بَحْوَشة في كَدَسْ المتنبّي: مَقاتِل الكُتبِّيين! (3-4)

نبراس الكاظمي

 

هناك من يستدل على معالم شارع المتنبي من خلال كونه ظاهرة اجتماعية-ثقافية. فهذا الشارع هو بمثابة متنفّس للمجتمع البغدادي وبالأخص لنخبته الثقافية والاكاديمية، وزيارته أيام الجمعة تأتي من رغبة في التواصل مع المعارف، والانصهار في حوار مفتوح  ومترامي الأطراف، يأخذ المرء من حدائق القشلة الى البيت الثقافي البغدادي الى المطارحات الشعرية على شاطئ النهر وثم الى استراحة مع قدح من الشاي في قيصرية حنش او محاضرة في دار المدى او تبضّع العناوين الجديدة من البسطيات او المكتبات التي تحاصر الافواج البشرية المتماشية مع طول الشارع.

ولكنني لا انظر الى المتنبي بهذه الطريقة. انا ادخله وكأنني مُقدمٌ على عملية عسكرية، متحزما لعملية “كوماندو” مخطط لها بسبق وإصرار، وممتثلة لتكتيكات واستراتجيات مدروسة، لديها اهداف محددة، ولكنها ليّنة الى درجة كافية كي تستوعب أي متغيرات مفاجئة قد تحصل في ساحة المعركة، والتي قد تلقي بظلالها على صولاتي وغزواتي عند إيجاد غنائم لم تكن في الحسبان. فأنا هناك في المتنبي كي اقتنص واقتني الكتب القديمة، ولدي ذخيرة محددة من رأس المال، ومعالمي في هذا الشارع، أي في مضمار “القتال” هذا،والتي استدل منها مكاني فيه، لهي سداسية الاضلاع، يقف احد الكتبييّن الستة الذين سأتبارز معهم على كل زاوية منها.

أتذكر جيدا كيف بدأت الحرب. وجدت صديقي السياسي العراقي مثال الآلوسي في يوم ما في واشنطن مصطحبا معه كتاب “دليل المملكة العراقية سنة 1936”. كان قد اهداه احد الأشخاص هذا الكتاب، واتى به الآلوسي كي يُري به الامريكان بأن العراق في تلك الفترة كان بلدا واعدا على شفى ان يأخذ مكانه ما بين الدول المتقدمة، وبأن العامود الفقري لهذا البلد كان قطاعه الخاص، لا قطاعه الحكومي الريعي، كما كان واضحا من عدد الشركات وسيّر التجار في هذا الدليل. تصفحت الكتاب وكأنني ادخل عالما آخرا. لم اكن قبيل تلك اللحظة اعلم بوجود هكذا دليل على رفعة العراق، وما كان مقدرا له من ازدهار واستقرار، وانا من كنت احسب نفسي متبحرا في المكتبات باحثا عن كل المصادر المتعلقة بالعراق. فيا تُرى، ما هي المطبوعات الأخرى التي لا ادري بوجودها؟!

بالطبع، كل محاولاتي للاستحواذ على نسخة الآلوسي هذه باءت بالفشل، وإن كانت محاولاتي السابقة في السطو على بعض من كتبه، وخصوصا الكتب القيّمة التي ورثها من والده المربيّ الشهير جمال حسين الآلوسي، قد أوردت بعض الغنائم. وربما علينا ان نشير هنا بأن جمال الآلوسي كان اول مديرا عراقيا لكلية بغداد من بعد تأميمها، أي من بعد طرد الكادر الأمريكي منها ومن بينهم صديقي مايك آلبين المذكور في الجزء الأولى من هذه السلسلة. (وهنا نجد منعطف جديد في قصة كتاب مايك: هل حصلت على “الامثال البغدادية” من مكتبة الآلوسي؟ ولكن ذاكرتي لا تزال تقول لي بأن الكتاب في عهدتي قبل سنة 2003، وهي السنة التي التقيت فيها مع مثال). ولأنني لم استطع ان اظفر بالدليل، عقدت النيّة بأن اجد نسخة منها لنفسي.

