمامه بأمور الاسرائيليين؟” برده ان هذا هو عهد الانسانية الجامعة للجميع، ويرى دوره لا كمسيحي وإنما هو يقدم خدمة انسانية تساهم في اتحاد عناصر الشرق، وبأنه يستلهم هذا الهدف من النهضة المصرية حيث “تعانق الامام والقس والحاخام في المساجد والكنائس” وانصرفوا الى البناء، فيريد هذه الروحية ان تنتشر في ربوع فلسطين ايضا، لان التغيير قادم لا محالة اليها، “وأن الناظر الى ما حدث في العالم بعد وقوع الحرب العالمية العظمى. حيث سقطت ممالك وقامت اخرى. ونزعت تيجان من رؤوس ملوك. ولبس آخرون تيجاناً. وتغيرت الخرائط الجغرافية القديمة. وعقدت المؤتمرات الصلح والسلام بين الشعوب المتخاصمة المتنازعة. ان الناظر الى ذلك كله في الوقت القصير الذي نحن فيه. لا يستبعد اتمام النهضة القومية الاسرائيلية في وقت قريب جداً بعد ان تهيأت معداتها وأعلنت أسبابها. وعظمت حركتها. وامتدت الدعوة اليها في سائر الانحاء.” اذن، سيتذكر التاريخ، حسب استنتاج سركيس، بأن “حينئذ يحق لنا ان نفتخر بكتابنا هذا لانه يكون بمثابة أول صوت ارتفع في الشرق لتحية الناهضين في الشرق والغرب. وأول بشير بالسلام والاتحاد. لانه في نوعه فريد. وفي أسلوبه كانه موقظ جديد.”

لا يمكن للمؤلف بأن يدعي بأن كتابه هذا فريد من نوعه، اذ كانت هناك اصوات ظهرت في الصحافة العربية، وإن قل عددها، تجد بأن لا بد من استثمار همّة الصهاينة ونفوذهم العالمي (حسب الاعتقاد السائد) ورغبتهم في العودة الى احضان المشرق من اجل نهضة اوسع واسمى لكافة الشعوب القاطنة فيه. ويبدو بأن هذه النظرة كانت سائدة لدى الجماعات التنويرية التي كانت ترى بأنها قد اعتقت نفسها من الهويات الجزئية، القومية منها والمذهبية، نحو مفاهيم “الوطنية” و”الاتحادية” مثل الجماعات الماسونية. ويتضح الامر جلياً في قيام سركيس بإعادة نشر بلاغ المحفل الماسوني الوطني المصري الاكبر الى اهالي فلسطين القائل “تذكروا أن اليهود هم اخوتكم وأبناء عمومتكم قد ركبوا متن الغربة فافلحوا ونجحوا” وبأن “العربي والعبري صنوان من شجرة ابراهيم.” فكان الطموح آنذاك هو التماهي ما بين النهضتين العربية والاسرائيلية. وتوجب الاشارة بأنه لم يصلنا من نتاج سركيس الا هذا الكتاب وكتاب سبقه بعنوان “دليل عُظماء الرجال (يحتوي على اسماء مشاهير العاصمة) وعظمائها والمنيا واعيانها” (مطبعة المفتاح بمصر) كتبه بمعية شخص آخر لا يأتي على ذكر اسمه في متن الكتاب. وهذا الاخير غير مؤرخ ولكن نستطيع الاستدلال من خلال نصه بأنه نشر في سنة 1916 او سنة 1917، ويورد فيه اسماء العديد من المنتسبين الى المحافل الماسونية المصرية والتي كان يبدو بأن لدى سركيس ارتباطات وثيقة بها. وتتضح هذه الروابط من خلال بعض المصطلحات التي يدرجها سركيس في تبرير غاية كتابه “النهضة الصهيونية” والتي تشابه الخطاب الماسوني: “اقدم كتابي الى الذي يرى في الحق حقاً فينصره. والى الذي يعرف الناس بأعمالهم وليس بمعتقدهم ومذاهبهم فأن اخاك هو الذي يحسن معاملتك وينفعك. ويوصل الخير اليك لا ابن دينك فقط ولا ابن امك وأبيك.”

وكتاب النهضة الاسرائيلية هو ايضا غير مؤرخ ولكن لنا ان نستدل من الاهداء المعنون الى “هربرت صموئيل المندوب السامي لجلالة ملك بريطانيا العظمى بفلسطين” بأن سركيس كتبه قبيل مغادرة صموئيل لهذا المنصب في منتصف عام 1925، اما كونه قد ذكر “مشروع روتمبرج” لمد الماء والكهرباء فذلك يعني بأننا نستطيع ان نؤرخ الكتاب الى ما بعد عام 1923 حينما انطلق هذا المشروع في فلسطين.

قد يعتقد القارئ اليوم بأن سركيس كان غشيما او مغفلا في حماسه للصهيونية، ولكن إن عدنا الى زمنه سنجد بأنه كان يكتب هذه الكلمات وهي يعي تأثير خطابات معاداة السامية على المتلقي العربي والشرقي، والتي كانت تؤطر باللغات التركية والعربية منذ اربعين سنة مضت قبيل نشره لهذا الكتاب. اما قضية الاستيطان اليهودي في فلسطين فهي من الامور التي اشغلت مثقفي ذلك الزمن بصورة كبيرة. بل هو يقول بأنه ذهب الى فلسطين لتقصي الحيف الواقع على اهلها المظلومين هناك وكي يلمس الحقائق بصورة مباشرة، ولكنه تفاجئ عندما وجد الواقع مغايراً للدعاية القائلة آنذاك بأن “اليهود عاطلين كسالى متمردين بولشفيين يكرهون النظام يرغبون في الفوضى والعداء يبغضون عرب فلسطين وآلها ويسعون في الكيد لهم…” وحتى بعض الدعايات المتطرفة دعته ليراجع قناعاته، إذ انه تفاجئ، مثلا، بالطاقم الطبي اليهودي المتنقل الذي كان يجول على القرى العربية ويعالج مرضاها مجاناً، وقول من يعادي اليهود بأنه هذه الاعمال تندرج ضمن “حيلة لاكتساب عطف ومحبة الامة الفلسطينية رغم انفها.” وكان يدرك سركيس بأن”هنا يوجد حزب قوي لا يهمه ان يشهر بك في الصحف ويطعن في شخصيتك اذا ما رآك تميل مع اليهود وتقول فيهم طيبة ولو كانت حقه واقل ما يقوله فيك انك مأجور مرتش.”

