إئتلاف دولة الشريعة

نبراس الكاظمي

في مطلع هذا العام توجه ما يقارب العشرون بالمئة من الناخبين العراقيين إلى صناديق الإقتراع ليدلوا ‏بأصواتهم لصالح القائمة المسمى “ائتلاف دولة القانون” التي رعاها رئيس الوزراء نوري المالكي في ‏انتخابات مجالس المحافظات املا منهم بأن تكون هذه القائمة بادرة لنفس سياسي جديد معالمه الكفاءة ‏والإنفتاح والحس الوطني العراقي المترفع عن الطائفية والحزبية الضيقة. وقد حصلت هذه القائمة على ‏اعلى نسبها في محافظتي بغداد والبصرة ربما لما شهده اهاليها من تحرك من قبل المالكي والجيش ‏العراقي لكسر شوكة المليشيات الخارجة عن القانون والمتمثلة بـتفرعات ما يسمى بـ”جيش المهدي”. ‏

والآن وبعد مرور ستة اشهر تقريباً من عمر المجالس الجديدة تبيّن بأن ما تم انتخابه هو ليس “ائتلاف ‏دولة القانون” وإنما الأجدر تسميته “ائتلاف دولة الشريعة”.‏

إدعى المالكي اثناء الحملة الإنتخابية بأن قائمته مُتخمَة بالمستقلين واصحاب الخبرة والتمرّس في الإدارة ‏‏(التكنوقراط) الذين هم بعيدين كل البُعد عن التحزّب والإديولوجية والأجندات المخفية، وجُلّ همهم هو ‏إستتباب الأمن ومكافحة الفساد وتصحيح وتحسين عملية رفد المواطن العراقي بالخدمات الاساسية من ماء ‏نقي وكهرباء ووقود.‏

ولكن دراسة علمية لواقع الحال توضح بأن 87 بالمئة من الذين تبوؤا مقاعد في مجالس المحافظات وممن ‏كانوا مرشحين على قوائم “ائتلاف دولة القانون” هم من اعضاء حزب الدعوة ومناصريه. فلنا ان نتسائل، ‏هل قام مئات الألوف من الناخبين بإنتخاب حزب الدعوة دعما لعقيدته الإسلامية ام قام هؤلاء بإنتخاب ‏‏”قائمة المالكي” عرفانا لرأسها بما اداه ضد المليشيات؟ وما هي الاهداف الإديولوجية والعقائدية التي ‏يتصوّر حزب الدعوة بأن ناخبيه قد وكّلوه لتطبيقها على الدولة والمجتمع؟

وفي هذا السياق، يخرج علينا الدكتور صلاح عبد الرزاق (صلاح سالم عبد الرزاق الحميد، واسمه ‏الحركي “ابو جعفر المهندس”) عضو حزب الدعوة والمنتخب من قبل مجلس محافظة بغداد لمنصب ‏المحافظ — حيث حصل “ائتلاف دولة القانون” على ما يربو من اربعين بالمئة من الاصوات في بغداد — ‏ليصرِّح في بيان صحفي منشور على الموقع الالكتروني الرسمي لمجلس المحافظة يوم 19 آب بـ “اهمية ‏قيام القنوات المحلية والدوائر الامنية والجهات الدينية بتوعية المجتمع بحرمة (شهر رمضان) وقدسيته ‏وعدم السماح  لأي من الناس بالافطار العلني والا سوف يخضع الشخص للمساءلة القانونية لان ‏المجاهرة  بالافطار لاتجوز ويخضع الشخص للمسائلة القانونية”.‏

اليس هذا نفسه السيد صلاح عبد الرزاق الذي صرَّح قبل عدة اشهر بصفته مدير حملة المالكي الإنتخابية ‏بأن القائمة التي يمثلها، ألا وهي قائمة “ائتلاف دولة القانون”، هي قائمة “علمانية” وبعيدة عن مآرب ‏إسلامية؟ نعم، إنه بعينه، ولكن مع تبدل الاحوال. انظر ما قاله السيد المحافظ آنذاك لجريدة “الواشنطن ‏بوست” الامريكية في عددها المنشور يوم 17 يناير 2009 :-‏‎ ‎

