الرسالة الأولى الى مؤرخٍ لاحق…احمد الجلبي (1944-2015)، مُلهماً ومعلماً

صديقي المؤرخ،

تحية من الماضي وبعد،

دعني اخبرك ببعض الامور عن احمد الجلبي.

حلقت لحية الاسى عليه في يومه السابع، وها انا اكتب اليك.

اخالك شابا، يسكن بغداد من بعد مرور جيلين عليها، يطالع وقائع واحاديث هذا الالتباس الكبير الذي نعيشه. لا احسدك على المهمة التي ستضلع بها وانت تستمع، عن بُعد، الى صدى الضجيج الهادر من هذا الأسبوع الخريفي، في عام 2015 للميلاد.

استهل لك كلامي بالقول: مات الجلبي، ولا تزال سهام الليل التي اطلقها قبيل وفاته تتقاطر وتُصيب.

اودع لدى جهة صحفية شيئا منها، وارسل تقريرا مفصلا، في صبيحته الأخيرة، الى مرجعية السيد السيستاني، وكانت هي قد طلبته منه، فعمل عليه جاهدا لمدة شهرين، مشخصا فيه مكامن الفساد الكبير، وسُبل معالجته. ولربما ساهم هذا الجهد بإجهاده قبيل الرحيل.

الضجيج والاختلاف الذين واكبا وفاته دعت البعض، ما بين المتأسف والمُغرض، الى المناداة بطوي الصفحة والانصراف الى هموم أخرى تعصف بنا. والمفارقة ان في الولايات المتحدة، هناك سجال ناضج ومتواصل، ما بين الصديق والمناوئ، حول سيرته وما تعنيه لأمريكا. يُفترض بنا ان نتعظ بعض الشيء من ذلك قبيل التسرع بدفنه معنويا في السجال العراقي، لأن هناك الكثير من الدروس والعبر التي حاول الجلبي ايصالها، قولا وفعلا، اثناء حياته، والتي ربما تسعفنا، او تختصر علينا الطريق، في اجتياز العاصفة.

لا ادري إن كنا سنتعظ.

انت وحدك في هذا المشهد يا صديقي المؤرخ من تعلم إن كنا فعلا قد اجتزناها.

الجلبي وسهام الليل

تبدأ القصة، كما رويت الى الصحفي الامريكي ريشارد بونين لاحقا والى آخرين، انه في سنة 1993، غادر الجلبي مقر اقامته في كردستان العراق آنذاك متوجها الى مدينة قم بإيران.

وصل الجلبي الى دار آية الله العظمى السيد محمد رضا الموسوي الگلبايگاني بقيافته الانيقة المعهودة، أي بالقاط والرباط. لاحظ، الرباط. استقبله ابن السيد، وادخله على والده. همس الابن لأبيه “هذا ابن عبد الهادي الجلبي”. كان عمر الگلبايگاني يناهز الـ 94 عاما، وكان مدركا لمكانة عبد الهادي عند المرجعية فيما سبق وما قدمه، كشيعي مدني، للمذهب من خدمة. هز السيد رأسه مشيرا الى معرفته بالأب، وسأل الجلبي: “ماذا تريد؟” فأجابه الجلبي، “مولانا، اريد منك ان تساعدنا في اسقاط صدام بسهام الليل”.
ادرك الگلبايگاني المقصد، وما تعنيه سهام الليل في الموروث الشيعي العرفاني، فابتسم، ورفع يديه بالدعاء الصامت، مشيرا الى رضاه.

خرج الجلبي من عنده متوجها الى حلقات أخرى من المراجع والحوزيين، وقال لهم “سنأتي بأمريكا كي تخلصنا من صدام” فلم يجد لديهم ممانعة، بل في بعض الحالات وجد تشجيعا، وبذلك تسلح الجلبي بمباركة اقطاب المذهب في مسعاه.

لماذا فعل ذلك في وقتها؟ جوابه اللاحق كان، لإن “الإيرانيين كانوا يحبطون محاولاتي في ادخال المجلس الأعلى وحزب الدعوة الى صُلب عملنا ضد صدام من كردستان العراق، متذرعين بالوصمة الامريكية”.