قد لا نعلم ما هي الدوافع الحقيقية التي ادت بسركيس الى فتح هذه الجبهة على شخصه، وربما في الامر ايضا منفعة مالية مرجوة كان يتأملها من اثرياء اليهود، إذ من يضع ادلة و تراجم للمشاهير عادةً ما يسعى الى استمالتهم لشراء نسخ كثيرة من كتبه كي يوزعوها على معارفهم. ولكن إن اراد لذلك فعلا، في زمن كزمانه مشحون بالعواطف والغضب، لربما كان من الاسهل عليه بأن يؤلف كتاباً مناهضا للصهيونية ومن ثم يستميل يهود مصر والمشرق ليعبروا عن مشاعرهم الوطنية بالضد من الصهيونية ايضا، وهكذا سيكون المربح المادي اكبر من دون صداع الرأس المصاحب للمسائل الجدلية. ولكن سركيس اختار المشاكسة، فنراه يمتدح ثيودور هرتزل تارة، وثم يتعاطف مع الكابتن دريفوس وقضيته الشهيرة تارة اخرى، وفي هذا الشأن الاخير يتمايز سركيس مع الكثير من المتأثرين بالثقافة الفرنسية من مسيحيي المشرق والذين تفاعلوا مع تفاصيل هذه القضية والتي دامت لأكثر من عقد من الزمن بنفس وتيرة الهوس الذي مسّ العاصمة باريس بسببها.

وحسب رأي سركيس فإن الصهاينة “يريدون وطناً قومياً اقره لهم التاريخ واثبتت حقوقهم فيه الكتب السماوية” ويعقّب بأن تصريح بلفور هو مجرد “تصريح بالحق وليس فيه ما يستوجب الاندهاش…” و ايضا قوله “لا يعتبر اليهود في فلسطين أجانب عنها وهي بلاد شرقية كانت لاجدادهم من قبل وعظام أولئك الاجداد مدفونة فيها.”  ليعود دوماً الى دعوته في الاتحاد ما بين اليهود وغيرهم في المشرق فـ “انهم قوة لكم على بلوغ آمالكم. قوة مالية وقوة علمية ستجدون منهم اعواناً على الخير.” كما يشير سركيس بشيء من التفصيل عما انجزه الصهاينة في فلسطين في غضون سنوات معدودة، فها هي تل ابيب التي كانت “اطلالا دارسة وصحراء قاحلة” فحولها اليهود الى “باريس الصغرى”. مضيفاً “كان عدد بني اسرائيل في فلسطين سنة 1841 ستة آلاف نسمة فبلغ في سنة 1906 اربعين الف نسمة. اما الآن فقد تضاعف الى ما يزيد عن ضعفي هذا العدد.”

ولكن اغرب ما في الكتاب هي النصائح التي يوجهها الى يهود المشرق الذين يراهم متقاعسين عن دعم الصهيونية في حين ان “اخوانهم الغربيين انفقوا الملايين من الجنيهات في احيائها…” ويحيل هذا الامر الى “الروح الفاترة” في الشرق وبأن “الشرقيون مهملون نائمون انه جمود ظاهر فاذا كانت الحالة العلمية في الشرق لم تبلغ شأن اختها في الغرب فاللوم واقع على كل شرقي لا يصلح هذه الحالة…” وثم يدعو الى انعقاد مؤتمر عام ليهود الشرق والغرب كي يتدارسوا كيفية التسريع بوتيرة الاستيطان في فلسطين و”ليت الغربيين من ابناء الامة الكريمة يمدون ايديهم الى اخوانهم الشرقيين فيساعدوهم على الرقي الى مصاعد النجاح.” وثم يذهب الى جزئيات ومسائل فرعية مثل الدعوة الى قيام اليهود بالتنقيبات عن آثار اجدادهم لأن “في الاراضي المقدسة كنوزاً ثمينة وليست كنوزاً مالية فحسب، بل كنوزاً أثرية علمية اذا تم استكشافها، وأذيعت أسرارها، وانحلت رموزها، تقدم العلم والتاريخ بذلك تقدماً تضاف به صفحات جديدة مجيدة الى تاريخ الشرق كله…”

وفي النهاية ينوه لنا سركيس رغبته في السياحة ما بين اقوام اليهود حول العالم ومن ضمنها الزوايا البعيدة والمنعزلة في رحلة مشابهة لما قام بها قبيل تأليف الكتاب حينما تجوّل في اليمن وعدن وسلطنتي لحج ومسقط مستطلعاً احوال يهودها وربما تُثمر هذه المشاهدات الجديدة بكتاب ثانٍ حول الموضوع ذاته.

فائدة هذا الكتاب تكمن في ايضاح بأن الرغبة للتفاهم والانسجام ما بين العرب واليهود في فلسطين بقيت متوهجة حتى منتصف العشرينات بالرغم من مرور عقود من انتشار خطابات معاداة السامية وتعالي الاصوات المنادية بالحرب. ومن يتتبع خطابات الحركة الصهيونية قد يجد فيها سردية مترادفة مع سردية سركيس، استمرت هي ايضا منذ أن وضع هرتزل تصوراته لهذا الانسجام مروراً بمنشورات ديفيد بن غوريون الداعية الى العمل سوية مع العرب. (مثلا، في سنة 1917 دعا بن غوريون الى الانسجام مع الفلاحين العرب في فلسطين لأنهم، بحسب ادعاءه، من اصل يهودي وبأن صلة النسب هذه تفرض على اليهود معاملتهم معاملة الاقارب والاهل.)

