تساؤلات حول معركة تكريت، بجانبها الاستراتيجي
قبر صدام حسين في مشارف قرية العوجة من بعد نبشه، في صورة التقطها احد نشطاء الحشد الشعبي

قبر صدام حسين في مشارف قرية العوجة من بعد نبشه، في صورة التقطها احد نشطاء الحشد الشعبي

نبراس الكاظمي

هذا ما نعرفه الآن:

-مدينة تكريت كانت محاصرة من قبل القوات العراقية من كافة منافذها. القوات العراقية كانت متواجدة قبيل المعركة في جامعة تكريت (على مشارف حي القادسية) شمالا، وفي قاعدة سبايكر التي تبعد حوالي 6 كم الى الشمال الغربي من قلب المدينة والتي كانت تهبط فيها مجاميع الجنود والمؤن والتجهيزات جوا منذ عدة اشهر، وأيضا في مطار تكريت الى جنوب المدينة (حوالي 2 كم عن مشارف تكريت) الى حد وادي شيشين وتتصل بنهر دجلة وبذلك كانت تقطع الاتصال ما بين المدينة وقرية العوجة. أي ان المدينة محاصرة كليا من جهة الغرب. اما من جهة الشرق، أي عبر نهر دجلة، كانت القوات العراقية متواجدة في قاعدة تكريت الشرقية، وهي بالتالي تحاصر منطقة البو عجيل، وتستطيع قطع الامداد لتكريت من وادي العظيم (جنوب شرق) وأيضا من حمرين والحويجة (شمال شرق)، وحتى من منطقة الدور جنوبا ومنطقة العلم شمالا بمحاذاة نهر دجلة.

-التقديرات لحجم تواجد قوات دولة الخلافة في تكريت تتراوح ما بين 400 الى 600 عنصر، مع احتمالية تعبئة حوالي 800 متعاطف إضافي من داخل المدينة او من مناطق البو عجيل.

-كان رأي ضباط التخطيط لدى وزارة الدفاع العراقية يتمحور حول ترك تكريت وجبهة صلاح الدين على حالها، لأن الامر مسيطر عليه فعليا، وحركة جند الخلافة محدودة جدا في تلك النواحي من حيث المناورة والتعبئة. وانصب هذا الرأي في إيلاء الأولوية الى جبهة نينوى والانبار، لصد هجوم ربيعي محتمل في الظرف الراهن، او في مسعى تحرير الموصل والفلوجة في الأشهر القادمة ضمن الخطة والتحضيرات الامريكية لذلك. وقامت الامريكان بتأييد هذا الرأي.

-قامت قيادة الحشد الشعبي (وهي المليشيات التي تم تنظيم وضعها إداريا وقانونيا ضمن موازنة 2015 واعتبارها من تشكيلات الدولة العراقية) برفض رأي وزارة الدفاع العراقية، وتقديم جدولة معركة تكريت على انها معركة مصيرية على العراق خوضها فوريا.

-منذ بادئ الامر، لم تولي دولة الخلافة أهمية استراتيجية او معنوية لمدينة تكريت او حتى مناطق مثل الدور والبو عجيل، وقامت بسحب المعدات والاعتدة العسكرية التي غنمتها هناك الى الحويجة والى الشرقاط وحوض حمرين. ولم تعزز من تواجد جندها في المدينة بالرغم من المحاولات الثلاث السابقة من جانب الدولة العراقية لاقتحام المدينة منذ شهر حزيران الماضي. وتعاملت دولة الخلافة، من خلال منظورها الاستراتيجي العسكري، مع مدينة تكريت على انها موقع لمشاغلة واستنزاف القوات العراقية المرابطة حولها. وربما يعود الامر الى النظرة السابقة لدى الجهاديين حول تكريت ونواحيها، على انها معاقل للبعثية ولأقارب صدام حسين، وخمولها النسبي في مقارعة الامريكان والقوات العراقية في سنوات 2003 الى 2014، حيث ان تم احتساب عدد العمليات التخريبية فيها في تلك الفترة سنجدها قليلة بالمقارنة مع مناطق أخرى نشط فيها السلفيون (الجيش الإسلامي، جيش المجاهدين، …إلخ) او تنظيم التوحيد والجهاد وتشكيلاته اللاحقة (مجلس شورى المجاهدين، وثم دولة العراق الإسلامية، وأخيرا “داعش”).