استدعاه آغاي محمد جعفري الى طهران مساءا، ولكن الجلبي أجاب بأن لا وقت لديه وعليه العودة الى كردستان مستعجلا. ومن كان جعفري؟ كان في وقتها منسقا لقوى المعارضة العراقية في ايران ومستشارا للخامنئي في هذا الملف. الح آغاي جعفري كثيرا، فلان الجلبي قليلا، وقال له سألتقيك صباحا. فعند اللقاء، عاتبه جعفري قائلا “لولاي لكان رئيس جهاز الاستطلاعات ينوي اعتقالك البارحة. لماذا ذهبت الى قم من دون ابلاغنا؟”

نظر اليه الجلبي وأجاب “لا يوجد حاجز بين المسلم الشيعي ومرجعه. فهل انت تقول لي بأن الجمهورية الإسلامية ستقف حاجزا بيني وبين المراجع؟” ادرك جعفري لحظتها بأن هذا الرجل يختلف عمن كان يعرفهم حق المعرفة من بين العراقيين، فابتسم، ودار الحديث عن خطة الجلبي لإسقاط صدام بالتعاون مع الولايات المتحدة الامريكية والممهورة بمباركة المرجعية. وبقية القصة، او على الأقل، الى أي مدى تحققت الخطة، فأنت عارف بها.

الجلبي، ما بين السنة والشيعة

كان الجلبي متشيعا بصدق وإصرار، ولكنه لم يكن طائفيا. استطاع ان يجمع بين النهجين، وهو امر ليس بالسهل، وينافي العصبيّات السائدة، ولهذا لم يستطع القوم ان يفهموه.

قبل الحرب بحوالي السنة، اختار قصيدة الجواهري عن الحسين، ومطلعها “فداءا لمثواك من مضجك”، نشيدا للمؤتمر الوطني العراقي، وتم تأديتها وتلحينها وتسجيلها في امريكا من قبل إسماعيل الفروچي. انتقدته في حينها “ما شأننا نحن الليبراليين في ذلك؟” فقال “لن تفهمها الآن، وربما لن تفهمها الى فترة طويلة.”

واثناء فترة مجلس الحكم، أنشئ “البيت الشيعي” ليلم الشتات الشيعي السياسي، فانتقدته مجددا، “ما شأننا بهؤلاء يا دكتور؟ هؤلاء لا يشبهونا، بل هم شبهة عليك!”

قال لي: “جمعتهم وجئت بهم الى هنا (قاصدا “البيت الصيني”، مقره آنذاك)  كي يتشبهوا بنا. هؤلاء هم القوى السياسية الشيعية، إن شئنا ام ابينا. فهل نعاديهم؟ بعضها اتى من ايران ولا يزال مُتعلقا بها، وبعضها الآخر تبلور من داخل العراق. هل نتركهم يتخاصمون ويتنابزون؟ دعنا نسحب هؤلاء من ايران، ونسحب هؤلاء من معاداة العراق الجديد “الأمريكي”، ونسحب آخرين من التبعية لأيٍ كان حتى لو لأمريكا، ودعنا نوحدهم على رسالة الديموقراطية، ولتكن مرجعيتهم نجفية. بريمر وسلطته يعملان على وأد الديموقراطية، وهو يحاول ان يأتينا بنظام يشبه نظام حسني مبارك، وبأن يقوض مسعانا في عقد الانتخابات. لا نستطيع ان نعول على الاكراد في مواجهة سياسة أمريكا، وكذلك الحال مع السنة، في الوقت الحالي. رأينا ما حصل في اجتماع لندن واجتماع صلاح الدين قبل الحرب. لا يخيف الامريكان الا كلمة “كلا” من السيستاني في شأن تأجيل الانتخابات الى ما لا نهاية، وإن اصر عليها ستحصل. لا نعرف ما يضمره الإيرانيين في هذا الوقت. سياستهم غير واضحة بالنسبة لي. فإن اردنا الديموقراطية، علينا ان نسحب هذه القوى الشيعية الى هدف واحد، وأن نوجه بوصلتهم الى النجف في كل صغيرة وكبيرة.”

حاول اقناعي بأن المرحلة تتطلب ذلك، ولكنني بقيت مترددا، ففاجئني، كعادته، عندما اصطحبني الى النجف، لأجالس السيد السيستاني في حديث مطول دار بينه وبين الجلبي وعادل عبد المهدي ومحمد رضا السيستاني عن القانون الانتقالي. بل الجلبي فاجئ بيت السيد عندما جرني من يدي في البراني وهم بإدخالي على المرجع، وكان سؤال السيستاني اول جلوسنا هو “من هذا؟” مشيرا إليّ، فقام الجلبي بإجابته.