ولكن في نهاية الامر لم تكن الغلبة لأفكار ونصائح ميشيل سركيس ولا لأقرانه الصهاينة، فمالت الكفة لدى التطرف من جانب الطرفين، والتنقيبات الاثرية الجارية في الاراضي المقدسة حالياً تماثل من يغوص في حقل مليئ بالالغام، لتمسي عظام الاجداد مدعاة لإلغاء وجود “الآخر”.

للإطلاع على كتاب “النهضة الاسرائيلية” اتبع الرابط التالي:

http://www.imarawatijara.com/nahdha_israeliya.pdf

 

(الجزء الثاني من هذه السلسلة تم نشره مجتزءا في موقع الحرّة يوم 2 يناير 2018، والآتي هو النص الكامل)

بَحْوَشة في كَدَسْ المتنبّي

استيراد مفاهيم معاداة السامية من الخارج (2-4)

 

لا يزال الكثير من الغموض يكتنف احداث الفرهود. وحتى مصطلح “الفرهود” بقي هو ايضا محل التأويل والتفسير المتناقض، ويبدو بأنه مصطلح محلي قديم كان يشير في وقتا ما الى فيضان نهر دجلة المفاجئ والجارف اثناء مراحل اكتنازه بمياه الامطار، ومن ثم بات يستخدم لوصف حالة الشغب التي كان يضطلع بها الجُند في بغداد عندما تتأخر عليهم الرواتب فيخرجون من ثكناتهم في سبيل نهب وسلب العوام. ولم يصلنا الا النزر القليل من التفاصيل حول احداث يومي 1 و2 حزيران من عام 1941 بالرغم من قيام الحكومة العراقية آنذاك بتعيين لجنة تحقيقية في الامر لجرد الاضرار وتحديد الجُرم. ولكن مقتضيات السياسة ارادت لهذا الملف بأن يدرج طي النسيان واعتبار الامر كله حادثا عرضيا بالرغم من جسامته. فهل كان الفرهود عفوياً ام مُفتعلاً، ام خليطا من الاثنين؟ يبدو بأن الاشتباكات بدأت بصورة عفوية حينما استفزت مظاهر البهجة لدى اليهود مشاعر الجنود المنهزمين تواً من مواجهة القوات البريطانية في معسكر الحبانية، والذين تقدموا على مشارف بغداد. ولا ندري هل كانت مظاهر البهجة هذه مآلها الى احتفال اليهود بعيد الشفوعوت التي تصادف مع تلك الايام، وزيارتهم بملابس العيد لمراقد انبيائهم واوليائهم في شتى نواحي بغداد، وخصوصا في كرخها، ام انهم كانوا فعلا سعداء بإنهيار الحكومة الانقلابية التي قادها اليميني رشيد عالي الكيلاني والتي طلبت المدد من المانيا النازية ضد الانكليز وما لحقها من عودة الوصي الامير عبد الإله الى سدّة الحكم.

ولِمَ تريث القادة الانكليز من دخول بغداد حتى من بعد وصول الانباء عن اندلاع اعمال عنف كبرى في المدينة ضد اليهود؟ وهل خرجت المجاميع اليمينية مثل تنظيم الفتوّة العروبي ومليشيات يونس السبعاوي (وزير الاقتصاد في حكومة الكيلاني، واحد ثلاثة تم اعدامهم لاحقاً على خلفية الاحداث) بصورة ممنهجة مع حلول الليل للإغارة على اليهود؟ وماذا عن الروايات بمقتل المئات من المتظاهرين من غير اليهود من بعد محاولة قوى الامن فرض السيطرة على المدينة؟ من هم، وما هي اسماءهم وخلفياتهم؟ ولماذا اقرت لجنة التحقيق بأن ضحايا اليهود هم 110 شخصا من بينهم 28 امرأة وبأن حالات التعدي على الاعراض لم تتجاوز الثلاث فقط، في حين ان وجهاء اليهود اعتقدوا في حينها وحاججوا بأن الارقام اكبر بكثير وبأن العديد من الجثث تم رميها في دجلة من دون احتساب؟ كل هذه المسائل لم يتم سبر اغوارها بعمق يشفي تطلعات المؤرخين في معرفة ماذا حصل.

ولكن ما نستطيع ان نُجزم به بأن لا شخصاً مثل عزرا حداد، الذي اتينا على ذكره في المقال السابق، ولا غيره كان يتوقع ابدا بأن الامر سيستفحل الى هذه الدرجة من الانهيار في السلم المجتمعي. فلم يشهد اليهود “فرهوداً” كهذا استهدفهم دون غيرهم منذ احداث سني 1291 و1333 و1334 ببغداد، وكان حالهم في طيلة الفترات السابقة تتماوج ما بين اطوار مختلفة من التمييز والغبن ولكن لم يحتسبوها “اضطهادا” بالمعنى الذي قاساه يهود اوروبا او في القسطنطينية البيزنطية او بلدان المشرق تحت حكم الصليبيين، اما ما شهدوه من مآسي اخرى نالت منهم على ارض الرافدين فكانت تلك مشتركة مع باقي الاقوام والديانات فيه.

لعل عزرا حداد وغيره عزوا مسببات الفرهود الى الدعايات الفاشية الممنهجة ضد اليهود والتي سعت السفارة الالمانية الى تمويلها في العراق منذ منتصف الثلاثينات. ولكن لو رجع حداد بذاكرته الى منتصف العشرينات لوجد تلك البذرة الاولى لمفاهيم معاداة السامية الحديثة والتي تم استقدامها مباشرة من روسيا، منبعها آنذاك، وغرسها بالارض الرافدينية بصورة متزامنة مع غرسها في باقي ارجاء المعمورة. وهنا اتكلم عن سجالات متبادلة اشترك فيها حداد في سنة 1924 مع كاتب عراقي كان قد نشر مذكراته للتو حول ما شهده من احداث كانت قد سبقت ولحقت الثورة البلشفية في روسيا. فقد تزامن نشر كتاب “مذكرات صديق باشا القادري” (مطبعة الفلاح ببغداد)  مع صدور جريدتين في نفس العام، احداهما “المصباح” الصادرة بالعربية وكانت تعبر عن تطلعات مثقفي يهود العراق تعد الاولى من نوعها، والاخرى اصدرها صحفي مسيحي وهو سليم حسون بعنوان “العالم العربي” والتي كانت تنتهج خطا يمينيا، الى درجة بأنها في وقت لاحق اتى تمويلها بصورة مباشرة من قبل السفير الالماني ببغداد وقدمت كتاب ادولف هتلر “كفاحي” مترجما للعربية بصورة متسلسة لقراءها في الثلاثينات.

