البيروقراطية المتضخمة اكبر عائق امام النهضة الاقتصادية في العراق

نبراس الكاظمي

استفحل في العراق الثالوث المشؤوم: الفساد والبيروقراطية وسوء الادارة. ونستطيع ان نعزو الغالبية العظمى من مشاكل البلد لهذا الثالوث. الكل يتكلم في الفساد، حتى المفسدون. وقد اصبح الفساد بفضل التظاهرات في ساحة التحرير، على صغرها، العنوان الرئيسي في السجال السياسي العراقي. والفساد من نوعان، فساد الحيتان الكبيرة المتآلفة مع الكتل السياسية المتنفذة، وفساد السمكات الصغيرة في كل دائرة حكومية. ولدينا هيئة للنزاهة، ولكن بحكم ضعفها السياسي، فإنها مسخرة لتتبع الفساد الصغير ولا تستطيع ان تمس الحيتان. وآلية عمل الهيئة هو العقاب كرادع للفساد، ولكنها تفتقر الى الآليات التي تعالج حواضن الفساد.

السمكات الصغيرة الفاسدة تستطيع ان تفلت من شباك النزاهة لأنها تسبح في بحر هائل من البيروقراطية، وهي بيروقراطية امست غير مهنية ومفتقدة لقيم الخدمة، وقد خانت امانتها الا وهي تسهيل حياة المواطن.

بداية العافية تكمن في حسر حجم البيروقراطية وترشيق صفوف موظفي الدولة، تواكبها عملية مدروسة لإعادة تأهيلهم واعادة تدريبهم بخبرات جديدة تمكنهم من النجاح في القطاع الخاص. ولنا في ذلك بعض التوصيفات، ولكن قبلها نضع بعض الامثلة على سوء الادارة والترهل الحكومي.

هذا حال مؤسسات الدولة

في كافة البلدان المتحضرة، وحتى الغير متحضرة منها، فإن عملية حجز وشراء بطاقة سفر على متن خطوطها الجوية تعتبر من ابسط المسائل. ولكن هذه العملية، إن تمت في احدى مكاتب شركة الخطوط الجوية العراقية، فهي عملية تتطلب المرور على اربعة موظفين. ولاحظوا انها شركة ولو عائديتها تابعة للدولة العراقية وبالتالي من المتوقع منها ان تكون ربحية لتعود بريع مادي على ميزانية الدولة. هناك سيدة تستطلع ان كان الحجز في يوم السفر ممكنا، وسيدة اخرى “تگص التكت” وسيدة اخرى تقبض ثمن التذكرة، ومن ثم تقوم المديرة بتدقيق الاجراءات وتوقع على صلاحية التذكرة. في حين ان في البلدان الاخرى تتم العملية كلها على يد موظف واحد، او عن طريق الانترنت والدفع ببطاقة ائتمان مصرفي.

الخطوط الجوية العراقية هي واجهة للعراق امام العالم، ولكنني رأيت موقفا غريبا في مطار البصرة قبل اشهر، اذ ان الطائرة تم تأخير موعد اقلاعها لحين وصول سيادة وزير النقل الحالي الذين كان في زيارة للمدينة، وهو المسؤول المباشر عن شركة الطيران. وكان هنالك اجانب ممن يعملون في العراق، امريكان وروس وبريطانيين، لديهم تذاكر على هذه الرحلة، وقد خصصت لهم مقاعد عليها. عندما باشر الركاب بالجلوس في مقاعدهم، حدثت الفوضى اذ ان حماية الوزير والوفد المرافق له، واعدادهم بالعشرات، شرعوا بـ”تطريد” الاجانب من مقاعدهم المخصصة كي يبقى الوفد متجاورا في المقاعد، ولأن الاجانب لم يفهموا ما كان يقال لهم في اللغة العربية، ولأنهم لم يروا مشهدا كهذا من قبل على متن خطوط الطيران، تعالى الصراخ والعياط، واذ بطاقم الطائرة يهم بـ”شلع” الاجانب من اماكنهم الى مؤخرة الطائرة. ترى، ما رآه هذا الاجنبي في ذلك اليوم، وما هو انطباعه عن سير الامور في العراق؟