اعترف بأنني كنت مشككا بالسيستاني قبل هذا اللقاء، وكنت أقول للجلبي “هل نستطيع ان نثق به؟” لا ادري يا صديقي المؤرخ إن كنت تعلم مدى حساسية كتابة امر كهذا في زمني. ولكن علي ان اسرد الواقعة وخلفياتها كما هي، كي أوضح لك كيف كان الجلبي يسدي لنا الدروس.

كان الجلبي يقول لي بأنه استشعر بالسيستاني “عارفا” مثله في اول لقاء جمعهما. ولكن الجلبي كان يعلم بأنني مشككا أصلا بالروحانيات. ويبدو بأنه وجد بأن لا مناص بإقناعي الا من خلال اللقاء.

دخل عليه دكتور عادل أولا وهّم بتقبيل يده، ولكن المرجع، الذي وقف لإستقبالنا، سحبها. ثم لحقه الدكتور احمد بنفس الحركة، وسحب المرجع يده مرة أخرى. عندما جاء دوري، مددت يدي مصاحفا، لأنني لن اقبّل يد احد أي كان، فحدثت حركة لا ارادية لدى المرجع فسحب يدي وبقية جسدي معها إليه.

لم انبس بكلمة واحدة خلال اللقاء كله. بقيت عيناي تبحثان في اعين المرجع عن هذا التوهج الروحاني الذي تغنى به الجلبي. والامر الغريب ان السيد السيستاني رد عليّ الحدق في اغلب الوقت، حتى في مطلع توجيهه الكلام الى الآخرين. وكان وجهه بشوشا ضاحكا على عكس الصور الوقورة بجديتها والتي كنت قد اراها له منتشرة في الشوارع والدور. على رغم ذلك، لم اجد في عيناه ما تكلم به الجلبي، وربما لم اكن مؤهلا لذلك في سلك العارفين.

ولكنني وجدت امرا آخرا.

عندما هممنا بالخروج، اعيد مشهد الدخول ما بين انحناء وجر اليد. اتيت للمصافحة البروتوكولية مرة أخرى، ففاجئني المرجع بسحبي مرة أخرى ولكن هذه المرة الى العناق الحار، وهمس شيئا في اذني سيبقى سرا لن ابوح به اليك. ذهلت قليلا، وخرجت.

صعدت في السيارة الى جانب الجلبي، وملت عليه قائلا له “شكرا”. شكرته لأن ادراكي في تلك اللحظة اقتصر على اشراكي في تجربة ممتعة وتاريخية.

اما الآن، وعند مراجعة شريط الذكريات، ادركت الدرس البليغ. “نعم يا جلبي، استطيع ان اثق برجل كهذا. شكرا لك لأنك ذهبت الى كل هذا العناء وصبرت عليّ كي افهم مقصدك.”

في مشهد آخر، وجدني الجلبي غاضبا مستشيطا. كنت قد ادليت بتصريح ناري الى راديو سوا قبلها بدقائق من دون استشارته. انقلها لك كاملة، كي تفهم تلك اللحظة والمشاعر التي اثارتها:

تصريحي الذي ادليت به لراديو سوا يوم 3 آذار 2004:

حذر مدير مركز الأبحاث في المؤتمر الوطني العراقي، نبراس الكاظمي، السنة في العراق من خطر اندلاع حرب أهلية إذا لم يقفوا مع الشيعة الذين يتعرضون للهجمات الإرهابية قائلاً: «لا نريد من السنة العرب مواقف رمزية مثل التبرع بالدم لكن نريد نتائج ملموسة مثل التبرع بمعلومات عن هذه الشبكات التي تناصر غزو الجراد القادم من خارج الحدود وتوفر له حيز التخفي والتحرك ليحرق الأخضر واليابس. وإذا لم يحصل هذا فإن القامات التي يستخدمها الشيعة العراقيون في مواكب التطبير سيجدون لها استخدامات أخرى وستقع الحرب الأهلية وسيحصل ما سيحصل». لينتقل بعد ذلك منتقداً الأصوات الشيعية التي تدعي بأن لأميركا مصلحة بما يجري من عنف في العراق:

“إلى متى ستبقى القيادات الدينية الشيعية تردع أشباح الحرب الأهلية بكيل اللوم على الأمريكان. لولا الأمريكان ودحرهم لصدام، أكان للشيعة تأدية مراسيم عاشوراء في أجواء الحرية والانفتاح؟ الجواب: لا.”

