معارضي اليوم هم حكام الغد

نبراس الكاظمي

تأجلت القمة العربية التي كان من المفترض انعقادها في بغداد الى الشهر الخامس، وقد تتأجل مراراً وتكرارا مع استمرار الغليان في المنطقة مما يوفر نافذة زمنية مهمة للدبلوماسية العراقية كي تعيد حساباتها وتبلور مواقف جديدة تواكب بها التغييرات الكبيرة والتاريخية التي تشهدها المنطقة.

فهل سيقود العراق كتلة ديموقراطية جديدة في اروقة جامعة الدول العربية؟

مصر وتونس وشعوبهما شرعوا في مشوار قد يقودهم الى الديموقراطية، وهذا نفس المشوار الذي قطع العراق شوطاً طويلاً به. ومع توالي الايام، سيلحق بهذا الركب شعب اليمن وكل او جزء من شعب ليبيا. عندئذ، وإن احتسبنا لبنان المتأرجح بين الديموقراطية وسطوة حزب الله، والمغرب المتوجه الى الملكية الدستورية، فإن سبع دول من المكونات المهمة في الجامعة العربية باتوا في طور جديد مغاير تماما للقوالب القديمة، التي ما تزال موجودة ومشخّصة بقيادة المملكة العربية السعودية وسورية. التنسيق وبلورة المواقف بين الدول السبع هذه بمقدوره ان ينبثق عن كتلة ديموقراطية جديدة مشروعها المعنوي والإستراتيجي هو تغيير او اصلاح ما يقابلها من الانظمة المنضوية في كتلة الإستبداد المترنحة.

فأين العراق من كل هذا؟ تقع ممثلية العراق لدى جامعة الدول العربية في موقع جميل على شواطىء النيل في حي الزمالك، والمبنى الفاخر حيث يرتفع علم العراق يعود الى زمن الخير والرقي للقاهرة، وللعراق كذلك. ومنذ التحرير في عام 2003 تم تعيين سفراء لدى الجامعة العربية ممن هم مقبولين من قبل نظراءهم هناك فطغى الطابع “القومجي” العروبي عليهم ومن ضمنهم السفير الحالي الدكتور قيس العزاوي والذي إن كان اكاديمياً مرموقاً وخريج السوربون فهو يبقى اسيراً لعقلية الستينات الثورية التي كانت تصخب بها قاهرة جمال عبد الناصر.

ولكن القاهرة اليوم هي قاهرة وائل غنيم، الشاب المصري الأمريكي الذي كان له الدور الابرز في تنظيم وتحفيز المظاهرات التي اسقطت نظام حسني مبارك الوريث الشرعي لنظام عبد الناصر. فما هي نقاط التلاقي بين السفير العزاوي وجيل وائل غنيم؟ هذه من الاسئلة الحيوية التي على الدبلوماسية العراقية ان تنظر بها وتعالجها هذه الايام كي يصبح مبنى الممثلية الجميل وكرا للتآمر الايجابي ومآوى للثوار الجدد.

كنا نحلم، ايام المعارضة، أن العراق الجديد سيكون مصدر إشعاع لروح التجدد والديموقراطية في المنطقة، وان بغداد ستكون ملاذاً ومحجّة لأحرار الشرق الاوسط. وكنا ننظر الى الجامعة العربية على انها نادي اجتماعي للمستبدين ومن لف لفهم، ومن الجائز ان يعلّق العراق عضويته في مؤسسة لا يتشرف بالإنتساب إليه وان كان من مؤسسيها. وكنا نحلم بتوفير كافة السبل للأحرار التواقين للديموقراطية في التعبير عن انفسهم، من فضائيات وجرائد ومؤتمرات. لكن المفاجأة ان عواصم الاستبداد عملت وبسرعة على وأد هذا الوليد عن طريق الإعلام المضاد والتمويل والإرهاب قبل ان يلتقط انفاسه الاولى. فبدلا من تصبح بغداد قلعة للحالمين، امست طهران ودمشق والرياض والدوحة وصنعاء قواعد خلفية لكل من اضمر السوء للعراق واراد إعادة عقارب الساعة الى ما قبل يوم 9 نيسان 2003.

