ولم لا تطالب البصرة بـ 40 بالمئة من وارداتها؟

من ازقة البصرة القديمة

نبراس الكاظمي

يا أهالي البصرة، هل تمانعون حصول كل مقيم ومقيمة في محافظتكم ممن بلغ الحادية والعشرين من السن على صكّ نقدي مطلع كل سنة يتراوح مقداره بين 2200  و 2600 دولار؟

هل لديكم مانع أن تستهلوا عام 2012  بحصول كل فرد منكم على نحو 600 دولار، ليزداد المبلغ بشكل مضطرد كل عام، وليتجاوز مبلغ الـ2000 دولار في سبع سنوات؟

هذا ليس ضربا من الخيال، إذ أن هناك سابقة تتمثل بما يجري العمل به  في ولاية آلاسكا المنتجة للنفط، في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تقوم بتوزيع جزء من أرباح النفط بشكل مباشر على كل فرد بالغ مقيم في ربوعها، حيث يصل المبلغ أحيانا، بناءً على أسعار النفط العالمية، إلى 1500 دولار في السنة.

وفي العراق، هناك سابقة أيضا، فقبل عام بالتحديد خصّص البرلمان دولارا واحدا عن كل برميل نفط تنتجه المحافظات النفطية في سياق قانون ميزانية 2010، ودولارا عن كل 150 مترا مكعبا من منتج الغاز الطبيعي. وهذا ما نصت عليه مسودة قانون موازنة عام 2011، التي تنتظر مصادقة البرلمان الجديد عليها. وقد حُدد سقف “المكافأة” لهذه السنة بمليار ونصف مليار دولار للمحافظات المنتجة كافة، أي ما يعادل اثنين في المئة فقط من الميزانية.

والسؤال الذي يجدر عرضه هو، طالما أن حق المحافظة المنتجة للنفط في الحصول على أكثر من غيرها من المحافظات قد ثبّت ضمن الموازنات العراقية، علما أن المبدأ السابق هو أن الثروة توزع بالتساوي وبحسب عدد السكان، فلماذا لا تطالب هذه المحافظات بحصة أكبر من ذلك الدولار الذي تتكرم به بغداد عليها؟

فمثلا، أليس من حق البصرة المطالبة بـ40 بالمئة من وارداتها؟ الا يكفي المركز حصوله على 60 بالمئة، ولا سيما إن علمنا أن 51 بالمئة من الموازنة العراقية تنفق على رواتب موظفي الدولة الذين تجاوز عددهم الأربعة ملايين موظف وموظفة، ثلثاهم من المقيمين في العاصمة بغداد.

فبأي حق يحرم الفلاح الذي يستطيع أن يرى وهج نيران الغاز المشتعل فوق حقل مجنون من الحصول على أي شيء يذكر من حصته النفطية، أو في أحسن تقدير على بطاقة تموينية منقوصة أو خدمات تعليمية وصحية متدنية وعلى بنية تحية متهاوية، في حين يتمتع مدير عام في بغداد براتب مجزٍ ومخصصات مغرية وبإيفاد مدفوع الثمن إلى بيروت؟

توزيع الثروات بين الدستور والقانون

الدستور يقول في مادته رقم 112 أولا ان “تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة، على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدة محددة للأقاليم المتضررة، والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق، والتي تضررت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد، وينظم ذلك بقانون”.

وصحيح أن الفقرة التي سبقتها تقول إن “النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات”، ولكن الفقرة 112 تنص على أن يكون التوزيع “منصفاً” والإنصاف لا يعني التساوي، فمن الإنصاف أن يحصل صاحب الأرض على غلّة أكبر من حصاده. كما لنا وقفة مع كلمة “الحالية” التي توصف بها الحقول المنتجة، أي أن الحقول التي سيتم استكشافها في وقت لاحق لا تنضوي ضمن هذه النصوص. وبيت القصيد هو الكلام عن “وينظم ذلك بقانون” والذي لم يحصل إلى الآن.

