الفلوجة اولا

نبراس الكاظمي

تعاني النخبة السياسية من تشتت في فكرها الاستراتيجي، ومن تخبط صادم في مواجهة المخاطر المحدقة بالبلد. فحجم الحدث كبير جدا، وحجم العقول لا يتناسب معه. ولهذا السبب، اجد انه من الأفضل التوجه بالتفكير الاستراتيجي الى الرأي العام، عله يتغلغل تدريجيا الى اذهان أصحاب القرار.

في رأيي، يجب حشد كافة مقومات العراق لاسترداد مدينة الفلوجة، لما تتميز به من اعتبارات رمزية ولوجستية ومحورية لدى العدو المتمثل بدولة الخلافة.

1- لدى الفلوجة أهمية رمزية كبيرة لدى الجهاديين، ففيها شهدوا وقائع الفلوجة الأولى (نيسان 2004) والفلوجة الثانية (نوفمبر 2004)، وكانت هي اول حاضرة استولى عليها الاب الميداني لتنظيم التوحيد والجهاد، أبو مصعب الزرقاوي، الذي اصبح لاحقا الاب المعنوي لفكرة دولة الخلافة. كما ان الاحداث التي يشهدها العراق هذه الأيام بدأت قبيل عشرة اشهر مع تحرك الحكومة آنذاك لحرق خيم الاعتصامات واعتقال النائب احمد العلواني، وكانت أولى الحواضر التي دخلها تنظيم داعش هي مدينة الفلوجة. والفلوجة أيضا كانت موقعا مهما حيث دارت رحى المعارك الداخلية ما بين الجهاديين من فصيل الزرقاوي ومن خلفه من جهة، والفصائل السلفية والاخوانية والبعثية من جهة أخرى، فأضيفت لها رمزية “الأقوى سنيا” لمن يحوز عليها.

2- الفلوجة هي مفتاح بغداد في فكر الجهاديين. فهي تبعد مسافة 70 كم فقط عن العاصمة، وبالتحديد المناطق السنية في كرخ بغداد، حيث تسعى دولة الخلافة لإشعال حرب شوراع طائفية. والفلوجة في هذا الحسبان نقطة تمحور ومد لوجستي لجبهات متعددة في أبو غريب وحزام بغداد واللطيفية واليوسفية وجرف الصخر، كما لها ان تكون نقطة ارتكاز لأي هجوم جهادي مباغت في اتجاه الحلة.

3- الفلوجة مدينة تعداد سكانها يقارب الـ 330 الف نسمة، ولكنها مفرغة فعليا جراء النزوح الكبير الذي حصل مطلع السنة، وما بقي من سكان مدنيين غير معنيين بالحرب الدائرة عليهم ان يقرروا مصيرهم ما بين تترس الجهاديين بين ازقتهم والخروج منها قبيل حملة الغارات الجوية المكثفة لقوى التحالف الدولي.

4- ولأن الفلوجة مهمة جدا معنويا واستراتيجيا بالنسبة للعدو، ولأن العدو سيدرك بأنها ستكون هدفا أساسيا للحكومة العراقية، فهذا سيحفزهم لزج المزيد من قواهم وتعدادهم فيها لغرض حمايتها، لأن فقدانها قد يشير الى تغيير ميداني جوهري وفشل تمدد دولة الخلافة. وهذا التموضع سيمنح سلاح الجو الدولي المزيد من الأهداف لغرض دكها.

5- على القيادة الأمنية والعسكرية في بغداد ان تحدد ما هي افضل الوحدات المقاتلة لديها، معنويا وتسليحيا، وذلك على كافة الجبهات، وسحبها الى مواجهة الفلوجة. ومن بعد عشر اشهر من القتال، بات واضحا من هو الضابط الجيد من الضابط المتخاذل. كما هناك عدة الوية تستثمر لغرض الدفاع عن “عرش” المنطقة الخضراء، يفترض بالحكومة إدخالها الى المعركة فورا.

