المشهد السوري وانعكاساته على العراق

نبراس الكاظمي

الاوضاع في سورية عبرت نقطة اللا عودة، فلا وعود ولا اصلاحات شكلية ستجمح رغبة اغلب السوريين برحيل آل الاسد عن الحكم.

وما يحدث في سورية له تداعيات مهمة على استقرار العراق. فمنذ السبعينات شهدت بغداد ودمشق حرباً غير معلنة دارت رحاها في جبهات العمل الاستخباراتي والاعلامي. وجاءت هذه الحرب من جانب واحد بعد سقوط نظام صدام حسين ليشّن النظام السوري حملة تخريبية هائلة ولئيمة ضد العراق الجديد.

شهدنا مرحلتين من هذه الحرب، الاولى كانت مرحلة البعث ضد البعث، حيث انبرى جناحان متنافسان على الزعامة القومية، متخذين من مقدرّات بلدان سياديان لتصفية الخصومات الشخصية، وكانت ملامحها ايواء المعارضين من الطرفين، وحرب البيادق في لبنان، ودعم صدام حسين لتنظيمات اصولية سنية في نهاية السبعينات بالمال والمتفجرات في تمردها ذو الملامح الطائفية ضد الحكام العلويين في سورية، قابلها دعم حافظ الاسد لإيران في حرب الثماني سنوات.

والمرحلة الثانية كانت حرب البعث ضد الديموقراطية. فمنذ الايام الاولى قامت السلطات السورية بإرسال الالوف من الشباب السوري للقتال الى جانب نظام صدام حسين، والكل يعلم ان امراً كهذا لا يحصل في بلد دكتاتوري مثل سورية الا بإيعاز من الاجهزة الامنية، اي انها ناصبت العداء للديموقراطية حتى قبل ولادتها على ارض الرافدين. ومن المفارقات ان خطيب جامع الدقّاق التاريخي في حي الميدان قال لي بالحرف الواحد “انا جاهدت في العراق بتوجيه من الدكتور بشار الاسد”. وتلاها ايواء بقايا البعث من اجنحة محمد يونس الاحمد وعزت الدوري، وحتى منح التسهيلات الاعلامية للنائب السابق مشعان الجبوري المطلوب بتهم الفساد والارهاب.

وقامت السلطات السورية بتسهيل امر عبور الوف الشباب السوري والمغاربي والخليجي الى الاراضي العراقية للانخراط في المجاميع الارهابية، فاصبح الكادر السوري من اهم اعوان ابو مصعب الزرقاوي. وجاء ذلك بشكل مباشر او عن طريق غضّ النظر ليصبح الجانب السوري من حوض الفرات (منطقة دير الزور) وجزيرة الفرات (منطقة ربيعة) الحاضنة الاهم لتدريب وتجهيز الارهابيين. وعندما تم التضييق عليهم في اواخر عام 2005، لم يحصل هذا بفضل الضغط الامريكي ولا رأفتا بالعراق، وانما جاء كرد فعل بعد قيام الجهاديين بتوجيه انظارهم للعمل في العمق السوري ضد نظامه. ولم يقتصر الامر على الجهاديين، فحينما شرع الجانب الايراني بتدريب كوادر جيش المهدي في الامور الامنية في نهاية عام 2004، اقيمت هذه الدورات في ريف دمشق بإشراف حزب الله اللبناني.

ناهيك عن الصخب الاعلامي المستمر النابع من وزارة الاعلام السورية ضد العراق. فما هي دلالات قيام وزير الاعلام محسن بلال باستقبال الصحفي منتظر الزيدي في مطار دمشق استقبال الابطال يوم 15 سبتمبر 2009 بعد اطلاق سراحه، في اهانة مقصودة لرئيس الوزراء نوري المالكي؟ وهذا ليس كل الامر، فسبق هذا الاستقبال حادثة وقعت اثناء زيارة المالكي لدمشق في نفس العام عندما كان يهم بالدخول الى مكتب بشار الاسد حيث وجد تلفازا في اروقة القصر يعرض قناة الرأي المملوكة لمشعان الجبوري، والامر قصده الاستفزاز الصريح، فاحتّج المالكي لدى الاسد على ذلك ولكن الاخير قال له، “ما بالك؟ فمشعان بطل قومي”، واضطر المالكي الى بلع هذه الاهانة.