هذه الفقرة هي من أهم ما سُطِّر  في الدستور العراقي، وستكون محك الصراع السياسي في عام 2011.

قد يظن ساسة البلاد أن دورهم السياسي هذه الايام محصور في لعبة شدّ اللحى التصالحية وتوزيع المناصب على أساس معادلات ونقاط واستحقاقات. ولكن واقع الحال هو أن أهم شيء يجب البتّ به  في السنين القادمة هو موضوع شكل الدولة وهيكليتها، وشكل هذه الدولة سيأخذ قالبه المركزي أو اللا مركزي جراء تحديد من له صلاحية صرف الاموال، المركز؟ أم المحافظة؟، وهذه الصلاحيات والأموال سيحدد نطاقها، بشكل حقيقي، ضمن قانون النفط والغاز.

ولم نسمع من أي من هؤلاء الساسة تصورات واضحة ودقيقة في ما يخص شكل هذا القانون. وبموجبه شكل الدولة القادم. إلا أننا سمعنا تبريراتٍ ووعودا حول الأمن والخدمات والإجتثاث والتصالح والعلاقات الخارجية خلال الحملات الإنتخابية، من دون أن  يتطرق السجال للقالب الذي ستدار به الدولة والذي يبدو لي أنه جوهر كل الامور التي تواجه البلد. ولنا أن نستنتج أن بعض الجهات السياسية، ولاسيما الأحزاب الإيديولوجية كالدعوة والصدريين  والشيوعيين والإخوان المسلمين والبعثيين الجدد لهم نَفَس مركزي، حيث تتجمع أغلب الصلاحيات وخصوصا الصرفية منها في بغداد. في حين أن الآخرين مثل الاكراد والمجلس الأعلى وبعض الليبراليين وكتل البصرة والموصل، ونواب باقي المحافظات الغنية أو التي يفترض أن تكون غنية لما تتمتع به من ثروات نفطية وغازية (مثل ميسان وديالى والانبار والكوت وكركوك والناصرية والسماوة)، سيكون لهم نَفَس لا مركزي وسيحبذون أن تسحب بعض من صلاحيات الصرف إلى طرف مجالس محافظاتهم.

الغريب أن أقطاب هذين المعسكرين المتناقضين في الصميم يجلسون ضمن الوزارة نفسها وكأن الخلاف المصيري المقبل قد تم تجاهله بسابق إصرار أو نسيانه على غفلة. والغلبة اليوم هي لدعاة المركزية لأن الدولة في سياقاتها الموجودة هي استمرار للدولة العراقية منذ تأسيسها قبل النصوص الدستورية والفدرالية التي تشرِّع اللامركزية. فكل ما على دعاة المركزية من الأحزاب الإديولوجية فعله هو الحفاظ على الأمر الواقع، والذي تشُّذ كردستان العراق عنه، وإن كان وضعها دستوريا وشرعيا حالياً.

دور البصرة في معركة اللا مركزية

وهنا يأتي دور البصرة المحوري والقيادي في المعركة القادمة، وما سيفعله رجالها ونساؤها، نوابها ومجلسها، ليضمنوا ما هو من حقهم  دستوريا واعتباريا، أي ذلك الصك السنوي لكل مواطن بصري. فإذا احتفظت البصرة بـ40 % من وارداتها، ووزِّع خُمس هذا المبلغ على سكانها المقيمين، فإن الأرقام تؤشر إلى ان حصة الفرد ستتجاوز الـ 2000 دولار في سنوات معدودة، مع أخذ أسعار النفط العالمية بنظر الاعتبار طبعا.

لماذا البصرة بالتحديد؟ الجواب بسيط. لأن البصرة هي الرابح الاكبر من كل هذا، والبصرة هي إحدى الركائز الأربع للعراق إلى جانب بغداد والموصل وأربيل.