6- على القيادة السياسية الانفتاح على من لديه بعض المصداقية ما بين أهالي وعشائر الفلوجة، كي يطمئنوا بأن هذه المعركة ليست موجهة ضدهم، وانما ضد عدو مشترك. وهذه القيادات قد تستفز البعض، ولكن دورها محوري في وضع ملامح خريطة “ما بعد المعركة” كي تتمكن هي من مسك الأرض وثقة الأهالي في آن واحد. والقيادة الفلوجية موجودة ولديها استعداد للتفاعل مع هذا المبادرة ان صدرت، وتتمثل بأشخاص مثل الدكتور رافع العيساوي والأستاذ خميس الخنجر، وغيرهما. كما على القضاء ان يحسم ملف النائب احمد العلواني بطريقة منصفة ومقنعة، فلا خير يرتجى من الانتقام من الفاظه الاستفزازية اذ لم يكن هناك دليل على جرم مشهود.

7- تكليف وزير التخطيط، الدكتور سلمان الجميلي، وهو من أهالي محيط الفلوجة، اعداد خطة مفصلية لا تعيد اعمار الفلوجة فقط، وانما توفر المشاريع الاستراتيجية، مثل مصافي وخطوط نقل النفط والطاقة، والزراعة، والصناعة، كي يرى أهالي الفلوجة بأن المستقبل الى جانب الدولة العراقية انجع واسلم من نزعة الانتقام والفوضى لدى دولة الخلافة. وعليه، تتعهد الدولة العراقية تمويل هذه المشاريع ضمن ميزانياتها القادمة.

8- بلورة فكرة الحرس الوطني بشكل فعلي مع شروع هذه المعركة، وادراج عشائر الحامضية وحديثة المقاومة كأول نواة لهذا التشكيل، ومن ثم استيعاب بعض الفصائل المسلحة التي ابت ان تنخرط في حرب دولة الخلافة مع الدولة المركزية.

9- عدم السماح للمليشيات الشيعية في دخول أي منطقة ذات غالبية سكانية سنية في الانبار، لما يترتب على ذلك من نتائج عكسية تثير حفيظة هذه المناطق، وقد تتسبب بمراجعة أمريكا لقابلية حكومة العبادي في كبح جماح هذه المليشيات ومن يقف وراءها. فهذه المليشيات ذات قابلية عسكرية محدودة، كما اثبتت الأيام، ولكن تواجدها يعد عامل غير إيجابي بل تخريبي في المعادلة النفسية القائمة.

10- مع أهمية معارك صلاح الدين وديالى ونينوى، فإن الأولوية يجب ان تكون لجبهة الانبار، لما تتضمنه من خطر على العاصمة، وخطر اشعال اقتتال طائفي على مدار أوسع. كما على الدولة الشروع من بعد معركة الفلوجة الى الترابط مع جيوب المقاومة في الرمادي وحديثة وقرى هيت وغيرها، كي توفر الامداد اليها، وثم السيطرة على الطريق الدولي الى حدود البو كمال، وقطع الامداد اللوجستي الى جهاديو الانبار من العمق السوري، ودفعهم الى التنقل ما بين الصحاري، وثم اقتناصهم جوا.

خسارة الفلوجة ستكون نكسة مؤلمة للجهاديين، ولوثة الشك والتردد ستسري جراء ذلك في عروق دولة الخلافة، وهذا عليه ان يكون هدفنا الآني الذي نوظف في سبيله كافة المقومات التي لا تزال في صالحنا. وعلينا ادراك هذا الامر يقينا: المقومات في صالح الدولة العراقية، خصوصا مع تكافل القوى الخارجية والاقليمية معنا، ولكننا نفتقر القيادة الواعية والتفكير الواضح والتخطيط المركّز.

    1.
  1. May 22nd, 2016 at 8:30 pm
    سرمد كامل
      يقول:

    يا أخي كلما اقرأ لك مقال او تحليل اكول مع الأسف يحكمونا ناس اغبياء وتافهين وعاطفيين وحاقدين وإحنه عدنه هيج عقليات تشتغل وتفكر بمنطق سليم وتعرف تشخص المشاكل وتلكي الحلول …

تعليق