وفي كل مرة اركب بطائراتنا العراقية ولو الحديثة منها، اجد تقصيرا واضحا بالنظافة في حين ان طاقم الطائرة عادة ما يكون اكبر عددا من اي طاقم في اي خطوط اخرى. واقضي وقتي وانا “ادردم” مع نفسي عن عدد الموظفين في الطاقم الذين لا يقومون بأي شيء منذ بداية الرحلة الى آخرها، اذ اراهم يأخذون قيلولة او يقرأون دعاء كميل او يلتهون بـ”السوالف”.

كل طائرة تحمل اسم العراق هي سفارة بأجنحة، فكيف يرضى هؤلاء الموظفين في مكاتبها وفي طواقمها ان يقدموا هذه الصورة الفاشلة للبلد؟ لا نستطيع ان نقول ان الرواتب متدنية ولهذا يعملون من “ورة خشمهم”، فما هو السبب؟

وارى نفس الامر عندما اريد ان احصل على صك مصدق بقيمة 25,000 دينار من مصرف الرافدين. هذه العملية قد لا تستغرق اكثر من خمس دقائق في اي بنك عالمي، ولكنني في هذا المصرف الحكومي خسرت اربعون دقيقة من حياتي وانا اراقب المعاملة تمر على سبعة موظفين، ولا اظني ابالغ اذا قلت ان ثلث ساعة ضاعت لأن احد الموظفين الذي وصلت اليه المعاملة كان يحتسي الشاي ويقضم بصمونة.

اذا كان الطيران سفارة، فإن المصارف هي عصب الاقتصاد. هل يعقل ان تتوقف العجلة الاقتصادية حتى سيادة الموظف ينتهي من سندويشته؟

انا اتابع كافة معاملاتي بنفسي، فلا اريد معقبا ولا اتقبل دفع رشوة. وبمقداري القول ان معاملاتي البسيطة (اذ انني لا اسجل شركة وليس عندي معاملة “ثگيلة”) في نهاية المحصلة “تمشي” ولكن ثمنها الوقت والجهد وبعض من المهانة، ولو في تجربتي ان اغلب الموظفين لسانهم “حلو” ويجد المرء، بين فينة واخرى، مديرا يسهل له الامر من باب الحرص في تأدية الواجب وليس المنفعة. ولكن في كل “سرا” اقف فيه، او في اي فوضى عارمة امام شباك صاحب الختم او التوقيع المطلوب، اجد نفسي متسائلا: لماذا يصبر العراقيون على هذه المذلة، في حرارة الصيف، وفي مباني مهترئة، وامام اسلوب بعض منه فض؟

الموظف لا يعمل بمزاجه. فإن ابتسم، فهذا جزء من عمله. ولكن في العراق، الموظف يرى نفسه متفضلا، في العموم، على المواطن، وهذا امر لا افهمه. هل يعمل الموظف لوجه الله، ام باستقطاع راتبه من الثروة النفطية العائدة لنا جميعاً؟

المشكلة تكمن في ان الموظف محمي ضمن منظومة بيروقراطية مترهلة، ولا يخاف على وظيفته، لأن الاتجاه السائد هو اضافة في التعيينات لأنها اصبحت آلية سياسية يرام بها تعزيز النفوذ السياسي لدى حزب معين او مسؤول “مهم جدا”.

ولأن التعيين والتوظيف اصبح سلاح سياسي، خرجت الوظيفة الحكومية من اطارها الخدمي الى اطار آخر، فالوظيفة اليوم تعني راتب جيد، وتقاعد مضمون، وعمل مسترخي وسهل، وبالنسبة للبعض، فرصة للفساد والربح. وبالنسبة للسياسي هي تحشيد اصوات من تكرم عليهم بتعيين ما.