أربيل استطاعت أن تخرج  من  الإطار وتطلق العنان لعمرانها، في حين نجد  الموصل عالقة بذهنية ما زالت رافضة للعراق الجديد، وبالتالي تأخرت عنه. فهل مصير البصرة أن تنتظر بغداد المتلكئة والمتخاذلة حتى تعمّر حالها وتصلحها كي يأتيها الدور؟ الا ترى البصرة أين وصلت أربيل؟

لو شاءت المقدَّرات التاريخية أن تأخذ منحنى آخر، لكان قدر البصرة المالي أن تكون (أبو ظبي)، وكان قدرها الجغرافي ان تكون (دبي)، وقدرها الحضاري ان تكون من أرقى أنظمة الحكم الديموقراطية والثقافية في العالم. هذا لو…

حال البصرة الآن في أتعس حال، ولكن أحقيتها بثروتها يجب أن لا يبنى فقط على المظالم التي واكبتها، والتخلف الذي تعيشه. على البصرة أن تجاهر بأن لها الحق في أن تكون أغنى من جميع محافظات العراق، ان تتنعم بأفضل المدارس والجامعات والمستشفيات، أن تزهو بأجمل الحدائق والأسواق ووسائل الترفيه، أن يسافر شبابها طلبا للعلم واللهو شأنهم في ذلك شأن أقرانهم من مترفي الخليج. فوجودها ضمن الكيان العراقي الواحد (وهي عبر التاريخ لها كيان منفصل وخاص إلى حين تأسيس الدولة قبل تسعين عاماً) هو وجود اختياري لا قسري، وكونه “منصفاً” يجعله اختياريا، والإنصاف يكمن في حصول البصرة على نصيب أكبر بكثير من خيراتها.

موانىء ومناطق حرّة ورواتب وإصلاح إداري يسبق الجميع

أغلب الحقول العملاقة المعروفة حاليا في العراق تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة البصرة، ولكن النفط وحده لا يحدد أهميتها عالمياً. البصرة كانت دائما تنتعش عند احتضار أحد الموانىء المنافسة لها على شواطىء الخليج. نهضت اقتصاديا عندما تلاشت هرمز البرتغالية قبل أربعة قرون، وثم بندر عباس القاجارية واليوم دبي المكتومية. فبصرة المستقبل، جغرافيا، هي المتلقي والملتقى والمستودع الكبير للبضائع الصينية والهندية والشرق آسيوية التي ستوزع برا حسب متطلبات السوق على الشعوب المتكاثرة من أوروبا الشرقية إلى اواسط آسيا. الدراسات الاستراتيجية والاقتصادية التي تؤكد ذلك موجودة لدى القوى المحركة لاقتصادات العالم، ولكن على البصرة أن تبادر لتصيُّد هذه الفرصة التي قد لا تأتي إلا كل خمس مئة عام، والتي تزاحمها على اغتنامها ميناء صلالة في عُمان وميناء جوادر في الباكستان، فضلا عن ميناء دبي. وللأسف فإن الميناء الذي يروم السيد رئيس الوزراء نوري المالكي بناءه في المحافظة تحت مسمى ميناء الفاو الكبير ليس كبيراً إطلاقاً، فهو بالأحرى “گصيف” ويمثل ثلث ما هو مطلوب أو ممكن كحد أدنى لمنافسة دبي وصلالة وجوادر. وهذا مثال واقعي على قصر النظر الاستراتيجي لدى قادة البلد بشأن ما هو ممكن عموما من أدوار العراق المستقبلية.

ولو كان التخطيط الجريء في مكانه، لجعلوا كل الاراضي من رأس البيشة مروراً بالزبير وإلى حمدان منطقة عالمية حرّة، غير خاضعة للضرائب، يدخلها الأجنبي بدون تأشيرة، وتوفر فيها جميع التسهيلات للمستثمرين والمقيمين، وتسري عليهم قوانين قضائية خاصة. هذا لو…