مرت اطوار عديدة في تبلور مفاهيم معاداة السامية في اوروبا ليس بوسعنا التبحر فيها هنا. ولكن المرحلة الاهم، وانضجها من ناحية حبكة الخطاب وآفاق الانتشار، كان التصور بأن هنالك مؤامرة يهودية مخفية تدير سدة الاحداث العالمية تجسدت في نشر مقررات هذه المؤامرة المزعومة او ما سمي بـ “بروتوكالات حكماء آل صهيون”. وقد قام المؤرخون بتتبع مراحل تلفيق هذا المنشور منذ بداياته في نهاية القرن التاسع عشر بباريس الى حين اصداره كملحق لكتاب روسي بقلم مؤلف مغمور سنة 1905. وكانت الغاية في حينها هو الربط ما بين انتشار وانتفاض الحركات اليسارية في اوروبا وروسيا واحالة نجاحها الى تلك المؤامرة اليهودية، وكذلك احالة خسارة روسيا في حربها مع اليابان في نفس العام الى خيانة كبش فداء كاليهود. ولكن الانطلاقة الكبرى لهذه المفاهيم الجديدة اتت من بعد اندلاع الثورة البلشفية وقيام من تصدى لها من بقايا النظام القيصري، الذين عرفوا لاحقا بإسم “الروس البيض” تيمنا بلون رايتهم في المعارك، بنشر هذه البروتوكلات في شتى ارجاء العالم حيث انتهى بهم الحال كلاجئين من بعد انكسار ثورتهم المضادة. ولسوء الحظ، انتشرت هذه المفاهيم في اللغة العربية ايضا بصورة مبكرة عندما قام القادري بنشر مذكراته.

شاءت الاقدار ان تأخذ القادري (1894-1970) من وادي بازيان بالقرب من مدينة السليمانية، حيث تمركز اجداده من قبيلة الهماوند الكردية المشاكسة ذات العدد القليل والضرر الكبير على المصالح التجارية لدى الدولتين العثمانية والقاجارية، الى بغداد وثم الى اسطنبول حيث انخرط في الكلية العسكرية هناك. وهذه السيرة اتت على نقيض مما آل اليه الكثير من اقرباءه التي عاقبتهم السلطات العثمانية بالنفي الى اصقاع بعيدة كجزيرة رودس او الى نواحي بنغازي في ليبيا. ولكن يبدو بأن والده استطاع من خلال علاقات المصاهرة ان يجنب نفسه من هذه العقوبة وبأن يجنح الى استعطاف السلطات المركزية التي ادرجته هو وابناءه في خدمتها. وشاءت الاقدار كذلك بأن يتم اسر القادري في احدى اولى مهامه العسكرية ضد القوات الروسية على جبهات القفقاس. ومضت سني الحرب وهو في مدينة تفليس بجورجيا ومن ثم شهد المراحل الاولى من الثورة البلشفية في مدينتي موسكو وسان بطرسبرغ ومن بعدها تلقفته الرياح واصبح من المستشارين العسكريين لدى مسلمي التتار وبعدها انخرط كقائد للمجاميع الاسلامية ضمن طاقم الضباط المأتمرين بالجنرال سمانوف (قائد “جيش سيبريا الروسي المستقل”) المتمركز في نواحي منشوريا في الشرق الادنى من آسيا، والمنادي بقمع البلشفيك وعودة الحكم القيصري.

وبالطبع، فإن مذكراته عما رأه والمغامرات التي اضطلع بها، وما اضاف اليها من تفاصيل مثيرة حول الراهب راسبوتين، وتقلبات فرقة الجيك الصقلبية المستقلة، وبشاعة اعدام العائلة المالكة القيصرية، ومشاهداته في اليابان وكوريا وغيرها، كل هذه اوهجت اهتمام الشارع البغدادي التواق الى معرفة كل تفصيل في تلك الاحداث المهولة، والتي كادت ان تصل الى مشارف مدينهم مع تقدم الجيش الروسي جنوبا ابان الحرب العالمية الاولى وبات بخوض المعارك حول مدينة خانقين عند اعالي نهر ديالى المنسدل بإتجاه عاصمة العراق الحديث. ولكن ما نقله القادري اليهم تحديدا هو خطاب الروس البيض حول تلك الاحداث الذين كانوا يرون الثورة البلشفية على انها امتداد للخطط المنصوص عليها في البروتوكولات الصهيونية المفبركة.

فيقول القادري “لا يمكن ان تقاس هذه الثورة المدهشة باحدى الثورات التي حدثت في العالم حتى يومنا هذا بل ان هذه تفوق كل ما تقدمها بمراحل…” ويشرح لنا غايته وهي “اتيت برسالتي هذه الموجزة باحثاً فيها عن الحقائق الجوهرية في هذه الثورة لاطلع العالم – وعلى الاخص ابناء جلدتي العراقيين – على خلاصة ما حدث في بلاد روسية من التطور العجيب…لاني كنت عضواً عاملا في كافة ادوار هذه الثورة.”

ويضيف القادري “ان الثورة الروسية كانت (الظفر الثالث) للجمعية الفوضوية (نهليست) وكان ظفرها الاول في سنة 1815 في ثورة فرنسة الكبرى وظفرها الثاني كان في سنة 1908 في الانقلاب العثماني واما ظفرها الثالث وهو ادهشها فقد جنت ثماره في روسية سنة 1917 وليست جمعيات (صهيون وفاروماسيون وآنار شيست) (بولشفيك) الا اسماء مختلفة للجمعية المار ذكرها يبتدعونها في اماكن مختلفة مع ان الهدف والغاية لكل هذه الفرق هي واحدة لا تتغير ولا تتبدل بتغيير الاسم او تبدله والمؤسس لهذه الفرق الفتاكة هم اليهود او اموال اليهود فتراهم في كل امة يتظاهرون بالصدق والاخلاص ويسعون تحت ستار الوطنية لنيل غايتهم المنشودة.”