ارقام مخيفة ومستقبل مجهول

منذ عام 2003 الى اليوم تم اضافة ملايين التعيينات في الجهاز البيروقراطي، وهذا الرقم المهول لا يتضمن منتسبي الجيش والشرطة. وتتفاوت التقديرات بين مليون ونصف الى ثلاثة ملايين وظيفة جديدة تم اختلاقها ودفع ثمنها من الميزانية، التي كبل نصفها او اكثر بدفع رواتب الموظفين. وعلى اقل تقدير، وبحسب رأي مصدر مطلع، فإن عدد التعيينات في الدولة تجاوزت في الثماني سنوات الماضية 120 بالمئة عن حجم الجهاز البيروقراطي في زمن نظام صدام حسين، واكبتها طفرة في الرواتب وصلت الى حد 400 بالمئة في بعض الفئات. في حين ان حاجة العراق الفعلية هي مجرد 15 بالمئة من هذا العدد لغاية ادارة الدولة وتوفير الخدمات اللازمة.

فمثلا، وزارة الاتصالات متخمة بـ 22,000 درجة وظيفية، وعمل هؤلاء هو ادارة ما دون المليون خط ارضي، وحتى في هذه المسؤولية البسيطة نرى ترهلا وتأخيرا. في حين ان شركة زين العراق تدير 11 مليون خط خلوي بـ 1,500 موظف.

العالم المتحضر يسير في اتجاه تقليص عدد الوظائف الحكومية، لتخفيف العبء المترتب على ميزانية الدول المنتجة، والتي تجبي الضرائب كالمورد الاساسي لتمويل اعمالها. واصبح هذا الامر، اي تقليص البيروقراطية وتشذيبها وتوسيع انتاجية وقدرات الموظفين عن طريق التدريب واستخدام التكنولوجيا الحديثة، هو الاسلوب المتعارف عليه في ادارة الدولة عالميا. وارتبط بهذه الجهود مدى نجاعة الدولة الفلانية لمجال الاستثمار واستقطاب رؤوس الاعمال المنتجة.

العراق يسير في درب الـ”رونگ سايد” في هذا الخصوص، والسبب يكمن ان الساسة استسهلوا توفر الوارد المالي الناجم عن النفط واعتادوا على التلاعب بميزانيات انفلاقية كبرى مرتبطة بسعر النفط العالي منذ عام 2003.

والخوف الكبير هو التعويل على اسعار نفطية عالية تتراوح بين الـ 70 الى 100 دولار لبرميل النفط والتصور بأنها هذا الوضع هو دائمي الى ابد الآبدين. وتناسي ان اسعار النفط هبطت في ما مضى الى 9 دولارات للبرميل، وكانت سني نهاية الثمانيات ومنتصف التسعينات بمثابة السنوات العجاف لكافة الدول المنتجة للنفط والتي تعتمد بالأساس على هذا الوارد.

ما الذي سيحصل في العراق اذا انهار سعر النفط؟ النتائج واضحة: الدولة ستعجز عن تسديد الرواتب التي اعتاد عليها الموظفين. ولن تستطيع ان تحصل على قروض وقتية او تسهيلات من مؤسسات مالية عالمية لأن وضع بيروقراطيتها الغير منتجة والمترهلة لا تضفي الثقة لدى المصارف والدول بأن العراق لديه القابلية على دفع ثمن هذه الديون ومستحقاتها.

بالتالي ستحصل كارثة انسانية، وحكماء البلد ليس لديهم اي خطة او تصور للخروج من مأزق كهذا. ناهيك عن الفرص الكبيرة التي ستذهب سدى لأن المستثمر لن يخاطر بنقده في بلد يسير من دون نظرة اقتصادية استراتيجية الى افق مجهول.

علينا ان نتوقف عن السير في الـ”رونگ سايد” وان نستدير، والحل الوحيد هو معالجة الازمة البيروقراطية والحد من استفحالها اكثر مما هي عليه. الوقت يدركنا، وقد قطعنا مسافة طويلة في المسار الغلط، وعلينا وضع حلول جذرية لعكس الذي حصل.

