موقفي من المظاهرات

People shout slogans during a demonstration at Tahrir Square in central Baghdad

 

نبراس الكاظمي

كنت قد اتخذت موقف يناصح المتظاهرين في مطلعها، وثم وضعت بعض الاقتراحات في يوم 19 آب 2015 على حسابي في الفايسبوك:

ها قد بدأت عجاجة المطالبات والتوقعات تتلاشى مع عودة الواقع الى فرض نفسه. ولعل عودة فخامة نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي (…تذكروا نحن نحترم هيبة الدولة بمعزل عن الشخوص) وهو لا يزال دستوريا في منصبه، لدلالة قوية على ذلك.

وكانت فوضى المطالب والتوقعات قد وصلت الى حالة محمومة، الى حد استلذاذ البعض بحتمية “السحل” و”كسر العين” و”رمي فلان بحاوية القمامة” و”الغاء الدستور” و”حل البرلمان” و”دك اسوار المنطقة الخضراء” و و و إلخ.

وكي لا يستفحل ذلك الشعور بالعجز والخيبة وفقدان الامل، دعوني اضع بعض النقاط (صارن بالنهاية إدعش نقطة…صبرا يا آل ياسر!) التي تحتاج الى اصلاح جذري والتي اراها ضمن اطار المعقول والقابل للتنفيذ، حالا. ادرك بأن لكل واحدة منها من يرفضها، وقسم كبير منها قد سبق وتناقشنا فيه على هذا المنبر، وسأدرج بعض المقالات التي كتبتها في وقتها إن اراد احدكم متابعة نقطة ما.

1-تغيير قيادات الهيئات الاساسية، واستبدالهم بمن لديه ارضية سياسية قوية وثابتة، اي من قيادات الخط الاول، كي لا يضعف امام السلطة التنفيذية او سلطة محازبيه، وكي يتحمل تبعات تنفيذ الاصلاحات المطلوبة، والبعض منها مؤلم ويتعدى على مصالح فئات سياسية اخرى، ولن يستطيع تنفيذها الا السياسي القوي والواثق من نفسه. الهيئات هي المساءلة والعدالة، القضاء، الاعلام، الاستثمار، الاتصالات، البنك المركزي، ومناصب حساسة مثل امانة العاصمة والمخابرات.

2-سحب فتيل الازمة القانونية والسياسية في اقليم كردستان من خلال استقدام الرئيس مسعود البرزاني الى رئاسة جمهورية العراق. بهذه الطريقة، سيشعر الاكراد بأن لديهم ثقل سياسي قوي في بغداد يطمأنهم، ويستطيع بدوره ان يصل الى تفاهمات جذرية مع السلطة التنفيذية الممثلة بمجلس الوزراء للوصول الى حلول وتنازلات معقولة للمشاكل المستعصية. وكذلك، الرئيس القوي سياسيا سيستطيع الوقوف ضد اي تجاوز قد يحصل للدستور واتخاذ قرارات حاسمة في حالة التأزيم او التعقيد السياسي، وهذا هو دوره الاساسي.

3-افهام السنة العرب لطبيعة وضعهم ما بعد كابوس دولة الخلافة، من خلال اتخاذ الاجراءات الفورية لإنشاء اقليم دجلة الشمالي المكون من المناطق المحررة من صلاح الدين وكذلك ضم مناطق السنة العرب في ديالى والعظيم (لاحقا) والحويجة (لاحقا) اليها. بهذه الطريقة، سنضع خارطة طريق لما سيكون مصيرهم السياسي ما بعد تحرير الموصل (اقليم الموصل) والانبار (اقليم الفرات الشمالي). ولتكن اولى قطعات الحرس الوطني هي تلك التي ستحمي اقليم دجلة الشمالي بسواعد اهلها.

مقالي عن الفدرالية كحل لموضوع العرب السنة:

http://www.imarawatijara.com/nujaifi_alhurra_basra/

4-التوجه فورا الى الآليات الدستورية لإنشاء اقليم البصرة. إن كانت هناك نية حقيقية لدى بغداد في التوجه الى اللا مركزية، فهناك مطلب بصري بإقامة الاقليم. لندع اهل البصرة يقررون ما هي افضل السبل لإدارة محافظتهم.