ويعلل القادري ما فعله اليهود بقوله “اما غايتهم في هذه الاعمال فهي ان يحصل يهود العالم على حقوقهم القومية والدينية والوطنية والتوسل الى نيل ذلك بكل الوسائل الممكنة بلا قيد او شرط واما خطتهم في هذا المشروع فهي اشغال افكار العالم بغايات مموهة مرنة، ظاهرها حسن وباطنها وهم وضلال وبهذه الصورة يتمكنون من احداث ثورات واضطرابات وفائدتهم من الثورات والاضطرابات اتخاذها ذريعة لابتزاز ثروة الناس باي صورة كانت…”

وعند نقله لخطاب الروس البيض فإن يعكس شيء من المغالطات السائدة لديهم، فمثلا، كان الدارج بينهم ان رئيس الحكومة الثورية الكساندر كرنسكي والتي ساهم بخلع الحكم القيصري وحكم روسيا لبضعة اشهر قبيل الثورة البلشفية كان هو ايضا من اصل يهودي ولكن هذا الامر غير صحيح بتاً اذ لا يوجد نسب يهودي له، ولكن ما هو معروف عنه انه كان مناصرا لحقوق اليهود لفترات طويلة من خلال سيرته كمحامٍ قبيل هذه الاحداث. وفي احيان اخرى ينقل القادري ما تيسر لديه من معلومات مجتزئة واشاعات بصورة درامية مثل مقتل زوجة الادميرال كولشك (زعيم الجيش الابيض في وقتها) الى جانب زوجها عند اعدامه من قبل الجيش الاحمر في مدينة اركوتسك، ولكن في الحقيقة بأن ما حدث هو ان الامرأة المشار اليها والتي كانت حاضرة عند اعدامه هي عشيقته والتي بقيت على قيد الحياة لحين وفاتها في موسكو سنة 1975، اما زوجة الادميرال فكانت تعيش في باريس.

كما كان دارجا لدى الروس البيض بأن فلاديمير لينين لم يكن الا قائدا صوريا للثورة وللحكومة التي لحقتها، في حين القوة الحقيقة كانت في يد اليهود، إذ يدعي القادري بأن “ان الاكثرية الساحقة من الرؤساء البلاشفة ومبرزيهم هم من اليهود وان الروس لا يملكون من المناصب الخطيرة في روسية البلشفية، البالغ عددها 503 مناصب غير 11 منصبا وثمانية مناصب منها للاجانب واما الباقي وعددها 483 مصباً هو بيد اليهود ومن هذا البيان الموجز يظهر ان اهم المناصب هي في قبضة اليهود. وان مجلس معتمدي الامة (يعني الوزارة البلشفية) تتألف من 18 عضواً ليس فيها سوى ثلاثة اعضاء من الروس الحقيقيين و15 من اليهود ولكن هؤلاء اليهود كانوا قد اندمجوا في الجنسية الروسية وقبلوا الدين المسيحي منذ مدة وغيروا اسماءهم الاصلية.” وينقل القادري الرواية القائلة بأن لينين كرر عبارة وهو يحتضر على فراش الموت مفادها ” آه! ماذا فعلت؟ دهورت الشعب الروسي الى المهالك ليسعد اليهود.” إذ يجعل لينين “الروسي”، وحاله من حال الامة الروسية المسكينة التي استغفلها اليهود، ضحية للمكائد التي وضعها اصلا المتآمرون الصهاينة. ولكن فاته، كما فات الروس البيض، معلومة مثيرة يبدو بأنهم كانوا يجهلوها آنذاك عن لينين، وهي ان جده من ناحية الام كان قد وُلد يهوديا، ولو تسنى لديهم معرفة هذا الامر الذي بقي خفيا لعقود من الزمن في الفترة السوفيتية، لتنفسوا الصعداء في الترويج له ولجعلوا لينين “رأس الافعى” اليهودية بحسب سرديتهم.

يبدو بأن القادري، كما يطلعنا بنفسه (وكما هو موضح في احدى مواضع الكتاب من الاشارة الى “المترجم”) كان قد الف هذه المذكرات باللغة التركية (العصمانلية) قبيل ترجمتها الى العربية. وهنا يبرز لدينا تساؤل مثير، لأن القادري في مواضع اخرى من الكتاب يؤكد بأنه كان على تواصل دائم مع القنصليات البريطانية، وهو كثير الاطراء للجيش البريطاني في سرديته. فهل كانت هذه المذكرات اصلا تقارير كان قد كتبها القادري بطلب من الانكليز عن حال الثورة في روسيا وبالتحديد حول مسلمي روسيا الذين على اتصال معهم، حيث ان انكلترا كانت مهتمة جدا بتطلعات مسلمي اواسط آسيا والقفقاس وما يعنيه الامر بالنسبة لمصالحها في الهند وايران، والتي كان يهددها النفوذ الروسي منذ بدايات القرن التاسع عشر؟ ولعل القادري كان يريد اقناعهم بمعاودة توفير الدعم لمسلمي روسيا اذا يقول في نهاية كتابه بأنه لا يزال “منتظرا بكل جوارحي لاي نداء يدعو الى حمل السلاح ضد البلشفة في روسيا، ومستعداً اتم الاستعداد للرجوع الى قيادة جنودي البواسل!”  ومن جانب آخر، هل سعت الجهة التي موّلت عملية ترجمة هذه المذكرات ونشرها الى انتاج مصل عقائدي ضد الشيوعية ليحول من دون تمددها الى العراق وذلك من خلال توطيد الخطاب الجاعل من الشيوعية وجها من اوجه المؤامرة اليهودية العالمية، خصوصا وإن علمنا بأن الكثير من ضباط الانكليز كان ميالا، بحكم التيارات الفكرية الدارجة في ذلك الوقت، الى معاداة السامية والتحسس من تنامي الحركات الصهيونية التي كانت تهدد استمرار انتدابهم في فلسطين؟

