انحسار دور الحشد الشعبي

نبراس الكاظمي

(مترجمة عن الانكليزية، نشرت اولا في مدونة باب الطلسم يوم 30 ديسمبر 2015، ترجمة رشا العقيدي)

لقدْ غيّرت معركة الرمادي الدائرة حالياً السجالَ في العراق، فعلى للرغم من تفاصيل المعركة، إلّا أنّ الرأي العام العراقي  مقتنعٌ بعودة الجيش العراقي إلى المسك بزمام الأمور، وهذا ما يفتح أمام حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي وكذلك الولايات المتحدة باب الفرصة للضغط على فصائل الحشد الشعبي من أجل إعادة تشكيلها إلى قوة أصغر حجماً وموالية للحكومة.

من المفروض أن ينال الحشد الشعبي حوالي مليار دولار  كما هو مقرر في الموازنة العامة لعام 2016، ولكن من المستبعد حصول ذلك. كما إنّ الأموال الإيرانية لن تسد النقص (في تمويل الحشد) وذلك لأن إيران قد خصصت ما هو متاح من مصادرها للجبهة السورية وفقاً لإتفاقيتها مع روسيا.

إنّ نقص المال إلى جانب الإنتهاكات الموثّقة التي قامت بها عناصر موالية لأيران من الحشد الشعبي قد تساهم في التغييب التدريجي للحشد إذا ما قاد العبادي زمام هذه المبادرة بــ”وخز” أمريكي.

معركة الرمادي

لقد كشفَ سير المعارك في الرمادي عن مشاكل عديدة. مثلاً، قيام قوات مكافحة الإرهاب بالثقل الأكبر للعمليات القتالية وهذه القوات توظّف منذ سنتين كجند مشاة خلافاً للتدريب الذي تلقته والمهمة الموكّلة إليها. وتحرير المجمع الحكومي المدّمر بالكامل لم يكنّْ نصراً بحد ذاته للجيش العراقي، في حين تمّ إرهاق واستنزاف قوات مكافحة الإرهاب.

ومن ناحية أخرى، ربما خدمت المعركة الإهداف الاستراتيجية للدولة الإسلامية، فقد يبدو تحرير الرمادي خسارة رمزية في مكانة الجهاديين وأنصارهم، كما تناولها “الخليفة” في آخر خطاب مسجل له، ولكن قد يحقق استراتيجيو الدولة الإسلامية هدفهم في مشاغلة أفضل القطاعات العسكرية لدى بغداد والدعم الجوي الأمريكي في مساعي لاسترجاع مدينة ليستْ  بالأهمية الإستراتيجية التي نظنها للعدو .

لمْ يخض الجهاديون معركة ضارية في الرمادية، فقد وظفّوا أساليب التشتيت والاستنزاف نفسها التي استخدموها في تكريت وبيجي. وقد ذكرتْ أكثر التقارير مصداقيةً خلال الشهر الماضي بأنّ أعداد مقاتلي الدولة الإسلامية في الرمادي تتراوح بين 300 إلى 600 مقاتل (التقدير الأعلى يذكر 1500 مقاتل). إذا ما قارنا هذه الأعداد بـ 600 ضربة جوية من طائرات التحالف والطائرات المسيرة، و12 ألف جندي عراقي مكلّف بإحاطة المدينة، نجد أنّ عدم التكافؤ في الجهد والموارد يعدّ مكسباً إيجابياً للجهاديين.

لقد وفّرت معركة الرمادي للعدو وقتاً للتهيئة والعمل في مكان آخر. في تقدير عام، لا أعتقد أنّ إمكانياتهم في شنّ مثل هذه العمليات مستقبلاً قد تضررت، ومثل هذه العمليات هي التي أدّت إلى سقوط الرمادي في شهر أيار الماضي.

الحشد الشعبي الى الهامش

العنصر الأكثر إيجابية في معركة الرمادي هو عدم تمكّن الحشد الشعبي من تنسيب الانتصاى إليهم، بفضل المساعي الأمريكية لدفعهم جانباً. كان للإنتصار المتواضع هناك تأثيراً مبالغاً على معنوية الشارع العراقي، إذْ يبدو أنّ كثير من العراقيين رحبّوا بما حصل في الرمادي لأن الحشد لم يشترك، ناسبين الإنجاز للجيش العراقي الذي عاد إلى الرأي العام كرمز وطني.