ويتهم الكاظمي السنة في العراق بأنهم ساعدوا المنظمات الإرهابية التي ضربت الشيعة في مراقدهم المقدسة. متسائلاً: «أنا أحمِّل السنة العرب في العراق المسؤولية عن الفاجعة التي حصلت في الكاظمية وكربلاء. هل يعقل بأن هؤلاء الانتحاريين القادمين من اليمن والسعودية وأفغانستان يستطيعون الدخول إلى العراق والتواجد والتخفي ومن ثم تحديد الهدف والتهيؤ للعمليات الإرهابية بدون وجود شبكة يديرها عراقيون وربما ضباط مخابرات محترفون ليختاروا البيوت الآمنة وليجمعوا المعلومات وليتكفلوا بالتنقل وإخفاء العبوات الناسفة؟ كلا، لا يعقل هذا الكلام ومن يراوغ على الحقيقة ويقول أن السنة العرب لا يمكن أن يكونوا مضطلعين بضرب الأماكن ذات القدسية لكل العراقيين ويتناسون بأن الحرس الجمهوري الخاص قام بدك ضريحي الحسين والعباس عليهما السلام بالصواريخ أثناء الانتفاضة التي حصلت عام 1991 وكانوا يخطون على دبابتهم ومجنزراتهم عبارة «لا شيعة بعد اليوم». هل نسينا هذا الماضي القريب والمؤلم ونحن مازلنا متربين بغبار المقابر الجماعية في الجنوب. دعونا لا ندور في حلقات مفرغة من بيانات الاستنكار والاستهجان لهذه العمليات. دعونا نتكلم بجدية ووضوح. هناك مشكلة سنة وشيعة في العراق.”

وحذر الكاظمي السنة في العراق إلى أنهم سيكونون أول الخاسرين إذا اندلعت الحرب الأهلية في العراق:

“مع تحرير العراق انقلبت كافة الموازين وأدت إلى انهيار مؤسسة الحكم السني في العراق والمتوارثة من أيام الاحتلال البريطاني. والسنة لم يستفيقوا من هول الصدمة لحد الآن ومازالوا يتصرفون بعدم اتزان وبدون حسبان للنتائج. ألا يعلم الإخوان من السنة العرب بأن غايات البعض منهم جر العراق إلى حرب أهلية سوف تؤدي حتما إلى قيام تحالف شيعي كردي ينتصر فيه الكرد في معركة كركوك ويظفر الشيعة بالعاصمة بغداد وبالتالي يقسم العراق إلى ثلاث دويلات. وممّ سيعتاش السنة العرب في مثلثهم؟ هل على أكوام الحصى في سامراء أم على مناجم الفوسفات في الشرقاط أم على موسم الكمأ في الأنبار؟ إذن مصير العرب السنة ومصير أجيالهم القادمة يصان مع إدامة الترابط مع النسيج العراقي والبقاء ضمن إطار الوطن الواحد وإلا فإن جريمة التفجير داخل حرمة الإمامين الجوادين في الكاظمية هو استفزاز وتحدٍ غير مسبوق في تاريخ العراق والعلاقات بين الشيعة والسنة. ولعل الوحيد في وجه المقاربة بين ما حصل وبين الغزوة أو بالأحرى الجريمة الوهابية التي اقترفت قبل مئتي عام في مدينة كربلاء وأدت إلى انتهاك حرمة الأضرحة وذبح خمسة آلاف نسمة في غضون سويعات وكانت يقودها أمراء آل سعود في ذلك الحين.”

كنت قد غادرت ضريح الكاظمين قبيل التفجير بربع ساعة. والنار لا تزال تأكل بي. قبل مغادرتي، كنت اشاهد مواكب التطبير لأهالي الكاظمية وهي تتوافد، وإن صحت ذاكرتي، كنت واقفا امام نفس الايوان الذي دفن فيه الجلبي.

اتدري، يا صديقي المؤرخ، ما قاله لي الجلبي عندما ابلغته بتصريحي؟

صمت لبرهة، ثم قالها بحزن عميق، “الكلام صحيح، ولكن ما كان عليك ان تقوله. لا يكفي ان تكون محقا في قولك ومخاوفك وتوقعاتك. عليك ان تعمل بهدوء كي لا تتحقق هذه الكوابيس.”