تبقى هذه التساؤلات معلقة لأن التاريخ والتدوين لم يسعفنا في الاجابة عليها. ولكن ما وصلنا هو ان المثقفين اليهود العراقيين مثل عزرا حداد انبروا الى الرد على القادري على صفحات جريدتهم المصباح واتهموه بالترويج للفتن الطائفية ضدهم، مما ادى الى قيام القادري بنشر تنبيه في الطبعات الثانية واللاحقة من كتابه يقول فيه بأنه يقصد يهود روسيا تحديدا و”لا اقصد البتة اليهود المسالمين المشهورين بالحلم وسلامة القلب كاليهود الساكنين في الشورجة وسوق حنون والبصرة والعمارة والموصل والشام وفي محلة بلاط بالاستانة فان هؤلاء مشغولون بكدهم وكسبهم.” ولكن المهاترات استمرت ما بين الطرفين من على صفحات جريدتي المصباح والعالم العربي الى حين قيام القادري بالتهديد بأنه سيكشف “اسرار التواطؤ بين اليهود القاطنين في العراق وفلسطين مع بولشفيك الروس اليهود، والمناورات البلشفية في فلسطين وفروعها الخفية في بغداد، وسيفضح مساعيهم وجهودهم الواسعة النطاق لنشر الفوضى والصهيونية ودعاياتهم المضرة بين ظهرانّي هذه الاقوام الآمنة المطمئنة.”

ولعل كان هذا سيكون مضمون كتابه الآتي “الانقلاب العالمي” كما يعد القادري بذلك قراءه، ومن عناوين فصوله “كل يهودي صهيوني والعكس بالعكس”، وايضاً “اول مؤتمر صهيوني ومقرراته والمناشير الاربعة والعشرون المقدسة او البرتوكولات الصهيونية”.

يُذكر بأن القادري اصدر كتابه الثاني في سنة 1957، اي بعد حوالي 33 من صدور كتابه هذا، بعنوان “الخطر الاحمر” (مطبعة الامة ببغداد) ولكن لم يتسنى لنا ايجاده. ويبقى لنا القول بأن المرادف في الادبيات التاريخية الاجنبية لكلمة “فرهود” العراقية هو مصطلح “پوگروم” الروسي الذي اقتحم قواميس اللغات العالمية منذ نهاية القرن التاسع عشر، والذي يختص بوصف اعمال العنف والشغب ضد اليهود هناك تحديداً.

للإطلاع على كتاب “مذكرات صديق باشا القادري” اتبع الرابط التالي:

 http://www.imarawatijara.com/qadirirussiajewsiraq/

 

غلاف منهاج اللغة العبرية للمرحلة الابتدائية في المدارس العراقية الذي وضعه عزرا حداد

(نشر الجزء الاول من هذه السلسلة في موقع الحرّة يوم 22 ديسمبر 2017)

بَحْوَشة في كَدَسْ المتنبّي

استيراد مفاهيم معاداة السامية من الخارج (1-4)

ما الذي حدا بالمربي والصحفي العراقي عزرا حداد على أن ينكب على ترجمة نص لرحلة حدثت قبيل أكثر من ثمانية قرون، في حين أن العالم من حوله كان منشغلا بأحداث الحرب العالمية الثانية والتي ألقت بظلالها على أرض العراق مباشرة؟

عزرا حسقيل حداد (1903-1972) كان مديرا لمدرسة وصحفيا مرموقا، وكان يُعد من أقطاب النهضة الثقافية في بغداد الثلاثينيات والأربعينيات. ولكن في صيف سنة 1941، عمل أيضا ضمن لجنة أشرفت على دفن حوالي 180 جثة عائدة ليهود عراقيين كانوا من ضحايا أحداث الشغب التي عرفت بـ”الفرهود”. وحسب شهادات أفاد بها حداد في مطلع الستينيات، من بعد هجرته مع بني قومه إلى إسرائيل، لم يتحدد رقم الجثث على وجه الدقة لأن بعض الأشلاء التي دفنت كانت محصورة بيد مبتورة هنا، أو ساق هناك. وتمت عملية الدفن ضمن مقبرة جماعية في مدفن اليهود القديم داخل أسوار بغداد، حيث تراكمت عظام أجدادهم وأولياءهم منذ ألف عام، ووُضع فوق هذه المقبرة الجماعية بناء بسيط بقبّة مطولة من الطابوق، يشبه البيوت البلاستيكية الزراعية، فأصبح بمثابة النصب التذكاري لما وقع في تلك الأيام الأولى من شهر حزيران. ولكن، في منتصف عقد الستينيات، تمت تسوية هذا البناء مع بقية شواهد القبور، وتم منح المتبقين من الطائفة اليهودية فترة زمنية محدودة لنقل رفات موتاهم وأقاربهم إلى المقبرة اليهودية الجديدة في منطقة الحبيبية ببغداد. ولأن أغلب أبناء وبنات هذه الطائفة كان قد هاجر إلى إسرائيل واُسقطت عنهم جناسيهم العراقية، لم تتم عملية النقل لدى السواد الأعظم من العائلات، وبقيت تلك العظام المتراكمة، ومنها تلك الأيادي والسيقان المبتورة في القبر الجماعي إلى يومنا هذا تحت أرجل المرتحلين من وإلى شتى بقاع العراق في عجقة وازدحام كراج النهضة للنقل العام، الذي باتت تمتد تضاريسه مع امتداد المقبرة القديمة.

ربما استشعر حداد بأن فترة بقاء قومه في هذه الأرض، التي عرفها اليهود باسم شنعار، وفي مدينة بغداد التي سكنوا نواحيها حتى من قبل تعميرها، والتي دلّعوها لاحقا باسم “العدينة”، أي المتغنّجة، قد شارفت على الزوال، وبأن الحياة التي كان يعرفها، تلك الحياة الثقافية المتدفقة بالعطاء والحيوية التي كان يعد فيها أسماء نيّرة مثل عباس العزاوي ويعقوب سركيس وكوركيس عواد ومصطفى جواد ويوسف المحامي من ضمن حلقة مجالسيه وزملائه، باتت في طور الاحتضار، أو ربما كان يتصور أنه من خلال ترجمته لرحلة بنيامين التطيلي بأن هذه هي محاولته الأخيرة في تذكير من حوله بأن اليهود متأصلون في هذه الأرض، وبأن حدثا كالفرهود كان انتكاسة وقتية، واكبت التماوجات العالمية المصاحبة للحرب الكبيرة، وبأن الأمور ستعود حتما إلى سابق أوانها.