قد يقول بعضهم إن البصرة غير مهيأة للاضطلاع بمهمة تاريخية كهذه. ويشيرون إلى ان أهالي البصرة قد فقدوا ثقتهم بالنفس بعد ما يقارب القرن من تسلّط بغداد عليهم، كما أن النخبة القادرة على إدارة مشاريع بهذا الحجم قد اختفت أو غيبّت أو هاجرت إلى بقاع أخرى. وسيستشهدون حتماً بواقع مجلس محافظة البصرة ومحافظها الحالي الذين فشلوا في صرف مخصصات الدولار مقابل البرميل التي منحت لهم العام الماضي. لقد قلناها سابقا، إن البصرة اليوم في أتعس حال، ولا يختلف اثنان على واقع حاضرها، ولكنها لن تكون أسيرة لهذا الواقع إلى أبد الآبدين. ما تفتقده من خبرات إدارية ومالية من الممكن سده عن طريق استقطاب اللبنانيين والهنود والأسيويين لإدارة الموانىء والبنوك والقطعات الخدمية، كما هي الحال في الخليج، إلى حين تهيئة ملاكات عراقية قادرة على ذلك، من شباب شركة نفط الجنوب أو من جامعة البصرة يتمّ إعدادهم وتأهيلهم  في الخارج ليواكبوا ما توصل له الغير من علم وهمّة، ليسدوا هذا النقص في القابليات المحلية بشكل تدريجي، وليكونوا نواة لخبرات يستفاد منها في تدريب أجيال قادمة من الملاكات المحلية.

فمن الـ40 بالمئة تستطيع البصرة أن تدفع رواتب موظفيها، وقد تقوم بتقليص صفوفهم من باب تحجيم البيروقراطية. والاجدى التعامل على وفق نظام التعاقد مع الموظف بدلا من تحمل عبئه على الملاك الدائم، وتحديد مدة مخدوميته ضمن مدة المشروع الذي يعمل عليه وليس مدى الحياة، وهذه من الحلول الطويلة الامد التي على الدولة العراقية اتخذاها شاءت أم أبت، ومن الممكن أن تبادر البصرة بالإصلاح. ومن شأن حصر صلاحية الصرف بالمسؤول المحلي أن تحد بعض الشيء من الفساد، لأن المثل يقول “الشقي ما يبوک جيرانه”. من الأسهل اختلاس الأموال في بغداد، في حين تقبع البصرة بالفقر، ولكن المسؤول المحلي سيحاسب على كل “طسّة” وعلى كل درهم، فهو يعيش بين من يخدمهم.

إن واجبات الوزارات الحالية يمكن تحديدها ضمن مشاريع قصيرة الأمد وأخرى طويلة، وآليات التعاقد يمكن أن تعهد إلى الحكومة المحلية من دون إنشاء كيان الإقليم وما يترتب عليه من تكوين وزارات محلية وبرلمان خاص بالبصرة الذي يعني زيادة بلا نهاية لحجم البيروقراطية والمصاريف العبثية. فمن الممكن حصر الصلاحيات التنفيذية والتشريعية لإدارة شؤون ملايين من البشر في مجلس المحافظة وديوان المحافظة كما هو منصوص عليه في قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم (الساري المفعول منذ 2008)، وإذا تعارض معه فمن الممكن تغييره، هذا إن يراد الحل بدل التعقيد، بما معناه أن كل الممانعات الإدارية من الممكن ايجاد حلول وقتية وقانونية واستراتيجية لها، وما المطلوب إلا الجرأة بالمطالبة.

فبعد سبع إلى عشر سنوات ستعادل حصة البصرة الخمسين مليار دولار سنويا تقريباً، إذا ما احتسبنا الـ40 بالمئة. ولها أن توزع جزءاً منه بشكل مباشر على المقيمين فيها، وبالتالي يتم التخلص من عبء البطاقة التموينية والغاؤها. ولها أن تدخر جزءاً منه في صندوق استثماري عالمي بعيد الأمد يصرف ريعه على أجيالها لمئات الأعوام القادمة، ولها أن تبني وتديم الخدمات، ولها أن تصرف الرواتب، وسيبقى بعد كل هذا فائض للإستثمار ضمن نطاق المحافظة، في مجالات غير نفطية، وكذلك جعل المدينة حاضنة عالمية للحضارة والثقافة والمتاحف. هذا ليس حلما، فالمال يجعل كل هذا ممكنا.