‏”ويقول (صلاح عبد الرازق)، مدير الحملة، إن الحزب لم يعد يركز على الدين. ويضيف «المالكي ‏إسلامي كفرد، ولكنه كرجل دولة، لا.. إنه علماني. في الوقت الحالي لدينا أولويات، حيث لا توجد منازل ‏للمواطنين ولا غذاء ولا أمن، هناك احتياجات ضرورية للمواطنين قبل أن نقوم بأشياء مثل أن نحظر ‏الكحوليات أو نجبر المرأة على ارتداء الحجاب». ويؤكد «في الأساس، المالكي عراقي، ولا يمكن أن ‏يكون إسلاميا في الوقت الحالي».”‏

سبحان مغيِّر الاحوال من وعود انتخابية قيلت لجريدة امريكية، إلى تطبيق الشريعة الإسلامية من على ‏كرسي السلطة! أو ربما هذا ليس نفاقا بتاتا، وإنما السيد المحافظ يتصور، بكل صدق، أن المواطن اصبح ‏لديه ما يكفيه من مأوى ومأكل وملاذ وبقية الـ”ضروريات” وقد آن الأوان لإنبعاث الجمهورية الإسلامية ‏في ربوع العراق! ‏

ولدينا وقفة كذلك مع مؤهلات السيد صلاح عبد الرزاق في تبوّء منصب المحافظ، إذ ان الخلفية الاكاديمية ‏لديه تنحصر في شؤون إسلامية بحتة، فمثلاً، شهادة الماجستير التي حاز عليها من جامعة ليدن بهولندا تقع ‏تحت عنوان “القانون الدولي الإسلامي” وشهادة الدكتوراة التي انجزها في عام 2000 من ذات الجامعة ‏تتمحور حول الفكر الإسلامي. وعندما رجع إلى العراق بعد التحرير عمل بدرجة مدير عام للعلاقات ‏والإعلام السياسي في ديوان الوقف الشيعي، إلى ان اصبح عضو في مجلس محافظة بغداد عام 2005 ‏عن حزب الدعوة.‏

لم استطع ان استدل على الكثير من سيرته مما يزكيه للمنصب الجديد، فهو اسلامي متنيِّر وبإمتياز، ولكن ‏لا يعرف عنه بأنه إداري ناجح. فأين ذهبت الوعود بتوزيع الأدوار الحيويّة على التكنوقراط واصحاب ‏الكفاءات؟

وتطبيق الشريعة الإسلامية في شهر رمضان على كل من رضي او لم يرضى ليست حالة عرضية او ‏وقتية بالنسبة لرجال “ائتلاف دولة القانون” فهاهو محافظ البصرة الجديد الدكتور شلتاغ عبود (شلتاغ عبود ‏شراد عسكر المياح، واسمه الحركي “الحاج ابو دعاء”) وهو كذلك من حزب الدعوة يوجه مجلس ‏المحافظة يوم 8 آب 2009 بتحريم المشروبات الكحولية بشكل دائم. وكان “ائتلاف دولة القانون” الذي ‏ينتمي إليه السيد المحافظ قد حصل على اربعين بالمئة من الاصوات في البصرة.‏

ومجلس المحافظة هناك في البصرة منشغل هذه الايام كذلك بتشريع تعليمات لإطلاق اللحى في الدوائر ‏الرسمية والقطعات الأمنية والعسكرية المنتشرة في المحافظة. وهذه خطوة قاب قوسين او ادنى من تشكيل ‏لجان “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” والمعروفة بـ”المطاوعة” في المملكة السعودية. فتخيلوا رجل ‏امني ملتحي يصول ويجول مهددا من يستشف منه رائحة الدخان في اوقات النهار من رمضان بالحبس ‏لما تبقى من الشهر بتهمة الإفطار، وربما يزيد عليها ويتهمه بالتقصير في اداء صلاة التراويح. وهي ‏خطوة ليست ببعيدة عن اجبار المرأة البصراوية على الحجاب او “التعبَي” او حتى التدخل بما هو لائق ‏ومقبول اسلاميا بالنسبة لقصات شعر الشباب. فما عجز الجهاديون من فصيل القاعدة و”دولة العراق ‏الإسلامية” تطبيقه سيسعى مجلس محافظة البصرة إليه! اليس من الاجدر تعبئة المجهود العسكري والأمني ‏للقبض على الإرهابيين وعلى المجرمين وعدم تبديد هذه القدرات على المفطرين؟

ولنا وقفة كذلك مع مؤهلات الدكتور شلتاغ عبود، فهو استاذ في الأدب الإسلامي والشعر وكان غادر ‏العراق عام 1976 إلى الجزائر وثم ليبيا وثم بريطانيا، فما علاقة الادب الإسلامي وبيوت الغزل العرفاني ‏بإدارة محافظة حيوية تمثّل الصمام الإقتصادي المرتقب بنفطها ومينائها للعراق برمته؟