اشد ما يفتقر اليه العراق الآن هو لخبرات ادارية تستطيع ان تواكب التطورات الحاصلة في العالم، في قطاعيه الخاص والعام. العراق لم يتعافى الى اليوم، وخصوصا في قطاعه الخاص، من تهجير يهوده في الخمسينات. رأس المال كان مسلما في مجمله، لكن الغالبية الساحقة من الامور الادارية والصيرفة والمحاسبة، ومسائل بسيطة مثل الإلمام باللغات والإلتزام بأهمية الوقت والتسديد، كانت متروكة لليهود العراقيين. وعند خروجهم بدأ الفيليون والاسر التجارية المحسوبة على التبعية الايرانية، بملأ الفراغ مؤقتا الى حين تهجيرهم هم ايضا في السبعينات والثمانينات، فإنتهى الحال بالقطاع الخاص الى الفوضى الادارية، واكبتها تسلط الدولة، بدواعي الاشتراكية، على اكثر من صعيد تجاري، فبدلا من وكلاء السيارات اليهود في الاربعينات، اصبحت الدولة هي الوكيل الاكبر عبر الشركة العامة للسيارات، مثلا. واذا نطالع الدليل العراقي لعام 1960، نجد ان اغلب الموظفين في الدرجات المتقدمة في القطاع العام، مثل المدراء العامين، هم من خريجي جامعات امريكية وبريطانية معتبرة. وهؤلاء هم ثمرة البعثات الدراسية المكثفة التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي. ولأن الكثير منهم كان يحسب على اليسار، تم اقصائهم من مواقعهم مع قدوم الانقلابات العسكرية القومية في الستينات.

اي ان الخبرات الادارية في العراق تعرضت لحملات محو لأسباب سياسية على مدى خمسين عاما، ولم تتوفر للبلد الخبرة التراكمية في هذه العلوم كما الحال في البلدان المستقرة.

واذا الحاجة الفعلية لعدد الموظفين هي 15 بالمئة من الموجود، فإن الغاية يجب ان تكون ترشيق وتقليص الجهاز البيروقراطي في مرحلة العشر سنين الآتية ليصل عدد الموظفين الى 700,000 شخص، عدا منتسبي الاجهزة الامنية.

حلول عملية

هذا ما اراه:

-حجر التعيينات الجديدة وتجميدها لمدة عشر اعوام، باستثناء التعيينات الضرورية في وزارات الصحة والتربية والتعليم العالي، والوزارات والهيئات المستحدثة بعد عام 2003 مثل وزارات البيئة وحقوق الانسان وهيئات النزاهة ومفوضية الانتخابات وما اليه.

-احالة كافة الموظفين ممن تجاوزت اعمارهم سن الـ 45 على التقاعد فوريا، واحتساب التقاعد الكلي، اي 80 بالمئة من مرتباتهم الاسمية الحالية، طيلة ما تبقى لديهم من العمر. هذه جرعة سم علينا اجتراعها كي نفصل الغث من السمين في الترهل الاداري. نعم، ستبقى مبالغ تقاعدهم مثقلة للميزانية، ولكننا على الاقل هذه وظائف لن نعوضها بتعيينات جديدة، وهي حل وقتي لإمتصاص نقمة البيروقراطية واعتراضها في مواجهة الحلول الجذرية.

-يستثنى معاون المدير العام والمدراء العامون، ويحدد سن التقاعد الآني لهم بعمر 52 سنة، ليتسنى نقل الخبرات الادارية الى الجيل الجديد من الموظفين، ولو ان اغلب هذه الخبرات تكمن في اتباع اجراءات روتينية نريد ان نتخلص منها بالأساس. ويستثنى ايضا الاطباء واساتذة الجامعات ويبقى سن تقاعدهم على ما هو عليه الآن. والدرجات الوظيفية الاعلى تقع ضمن التعيينات السياسية (مثل وكيل وزير ومستشار ووزير) وبالتالي هي خارج سياق هذه التعديلات.