وهكذا وجدت نفسي امام الكتبي زين النقشبندي وفي زاويته المخفية في احدى القيصريات المتشعبة عن شارع المتنبي، بعدما دلني عليه احد الباعة وقال لي: “ربما زين لديه نسخة من الدليل”. نعم، وجدت النسخة، ووجدت أيضا الدورة الكاملة من مجلدات كتاب “مقدرات العراق السياسية” الثلاث، والصادر سنة 1925،وهذا عنوان طالما اردته لنفسي، لأنه يوثق سيرة احد اهم الشخوص المنسيين الذين ساهموا في “اختلاق” الشرق الأوسط الجديد في مطلع القرن العشرين، الا وهو الضابط الموصلي محمد شريف الفاروقي، وأيضا،وجدت كتاب “نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق” ليوسف غنيمة (والصادر سنة 1924) وكنت قد عقدت النية، حال رؤيتي لهذه النسخة، بأن اقتنيه كهدية لاحد الأصدقاء، وهو حفيد يوسف غنيمة، وارسالها له حيث مكان اقامته الحالي في النرويج، من بعد استفساري منه بأن لا توجد لديه نسخة من الكتاب هناك. وفي تلك “البيعة” اطلعني زين أيضا على مذكرات الجنرال صديق قادري باشا (صدرت 1924 أيضا)، وهو ضابط عراقي كردي، كان يعمل في السلك العسكري العثماني، وثم اسره الجيش الروسي على جبهات القفقاس ابان الحرب العالمية الأولى، وبعدها وجد نفسه متطوعا في الجيش الأبيض ضد الجيش الأحمر البولشفيكي، الى ان انهار الجيش الأبيض، وتبعثر أنصاره في ارجاء المعمورة، وعاد قادري باشا الى العراق، ليتحفنا بمذكراته (…ولنا عودة على هذه الكتب كلها في مواضع لاحقة).

وأضاف زين: “هذا قادري باشا مهم جدا، وقد يدلنا على ما حصل للامير اليكسي، ولي عهد العرش القيصري الروسي، بعدما لجأ الى العراق عندما ذبحت عائلته بأمر من لينين.”

بقيت صافنا على ما قاله زين للتو من معلومة غريبة. فهل اتجاهلها ام اسايره الى مآلاتها؟ اكتشفت في ذلك اللقاء الأول بأن زين هو من اهم المؤرخين لتاريخ المطبوعات العراقية، بل ان امله في الدنيا هو الوصول الى نسخة مما يعدها أولى المطبوعات العراقية بعنوان “جورنال العراق” والذي يقول زين بأنه صدر في زمن داوود باشا، وبالتحديد في سنة 1816 باللغتين العربية والتركية، وهناك إشارة في احدى مذكرات الرحالة الاجانب اليه، وإن كان امرا حقيقيا فسيكون هذا دليل على وجود اول مطبعة حجرية في البلدان العربية في بغداد، ولكن لم يصلنا أي نسخة منه. وهناك اهتمامات عديدة لدى زين، فهو تتلمذ على يد عدد من التراثيين والمؤرخين البغادّة، مثل امين المميز وعماد عبد السلام رؤوف، وله مؤلفات في مقاهي بغداد ومواضيع بحثية كثيرة ومتشعبة. ولهذا، عندما ينطق زين برواية عن الأمير اليكسي، فهو يستشهد بتقرير كان قد ورد في احدى المجلدات المصرية سنة 1930، عن قدوم شاب عشريني اجنبي الملامح الى بغداد ادعى بأنه اليكسي وبأنه قد استطاع الهروب من الموت على يد البلاشفة بصورة عجيبة، وتعرجت به السبل ما بين سيبيريا وأواسط آسيا والقفقاس وايران، الى حين وصوله الى بغداد، واعتقاله لأنه دخل الأراضي العراقية من دون مستمسكات، ويعتقد زين بأن الجنرال قادري تعرف عليه، وكذلك الجالية الروسية من بقايا الجيش الأبيض والتي انتهى بها الامر في العراق (سجلات الجنسية آنذاك تضع اعدادهم ما بين الـ 70 و90 شخصا)، فآووه واخفوه، ولذا ربما هناك شيئا لم ينشر من أوراق القادري يسجّل فيها لهذه الحادثة، وربما ابناءه واحفاده لا يزالون محتفظين بتلك الأوراق، والتي قد تدلنا على الوريث الشرعي لعرش روسيا او ما تبقى من ذريته المتخفين في مكان ما من العراق!