وللبصرة أيضا أن تطالب الحكومة المركزية بأن تصرف من حصتها، الـ 60 بالمئة، على مشاريع استراتيجية كبرى تعود بالنفع على البصرة وباقي المحافظات، مثل بناء الموانىء العملاقة والمنصات النفطية، وشبكة مواصلات برية ومطارات وما إليه. وتستمر الدولة المركزية بإدارة شؤون الجيش والمخابرات والعلاقات الخارجية والضرائب والكمارك والقوانين الإتحادية بشكلها المألوف.

الهجرة العكسية من بغداد إلى علي الشرجي!

ومن الطبيعي فإن الهجرة ستبدأ من  أنحاء العراق كافة باتجاه المحافظات الغنية، وبالخصوص البصرة وميسان والكوت. ومن الطبيعي أن يمتعض الأهالي الحاليون  لذلك وهم السباقون. ولكن الدستور يضمن حرية الحركة والسكن للعراقيين كافة، وسيتوجه الطبيب والمهندس والكاسب ورجل الأعمال حيث يوجد الرزق، وحتى هذه المشكلة سيكون حلها بسيطاً، فمن الممكن تشريع قانون من قبل مجلس المحافظة يحدد الإقامة فيها ومن له الحق أن يحصل على الصك السنوي. يمكن أن يكون قانونا شبيها بالشروط الموجودة في قانون الجنسية العراقية وأن ينص على أن من يسكن في المحافظة لمدة من الزمن ومن دون انقطاع، قد تكون عشر سنوات، يكون له الحق في الحصول على صك سنوي. وفي بعض الحالات، مثل عودة أهالي العمارة من بغداد إلى مواطن أجدادهم، من الممكن تسهيل متطلبات العودة والإقامة.

ومن الجائز مواكبة هذه الهجرة العكسية بقيام الدولة ببيع أو مبادلة الأراضي التي بحوزتها في هذه المحافظات إلى أي مواطن يرغب بتملكها ومن أي بقعة يريد أن ينتقل منها، مع إعطاء الأولوية لمن له جذور عائلية في المحافظة التي يروم الهجرة إليها. فمثلا من الممكن استبدال مسكن في مدينة الصدر بأرض سكنية بثلاثة أضعاف المساحة في مدينة علي الشرجي، التي قد تبدو خربة اليوم ولكن بعد عشر سنين ستكون من أرقى المدن في المنطقة. تذكروا، المال يجعل كل هذا ممكنا.

فرصة تاريخية لن تتكرر

كل هذا من الممكن حصوله إذا بادر ساسة البصرة وحلفاؤهم اللا مركزيون في المحافظات الأخرى بالتحرك الآن لتحديد مضامين قانون النفط والغاز وما يضمن لهم 40 بالمئة من الواردات والأهم من ذلك صلاحية صرف هذه الأموال بشكل مباشر من دون تدخل الوزارات في بغداد، والتي سيتحدد دورها مستقبلا في إدارة شؤون المحافظات الفقيرة وخلق صناعات استراتجية تعوضها فقر الموارد. في حين أن بعض الموظفين الحاليين في الوزارات سوف يهاجرون إلى المحافظات الغنية ويوفرون خدماتهم لها عن طريق التعاقد، أو ينصرفون للعمل ضمن القطاع الخاص الذي حتما سينتعش ويشغل عجلة الإقتصاد في هذه المحافظات.

فليكن سقف المطاليب عالياً، لأن هذه الفرصة التاريخية لن تعود.