-اطلاق برنامج تعليمي طموح على عموم البلد يضاهي حملات محو الامية، ولكن يوجه لتوفير خبرات ادارية لمد القطاع الخاص مستقبلا. يستمر امد برنامج اعادة التأهيل هذا لمدة عشر سنين، ويهدف الى اخراج مليون موظف من السلك الحكومي في حين اتمامه. مدة الدراسة في هذا البرنامج هي سنتين، يحصل المتخرج منه على دبلوم ادارة عالي. ويتم التعاقد مع شركات عالمية لتوفير هذا البرنامج الذي سيؤهل الحاصل عليه في قواعد الادارة العامة، والمحاسبة، والحاسبة، والتعامل مع المصارف، وتقوية اللغة الانكليزية، على ان يتم التعليم في اللغة العربية عن طريق توظيف شركات لبنانية او مصرية او ما يتوفر. منهاج الدبلوم، في اطاره العام، يوازي شهادة الماجستير في ادارة الاعمال المتبعة عالميا. ومن الممكن ايضا توفير مباني حكومية، تمسي خالية بعد الدوام الرسمي، لعقد هذه الدورات فيها، وحل المشاكل اللوجستية المترتبة على ذلك من توفير الكهرباء والحماية وغيرها. واذا لم تتوفر الابنية فنستطيع ان نضع “جملونات” لهذا الغرض كحل وقتي لعدم توفر القاعات. وهذا البرنامج محصور بفئة معينة، وهم من توظف في السلك الحكومي بعد عام 2003 ممن هم دون عمر الـ 35 مع شرط توفر شهادة الثانوية لديهم، على انهم يتقدمون اليه بشكل طوعي، ويتم ادخالهم فيه بالقرعة. وفي كل عام، توفر 100,000 فرصة لهؤلاء للشروع في تحصيل الشهادة، وخلال فترة العامين يتم احتساب راتبهم الحالي، ويستمر صرف الراتب اليهم بعد السنتين ولمدة ثمانية عشر شهر، على شرط تعهدهم بترك الوظيفة الحكومية لمدة عشر سنين، وعدم احتساب تقاعد لهم. وفي حال خروجهم الى القطاع الخاص، تشرع قوانين جديدة للضمان المهني تكون بمثابة التقاعد بالنسبة لهؤلاء يدفعها ارباب العمل كما الحال في اغلب البلدان المتطورة، ويتم توفير سلف مالية من صندوق متخصص لإطلاق مشاريعهم الصغيرة وتشجيعهم على الانتاجية بعد ان تشربوا بالخبرات الادارية الجديدة.

-وبدلا من توفير تعيينات جديدة لمدة عشر سنين، تطلق 100,000 فرصة للحصول على هذا الدبلوم بالقرعة للمتقدمين اليه لمن ليس لديه وظيفة حكومية وهو متخرج بشهادة جامعية وما زال دون عمر الـ 30. ويتم احتساب لهم راتب يوازي ادنى مرتب للخريج في حال تم توظيفه، ويصرف الراتب لمدة سنتين ومن ثم لثمانية عشر شهرا، حالهم حال الموظفين، وبنفس الشروط.

-برنامج اعادة التأهيل سيكون مكلفاً، ولكننا نستطيع ان نموله من العشرين بالمئة التي يتم توفيرها من احالة من هم فوق الـ 45 على التقاعد. والبرنامج، بعد مرور بضعة سنين، سيلغي مئات الآلاف من الوظائف الحكومية، وبالتالي هذا التوفير باستطاعته ان يمول البرنامج تلقائياً.