طبعا، حاولت ان اشرح لزين بأن عظام اليكسي قد وجدت في روسيا عند موقع اعدام العائلة المالكة وعُرّفت بحامضها النووي، ولكن هذه المعلومة لن تثني زين عن الاستمرار في بحثه، وفي بعض الأحيان فإن الانغماس في القصص والاساطير المثيرة خيرٌ من الحقيقة ومرارتها! ولعل زين سيتوصل فعلا في يوم من الأيام الى معرفة قصة هذا الشاب الحقيقية، وأين انتهت به الأيام.

تركت زين بمعلومة جديدة، وكتاب لم اكن قد سمعت به فيما سبق، وخسائر بمئات الدولارات، اذا ان السعر المتعارف عليه لنسخة سليمة من دليل المملكة لوحده هو 500 دولار في حينها!  كانت تلك التجربة مع زين نموذجا للعلاقة ما بين البائع والمشتري، فالكتبي ليس مجرد بائع للسلع كمن يبيع أي حاجة، ومن يخطو في هذا السبيل لا بد ان يكون هناك ما قد اسهتواه في هذه “المصلحة”. وعليه، الكتبي يعمل كدليل عما يريده المشتري، وكذلك دليل لما لا يدري المشتري بأنه يريده، وخصوصا تلك الكتب “النائمة على قلب البائع”! فهي خصومة لأن المشتري يريد “خصما” للأسعار، والكتبي يريد كذلك تصريف بضاعته واستعادة رأس المال، ولكنها ايضا شراكة فكرية وبحثية. فهناك علاقة تنشأ مبنية على الاحترام المتبادل، والاهتمامات المشتركة، ولكنها مشوبة بالحذر لأن في جوهرها عملية بيع وشراء لسلع يحدد سعرها بأمرين: نُدرتها ووجودها لدى بائع من دون غيره، والرغبة الجامحة لدى المشتري بإقتناءها. مثلا، كيف تحدد سعر “دليل المملكة”؟ قال لي زين بأن الدليل كان يباع في المزاد في فترة التسعينات العصيبة، أي فترة الحصار، بـ 25 الف دينار عراقي آنذاك، فكيف تضاعف سعره مرارا على مدى عقد من الزمن ليصل الى 500 دولار؟! كما هناك امرٌ آخر، اذا قام احد الباعة ببيعه بـ 600 دولار، فهذا السعر الجديد سيصبح هو الدارج في السوق، وكلما بيعت منه نسخ أخرى، وتزداد ندرته، سيتضاعف السعر، أي ان عملية البيع تؤسس لبورصة ومضاربات لا يُعرف مداها!

نعم، الطرفان يحبان الكتب، ولكن الدراهم عزيزة لديهما أيضا! وهذه الدراهم يحتاجها الطرفان لشراء المزيد من الكتب، وهي دوامة لا تنتهي!