مقالي عن الوضع الاستثنائي للبصرة:

http://www.imarawatijara.com/basra_decentralization_jan_20…/

5-إن كانت هناك حاجة لإظهار المتغير الحقيقي في محاسبة الفاسدين، علينا ان نختار قضية اولى كي ترفع الى التحقيق الحقيقي والى المحاكم، كما حصل في محكمة مأساة الدجيل، ولا توجد قضية توضح عمق الفساد والتخاذل مثل قضية جهاز السونار ابو الاريل، التي كلفت الشعب العراقي الكثير، ولا تزال.

مقالي عن الموضوع:

http://www.imarawatijara.com/ade651_bbc/

6-عسكريا، وفي حربنا ضد العدو المتمثل بدولة الخلافة، فالاولوية يجب ان تكون لتحرير الفلوجة، لما لها من انعكاسات سلبية على معنويات العدو، وخططه الاستراتيجية.

مقالي عن الموضوع:

http://www.imarawatijara.com/falloujah_first/

7-علينا كذلك ان نعاود التفاوض مع الامريكان ومع الناتو كي نخرج بإتفاقية امنية جديدة توازي التحدي الكبير الذي يواجهه العراق، وكي نحصن انفسنا من التدخلات الاقليمية في امننا من الجار الشرقي والجار الجنوبي والجار الشمالي.

هذا مقالي عن خطة جديدة للإنفتاح على واشنطن وبقية العواصم المؤثرة في العالم:

http://www.imarawatijara.com/abadivisitdc/

8-تشريعيا، يجب ان تذهب الاولوية الى تشريع قانون احزاب وقانون النفط والغاز.

مقالي عن قانون الاحزاب:

http://www.imarawatijara.com/party_law/

9-اصعب موضوع يتطلب المعالجة الفورية، بالنظر الى الانهيار المالي المرتقب، هو الترهل البيروقراطي. هذا الامر سيؤثر على حال الموظفين، وبطبيعة الحال سينتفضون ضده، ولكن لن يتحقق اي اصلاح جذري في ادارة الدولة ان لم يتم النظر فيه. في المقال ادناه ستجدون بعض التوصيات التي وضعتها:

http://www.imarawatijara.com/iraq_bureaucracy/

10-المشاريع الاستراتيجية الكبرى. 12 سنة ولا يوجد ما نستطيع ان نؤشر إليه بأنه انجاز عراقي كبير، يضمن مستقبل الاجيال القادمة. علينا تحديد ما نريده ونحشّد كل مقومات الدولة في اتجاهه، واجد بأن منظومة ميناء الفاو الكبير، وخط انابيب النفط الاستراتيجي، وشبكة المواصلات والاتصالات، هي اهم مشروع استراتيجي على الدولة اتمامه، وذلك من خلال مجلس الاعمار الذي سيتشكل قريبا بموجب القانون. هذا المشروع سيقوي وحدة البلد، ويضع العراق الموحد في اطار اقتصادي واستراتيجي يفهمه الناس ومن سيأتي بعدنا، وسيأتينا بمصدر نقدي يضاف الى عائدات النفط.

وهذا مقالي عن الفكرة:

http://www.imarawatijara.com/iraq_shia_choices/

11-واخيرا (…ادري صارت كلش طويلة!) رسالة الى المدنيين، الساسة منهم والنشطاء. عليكم توضيح ما تعنونه بالمدنية امام الجمهور.

وهذه المقالة كانت محاولة في ذلك الاتجاه:

http://www.imarawatijara.com/almadaniyya/

كنتم محقين عندما طالبتموني في البوست السابق بأنني انتقد ظرف المظاهرات وما سميّ بـ “اصلاحات العبادي” من دون تقديم البديل. في البوست اعلاه حاولت ان اوضح رؤيتي. وإن كنت يا عزيزي القارئ لا تزال معي وتقرأ بعد كل هذا، فلك الشكر الجزيل.

وقد كنت قد انتقدت التظاهرات في مطلعها في هذا البوست الذي نشرته يوم 10 آب 2015:

هذه بعض رؤوس الاقلام الاولية اضعها امامكم لتوضيح البوست السابق:

-مغالطة وصف المظاهرين بـ “الشعب”. لدي احترام كبير لمن تظاهر ولا اشكك في نواياهم. ولكن، ارقام من صوت لهؤلاء الستة “المقالين” توازي عشرات اضعاف من خرج للتظاهر في بغداد وباقي المحافظات.

-“المهدوية المدنية”. التمايز بين من تظاهر وبين من صوت، فيه ملامح القول بأن من تظاهر يختزل ويحتكر مقومات الوعي والحقيقة والارادة الجماهيرية في الطيف العراقي، ومن صوت لهؤلاء الستة، مثلا، هم مغفلين. وكأن المتظاهرين هم الطائفة الناجية، والباقون ضلو الطريق.