في وفاته، انقسم العراقيون اقساما عدة، اوضحها، وفي ما شابه الاجماع، كان موقف سنة العراق، مجتمعيا ونخبويا، بالعداء والشماتة منه، فهم فهموا ظاهرة الجلبي بأنها كانت موجهة ضدهم، وساعية الى الانتقام منهم. كبير هو الالتباس السائد، ولكن لا يوجد اجحاف اكبر من ذلك بسيرته.

الجلبي كان متشيعا بصدق وإصرار، ولكنه لم يكن طائفيا. لم يرغب يوما بالانتقام من السنة، بل لم يرغب بالانتقام من البعثيين أيضا! اقسم بذلك!

وكيف لي ان احصي كل الدلائل على ذلك؟!

فهل يعد هذا منها: اول من اتصل بي صارخا “نبراس گوم. الدكتور انطاك عمره. گوم نبراس! احنا هسة متوجهين للسيف حت نشوفه” كان سنيا عربيا، وهو ليس من هؤلاء المتملقين المنتفعين، بل هو من الناقمين على ما آلت ليه الأمور بالنسبة لقومه. “من قال لك هذا؟” فأجاب “كاميران”، مشيرا الى سكرتير الدكتور (سني كردي). وهو من الناقمين أيضا على ما آلت اليه الأمور من العنصرية التي يتلمسها ضد قومه في بغداد. فلماذا بقي هذان الشخصان مصاحبان للجلبي الى الآخر؟
اتصلت بالاول بعد ان رأى الجثمان، وكان منهارا، مجهشا بالنحيب. كتب بعد أيام في صفحته بالفايسبوك: ” وداعا سيدي لقد تيتمت مرتين لاحول ولا قوه الا بلالله”. في تلك اللحظات، لم يكن هذا الشخص “سنيا عربيا”، وانما فقط من محبي الجلبي.

ولكنه من النادرين من بين قومه. احيلك أيضا الى ما كتبته النائب ميسون الدملوجي عن الجلبي. وإن احصينا من اتى من قادة النخب السياسية والمجتمعية السنية الى فاتحة الجلبي في بستانه (السيف)، سنجد اختلالا كبيرا في التوازن.

اعتقد بأن اكثره، من دون مواربة، نابع من نزعة طائفية منغلقة، منغلقة حتى عن واقعها المرير الحالي، أي الانهيار المجتمعي السني في العام الماضي.

فمتى سيصارح بعضهم نفسه، بأنهم لا يستطيعون تجاوز نفورهم من عتبة “متشيعا بصدق وإصرار”، ليتبحروا في روحه وسيرته؟ هذا ليس عيب في الجلبي، بل عيب فيهم. وخسارة لن يدركوها الآن. وتوقعي وثم اسفي أنهم سيدركوها فيما بعد. بالتأكيد، ستكون انت اعرف بذلك.

أتذكر انني في يوم ما في سنة 2010، ابديت للجلبي امتعاضي من ان قبر صدام قد تحول الى مزار. بل من نقل لي الصورة عما يحصل في العوجة كان نفسه هذا الشخص “السني العربي” آنف الذكر، والذي كان قد ذهب وقرأ الفاتحة على القبر. غضبت عليه، ونقلت غضبي الى الجلبي. “كيف نسمح لهذا الحال بالاستمرار؟ شموع وبخور وزهور وصور وادعية في ضريح مهيب لذلك المجرم؟”

وكانت هذه اول مرة نتكلم في شأن سياسي من بعد انقطاع طويل.

فاجابني الجلبي، “وماذا تريدنا ان نفعل؟ نذهب بالبلدوزر ونسويه مع الأرض؟”

قلت له، “بالطبع.”

رد علي، “وكيف سنختلف عنه في حينها؟ لماذا خالفناه أصلا ان تشبهنا به؟ دعهم يزورونه وينذرون اليه. سيتلاشى الزائرين مع مرور الوقت واندمال الجرح، وسيندرس المكان من تلقاء نفسه كما اندرست الكثير من اضرحة المتجبرين عبر التاريخ. وتعرف لماذا سيحصل هذا؟ لأن زائريه سيرون بأن العراق الجديد لا يتشفى بالميت، ولا يُمعن في المهانة.”

ذكر لي الجلبي أيضا بأنه كان مدعوا لسبب ما الى بيت المالكي في الأيام التي تلت شنق صدام، وعند وصوله الى باب البيت، قال له احدهم بأن المالكي يُدخل زائريه الى غرفة تحوي جثة صدام، وبأنهم جميع الحاضرين منتشين بالنصر. تقزز الجلبي من هذا الكلام، وغادر فورا من دون ان يدخل.