يشرح لنا حداد أن “رحلة بنيامين” للرحالة الرّبي بنيامين بن يونة التطيلي النباري الأندلسي (1165-1173 م)، والتي ترجمها لنا المؤلف عن الأصل العبري وعلق حواشيها وكتب ملحقاتها وقامت المطبعة الشرقية ببغداد بنشرها عام 1945، هي رحلة مهمة لأنها ترفدنا بـ “معلومات عامة عن أحوال اليهود في كل مدينة زارها، ويذكر عددهم وأوضاعهم وطرق كسبهم ومركزهم العلمي والاجتماعي وعلاقتهم بالبيئة التي يعيشون فيها”. ويضع لنا حداد المسببات الضمنية التي دفعته لترجمتها في ذلك الحين، إذ يقول “وقد أعجب بنيامين بصورة خاصة، بما شاهده في وادي الرافدين من جماعات يهودية كانت يومئذ تنعم بالطمأنينة والرفاهة في ظل الخلافة الإسلامية الوارف، وفي عصر لم يكن يهود أوروبة يعرفون سوى ضروب الإرهاق والاضطهاد الديني والاقتصادي”، وبأن لأرض العراق خصوصية لدى اليهود “فكان الفرات الينبوع الزاخر الذي تدفق منه كتاب التلموذ – دائرة المعارف اليهودية الكبرى التي ما زالت حتى اليوم تهدي اليهود إلى شريعتهم وشعائر ديانتهم وتأريخهم وأساطيرهم”. وما يثير الانتباه هو أن هذه الرحلة تم طباعتها عدة مرات وترجمتها إلى اللغات الأوروبية منذ القرن السادس عشر، ولكن لم تنتشر نصوصها في البلدان الشرقية التي زارها الرحالة واسهب في وصفها لحين قيام حداد بهذا الجهد.

فخرج بنيامين التطيلي قاصدا الشرق في عصر امتاز بالاضطراب كعصر حداد. ولد التطيلي في مدينة في إسبانيا كانت قد استعادتها القوى المسيحية من دار الإسلام قبيل ولادته بسنوات. وسار مع خط التنقل في جنوب أوروبا من خلال مارسيليا إلى روما، ومن ثم إلى القسطنطينية والتي كانت لا تزال تحت حكم مؤسسيها البيزنطيين وقبيل أن تلقب بـ “إسطنبول”، ومن ثم سار ضمن الممالك الصليبية حتى وصل القدس التي كانت قد قضت حوالي سبعين عاما آنذاك تحت حكم الإفرنج. كل هذا قبل أن ينتقل منها إلى ديار المسلمين، فزار دمشق وحلب، والموصل وبغداد والبصرة، ثم مدائن فارس وآسيا الوسطى، وبعدها الهند وادعى أنه زار أرض الصين أيضا، وثم قفل راجعا إلى الخليج فزار الجزيرة واليمن ومن ثم عرج على القاهرة والإسكندرية. وكانت هذه البلاد تتبع رايات مختلفة، فمنهم من يسير بأمر الخليفة ببغداد، ومنهم من يحتكم لدى السلاجقة، وآخرون يهتفون باسم الحاكم الفاطمي، ونواحي أخرى واقعة تحت سطوة طائفة الحشاشين. دامت الرحلة ثماني سنوات، ولم يتوصل حداد حين تحليله للنص إلى الأسباب التي دعت التطيلي للمضي في هذه الرحلات التي لابد وأن واكبتها الكثير من المخاطر بسبب الاضطرابات السياسية والاقتصادية القائمة، ولكنه يوضح تميزها وأهميتها حين يضعها في إطارها التاريخي إذ هي سبقت رحلة “ابن جبير بنحو 17 سنة وماركو بولو الرحالة البندقي (1254-1324) بأكثر من مائة سنة وابن بطوطة بمائة وستين عاما”.

ولا نعلم أيضا غاية التطيلي من شرح التمايز الكبير بين حال اليهود تحت حكم المسيحيين مقارنة مع من وقع تحت حكم المسلمين. ففي روما لم يجد إلا مئتي يهودي، وهم من أقدم سلالات اليهود الذين قدموا إليها مع انكسار دولتهم أمام الرومان. في حين كان هناك حوالي 2500 يهودي من شتى الطوائف يسكنون في القسطنطينية، يعملون في الدباغة وبناء السفن وحياكة أثواب الحرير، ولكن “يلحق باليهود أذى شديد من سائر السكان. فركوب الخيل محظور عليهم، باستثناء ر. سليمان المصري طبيب الملك الخاص. ولهذا الطبيب حظوة لدى الملك، وبفضل نفوذه يتمتع اليهود ببعض الامتيازات وسط موجة الاضطهاد المحيقة بهم”. أما في القدس، فلم يجد إلا مئتين آخرين من اليهود يعملون بالصباغة، وذلك من بعد المجازر الصليبية التي أفنت أعدادهم. ولفت انتباهه بأن مقابر اليهود كانت مترامية الأطراف فيها، و”لكن الإفرنج يهدمون هذه القبور ويستعملون حجارتها لبناء بيوتهم”.