استجابتة لطلب محافظ بغداد، اصدر السيد وزير الداخلية جواد البولاني تعليماته إلى “المطاوعة الجُدد” يوم ‏‏22 آب 2009 بـ”اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المجاهرين بالإفطار العلني واحالتهم إلى القضاء وفقاً ‏لاحكام القانون.”‏

لنا ان نتسائل، بأي قانون يسري هذا التوجيه؟ ما هو رقم التشريع وتاريخه؟ ما هي التعديلات عليه ‏وبنوده؟ ومتى نشر في الصحيفة الرسمية؟ ‏

لست بمحامي، ولكنني مواطن عراقي يسعى للمواطنة الصالحة المنتظمة بقانون ويبحث عمّا عليه من ‏حقوق وواجبات، فشرعت في البحث في برنامج “قاعدة التشريعات والتنظيمات العراقية” الموجود على ‏الإنترنت والذي يحتوي على كافة القوانين والتعليمات الصادرة عن الدولة العراقية منذ تأسيسها، فعندما ‏بحثت عن كلمة “الصوم” وجدت تشريعات تحدد ملامح العلاقة بين العراق ودولة “الصومال”، وكلمة ‏‏”الصيام” تأتي بتشريع فقهي لطائفة السريان الارثودوكس. وفي بند “المشروبات الكحولية” نجد تعليمات ‏خاصة بقرار مجلس قيادة الثورة رقم 82 لسنة 1994 (ايام ما يعرف بـ”الحملة الإيمانية” التي اطلقها ‏النظام السابق) ينص بأن للمحافظين الصلاحية بإغلاق الملاهي وصالات الرقص النوادي الليلية ومنح ‏اجازات بيع الكحول لطوائف غير مسلمة، وكلها تحت توقيع وزير الداخلية آنذاك وطبان ابراهيم الحسن، ‏الأخ الغير شقيق لصدام حسين. وهناك تعديل في المادة 18 (منشور في مجلة “الوقائع العراقية” عدد ‏‏3870، ص 187) عام 2001 ينص بإغلاق المكاتب والمحال الخاصة بالمشروبات الكحولية خلال شهر ‏رمضان.‏

ولكن لا يوجد اي شيء ينص، حسب عملي، بأن من حق الدولة حجز المواطن الغير ملتزم بالصيام او ‏بمعاقبته بجرم مشهود وهو الإفطار العلني كما يتضح من امر السيد وزير الداخلية الحالي، وبالتالي فإن ‏العقوبات المطروحة هي احكام وضعية لم يشرِّع لها لا البرلمان ولا القضاء العراقي. وللعلم فإن السيد ‏البولاني ايضا من المحسوبين على الإسلام السياسي ولكنه يسعى بأن يسوّق لنفسه كعلماني من خلال ‏حزبه الجديد “الحزب الدستوري”. وهل هو تصرف “دستوري” أن يأمر الوزير تنفيذ قوانين لا وجود لها؟

وبالتأكيد فهناك الكثير من الثغرات عدا القانونية منها، فمثلا الفقه الصدري إن صحت التسمية والذي ‏وضعه السيد محمد محمد صادق الصدر لا يحرّم التدخين اثناء الصيام ولا يعده من المفطرات. فإذا قامت ‏المواطنة فلانة بـ”توريث جكارة” اثناء زحمة السير في شوارع بغداد بحجّة انها من انصار التيار ‏الصدري، هل يحق لشرطي المرور اعتقالها وحجز السيارة؟ هل من اجابة يا سيادة الوزير؟

كانت لي مقابلة مع تلفزيون الحرة يوم 23 آب وظهر معي السيد النائب كمال الساعدي عن حزب الدعوة ‏وهو من المقربين للمالكي. وفي سياق الحديث تطرقت لتصريح محافظ بغداد السيد صلاح عبد الرزاق ‏حول تطبيق الشريعة اثناء شهر رمضان. فأُستُفّز السيد الساعدي وقال بأن المحافظ لم يصرح بهذا وانما ‏جاءت تعليمات من وزارة الداخلية، ثم ربط الإجراءات بما هو متبع في دول الخليج ومصر والمغرب ‏العربي، وحين قلت له بأن هذه دول غير ديموقراطية رد عليّ بأن الشريعة الإسلامية هي “هويتنا ‏وكينونتنا” و”لا نتردد من إعلان هذا الامر”. نشكره على بعض الصراحة، وأخيرا.‏