غايتنا لم تكن ما انغرّ به صدام حسين من جنون العظمة حينما كان يأوي مجاهدي خلق والبعثيين السوريين، او عند تمويله للإرهابي الفنزويلي كارلوس والتنظيمات المتطرفة الفلسطينية، او دعمه بالسلاح والخبراء للفالانج الماروني نكاية بحافظ الاسد. وكانت اجهزته المخابراتية تعشعش في محطات دبلوماسية او مخفية في عواصم العالم ومنها ينطلق القتلة كي يصفي بهم حساباته مع معارضيه من العراقيين ومنافسيه من المستبدين الذين على شاكلته. وموّل صدام ايضاً احزاباً وصحفاً ومجلات متعددة، في المنطقة وفي اوروبا وحتى في اقاصي افريقيا. إذ اراد صدام بهذا توسيع دائرة نفوذه لغاية الزيادة من سطوته وقوته. لم يعمل لمبدأ إلا لتثبيت اركانه.

كلا، غايتنا نحن الحالمون كانت مبدئية واستراتيجية. مبدئية، لأننا عرفنا مرارة الدكتاتورية مما يوجب علينا ان نقف مع من يعاني منها، فحلفاؤنا احرار متمسكون بميثاق تداول السلطة وحرمة الدستور وصناديق الاقتراع والحريات الشخصية، وليسوا قتلة او ارهابيون. واستراتيجية، لأن العراق الجديد لا يستطيع ان يزدهر إلا في بيئة يشبهها وتشبهه، للأن بقاءه في محيط استبدادي سيشجع الطامحين بحكمه في تسريع عملية انزلاق العراق مجدداً الى حضيض سلطة الرجل القوي والحزب الاوحد، وهذا ما بدأ يحصل ويستفحل لو لا انطلاق التظاهرات الإصلاحية مؤخرا والتي اتت كمحصلة منطقية لأريج التغيير المنبثق من المحيط.

فتصدير الديموقراطية ليس موقفاً عدوانياً وإنما هو موضع دفاعي. وقد اثبتت الايام صحة هذه الافكار.

من المعلوم ان الكثير من هذه الشعوب التي تحيطنا لها مآخذ سلبية تجاة العراق، هذا العراق الذي تم تشويه صورته بشكل متعمد من قبل قوى الاستبداد في سبيل توأمة فكرة التغيير الديموقراطي بمشاهد الدمار والحرب الاهلية في ذهن المتلقي لاخبار الفضائيات والصحف. فكان لسان حال كل دكتاتور، صغيراً كان ام كبيرا، هو “يا جموع الشعب، من بعدي الطوفان، وإن لا تصدقوا فانظروا الى ما حدث في العراق”. وقام اعلامهم بتحريض الشباب العربي والمسلم على العراق، وتحفيزهم على “الهجرة” إليه في سبيل الجهاد والانتقام. لم يأتي إلينا احرار الشرق وانما جاءنا الوحوش من شاكلة قاطعي الاعناق والطرق، فتعرفنا على المصري ابو حمزة المهاجر في حين احتمى وائل غنيم في دبي، وجاءنا ضباط الحرس الثوري الايراني في حين قبع احرار ايران في زنازين سجن ايفين بطهران.

لو كانت بغداد قلعة الديموقراطية كما كنا نحلم، لكان هؤلاء المعارضون المصريين والتوانسة والليبيين واليمنيين هم حلفاءنا مسبقاً قبل ان يصلوا الى سدة الحكم عن طريق الانتخاب. وهذه العلاقات المتميزة كانت ستعود بمزايا اقتصادية وتعاونية وامنية بشكل فوري، اقلها تسليم او طرد المناوئين للعملية السياسية العراقية من بقايا البعث من عواصمهم التي جعلوها محاور لإدارة عمليات التفخيخ والإغتيال التي جرت وتجري في شوارع بغداد. ومع وجود هؤلاء الحكام الجدد الا وهم الحلفاء الامس الشاكرين للجميل، كان من الممكن اعادة تسويق العراق وتلطيف صورته الإعلامية امام شعوب المنطقة.