-استحداث اختبار جديد لكافة الموظفين الكتابيين وفي كل الدوائر على الحاسبة الالكترونية، تمهيدا لجعل الدولة تسير على البرامج التقنية الحديثة. اذا دخل المواطن الى احدى دوائر الجنسية لإتمام معاملة ما، مثل تجديد بطاقة الاحوال، فإنه لن يجد اي كمبيوتر في اي من اروقتها. وما زال الموظفون يعملون على دفاتر مهترئة من اربعينات القرن الماضي تحوي بين طياتها على كل المعلومات الذاتية لهذا المواطن وعائلته. وهذا امر مستغرب في القرن الواحد وعشرون. وفي ذلك بعد امني مخيف، اذ ان الدولة ليست لديها آلية تحري سريع عن هوية شخص ما، واذا ما كانت اوراقه التعريفية حقيقية ام لا. والحل هنا هو في اطلاق برنامج تأهيلي على ابسط الامور الادارية في الحاسبة، مثل استعمال برامج الـ” وندوز” و”الوورد” و”الاكزل شيت”. وتقوم الدولة، بالتعاون مع القطاع الخاص، بتوفير دورات تأهيلية ليلية في مناطق مختلفة، وتعمل بموجب وزارة وزارة، ودائرة دائرة ضمن هذه الوزارة، ولمدة ثلاثة اشهر للدورة الواحدة، مع سقف زمني لا يتجاوز الخمس سنين لكل اجهزة الدولة. وبعد الانخراط الطوعي في هذه الدورات، يدخل كافة الموظفين في الدائرة الى قاعات امتحان، تدار من قبل شركات عالمية متخصصة في هذه المجالات، ليتسنى التأكد من قابليات الموظف او الموظفة على الحاسبة وابسط برامجها. وفي كل دائرة حكومية، يحال عشرون بالمئة من الذين حصلوا على اقل الدرجات في هذا الامتحان على التقاعد الفوري، مع احتساب التقاعد الكلي لهم، اي ثمانين بالمئة من الراتب الاخير.

-الفساد يستشري بتعقيد الاجراءات. وعندما تضاف وضائف حكومية جديدة الى السلك الاداري، يتم استحداث اجراءات روتينية جديدة لإضفاء شيء من العمل للموظف الجديد. اي ان التضخم البيروقراطي يفرّخ اجراءات اضافية، والاجراءات الاضافية تصبح مكمنا للفساد الصغير. والحل هنا هو في التعاقد مع شركات تخصصية عالمية، تعمل على تبسيط الاجراءات الروتينية. فمثلا، بدلا من اربعة موظفين لحجز تذكرة السفر، يعمل بتوصيات هذه الشركات ان يتم الاجراء كله من قبل موظف واحد. وبدلا من سبعة تواقيع واربعة اختام لمعاملة ما، يتم تبسيط الاجراء بتوقيعين وختم واحد، وهلم جراً الى حين جعل هذه المؤسسات مطابقة لتوصيفات الـ “أي اس او” الدولية. وتنشئ هيئة حكومية مستقلة جديدة، تتمتع بصلاحيات واسعة، في تطبيق هذه الاجراءات الجديدة، وبالتنسيق مع لجنة برلمانية متخصصة بإلغاء او تعديل او تحديث القوانين السارية التي تتعارض مع الاجراءات الجديدة. ويتم العمل هنا ايضا بمبدأ وزارة وزارة، ودائرة دائرة، على يتم تطبيقه اولا بأفسد الوزارات والمؤسسات، مثل وزارة التجارة او الكمارك او امانة العاصمة او برامج الاعانة الاجتماعية، على ان يسري هذا الامر على كافة الوزارات والمؤسسات الحيوية في غضون خمس سنين.

انا على يقين ان ما اقوله ليس بجديد. فلدينا وزارة تخطيط، ولدينا الكثير ممن عمل على ميثاق عهد العراق، ومن يعمل على ادخال العراق الى منظمة التجارة الدولية، وهناك ايضا اكاديميين، كلهم وضعوا حلول جذرية مماثلة، ولكنها اضابيرهم وتوصياتهم تتراكم عليها الاتربة في رفوف مكاتب اصحاب القرار. وشيء من الاشكال يكمن في التسويق الاعلامي لهذه الحلول المطلوبة. فإعلامنا ناجح في وصف الداء، ولكنه اخفق في وصف الدواء. فأمسى المواطن والناخب غير مطلع على ما يمكن عمله، ولا يتوقع من القائمة السياسية او البرنامج السياسي الا كلام فضفاض عن الفساد وسوء الادارة والخدمات، من دون ان يخاطب في الحلول العملية التي يستطيع ان يفهمها. وبالتالي، عندما نتكلم في شأن مشاكلنا الكبيرة، نسمع النحيب ونبحر في عالم الشؤم والاستسلام. ولا نتطلع على خطة واضحة المعالم لتخرجنا من هذه الازمة، وتجنبنا ازمات اخرى، على مدى السنين المنظورة.