في نهاية عام 2013، جلست مقابل الجلبي لأقول له بأن السنة مهيئين مجتمعيا الآن لتقّبل العراق الجديد، من بعد ان انهكهم تمردهم، وظهور شوفينية شيعية مقابلة لتطرفهم متمثلة بالمالكي وانصاره.

اختلف معي الجلبي وقال، “كلا ليسوا مهيئين.”

قلت له، “انت لا تعرف ذلك، او لا تريد ان تعرف، وربما انت أصبحت من الشوفينيين أيضا، ألست متخوفا من سقوط نظام بشار الأسد؟ الم تجعجع حول البحرين؟! ما دخلنا بالبحرين؟”

الجلبي: “لا تقاس تلك بهذه. كل ملف من هذه الملفات لدي فيه قراءة منفصلة. لا تبحث عن النية واللون الواحد. انا لست بتلك السطحية.”

انا: “حسنا دكتور، ولكن السنة يظلمون، والشيعة اصبحوا ظالمين.”

الجلبي: “نعم، السنة يظلمون.”

انا: “اذن قُل شيئا!”

الجلبي: “سأقول.”

انا: “قلها وثم نقيس. وانا متيقن بأنهم متهيئين مجتمعيا، ونخبويا، كي يتم احتضانهم في العراق الجديد.”

قالها الجلبي فعلا، وفي مرات متعددة. قال بأن السنة يظلمون، ولكن لا السنة ولا الشيعة استمعوا اليه.

اعترف الآن بأنني كنت مخطئاً في تشخيصي للحالة الراهنة السنية عند حديثي أعلاه مع الجلبي. وخير دليل ما كتبته السنة، بما يشابه الاجماع، في حق الجلبي عندما اتاه حقه.

لم يشمت الجلبي بصدام، حتى عندما وجده ذليلا يوم اعتقاله. بقي الجلبي ساكتا خلال الاجتماع، مستمعا الى صدام وهو يرد على بقية الحضور. في النهاية، قال لهم صدام: “ليخرج الجميع وليبقى الدكتوران الجلبي والباجة جي كي أتكلم معهما.” عندها نهض الجلبي من الكرسي وقال “لم تعد في موقع اصدار الأوامر”، وخرج.

اتدري اقصى ما قاله الجلبي لي عن صدام عندما رجع الى داره من بعد اللقاء؟ انتظرت الى ان انفض الفضوليين من حوله، الذي أرادوا الاستماع الى كافة التفاصيل عما حدث. غادرونا وبقيت انا وهو كي اسأله السؤال الذي اغفلوه: “بما كنت تفكر به وانت تنظر اليه؟”

قالها الجلبي: “انتابني شعور بالقرف عما جرى بنا، كيف استطاع هذا الواهم الضحل ان يتسيّد على شعبنا لمدة ثلاثين سنة؟”

لم أرى الجلبي عصبيا حقا طيلة معرفتي به الا في تلك الشقشقة.

والآن، يقف سنة العراق امام المجهول، ما بين سندان معلوم، ومطرقة معلومة.

ولكن، بالتأكيد ستقول “ماذا عن الاجتثاث؟! ألم تنتقموا من السنة من خلاله؟”

كيف لي ان اشرح لك ان الجلبي، المفكّر، كان قصده اجتثاث فكر البعث وليس البعثيين؟

كيف لي ان اشرح لك بأن الجلبي سعى الى اجتثاث الورم السرطاني البعثي من العقل الجمعي السني؟

كان جراحا ماهرا، ولكن كيف له ان يتم العملية من دون أدوات، وامامه مريض منتفض ومتهستر، راميا برأسه يمينا وشمالا؟

نعم، انحرف الاجتثاث عن مساره، وتحول الى أداة لانتقام طائفي. فهل يقتصر اللوم على الجلبي، ام ان بعضه يُحال الى نائب له مثل المالكي، ومجلس إدارة يضم عشرة أحزاب، منها الحزب الإسلامي (السني) والشيوعي وحتى الحركة الديموقراطية الآشورية؟

هل تعلم يا أيها المؤرخ بأن حصة الجلبي داخل الاجتثاث كان منصبين من خمسة مناصب رئيسية، واختار لهما سنيان (عبد العزيز الونداوي ومثال الآلوسي)؟

هل تعلم بأنه وجه مدير مكتب المؤتمر في الموصل في الإسراع بجلب ملفات الاستثناء إليه كي يبت فيها، وكانت هذه هي أولى الاستثناءات عند انطلاق الاجتثاث، وبإشرافي المباشر؟

عمل جاهدا كي يوصل رسالة بأن البعث، فكرا وحزبا، هو عدوه وليس البعثيين. عداءه كان مع نهج البعث وممارسته اللئيمة، وخطابه الصلف.