وكما لدي تكتيكات واستراتيجيات في اقتناء الكتب، فلك ندٍ لي من صنف الكتبيين أسلوبه الخاص، ومناوراته التكتيكية التي لها أن تزيد من السعر المطلوب، واغرائي بكتب أخرى. مثلا، الأسلوب الذي يستخدمه زين معي هو التثاقل، وكأنه مجبر على عملية البيع! فهو لا يأتي الى محله في القيصرية الا أيام الجمعة والسبت، وثم عليه ان يفك الاقفال، ويرفع الـ”كراتين” الثقيلة من مدخل المحل، المكتض بالكتب والخزائن والاتربة، لمجرد إيجاد منفذ الى عمق المحل، وحتى ان قام بشق هذا الطريق، فإن الامر غير مجدي إن لم تكن “الكهرباء الوطنية” شغّالة، إذ لن يتمكن هو من مطالعة العناوين المطلوبة في الظلماء، وربما قد يستخدم الانارة في هاتفه، ولكنها عملية مزعجة، كما “هذه الكتب لا شيء، لدي مخزن متكامل في الطابق الفوقي” وأيضا “لدي العديد من الكتب التي تريدها، ولكنها في البيت، وسأحاول ان آتيك بها” ومن هذه التفصيلات التي توحي للمشتري بأن زين يتفضل عليه بالبيع، لأنها عملية شاقة بالنسبة له، وإن استكثر المشتري سعرا ما، فإن زين سيلوم نفسه بأنه وفر هكذا سلعة ثمينة ونادرة لشخص لا يفهم قيمتها! ومرات، يأتيني زين بعدة “علاگات” (أي أكياس باللهجة العراقية) من الكتب، ويقوم بإفراغها الواحدة تلو الأخرى، وكأنه غير مكترث، ولكنني بت افهم اساليبه، إذ في مرحلة ما سيخرج كتابا يعرف يقينا بأنه سيستهويني، ولكنه يخرجه وكأن الامر روتيني ليقول “كيف اتى هذا هنا، هذا الكتاب ليس للبيع وربما وضعته مع هذه المجموعة بالغلط”، وثم يقف متفاجئا بأنني قد اريده، فيبدأ بالضحك، ليقول “اتدري متى آخر مرة شاهدت نسخة منه في كل هذا الشارع؟!” وهلّم جراً!

بالطبع، بعد فترة من التجارب، استحدثت انا أيضا اساليبي الخاصة لمواجهة أساليب زين، ولن اسردها هنا كي لا يفطن هو لها!

لكل كتبيّ ممن اتعامل معه أسلوبه المميّز عند منازلة البيع والشراء. ففي يوم من الأيام، احتجت الى نسخة أخرى من “دليل المملكة”، لأنني قمت بإهداء نسختي الى احد الأصدقاء، ولم يكن لدى زين نسخ أخرى، فدلني على جاره احمد العبادي صاحب المحل الواقع في الجهة المقابلة لزين في القيصرية. هو جاره ولكنه منافسه في آن واحد، وكل بائع يحاول ان يحتكر زبونه الخاص، ولكن في نفس الوقت، يعرف هذا الكتبي بأن الزبون قد يحتاج لأمور قد لا يسعه توفيرها، فيدليه على كتبي آخر، وبذلك تتعزز الثقة لدى الطرفين بأن البائع واثق من نفسه واسعاره، وحتى وإن ذهبت الى كتبي آخر، فإنني سأعود إليه لأن متاعه جيدة، وعندما يحولك الى كتبي آخر، فهو بذلك يكتسب عرفان منافسه، وسينتظر منه ان يرد الجميل من خلال تعريف احد زبائنه عليه أيضا. هذه احكام السوق، وهذه طقوسه التي تحافظ على انسيابية البيع والشراء، لأن من مصلحة جميع التجار استمرار تدفق الزبائن، والزبائن يعودون حيث يجدون جواً من الألفة والثقة والاهتمام بهم.