-في المقابل، هناك عامل نفسي وعاطفي لدى القوى الشيعية عموما ولدى الحشد الشعبي تحديدا فيما يخص مدينة تكريت، لأنها مسقط رأس صدام حسين وكانت منشأ للكثير من قيادات نظامه الديكتاتوري. فهناك رغبة كبيرة لا تزال قائمة لديهم للانتقام من الماضي وما تمثله هذه المدينة، ورأينا ذلك في عملية حرق وثم نبش قبر صدام حسين في أولى محاولات استرجاع تكريت، بالرغم من انعكاسها السلبي على ميول أهالي المدينة. ورغبة الانتقام هذه تم توسعتها لغاية الانتقام من جريمة قتل الجنود العزل الذين تم تأسيرهم في معسكر سبايكر، وما احدث ذلك من ردة فعل شعبية غاضبة لا تزال مستمرة بعنفوانها.

ومن هذه المنطلقات، علينا ان نضع هذا التساؤلات امامنا:

-هل يحسب العدو هذه المعركة على انها معركة مصيرية؟

-ما هي المكتسبات الاستراتيجية من استعادة مدينة تكريت على ضوء ما هو مطلوب في جبهات الانبار ونينوى؟

-ما هو حجم القوات والتجهيزات التي تم تخصيصها لهذه المعركة، وهل سيوفر ذلك ثغرات لدى العدو في مناطق اخرى حال انطلاق هجومه الربيعي المحتمل؟

-لماذا أصرت قيادة الحشد الشعبي (ودعونا نسمي الأمور بمسمياتها، وبالتحديد، الجنرال قاسم سليماني) على إيلاء الأولوية لمعركة تكريت؟

تقول التقديرات بأن دولة الخلافة لديها خمسة آلاف مقاتل في الحويجة وحوض حمرين، ومع تعبئة المتعاطفين والمرتزقة (أي من هو مستعد ان يقاتل مقابل اجر، وعددهم كبير إن نظرنا الى عدد النازحين الى هذه المناطق الذين تعرضت املاكهم الى الخراب في مناطق سكناهم السابقة، وقد نفذت مدخراتهم حاليا) قد يصل عديد قواتها الى حوالي 18 الف مقاتل. اما في الفلوجة، فلدى دولة الخلافة حوالي 7 آلاف مقاتل، قد يصل عددهم مع التعبئة الى حوالي 24 الف مسلح.

في جميع مواجهاتها منذ شهر حزيران (مثلا، في سد الموصل او مخمور او كركوك او آمرلي او حزام بغداد او بلد والدجيل او ديالى)، لم تضع دولة الخلافة نفسها في موضع خوض معركة “حاسمة”. كل ما كانت تفعله هو المشاغلة والاستنزاف لقوات الحشد الشعبي والبيشمرگة وتشكيلات صحوة العشائر والجيش العراقي. مثلا، في مواجهة جرف الصخر، لم يستقدم العدو قواته من الفلوجة لإسناد مقاتليه في جرف الصخر، الذي لم يتجاوز عددهم، حسب تقارير الاستخبارات ما بعد القتال، الـ 190 عنصرا.

وهذا الامر يستدعي التمعن فيه.
لماذا لم تدفع دولة الخلافة بقواتها الى المواجهات “الحاسمة”؟ هل كانت تحتسب الانكشاف من دون غطاء جوي؟ ام ان التقديرات فيما يخص تعدادها ليست صحيحة، وان اعدادها الحقيقية اقل من ذلك بكثير؟ ام انها تحرص على الحفاظ على مكتسبات ذات أهمية رمزية واستراتيجية، مثل الموصل والفلوجة، ولا تهتم كثيرا بالمناطق الأخرى؟

منذ شهرين وانا أحاول الإجابة عن هذه التساؤلات، وقد أجريت الكثير من الحوارات مع المختصين في هذه الأمور في العراق والخارج. وما اجد نفسي مقتنعا به هو ان الطريقة الوحيدة للإجابة على هذه التساؤلات هو من خلال التفكير بنفس الأطر التي يفكر بها العدو. وقد توصلنا مع الأصدقاء المحاورين الى استدلالات مهمة حول هذه المنهجية، وبالطبع هناك سرية مطلوبة في التعامل مع النتائج.

ولكن، من الأمور التي نستطيع مشاركتها، هو ان استراتيجية العدو ليست استراتيجية عسكرية كلاسيكية تحاكي الواقع وتتكيف معه. فهم يرون بأن التفاعل مع الواقع، من خلال الكر والفر، هو تكتيك وقتي، ولكن مفاهيمهم الاستراتيجية ترفض الواقع، فيرون انفسهم على انهم قوة انفجارية تعصف بالواقع وتخلق واقعا جديدا بفعل انطلاقها. أي انهم يحشدون ويعبئون، وثم ينطلقون بصورة متزامنة في اكثر من محور، ولكن من خلال لا مركزية في القرار العسكري والشؤون اللوجستية اللاحقة. يتحركون بشكل انفجاري ومن ثم يقيّمون الواقع الجديد على ارض الميدان، وأين لهم تحيُّن الفرص واستثمارها من خلال تكتيك استنزاف المقابل ومشاغلته فيما بعد.