إذن حزب الدعوة يسعى لتطبيع الشريعة وجعلها سارية على الدولة والمجتمع، بإعتراف الساعدي، ‏وتصرفات السادة المحافظون. فحذاري يا ايها الناخب والناخبة.‏

للمجتمع اعرافه ولا انفيها، فحتى الكثير ممن يحتسي الخمور او يقامر او يعربد او مجرد انه لا يلتزم ‏بالأركان الخمسة من صلاة وزكاة …إلخ على مدار السنة، نجده يصوم وينام اغلب الوقت ويتسلى ‏بالمسلسلات الرمضانية بحجة الشهر المبارك. فهو مسلم موسمي يحب الاجواء التي تواكب رمضان من ‏باب التمتع بشهر العسل بين الرب وعباده، وإن كان في الأمر بعض النفاق. ومهما يكن فهذا نفاق “ابيض” ‏لا يؤذي الغير على وزن الكذبة البيضاء إذ ما قورن بوزير من حزب إسلامي متهّم بسرقة المال العام، ‏ويقوم محازبيه بالتسّتر عليه ومحاولة تهريبه خارج القطر.‏

ولكن المجتمع له القدرة ان يحمي هذه الاعراف من دون تدخّل الدولة وتسلّطها على المواطن، لما قد ‏يتضمنه ذلك من تعدي مقصود او عرضي على حرية الفرد المضمونة في الدستور. وهل لنا، والدولة ما ‏زالت فتيّة والأجهزة الأمنية ما زال يشوبها الكثير من الفساد، ان نسلِّم مسؤولية تطبيق الاعراف بيد ‏شرطي او جندي قد يجد غايته بإبتزاز “الرايح والجاي” بتهم كيدية مثل “رأيته يدخن” او “كان يأكل لفة ‏فلافل”. بالأمس القريب كانت المليشيات الدينية ببزّات امنية تقتل على الهوية وتسرق البنوك، فكيف لنا ‏الآن ان نثق بأمانتها في تطبيق الشريعة او الاعراف؟

إن العلمانية لا تختزل بإحتساء الكحول او الإفطار في رمضان. العلمانية الليبرالية تتمحور حول صيانة ‏وحماية حرية الفرد من تعسفات الدولة او المجتمع واحكامهم الوضعية إن صدرت عن مجموعة من ‏المراهقين يسمون نفسهم مليشيا أو حزب إديولوجي يطبّق مفاهيمه بغير ما أجاز له الناخب. لم يتم انتخاب ‏السادة محافظي بغداد والبصرة من اجل تطبيق الشريعة، ولم ينتخب حزب الدعوة لتنفيذ مشروعه، الشبيه ‏بمشروع تنظيم “الإخوان المسلمين” السنّي، بـ”أسلمة” الدولة والمجتمع بالتدريج والتقسيط المريح. وفي ‏خضّم هذا الزحف الغير قانوني لجعل الشريعة مسيِّرة لأمور الشعب العراقي الحياتية، والتحديد من ‏حرياته، نجد صمتاً مطبقاً من قبل الكثير ممن يحسب نفسه رمزا من رموز التيار العلماني. فهل هو يا ‏ترى الخوف من التكفير وتهمة الإلحاد والإرتداد بفتاوي من “علماء” حزب الدعوة مثل السيد الساعدي؟ ‏

الم نكتفي من حصتنا من التكفير القاعدي الإرهابي؟

نشرت اولا في موقع www.itjahathurra.com

    1.
  1. April 5th, 2011 at 10:24 pm
    كفاح سمعان
      يقول:

    ما دامت رصاصة كاتم الصوت واللاصقة أقوى من الكلمة فلن يكون هناك أي إعتراض على ما يقوله العاملون على نهب البلد تحت غطاء الإسلام

  2. 2.
  3. April 22nd, 2011 at 12:31 pm
      يقول:

    العراق الديني هو اجهاض لديمقراطية والتأسيس لحكم الملالي وطالبان في العراق

  4. 3.
  5. November 12th, 2011 at 2:34 am
      يقول:

    ما دامت رصاصة كاتم الصوت واللاصقة أقوى من الكلمة فلن يكون هناك أي إعتراض على ما يقوله العاملون على نهب البلد تحت غطاء الإسلام
    +1

تعليق