احمد أسلوبه يختلف، فهو يترك مفاتيح المحل معي، ويتركني لشأني كي “انبّش براحتي” ما بين اكوام الكتب والمطبوعات ريثما يدير بسطيته المطلّة على الشارع، فهو بذلك يوحي بأنه يثق بيّ، ويحترمني كزبون، وبالتالي عليّ احترامه كبائع، واشتري الكتب التي أمنني عليها تباعاً. وعادة ما “اصفت” الكتب التي اريدها في زاوية من المحل، فيأتي احمد ويحتسبها “على السريع”، وكأنه يشعرك بأنه في عجلته تلك لم يفطن لسعر الكتاب الحقيقي، او انه يريد ان يتخلص من الشروة بسرعة كي يعود الى زبائن البسطية، ولهذا ليس لديه الوقت للتفاوض حول السعر، فهو “يكسر” بالسعر من أولها. كما لدى احمد أسلوب آخر، وهو ابقاء اكوام الفوضى من الكتب المتناثرة على وضعها، وكأن حاله يقول: “اشترى هذه الكتب قبل ان انظّم المكتبة، لأنني إن نظمتها ستتغير الأسعار، ولكن الآن، في حالة الفوضى هذه، ولأن ليس لدي الوقت كي افرزها، فهذه فرصتك للظفر بالشروة الدسمة”. وكذلك لديه أسلوب يمتاز به ويعجبني كثيرا، وهو بمثابة تحوير عن أسلوب زين في “كيف اتى هذا الكتاب الى هنا؟” ولكن مع إضافة “هذا الكتاب ليس للبيع، لأن في نيتي إعادة طبعه وبيعه!” واحمد فعلا يعيد طبع الكتب ويُنزلها مجددا الى السوق، ولكن كمية الكتب التي تنظر إعادة الطبع دوما اكبر من الكتب التي فعلا يقوم بإعادة طبعها، وإن كنت فعلا اريد هذا الكتاب بالتحديد، فعليه ان يحتسب الخسارة التي ستلحق به من عدم إعادة طبع الكتاب! اما شراكتي الفكرية والبحثية مع احمد فهي تتمحور حول هوسّه بمذكرات الساسة منذ الحقبات الأولى لتأسيس العراق، والتي انا بدوري امقتها، مفضلا ما يكتبه المؤرخ بتجرد لاحق لإظهار الاجندات الشخصية التي عادة ما تنبثق منها هذه المذكرات. ولكن هناك مصلحة لدي أيضا في ممانعتي من اقتناء المذكرات، اذ يذهب اليأس بأحمد ليقول لي، بين الحين والآخر، “خذ مذكرات فلان كهدية، ولكن ارجوك ان تطالعها…” وبذلك اخرج ظافرا بكتاب آخر لمكتبتي.

ولدى احمد جار آخر، هو عماد حكمت، فأسلوبه هو الاذكى على الاطلاق، لأنه يعمل على العلاقة الاستراتيجية ذات الأمد الطويل، فهو على مدى سنوات يطمعني بما لديه من عناوين ولكن “كلها في البيت للأسف…” والجميع يشهدون له بأهمية كتبه، ولكنه ينتظر حيثما انتهي من جمع “الخردوات” من الشارع، كي يصل بي الحال الى البحث عن الثمين والنادر جدا، وعندها سيقول لي عماد “نعم، لدي هذا الكتاب” ولأنني انتظرت هذه الفترة الطويلة جدا، ولأن عماد سيتنازل ويأتي بهذا الكتاب من مكتبته الخاصة، فلا بد للسعر ان يكون ناريا! ولكن هناك عَطَل وحيد في هذه الخطة، وهو ان الزبون ربما يفلس وهو يغدق الأموال على تلك الخردة، فلا يبقى لديه ما يكفي كي يتم عملية البيع مع عماد!

زين واحمد وعماد هو مثلث الإفلاس لدي، كمثلث برمودا! ولكن خارج هذه الاضلاع، هناك ثلاث كتبيين آخرين، ولكن واحد منهم اساليبه الذكية، ولكن المقالة قد طالت، واشعر بمقص المحرّر يحوم من حولها، ولذا عليّ ان اترك شأن الكتبيين الثلاثة الآخرين لمقال آخر، او ربما قمت بإختلاق هؤلاء الثلاثة في مخيلتي، وأوردت ذكرهما في هذه المقالة من باب الإيحاء لزين واحمد وعماد بأن لدي بدائل غيرهم، وقد يكون هذا هو سلاحي الجديد في معاركي معهم، والله اعلم!