-“الشوفينية المدنية”. التشفي واطلاق العنان لروح الانتقام من بعض الساسة يعكس تناقض كبير في النهج المدني، يشابه الشوفينية.

-“السيسي”. من يرى في الاجراءات بأنها تشابه الظاهرة السيسية لم يسنح الوقت الكافي لنفسه ليرى الى اين ستؤول الامور في مصر، وحسب تقديري فإن الامور ليست على ما يرام في مصر. وحالة سياسية كهذه ستعادي المدنيين كما غيرهم ممن ينافس السيسي والعسكر، ولكم ان تسألوا عما يحدث للناشطين المدنيين، العلمانيين، في مصر، واوضح مثال على ذلك قضية باسم يوسف.

-تثوير الشارع، او الاستجابة السياسية لحالة هياجنه من خلال الهروب الى الامام، في ظرف الحرب والانهيار المالي الذي نعاني منه امر خطير جدا. فهو يرفع سقف التوقعات حينما تكون قابلية الدولة على تلبية هذه التوقعات محدودة جدا. رجل الدولة المخضرم لا يبحث عن اكباش فداء لإرضاء الاحتقان الشعبي، بل يواجه الشعب بالحقائق المرّة.

-فتح الباب امام تغيير الدستور في هذه الاجواء قد تعود بنتائج مخيفة. تقوية موقع تنفيذي سيسنح لحالة مستقبلية عندما يقوم الناخب بإيصال شخص تنفيذي آخر الى هذا الموقع غير مقيد بالتوازنات السياسية. ونحن نعلم من يتمتع بالتأييد الجماهيري حاليا، واتوقع بأن قاسم سليماني سعيد كثيرا بما تحمله هذه الإجراءات من فرص سياسية مستقبلية.

-قيام طيف من الصحفيين والاعلاميين بتثوير الناس من خلال شماعة الفساد امر فيه تناقض كبير، إذ ان احدى اهم مهام الصحافة هي الصحافة التحقيقية في ملفات الفساد وهذا لم نشهده كحالة سائدة. اتفهم ظروف الصحافة العراقية، ما بين الكاتم والرزق، لكن عليها ان تواجه تقصيرها بشفافية وصدق.

-القول، في اوساط النخبة السياسية، بأن هذه الاجراءات اتت بمهر من مرجعية السيد السيستاني امر خطير. انا اميل الى عدم تصديق ذلك، ولا اتوقع بأن المرجعية خرجت عن طورها في التكلم في الشأن العام، ووضع خطوط عامة، والامتناع، تقليديا، من الدخول في الاجراءات والتفصيلات. ولكن إن صدق قولهم، ففي ذلك تناقض كبير، فكيف بالمرجعية تدعو الى تجاوز نفس الدستور التي حضت جمهورها الى تأييده عند الاستفتاء عليه؟

-اضفاء هالة القدسية على رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي في مكافحة الفساد يجافي ما نعرفه عن ماضيه وعن ماضي محازبيه، واوضحها ترؤسه للجنة المالية في البرلمان ودفاعه المستميت عن الحكومة السابقة وسياستها، المالية وغيرها.

-تحويل الصلاحيات الادارية الى المحافظات فيها مكر سياسي، في رأيي، وليست نية صادقة في التوجه الى اللا مركزية. الدولة مقبلة على ازمة سيولة مالية شديدة، وسياسيو المركز ينوون دفع كاهل اللوم الشعبي عنهم الى اكتاف المجالس المحلية. وإن كانت هناك نية صادقة، فلماذا لا يؤخذ بالنظام الفدرالي حسبما ينص على ذلك الدستور، والمناورة حول ذلك من خلال مصطلح “الفدرالية المقاربة”؟

-الجهاز التنفيذي اتى من لدن البرلمان والتفاهمات والتوازنات السياسية بين من انتخبهم الشعب. فعندما يهرب الى الامام، مجددا، ويبتز البرلمان من خلال تسليط اضواء سخط المتظاهرين عليهم، ففي ذلك انتهازية سياسية بشعة، تجافي الواقع والمتفق عليه.

-استغلال رجال الخط السياسي الثاني لآليات السلطة من اجل اقصاء الزعماء. قد رأينا هذا الفلم سابقا. السياسي المخضرم والواثق من نفسه ومن سيرته لا يسعى الى الاقصاء، وإنما يناور كي يصل الى مبتغاه.