نعم، خسرنا الكثير عبر السنوات الثمانية الماضية ومنها هذه الفرص، ولكن ما زال هناك مجالا لتدارك ما فقد من مكانة اعتبارية ومصالح استراتيجية للعراق. فبات من الضروري اغتنام فرصة انعقاد مؤتمر القمة في بغداد لطرح فكرة الكتلة الديموقراطية الجديدة، ولتكن تسميتها الاعلامية “كتلة بغداد”، وتنسيق المواقف مع الحكام الجدد للسير على النهج الديموقراطي، والضغط على من بقي على منهجه القديم لتعديل مساره او مواجهة ثورات شبابية هائجة ومدعومة من قبل كتلة بغداد بشكل علني ومادي.

وفي هذا المسعى، على الخارجية العراقية ان تعيد النظر في كافة سفرائها الحاليين في العواصم الممتدة من الرباط الى إسلام آباد، وان تختارهم على اسس جديدة اهمها الروح الشبابية والإندفاع الإصلاحي، ولدينا كادر شبابي ممتاز بين الاجيال الجديدة من دبلوماسيو العراق لها ان تختار منهم. واول مكان عليها ان تنظر به هو ممثلية العراق لدى جامعة الدول العربية. كما عليها ان تدشن دائرة جديدة اسمها دائرة “الإصلاح الديموقراطي” في مقرها ببغداد وان تفتتح ممثليات لهذه الدائرة في كافة البلدان المحيطة ضمن نطاق عمل سفاراتنا هناك، وتكون غايتها الاتصال والتواصل مع المعارضون وتوفير الحصانة والملجأ لهم ولعوائلهم إذا تطلب الامر.

فيا وزيرنا العتيد هوشيار زيباري، الرئيس الدوري للجامعة العربية هذه الايام، أليست هذه الافكار هي الاقرب الى قلبك وانت ضحية الدكتاتورية ومن المناضلين ضدها منذ صغرك؟ سابقاً كنت تبرر مواقفك المتحذرة وتتحجج بان العراق ما زال ضعيفا واعداءه اقوياء، فها هو العدو يسقط واحدا تلو الآخر ومن تبقى يتأرجح، وها هو العراق الجديد اقوى من اي وقت سبق في حياته الوليدة. فماذا تنتظر؟

تدخل الغير كثيرا في شأننا الداخلي وما علينا إلا ان نرد الصاع صاعين ولكن هذه المرة من اجل مبدأ حسن وفي سبيل غد افضل لنا ولجيراننا.

    1.
  1. March 25th, 2011 at 11:56 pm
      يقول:

    مبارك موقعك الجديد يا نبراس ، مفاجأة جميلة كنت انتظرها ، اما بعد…

    تمنيت طويلا الاهتمام الجدي بسفراء العراق الجديد فكما اسلفت انت وايضاعن تجربة شخصية لي ابتلينا بسفراء ينتمون للزمن القديم. بعضهم يعمل ضد الديمقراطية الوليدة بحجج متعدة باطنها تأثرهم بافكار بعثية واضحة وغيرهم يكفي من فسادهم السكوت! يخافون مواجهتنا بصراحة ولكن يؤذونا بعدم دعم العراق الجديد!

    الوقت مكناسب ليقوم العراق بدوره التاريخي وينتقل من مرحلة التاثر الى مرحلة التاثير لقيادة المنطقة نحو مستقبل اكثر اشراقا ونحن قادرون حتما لكن المهمة بحاجة لرجال مخلصين والبداية مع الخارجية العراقية

  2. 2.
  3. March 26th, 2011 at 7:47 pm
      يقول:

    القمة العربية القادمة هي قمة تعارف

  4. 3.
  5. March 26th, 2011 at 7:50 pm
      يقول:

    مبروك استاذ نبراس موقعك الجديد ونرجو ان يكون منبرا حرا لعرض القضايا السياسية العراقية بمحايدة كما عهدناك

  6. 4.
  7. March 12th, 2012 at 9:11 pm
    محمد حازم
      يقول:

    اتمنى من كل قلبي ان يتابع المسؤل العراقي الاراء التي تطرح واستنتاج الخلاصة المفيدة منها لخدمة هذا البلد والقضية وعدم هدر حبر تلك الاقلام بالاهمال و عدم الاكتراث … بوركت استاذ نبراس وبوركت اقلامك

تعليق