هناك كتبي آخر في شارع المتنبي، والذي اركن عند محله من بعد صولاتي للإستراحة والاستزادة، وهو يمتاز في انه لا يريد ان يبيع لي الكتب، وإنما همّه اهدائي إياها، الا وهو حليم السامرائي صاحب مكتبة الحكمة، فمن الحسنات التي يقوم بها، هو شراء “كراتين” من الكتب القديمة، فيطلب مني ان احضر وابحث فيها واعزل ما اريده منها، وبين الحين والآخر، يقتني بعض الكتب التي قد تعجبني، ويبعث لي بتصاوير لاغلفتها متسائلا “يفيدك هذا الكتاب؟ اذا تريده فهو لك.” ويبدو بأن يعمل هذا الخير كي يشجعني في الاستمرار في عملية تصوير وتحميل الكتب القديمة. وبذلك يكون حليم بمثابة “حلم” كل من يحب الكتب، فهو الكتبي الذي يتغدق عليك بالكتب من دون ثمن، راغبا فقط بإيقاد شعلة المعرفة والرفعة، وربما قد قمت بعملٍ صادق في موضع ما من حياتي، وها هو الكون يكافئني بصديق كحليم!

بالنسبة لي، شارع المتنبي هم هؤلاء الكتبيين الستة، ومعهم “القديس” حليم، وحلاوة التجربة تكمن في الاحاديث الجانبية التي تتفتح حول شتى المواضيع، وطقوس البيع والشراء، والتكتيكات والاغراءات، والمناوشات التي لا بد ان تحصل بين شروة وأخرى، وذلك الإحساس بالانبهار حينما اجد كتابا لم اكن ادري بوجوده عند الغور في متاعهم، او حينما يشيرون اليه.

احدهم شيعي عربي نجفي، والآخر مسيحي كلداني كرمليسي، وثم الكردي السني البغدادي، والعربي السني السامرائي، واحدهم الذي لا اعرف لا ملته ولا حتى اسم عائلته، وهكذا. احاديثنا تلونها هذه الهويات الفرعية، وهي تؤثر على تصورات واهتمامات كل واحد منهم، وخصوصا ان المواضيع التي نتناولها تتعلق بالتاريخ والهويات والتحزبّات التي مرت على العراق. ولكن رابطة الكتاب، اهم واقوى. وعالمنا الخاص، في رحاب الورق والحبر، والذاكرة والتاريخ، والألام والأمال التي خطت من قبل هذا المؤلف او ذاك، توفّر لنا مساحة، حتى وإن كانت بمساحة باحة احدى القيصريات، فهي كافية لكي تتجانس فيها هذه الهويات، وتتناقش، او حتى تتنابز، ولكن من دون الانزلاق الى التطرف، لان من أولى اعمال المتطرفين هي احراق كتب الآخرين، وإن شبت الحرائق في المتنبي، فهي ستأتي على كتب الجميع، وسيخسرها الجميع، من صنفي الكتبيين والمشترين، فلذا، حبنا للكتب يحّتم علينا ان نتناول هذه العناوين ذات المواضيع المربكة، وهذا الهويات الشائكة والاجندات من ورائها، بحذر، وبحِلْم أيضا.

 

هذا رابط لتحميل الجزء التجاري من “دليل المملكة” والذي صدر باللغتين العربية والإنكليزية.

الجزء الاول من هذه السلسلة: هل للكتب اقدارٌ؟ (من موقع الحرة)

الجزء الثاني من هذه السلسلة: الكتب تشعرك بالذنب (من موقع الحرة)

 

 

 

تعليق