-تهييج عواطف الناس في شأن الفساد السخيف، وغض النظر عن الفساد المخيف. هذه الامتيازات (رواتب، حمايات، مخصصات) تندرج في اطار الفساد السخيف الثانوي، وإن تمت معالجتها فذلك لن يعود على الميزانية بالعافية. الفساد المخيف، المبهم والعميق، هو من اوصلنا الى هذا الحال، وهو باقي ويتمدد.

وقبيل ذلك، في يوم 6 آب 2015، انتقدت هذا الشعار:

“بإسم الدين باگونا الحرامية” … ؟

انا مدني علماني، ولكنني لن انسى بأن فرسان الفساد، في حكومة علاوي، كانوا يحسبون على العلمانيين. وزير الدفاع آنذاك، ووزير الكهرباء وقتها، كلاهما اسسوا لحالة من عدم الانضباط المالي التي ادت الى ما ادت إليه الحال الآن في ملفات الامن والخدمات.

وحتى من يُحسب اليوم “مسكين” و”ما يخلو يشتغل” و”هو من ذاك الحزب الاسلامي بس هو في قلبه مدني”، كان بطل اول شبهة فساد في اول عقد كبير يبرمه العراق، في كابينة مجلس الحكم آنذاك، ولكم ان تراجعوا تقرير المفتش العام الامريكي في سنة 2008 والذي تم تسريبه عبر الوكيليكس “الاصلية مو الفوتوشوب”…

وحتى الحزب الشيوعي، كان مشاركا في حكومة علاوي، وثم حليفا في قائمته، وهو مدرك تماما لما كان يحصل في اروقة الحكومة ولكنه تغاضى عنه.

وكذلك، من بعد تصدر الاسلاميين للمشهد، شاركت هذه القوى “العلمانية” في ادارة الدولة، وتضخمت الموازنات، ورضيت بالفتات. وظهرت حيتان التجارة، بعضها علمانيا، سابقا كانت تعمل مع نظام صدام حسين، واستمرت في اعمالها في العهد الجديد.

وربما اوضح واقعة حصلت لهذا التلازم عندما شكّل بطل صفقة جهاز ابو الاريل قائمة انتخابية “علمانية” في الانتخابات الماضية، وفازت بخمس مقاعد.

وقيادات حزبا كردستان العراق الكبيرين، العلمانيين، يعتلون عرشا من الفساد، ولكننا نميزه بالفساد البنّاء، اي الفساد الذي يسرق ولكنه يبني في نفس الوقت، كما هو الحال في دول الخليج وتركيا والاردن ومصر. في حين ان فساد المركز هو فساد مخرب.

كما علينا ان لا ننسى بأن احدى اعتى مافيات الفساد هي مافيا “تكنوقراط” الجهاز البيروقراطي من مهندسين ومدراء ورؤساء اقسام وخبراء، رغم انهم بعيدون عن الوسط السياسي، وكثير منهم قد يُحسب “علمانيا”.

لذا، الفساد ليس حكرا على الاسلاميين، وعلينا ان نميز بين من هو فعلا “مدني”، بمنطلاقاته وتصرفاته وخطابه وتحالفاته، ومن هو مجرد “علماني”. المدني ليس بالضرورة ان يكون علمانيا، وعليه ان ينفر من كل فاسد.

وفي الختام، لا ضير في الانفتاح على الواقع السياسي. وقد سبقت مظاهرات الاسبوع الفائت لقاءات مكثفة مع بهاء الاعرجي وقيس الخزعلي وحيدر العبادي، من قبل اشخاص معينين انبروا لقيادة الحراك والتظاهرات، مشكورين. وارى في ذلك عاملا ايجابيا، ولكنه يتطلب الشفافية كي لا تظهر الشبهات، لأن من يتحرك في اوساط النخبة المتداخلة (السياسية والثقافية والاعلامية والمالية والامنية) لا يسعه بأن يكون شعبويا في الفيسبوك والميدان، ونخبويا في الجلسات الخاصة في آن واحد.

وحتى لا يتحسس البعض، دعوني اضيف بأنني اتكلم من منطلق مدني علماني نخبوي.

    1.
  1. June 25th, 2016 at 12:57 am
      يقول:

    شكرا .. لقد لأثار هذا المقال لدي مشاعر مختلفة سأحاول تحويل بعضها الى اجراءات على قدر اجتهادي و حدود قابلياتي.
    ألف شكر للعزيز نبراس

تعليق