حصل في الحويجة، جريمة

حصل في الحويجة، جريمة

ينتصر الارهاب، لا بإيصال مفخخاته الى اهدافها، ولكن عندما يجعل منّا ارهابيون بالمقابل. نذم الارهابي لأنه ارهابي، ونتوقع منه الاسوأ والاشنع، فعلاً وقولاً وتبريرا. ولكن عندما نتطبّع بطباعه، او نبرر رد “العين بالعين والسن بالسن” على افعاله واقواله، امسينا لسنا بأفضل منه. ولا يمكن بأي حال من الاحوال المساواة او التماهي بين فعل الدولة الارهابي، وفعل الارهاب الارهابي. نتوقع من الدولة الرشد، والانضباط، والحزم، والكياسة، والحكمة، والامتثال بالقانون والعُرف المعنوي، لأن هدفها الاساس هو الحفاظ على السِلم الاهلي. ولكن عندما تتطبّع الدولة بأخلاقيات وممارسات الارهاب، فإنها تفقد رفعتها المعنوية وشرعيتها القانونية. بات من الواضح لي بأن ما حصل في الحويجة يوم 23 نيسان 2013 على ايدي قوات السوات، الممتثلة لأوامر دولة الرئيس نوري المالكي مباشرةً، في فتح النار على المتظاهرين، يعد جريمة ضد الانسانية في عُرف دستورنا، والقانون الدولي كذلك. كم سقط من ضحايا ليس مقياسا لحجم الجريمة، وانما حصولها على يد قوات الدولة النظامية والرسمية، وابعاد ذلك، هو ما يجعلها مهولة وخطيرة جدا. فهل نتستر عليها؟ هل نبررها؟ هل نمر عليها مرور الكرام؟ جرائم كهذه ادت بمرتكبيها من النظام السابق الى اعواد المشانق، وكان في ذلك جزاءهم العادل. واذا ما تقاعست الدولة في الاقتصاص من ارتكب ما ارتكب في الحويجة، فما نحن بفاعلين؟ ان سكتنا، سينعكس الاثم علينا، ويلوثنا. قبل حوالي اسبوع، استمعت في جلسة خاصة لأحد النواب البارزين وهو يسرد لنا كيف استطاع اخراج احد الصحفيين من الاعتقال على ايادي قوات السوات مؤخرا في بغداد، وما تعرض اليه هذا الصحفي من ابشع انواع الاعتداء، ومنها الجنسي. تساءل النائب وبقي تساؤله يرن في اذني: “على هلوضعية، اشبقينا للبعثية؟” تتزايد هذه الاقاصيص، وتضعف امامها مناعتنا وممانعتنا، في استهجانها والتصدي لها. سعينا الى عراق جديد، جديد في تمايزه عن حقبة البعث. واذ بالممارسات القديمة تزحف علينا رويدا رويدا، وبتنا نعتاد عليها وكأنها هي المألوف المزمن. وفي اغلبها، تأتي على ايادي نفس الضباط ورجال الامن الذين مارسوها في خدمة الحقبة السوداء السابقة. ما حدث في الحويجة جريمة ضد الانسانية. واذا ما بررنا لها وتقبلناها، نحسب نحن في عداد الارهابيين ونحشر معهم، وهذا هدفهم الذي يستدرجونا إليه، ليشوهوا به العراق الجديد. كلا، لن نتطبع بالبعث والارهاب في مواجهة البعث والارهاب. ان اردنا لفظ الماضي، والمضي الى مستقبل جديد، علينا ان لا ندع ما حصل يضيع ويتلاشى في صخب الاحداث. هاتوا المجهر الاستقصائي والتحقيق الدولي. هاتوا مجلس الامن كي نصون بشرعية محققيه سمعة عراقنا الجديد. هاتوا جلسة جديدة للمحكمة الجنائية العليا التي ادانت حقبة كاملة بحدث واحد، الا وهو جريمة الدجيل سنة 1982. فالمسافة بين الدجيل والحويجة لا تقاس بالكيلومترات والازمنة وعدد الضحايا، وانما بالسلوكية والوحشية، وارهاب الدولة بممارسات اجهزتها العسكرية والامنية. وهي مسافة متقاربة جداً، للأسف…وللعار.

تعليق