من الملفت أنّ مصير الرمادي تقرّر في نفس الوقت الذي حصل الحشد الشعبي فيه ظاهرياً على مرادهم من موازنة عام 2016 والتي أقرها البرلمان قبل اسبوعين. لقد استفادت قيادة الحشد من نفوذها السياسي الجديد لتخصيص ما يقارب المليار دولار في عام 2016 إلى الحشد الشعبي، إلّا أنّ تفاصيل الموازنة وصياغتها ربما تقلب الأمر ضد هذه القيادات.

فيما يلي أهمّ ما يميز المواد 39 حتى 41 من قانون  الموازنة لعام 2016:

–   استقطاع 3% من رواتب الموظفين والمتقاعدين والحوافز وتحويلها إلى الحشد الشعبي والنازحين وبنسبة 60% من مجموع هذه الاستقطاعات إلى الحشد و 40% منها إلى النازحين. أي ما يعادل تقريباً 3% من 49 مليار دولار، ونصيب الحشد الشعبي منها تقريباً 900 مليون دولار.

–   استقطاع  نسبة 3% أخرى للحشد الشعبي والنازحين من نفقات الدولة مثل الخدمات والعتاد والصيانة، الخ. تتم مناصفة هذه النسبة بين الحشد الشعبي والنازحين.

–    من المفترض أنْ يكون 30% من المتطوعين للحشد الشعبي هم السنّة (يبدو إنّ هذا يلغي فعلياً قانون الحرس الوطني “السنّي”).

–    من المفترض أنْ يتم إيداع “التبرعات” المالية للحشد في حساب مصرفي يتحكم به رئيس الوزراء . في تقديري إنّ “التبرعات” تشير هنا إلى كافة الأموال المخصصة للحشد.

إنّ موازنة عام 2016 في العراق هي ليست واقعية، حيث أنّ من المستبعد جداً إنْ يتمكن العراق من جني الأرصدة المذكورة فيها أو استدانتها. وبالتالي فإنّ الأموال المتوفرة للحشد الشعبي هي أقل بكثير من المعلن عنها. أتوقع حصول الحشد على أقل من 250 مليون دولار خلال عام 2016 وهو أقل ممّا حصلوا عليه في عام 2015.

لا تملك إيران المال أو الرغبة في مواصلة تمويل الفصائل المختلفة الموالية  لها من الحشد الشعبي. يصبّ الإيرانيون الآن اهتمامهم على الجبهة السورية إلى درجة كبيرة حيث قاموا بنشر بعض وحدات الحشد الشعبي العراقي في جبهة حلب ومناطق أخرى من سوريا بعد سحبهم من ساحة القتال في العراق. ووفقاً لمصادر عراقية مطلعّة على استراتيجيات الجنرال قاسم سليماني، فإنّ خطة إعادة النشر هذه هي جانب من الإتفاقية التي عقدها الإيرانيون مع الروس قبل أربعة أشهر (مؤخراً ظهر سليماني مرات عديدة في سوريا مقابل ظهور أقل له في العراق).

تعتقد الفصائل الموالية لإيران في الحشد الشعبي بأن النقص في التمويل سيتعوض عن طريق “النصر” الذي حققوه في موازنة عام 2016، ولكن هذا “النصر” ليس إلّا وهماً. أولاً، إنّ المال الذي قد ينتج من الموازنة أقّل بكثير من المعلن وإنّ جزء كبير منه من المفروض أنْ يموّل مجندين من السنّة. ثانياً، ستكون الفصائل الموالية لإيران في منافسة مع تلك الموالية للسيستاني والصدر والحكيم من أجل الحصول على تلك الأموال. ثالثاً، إنّ العبادي هو من سيوزّع الأموال، وقد يعطي النازحين الأولوية في الأموال المتوفرة.

نظراً لمناخ الرأي العام العراقي حالياً وثقته المتجددة بالجيش العراقي بعد معركة الرمادي، قد يتشجع العبادي على تطويع الوحدات الموالية لإيران من الحشد الشعبي من خلال حجب التمويل. قد يتقلص عدد الحشد الشعبي إلى مرتبة فرقتين ساندة ( 40 ألف جندي) ونصف العدد من السنّة العرب، بينما يشكّل الحشد الموالي للنجف الجزء الأكبر من العدد الباقي.