ولكن هذه الصورة البائسة لواقع قومه آنذاك تتغير جذريا حين انتقاله لمكان مثل مدينة تدمر الصحراوية، مثلا، حيث يجد ألفي يهودي يمتازون بكونهم محاربين أشداء و”يعاونون جيرانهم المسلمين والعرب من أتباع نور الدين في حربهم مع غزاة النصارى” (يقصد نور الدين زنكي هنا). وتزداد أرقام اليهود تباعا مع ذهابه إلى دمشق (3000 يهودي) وحلب (1500 يهودي) والموصل (700 يهودي). ومن ثم تبدأ بالاضطراد حيث سيحصي أربعة آلاف في جزيرة ابن عمر، وسبعة آلاف في الكوفة، وعشرة آلاف في كل من واسط والبصرة. و25 ألفا في العمادية ونواحيها من أعمال كردستان. وحتى قبيل وصوله إلى بغداد يعد ضمن إحدى الحواضر المحيطة بها مثل عكبرا حوالي 15 ألف يهودي، ليجد داخل مدينة بغداد 40 ألفا من أبناء قومه” وهم يعيشون بأمان وعز ورفاهية في ظل أمير المؤمنين الخليفة” نسبة إلى الحاكم العباسي المستنجد بالله.

كانت بغداد آنذاك تعيش في زمن أفول رونقها، ولكن بالنسبة للتطيلي كانت عاصمة اليهود العامرة، فلديهم عشر مدارس مهمة فيها، وعشرات من أماكن العبادة، والعديد من قبور أنبيائهم والأولياء، وكانت مقر رئاسة الجالوت (أي الجالية) التي يتربع على عرشها عالم ديني من سلالة الملك داوود يسري نفوذه على اليهود “في العراق وإيران واليمن والجزيرة العربية والقفقاس، وسبيرية وآسيا الوسطى وسمرقند والتبت والديار الهندية”، “وتقضي التقاليد المرعية بين اليهود والمسلمين وسائر أبناء الرعية بالنهوض أمام رأس الجالوت وتحيته عند مروره بهم. ومن خالف ذلك عوقب بضربه مائة جلدة”.

ويسهب التطيلي بشرح أحوال اليهود في تلك البلدان، ومنها ما يحصل عند عيد زيارة الكفل مرقد أحد أنبياء اليهود (النبي حزقيال)، حيث تمتد خيام الزائرين إلى 22 ميلا! وكانت الغلبة العددية المطلقة في صالح يهود المشرق مقابل يهود أوروبا آنذاك، ولم تتغير المعادلة إلا مع مطلع القرن التاسع عشر، حيث ساهمت التطورات في مجالات الصحة والنظافة العامة في تقليل معدل وفيات الأطفال والمسنين في الغرب، وهي التي جعلت يهود أوروبا بعدئذ يشكلون ثلاثة أرباع مجموع يهود العالم في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية والمحرقة النازية.

يتحفنا حداد بالكثير من الشروح والهوامش لمتن النص والتي من شأنها تقريب بعض التناقضات الجغرافية لدى القارئ، وكذلك تفيدنا بتأريخ بعض الحوادث المذكورة في الرحلة، وتحديد سيرة بعض الأسماء الواردة فيه. وهناك أيضا أربعة ملاحق تشرح لنا الفروق بين الطوائف اليهودية مثل السامريين والقرائين (وفي هذه الأخيرة دور مثير لأبو حنيفة النعمان!)، وتشكّل مدارس فقهية مثل غاؤونية بغداد. ويلحقها شرح لما تيسر لدينا من معلومات حول فتنة داود ابن الروحي، الذي قاد ثورة مهدوية في مدينة العمادية قبيل قدوم التطيلي إليها بسنوات معدودة.

الترجمة مُهداة إلى عزرا مناحيم صالح دانيال، الثري البغدادي والوجيه اليهودي الذي يمتد جاه عائلته إلى فترة حكم المماليك الكرج، أي القادمين من نواحي جورجيا ببلاد القفقاس. وكانت عائلة دانيال قد قدمت معهم من هناك واضطلعت بالإدارة المالية والزراعية، واستطاعت بحكم هذه العلاقة تكوين ثروة كبيرة من أراض ومقاطعات، وكانت تمد الطائفة اليهودية ببعض ممثليها في مجلس المبعوثين في إسطنبول في الفترات الأخيرة من الحكم العثماني المباشر الذي عاد إلى العراق إبان انكسار المماليك. واستمرت هذه الوجاهة مع تكوين الدولة العراقية الحديثة، ومن معالمها سكن الملك فيصل الأول لفترة من الوقت في أحد بيوت هذه العائلة لحد الانتهاء من بناء البلاط الملكي. ولها مبار خيرية خدمت اليهود والمسلمين، وكان عزرا دانيال عضوا في مجلس الأعيان حين طباعة هذه الترجمة. وبقي في العراق حتى من بعد الهجرة الجماعية إلى إسرائيل، وتوفي من دون عقب في عام 1952، ودفن إلى جوار الكفل.

ولعل حداد تقصّد بإهداء الكتاب إلى عزرا دانيال أن يوضح أيضا أن اليهود كانوا متأصلين في تكوين العراق الحديث، من بعد سكناهم في هذه الأرض لآلاف السنين.

وهنا يظهر إلينا السؤال الجوهري المتمثل بهذه الترجمة: لو كان ماضي اليهود في العراق كما بينه التطيلي، وحاضره متشخصا بوجاهة عين بارز في الحقبة الملكية مثل عزرا دانيال، والوجاهة الثقافية المتمثلة بالمترجم نفسه، فلم حصل الفرهود؟ فهل كانت أحداث الفرهود عرضية ومؤقتة، تشبه بعض الانتكاسات التي شهدها اليهود في أرض الرافدين منذ قدومهم مأسورين إليها، أو أنها كانت بمثابة ناقوس ينذر بأن الحال قد تغير جذريا؟ السنوات التي لحقت الفرهود أوضحت أن التغيير كان فعلا جذريا وقطعيا. فكيف ببغداد، التي كانت في زمن ما بمثابة عاصمة اليهود، تكاد اليوم خالية تماما من ذراريهم؟

وكيف بذكراهم التي باتت كما حال تلك الأيادي المبتورة والسيقان المقطوعة، تتوق للعودة إلى أجسادها، ولكن من يسمع أنينها تحت طبقات الأسفلت و”هورنات” الباصات والمنادين “بصرة، بصرة، يقـپـط باثنين”؟

للاطلاع على الكتاب اتبع الرابط التالي:

http://02e37fc.netsolhost.com/site/benjamintudela.pdf

تعليق