ومن هذا الباب، جاء التوقع بأنهم يضمرون لهجوم ربيعي يعدون له منذ اشهر، وهناك تحليلات عديدة تنظر في مآربهم الاستراتيجية من هذا الهجوم لا يسعني الخوض بتفاصيلها. وبالتأكيد، تم اطلاع اكثر من طرف في العراق على هذه الرؤية لما قد يحدث، ولا بد بأنه وصل الى قيادة الشعبي، بل ربما توصلوا الى هذه الاستنتاجات بمفردهم.

ولكن، بالرغم من كل هذا، لماذا يحصل الهجوم على تكريت الآن، ولماذا يعبئ من اجله عشرات الآلاف من المقاتلين، ويخصص له الكثير من المخزون الاستراتيجي العسكري من ناحية المعدات والذخيرة والمؤونة؟

هل كانت غاية الجنرال سليماني استدراجهم الى معركة تكريت لسحب البساط من هجوم ربيعي في محاور أخرى؟ هل كان يتوقع بأنه إن استطاع ان يجعل للمعركة سمة “رمزية” او “اسطورية” او ان يصورها بأنها معركة حاسمة من خلال التعبئة الإعلامية (وقد شهدنا ما احدثته هذه التعبئة من هستيريا جماعية في أوساط مواقع التواصل مثل الفايسبوك بين اناس تتأمل خيرا وتتوقع نهاية سريعة للأحداث البائسة التي يمر بها العراق)، فذلك سيحفز دولة الخلافة على الرد بالمثل وتعبئة إمكاناتها وجندها للدفاع عن تكريت؟

نعم، لو كانت هذه هي الغاية، لكانت فيها عوامل إيجابية كثيرة، منها استرداد المبادرة العسكرية، وفرض مواجهات حاسمة على العدو، وكذلك ايقاد الامل ورفع المعنويات لدى الجماهير، وفي نفس الوقت استنهاض قوى سنية، مثل عشائر الجبور، للمساهمة في الانتصار في معركة تكريت. ولكنها أيضا مراهنة خطيرة، لأن المقومات العسكرية لدى الدولة محدودة جدا، وعامل الوقت والانشغال بمنطقة واحدة قد يفتح ثغرات في مناطق أخرى، خصوصا لو كانت دولة الخلافة ناوية على هجوم ربيعي ضد محاور كركوك، وبعقوبة، والطارمية، واللطيفية.

لا بد بأن حجم الرهان وخطورته كان ماثلا امام الجنرال سليماني، ولكنه اصر على موقفه. ولربما هناك عوامل أخرى تلعب دورها، مثلا، هل كان يريد الجنرال ان يحقق انتصارا سهل نسبيا ضد مدينة محاصرة من كل الأطراف ولكن لها رمزية خاصة لدى الشيعة الراغبين بالانتقام؟ هل حاول الجنرال ان يستبق من خلال هذا النصر المتغيرات التي قد تحصل على المشهد الميداني من بعد نضوج الاستعدادات الامريكية في تهيئة الجيش العراقي وتشكيلات الحرس الوطني السني، مما قد ينعكس سلبا على اهمية ووجودية الحشد الشعبي، وعلى دوره الشخصي تحديدا؟

ام ان معركة محدودة نسبيا مثل معركة تكريت (عدد قليل نسبيا من قوات العدو، منطقة محاصرة ومن الصعب امدادها من أي اتجاه) هو كل ما تستطيع ايران المنهكة اقتصاديا وعسكريا، وهي تحارب في جبهات متعددة، تقديمه في هذا الظرف؟ هل “رمزية” تكريت المعنوية والإعلامية وما تثيره من عواطف لدى الجماهير، ومشاعر النصر والسعادة من بعد استعادتها، ثمرة سهلة المنال سيستثمرها الجنرال سليماني لتبرير الدور الإيراني السابق في المشهد العراقي ولتعزيز استمراره مع تدفق الدعم الخارجي للبلد؟

هذه تساؤلات استراتيجية تراودني في هذا الوقت، لعل الأسابيع المقبلة تجيب على قسم منها.

تعليق