قد يتفق او يختلف البعض في هذه الحلول، ولكننا بحاجة الى سجال ونقاش وطني عن ما هو ممكن وما هو مطلوب. وليأخذ الكلام هذا اطاره في مناظرات حقيقية بين المتصّدين لعالم السياسة والادارة  قبل واثناء الحملات الانتخابية. وعلينا كمواطنين ان نسأل بإلحاح: “فهمني شلون رح تحل هذي المشاكل يا سيادة الوالي.”

    1.
  1. June 4th, 2011 at 1:12 pm
      يقول:

    أخي و عزيزي نبراس اكتب لك ما يحصل لي مع الخطوط الجوية العراقية و التي هي مؤسسة صغيرة بكل المقايس و لكنها عريقة فهي اول شركة طيران وطنية في المنطقة و اليك بعض الطرائف و التي تندرج تحت عنوان :
    مؤامرة ، فساد ، غباء ، لامبالاة…. ام هي كل ما تقدم مجتمعا ؟
    بتاريخ 11/5/2011 و المصادف الاربعاء ، رحلة العراقية من اربيل الى عمان الساعة 4 عصرا ، بطاقات صعود الطائرة بدون ارقام ، عند وصولك الى مدخل الطائرة يستقبلك كبير المضيفين بصوت عالي : اتركو اول سراوين من الكراسي و الباقي مفتوح وين ما تريدون تكعدون اكعدو براحتكم ، و كانك في علوة مخضر . ثم تكتشف لاحقا ان الكراسي الامامية يجلس عليها طاقم العراقية من مضيفات و مضيفين ( عكس كل خطوط العالم ).
    اقلعت الطائرة باتجاه السليمانية حسب خط الرحلة و اثناء الطيران احتجت لغسل يدي و وجهي بعد ان استقر الوضع معي داخل الطائرة ، قمت و اتجهت الى الى التواليت الامامي باعتباره اقرب لي و هو غير مشغول حسب الاضاءة الظاهرة … دخلت التواليت و اذا يفتح علي الباب كبير المضيفين كما عزرائيل و بابتسامة خبيثة و بصوت عالي استاذ لايمكنك استخدام هذا التواليت و عليك استخدام التواليت اخر الطائرة !
    وهنا جرت المساجلة التالية :
    ثائر : لماذا ؟
    المضيف : هذه فقط لركاب الدرجة الاولى ؟
    ثائر : وهل هناك درجة اولى في هذه الطائرة ؟
    المضيف : نعم ؟
    ثائر : ولكن تذكرتي درجة اولى ! و قامت مديرة المحطة العراقية في مطار اربيل ( أم أحمد ) و التي اضنك تعرفها بختم التذكرة لي ليتسنى لي اعادة فرق التذكرة من مكتب عمان باعتبار ان هذه الطائرة و التي نحن عليها لا تحتوي على كراسي درجة اولى !
    المضيف : استاذ كل ما تقوله صحيح و لكن لن اسمح لك باستخدام التواليت ،
    و وضع رجله من تحت الباب كي لا اتمكن من اغلاقه !
    ثائر : فتح صنبور ماء المغسلة و اخذ يغسل يده و وجهه و كان كبير المضيفين غير موجود و السبب ان مثل هكذا تصرف غير مؤدب و غير مبرر لا يمكن التعامل معه بطريقة اخر ، و لو كان لي حاجة اخرى لقضائها في التواليت لكنت فعلتها بالرغم من ان الباب مفتوح .
    المضيف : استاذ لا تزعل علينا ، ولكن هذا التواليت مخصص الى كابتن الطائرة فقط ؟
    ثائر : يعني هذا عذر اقبح من ذنب ! هل الطائرة مسجلة لكم او للكابتن او انكم تتعاملون مع المسافرين على انهم رهائن محتجزين لديكم تعملون بهم ما تشائون ! هذا عيب كبير و هناك اصول معروفة اكيد انكم تعرفونها في اصول الضيافة ، فنحن كمسافرين نعتبر ضيوف لديكم كما الضيف في بيتكم و لهذا السبب يسمونكم مضيف الانكم المضيفين لنا على متن الطائرة و عليه لا يمكن باي حال من الاحوال ان تقوم انت او الكابتن باهنة ضيوفه في داره !