اسأل عن ضابط المخابرات “أبو عمر” الذي كان مكلفا بتتبع أقرباء الجلبي في بغداد والضغط عليهم، هل مسّه احد اثناء زياراته المتعددة الى مقر المؤتمر في نادي الصيد من بعد وصول الدكتور، منتصرا، الى بغداد؟

إن لم ينتقم الجلبي من “أبو عمر”، المسؤول المباشر عن إيذاء اهله، فممن سينتقم؟

إذن، ما الذي كان يريده الجلبي من مسعى اجتثاث البعث؟ وهل كان سيرضى بأن الشيعة سيمتدحونه في مماته بلقب “صگار البعثية”؟

كلا. جل ما أراده هو ان في زمانك، سيتخجل حفيد البعثي من ماضي جدّه، حتى وإن كان هذا الجد من اطيب الناس. لأن خدمة نظام البعث عار لا يلحقه عار في تاريخ العراق المعاصر. نستطيع ان نغفر للفرد البعثي، ولكن لا مغفرة، ولا مصالحة مع ارث البعث.

هل فهمت الفرق الآن؟

لم نستطع في 13 سنة منذ انهيار نظام البعث ان نبني متحفا يوضح ماهية البعث، ويخلد ذكرى من وقف بالضد منه. فهل هذا المتحف موجود عندكم يا أيها المؤرخ الصديق في زمانك؟ هل زرته؟ هل اصطحبت ابناءك اليه؟

هل وجدت، في جناح ما منه، صورة لأحمد الجلبي، وما أراد ان يخلدّه من ارثٍ؟

هل انت من سنة العراق؟ ام لم يبقى كيان اسمه العراق؟

حينها، كيف ستفهم اختياره لقصيدة الجواهري نشيدا لمؤتمره؟ هل ستفهمها بأن الجلبي كان دوما على خط علي زين العابدين بن الحسين في رفض خط المختار الثقفي؟

طالت هذه الرسالة عليك، وستجدني لاحقا مكاتبا اليك برسائل أخرى. سأكتب لك عن قصة الجلبي مع الاكراد، عن الجلبي ثائرا، عن الجلبي شجاعا، عن الجلبي معرفيا، عن الجلبي “عارفا”، عن الجلبي مصمما ومهندسا، عن الجلبي بين محبيه في عشاءه، او بالتحديد عيد ميلاده، الأخير.

وسأكتب لك المزيد عن سهام الليل، وسأسألك، اين حلت تلك الجعب منها والتي اودعها الجلبي لدى اكثر من طرف؟ هل اصابت أهدافها، ام انها رُكنت في رازونةٍ ما في برّاني السيد؟

لن يخّط التاريخ برذاذ السُّعْرِ، ولا بالدموع، ولا، كما كان الحال سابقاً، بدماء المغلوب عليهم.

ستخط التاريخ انت بحبر بارد.

علّ من يأتي من بعدك سيستطعم منه الانصاف.

امسك على صدري، متخجلا من توهج الامل الذي لا ينتهي فيه، وهو من حصاد ما زرعه الجلبي فيّ وفي غيري، متفائلا بحذر ومتسائلا: هل ستخّط بحبرك البارد اننا فعلا، بقدرة قادر، اجتزنا العاصفة؟

Nibras Kazimi 'Portrait of Ahmad Chalabi' Sept 2003 11'' x 14''

    1.
  1. November 10th, 2015 at 8:03 am
    عبد الخالق كيطان
      يقول:

    اﻻستاذ العزيز نبراس. تحية ومواساة..
    انت تذكر انك بصدد كتابة أجزاء أخرى في هذا الموضوع المهم وانا أتمنى من حضرتك أن تجعل من المشروع كتابا. وأنا أعتقد أنه سيكون كتابا مثيرا فيه تاريخ واجتماع وسياسة وسيرة.. ألخ. .
    تقبل محبتي

  2. 2.
  3. November 10th, 2015 at 8:36 am
    حيدر الموسوي
      يقول:

    خسر العراق رجل ليس كباقي الرجال

  4. 3.
  5. November 10th, 2015 at 10:31 am
    قاسم عبد الله
      يقول:

    لعنة الله على الجلبي واتباعه

  6. 4.
  7. November 10th, 2015 at 10:44 am
    جاسم عرفان الياسري
      يقول:

    ذهب الى مزبلة التأريخ ، جريمة كبرى ان يدفن هذا العفن عند عتبة الامام سلام الله عليه ، ولكن املي ان تنقله ملائكة النقاله الى مقبرة اليهود ، تفوووووو عليه

  8. 5.
  9. November 10th, 2015 at 10:49 am
    حامد السيد
      يقول:

    صديقي الاستاذ نبراس..، قرأت ما سجلته ذاكرتك عن الراحل الدكتور الجلبي هنا، انت ترقم تاريخ موقر ومؤثر شهد مراحل الامتناع عن الانحراف طيلة نضاله لاجل الحرية، شكر وعرفان لك على كل هذا الإفصاح.

  10. 6.
  11. November 10th, 2015 at 11:10 am
    علي المعموري
      يقول:

    أضاعوني وأي فتى أضاعوا

  12. 7.
  13. November 10th, 2015 at 11:19 am
    no name
      يقول:

    this is incorrect story, if you want the truth read this :
    http://turcopolier.typepad.com/files/drinking-the-kool-aid-1.htm

  14. 8.
  15. November 10th, 2015 at 12:14 pm
      يقول:

    تحية طيبة
    الله يرحم الدكتور الجلبي
    ممكن ترشدنا عن الشخص المؤهل لاستكمال ما عمله الدكتور مع التقدير

  16. 9.
  17. November 10th, 2015 at 2:08 pm
    ثائر الدليمي
      يقول:

    الاستاذ نبراس المحترم
    بدء مشوارك الان و عليك مسؤولية عظيمة لشرح فكر الراحل و ليستنير به و يتذكر من سيبقى على نهجه سائرا و على إيمانه بعراق ديمقراطي فدرالي سائر .
    شكرًا جزيلا لجهودكم التوعوية من اجل الانسان و الانسانية

  18. 10.
  19. November 10th, 2015 at 2:26 pm
      يقول:

    كنت انظر الى لوحة المغفور له في هذه الرواية كتعبير لفظي بسرد رؤية فنان ، بعد هذه المقالة اصبحت ملزم بالتدقيق اكثر ، الرحمة له والمغفرة

  20. 11.
  21. November 10th, 2015 at 3:55 pm
    علي ابو خمسي
      يقول:

    الاستاذ نبراس الكاظمي تحيتي لك واقدم لنفسي ولك العزاء .الجلبي ترك فجوة كبيره برحيله غير المختار له .ظلمته القوى السياسيه الشيعيه كثيرا اعول على ابنته الدكتوره تماره كثيرا ….

  22. 12.
  23. November 14th, 2015 at 12:21 pm
    Ghayyath
      يقول:

    فداءا لمثواك من مضجعِ

  24. 13.
  25. December 4th, 2015 at 5:27 am
    نجيب
      يقول:

    لم اكن اعرف الكثير عن الدكتورالجلبي قبل2003. لكن بعد مرور سنة او اثنتان لا اذكر الان بالتحديد، قدم الاعلامي عماد الخفاجي عبر قناة الحرة على مدى اسابيع حلقات تلفزيونية استضاف في كل منها عدد من المنتمين لفصيل سياسي معين من المشاركين في العملية السياسية. و اذكر ان حلقة المؤتمر الوطني العراقي اضاءت لي الكثير عن حقيقة هذا الرجل. كان هناك عدد من ممثلي المؤتمر، لا اذكرهم الان لكن كان السيد مثال الالوسي أحدهم. كنا قبل 2003 سمعنا عن قانون تحرير العراق لكننا لم نعرف كيف صدر؟ و لاكتشف ان الجلبي كان هو من سعى لاصداره.و اكتشفت انه صاحب عقلية غير تقليدية و قدرات متميزة. كنت انتظر بفارغ الصبر صعوده الى رئاسة الوزراء، لكن الموت عاجله رحمه الله.

  26. 14.
  27. March 19th, 2016 at 3:30 pm
    علي
      يقول:

    رحم اللة الجلبي…العراقي الوحيد وسط طراطير ايران والسعودية ..بلة وانعدام وعي شبة كلي .حتى للنخب

تعليق