ولكن هناك مخاطرة بحصول انهيار عام في القانون والنظام. تعمل الفصائل الموالية لإيران في الحشد، بالإضافة إلى عملها القتالي، كأذرع للعديد من المصالح الأخرى، بعضها “مشروعة” إلى حد ما مثل شركات الحماية الخاصة في الجنوب (حصل بعض عناصر الحشد على عقود أمنية مع شركات نفطية غير غربية هناك)، في حين سعى بعض عناصر الحشد في البصرة إلى انتزاع الأموال من المقاولين بالنيابة عن المُدينين بشكل خارج عن نطاق القانون.  كما حاولت الفصائل الموالية لإيران من الحشد مصادرة المعدات من الجيش العراقي في بيجي، على سبيل المثال، من خلال الضغط على بعض وحدات الجيش لتسجيل سياراتهم وعتادهم على أنّها مدمرّة أو مفقودة. أنتفع الحشد الشعبي أيضاً من مصادرة الممتلكات الخاصة في المناطق السنية مثل المعدات الزراعية والسيارات الجديدة، ولكن لم يتبقى الكثير مثل هذه الممتلكات في هذه المناطق.

رغم هذا، أجد أنّه من المستبعد جداً أنّ تتمكن هذه الفصائل من أن تدير عقارب الساعة لتعود بنا إلى الوضع السائد بين عامي 2006 و 2008 حين كانت الميليشيات تثير الفوضى في وسط وجنوب العراق، أذْ يجدون اليوم بأنّ المصالح السياسية والاقتصادية المترسخة (الأعيان، العشائر، الأحزاب) قد تعززّت خلال السنوات وأصبحت أقوى من أنْ تتم المواجهة المباشرة معها.

كما قد تعمل وحدات الحشد الشعبي على تفكيك بعضها البعض في الصراع على الفتات المتبقي. إنّ تآكل مكانة وموارد الفصائل الموالية لإيران في الحشد خلال الأشهر القليلة القادمة قد ينعكس على النتائج التي تحصل عليها الأذرع السياسية لهذه الوحدات في انتخابات المجالس البلدية في عام 2017. لمْ يتسنّ للحشد الشعبي الاستفادة  من شعبيتهم  في الصعود السياسي بعد أحداث  الموصل عن طريق مقاعد المجالس البلدية أو الكراسي النيابية.

تجاوزات الفصائل الموالية لإيران

إنّ انتهاكات حقوق الإنسان ضد السنّة بالإضافة إلى “الدبلوماسية” الاقليمية الفعلية لهم، قد تعطي لبغداد الاسباب الكافية لإبعاد فصائل الحشد الموالية لأيران.

إنّ  الحوادث الموثقة مثل اختفاء ما بين 900 إلى 1400 شاب سنّي هارب من محافظة الإنبار بعد الإعتقال / الاختطاف في نقاط تفتيش تابعة للحشد الشعبي في بزيبز والرزازة، وحادثة اختطاف الصيادين القطريين، قد تصوّر الحشد الشعبي على أنّه خارج عن السيطرة في نظر بغداد والرأي العام العراقي بشكل عام. ما تزال الحكومة العراقية قوية بما يكفي لتربح رهان المواجهة مع الفصائل الموالية لإيران إذا ما وصل الأمر إلى ذلك، والقيادة الإيرانية، رغم انقساماتها، قد لا تريد ان تأخذ الأمور الى هذا الحد.

(ملاحظة: قدّم محافظ الأنبار إلى الحكومة العراقية الشهر الماضي لائحة بأسماء 700 مختطف)

IMG_2345

يقول مصدر بأنّ 400 من المخطوفين تمّ تسليمهم إلى وزراة الداخلية خلال الأيام القليلة الماضية، هو مؤشر على رغبة الفصائل الموالية لإيران في حل القضايا الشائكة إحباطاً لأية مواجهة مع الحكومة. أمّا في الموضوع القطري، فإنّ رجل حزب الله اللبناني في العراق هو من يقود المفاوضات لإطلاق سراح الصيادين.

استنتاج

إنّ مجرى الأمور تنقلب ضد الفصائل الموالية لإيران في الحشد الشعبي.  التقارير الاخبارية الحديثة التي تفيد بأنّ العبادي يسعى إلى تهميش أبو مهدي المهندس ليست دقيقة، لكنها تشير إلى تغيّر في المزاج: لقد تغيرت موازين القوى. وبالتأكيد، إنّ أي تغيّر لصالح الدولة الإسلامية على أرض المعركة سوف يعيدنا إلى المربع الأول، وقد يعود المزاج العام إلى محاباة سليماني وفصائله. ولكن هناك “كلام” بين السياسيين في بغداد والعواصم الإقليمية بأنّ النصر في الرمادي قد يكون متبوعاً بنصر آخر غير عسكري في الفلوجة، والذي سيساهم كثيراً في تأسيس الثقة الشعبية في حكومة العبادي والجيش العراقي.

تعليق