    حطت الطائرة في مطار السليمانية ، وبعد خروج الركاب القادمين الى السليمانية و اثناء الاستعداد لتحميل الركاب المسافرين من السليمانية الى اربيل ، قاموا موظفي العراقية بالخدمة الارضية من تجهيز الطائرة من مواد غذائية و مشروبات غير كحولية ( باعتبار الكحول حرام ) و كذلك جرائد ، وهنا المفاجئة الاخرى : وضعوا الجرائد في خزانة باول الطائرة و اغلق عليها . راقبت الموضوع متى سوف يوزعون الجرائد …. لم يلتفت احد لهذا الموضوع …. وعليه قمت لاستاذن احد المضيفات فقلت لها : هل لي ان اخذ جريدة ؟ قالت بكل تأكيد بامكانك ذلك ، شكرا …. اخذت واحدة و اثناء عودتي قلت لهم لماذا لا توزعونها لمن يرغب كما يفعل الطيران الاخر ! و اذا بجواب لطيف لا يخلو من السخرية …. استاذ هي ضلت على هاي …..

    قصة مضحكة مبكية اخرى ، رحلة العراقية من عمان اربيل يوم السبت 21/5/2011 موعد الاقلاع 4 عصرا من عمان ، ابلغنا بتاخير الطائرة الى الساعة 6 مساءا ، جلسنا نتسكع في المطار الى حين موعد الاقلاع ، اقلعنا و قرب وصولنا الى اربيل ، نادى المنادي … الى المسافرين الكرام بسبب الغبار في اربيل سوف نضطر الهبوط في السليمانية ، قلنا امين ، وصلنا السليمانية اخبرونا بضرورة النزول الى مطار السليمانية .
    الطائرة فيها ركاب اجانب ، مغتربين لهم اقارب في اربيل ، موظفين ، عمال و الاهم مسافرين الى الموصول يتخذون من العراقية وسيلة لهم تصلهم الى اربيل و منها ينتقلون الى الموصل بالسيارة …… المهم .
    سئلناهم متى موعد الاقلاع الى اربيل ؟ نادى المنادي …. انتهت رحلتكم الى هنا فقط و عليكم تدبير انفسكم اما نحن فقد انتهت علاقتنا بكم ! بعد سجال معهم و صراخ البعض من المسافرين و بكاء عدد قليل منهم لخيبة الامل التي وقعنا بها جميعا ….. لم يكم امامنا الى الاستسلام كما هو حال الشعب العراقي المستسلم امام قيادته الجبارة من صغيرهم الى كبيرهم …..

  2. 2.
  3. June 16th, 2012 at 9:02 pm
      يقول:

    ومن تجاربي إنني حجزت للذهاب إلى السليمانية إستجابة لدعوة من رئيس مجلس محافظة كركوك والسفارة الأمريكية هناك لدراسة تأهيل مطار كركوك للنقل المدني .. طارت الطائرة من بغداد إلى أربيل ونل جميع المسافرين عداي وبقيت في الطائرة لوحدي قاصدا السليمانية .. وهنا حدث العجب فقد أبلغوني بأنهم لن يطيروا إلى السليمانية براكب واحد وإن ركاب بغداد جاهزين لذلك سيعودون إلى بغداد !!!! أضطررت للنزول في أربيل وإتصلت برئيس مجلس المحافظة والمستقبلين فأستغربوا الأمر وجاؤني مسرعين بعد ساعتين تقريبا إلى أربيل وأخذوني مع الإعتذار إلى كركوك .. ولا عجيب في هذا الزمن !!

  4. 3.
  5. June 16th, 2012 at 9:03 pm
      يقول:

    العزيز نبراس .. أعددنا دراسة لتطوير النقل والمواصلات أيام المعارضة وسيسعدني أن أرسل نسخة منها إليك وفيها المقترحات لتطوير هذا القطاع بجناحيه النقل والمواصلات .
    مع تحياتي

تعليق