ودعونا لا ننسى أن مشروع اللا مركزية في البصرة له آباء كثر، ومنهم باقر ياسين التميمي، ومزاحم الكنعان، ووائل عبد اللطيف الفضل، وحسن كاظم الراشد، وبعض اجنحة حزب الفضيلة، وكذلك كتلة من الأعضاء الحاليين في مجلس المحافظة. ولكنهم لطالما اصطدموا برأي المرجعية في النجف التي كانت تحبط هذا المشروع من باب الحفاظ على وحدة الشيعة. فكان الجواب الحوزوي دائما أن الأمر، أي اللا مركزية، من السابق لأوانه. ومتى سيحين هذا الأوان؟ اليس من حق أهالي البصرة معرفة ذلك، خصوصا وأن البت في الموضوع أصبح على المحك في حال إقرار قانون النفط والغاز بشكل متسرّع في الدورة البرلمانية الحالية؟

وعلى كل حال، افتقدت طروحات هؤلاء الآباء لصيغ واقعية حول ما ستعنيه اللا مركزية بالنسبة للبصرة وأهاليها، أي أنهم فشلوا بإقناع شارعهم بأن هذا الأمر سيغير حياتهم بشكل إيجابي. وهم لم يتجرأوا على تحديد رقم يمثل الحصة التي سيطالبون بها والتي سيساومون بغداد عليها، والتي عنيتها هنا بـ40 بالمئة.

ما هو مطروح هو إعادة صياغة وتكوين جوهرية وجذرية لكيان الدولة العراقية، مما سيصيب كثيرا من المصالح الحيوية في صميمها، وفي جيبها أيضاً. فالجهاز البيروقراطي الهائل والمترهل في بغداد سيتجحفل لوأد هذه الأفكار، كما فعل في السابق. ستطلق التهم جزافا من باب المؤامرات الخارجية الوهمية على وفق نظرية “فرق تسد” وسنسمع كثيرا وكثيرا من التخرصات التي اعتدناها في مواجهة أي موقف يراد منه الإصلاح. فبين الإصلاح والمصالح ستضيع أرزاق ومافيات، والتغيير دائما يحمل في طياته المجازفة، وفي الأخير يتخوف بعضهم، او يُخيف الآخرين منه.

لكنني على يقين أن الدولة المركزية بشكلها الحالي، وبعد تسعين سنة من الخبرة ومن اجتماع المال النفطي والسلطة في مكان واحد، هي وصفة مزمنة لتسلط بعض على بعض، وترقب الانقلابات، وتفشي البيروقراطية والفساد، وصراع الطوائف والقوميات والأحزاب، وخنق القطاع الخاص وإطلاق المغامرات عبر الحدود.

واللا مركزية قد تكون حائلا وحلا لكل هذه الآفات، وغيرها أيضاً. فالموضوع الثاني من ناحية الأهمية في عام 2011 هو البت في وضع كركوك، وأنا على يقين أيضا أن الحل في البصرة هو نفسه الحل في كركوك، أو على الأقل أحد الحلول التي من الممكن طرحها كسابقة ناجعة وناجحة أمام أهالي كركوك.

فهل سينتصر أهالي البصرة لمستقبلهم الأزهر ويريحونا جميعا؟

    1.
  1. October 22nd, 2011 at 12:09 am
    هند بركات
      يقول:

    الاخ نبراس لك كل التحيه على طرح موضوع يخص مدينة البصرة ولكن لي تعقيب على مقالك قبل ان تكون الامركزيه والمطالبه ب40 بالمئه من واردات النفط يجب ان يكون هنالك اصحاب قرار هدفهم الوحيد الرفع من شاءن ثاني اكبر مدن العراق بعد بغداد المدينه النفطيه وميناء العراق الوحيد نتمنى ان تعامل البصرة مثل ما كانت تعامل بالعهد الملكي وقبل تاميم النفط لقد بنيت البصرة من قبل الشركات المستثمرة للنفط في ذلك الوقت والبصرة من اوائل المدن العراقيه في عهد الحكم الملكي لكن مع الاسف تعاقب الثورات قضت على المدينه وتدهورت من كل النواحي الحل ان يكون اصحاب القرار في المحافظه لهم مواصفات الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم نحتاج الى بناء الانسان من كل النواحي والحديث له شجون

تعليق