ولنا تساؤل في ضوء هذا الكم الهائل من الخبث السوري ضد العراق الديموقراطي، لماذا يصر المالكي على الوقوف الى جانب الدكتاتورية ضد المتظاهرين المطالبين بالديموقراطية؟

في يوم 13 نيسان خرج السفير العراقي في دمشق السيد علاء الجوادي (وهو مقرب من المالكي) بتصريح مستهجن خلال ملتقى نظمته السفارة العراقية، في كلمة تخللتها الكثير من الاطراءات الغير مبررة لنظام الاسد، ويقول فيها ان “من يتآمر على سورية اليوم هو نفسه من يتآمر على العراق الديموقراطي وبنفس الآليات والأساليب والشعارات”، مضيفاً “حينما أعلنت قيادتنا أننا معك يا سورية فهي لم تعلن من فراغ وإنما من وعي كامل أن أمن سورية من أمن العراق وأن ما يحصل لسورية يهمنا وأي ألم يتألمه أي سوري هو ألم للعراقيين”، متناسيا ان كثيرا من آلام العراق تسبب  فيها النظام السوري نفسه.

وسبق ذلك رسالة بعث بها المالكي الى الاسد يوم 3 نيسان، حملها اثنان من اقرب مستشاريه السيدان عبد الرحيم الزهيري (نائب عن ائتلاف دولة القانون) وفالح الفياض (مستشار الامن القومي) وجاء مضمونها، حسب وكالة “سانا” الرسمية، تأكيدا على “وقوف حكومة العراق إلى جانب سورية في وجه ما تتعرض له من مؤامرات تستهدف الاستقرار فيها.”

لماذا يتوجس ساسة العراق من التغيير في سورية؟

باعتقادي هذا الموقف العراقي له شقّان: جانب اعتباري وجانب طائفي.

لا يخفى ان المالكي قضى اغلب سنوات غربته في دمشق برعاية نظام الاسد، حاله حال المئات من المعارضين الاسلاميين والقوميين. وشيئاً من الامتنان لهذه الرعاية الماضية تجسد بموقف المؤازرة المعلن حاليا. لكن المالكي، الذي سكن في حي الامين الشيعي في قلب دمشق القديمة، شهد بأم عينه ما كان يحصل في اوائل الثمانينات من احداث التمرد الاصولي السني ضد العلويين، حيث كان يقتل الطبيب والمهندس والبروفيسور لمجرد انه ينتمي للطائفة العلوية، اضافة الى الضابط العلوي ورجل الامن العلوي. فهناك تخوف فطري استفحل في ذاته من ان تغيير النظام هناك سيأتي بتطرف سني على الحدود الغربية للعراق. ويعتقد بعض ساسة العراق الشيعة ان امنهم مرتبط بهلال شيعي مزعوم يمتد من ايران الى العراق الى سورية العلوية والى لبنان حزب الله في مواجهة قوى الرّد السنية الممتدة من الخليج الى السعودية الى الاردن فمصر.

النظام الذي انشأه حافظ الاسد يستند على ركائز ثلاث: تحييد رأس المال السني والنخبة التجارية الكبيرة في دمشق وحلب عن طريق الاغراءات المادية، وحصر المسؤوليات الامنية بالطائفة العلوية (التي لا يتجاوز تعدادها 15 بالمئة من سكان سورية)، وتخويف الريف السوري والاقليات الاخرى (المسيحيين يمثلون 10 بالمئة من السكان، والدروز والاسماعيليين يمثلون 5 بالمئة) من اعادة تسلط النخبة المدنية السنية عليهم.

وفي نهاية السبعينات ظهر خطر جديد وهو تحوّل التمدن السني الى التعصب الديني المتمثل بالاخوان المسلمين والمنشقين عنه، مما فجر تمرداً استمر خمس سنين، وانتهت هذه الحالة حينما جعل النظام من مدينة حماة عِبرة لكل السوريين بانه مستعداً ان يفعل اي شيء في سبيل البقاء في الحكم، في معركة استمرت ثلاث اسابيع راح ضحيتها عشرات الآلاف وتم تدمير المدينة بالكامل.

وما حصل في حماة سنح للنظام فرصة التمتع بثلاثين سنة من الاستقرار النسبي. ولكن في هذه السنين تغيرت الطبيعة المدنية السورية جراء زحف الريف عليها، وتوفي حافظ الاسد في عام 2000، وورثة ابنه بشار، وثم جاء التغيير في العراق وما له من رمزية تغيير نظام اقلية طائفي وانهيار لحزب البعث، ولحقه هزيمة سورية في لبنان.

لكن في السنوات الاخيرة قام بشار الاسد باسترداد انفاسه، فتغيّر الحال في لبنان لصالحه، وانتعش الاقتصاد السوري بفضل تفكيكه للاشتراكية (ودخول استثمارات خليجية وعراقية كبيرة)، وحاول الامريكان استمالته بعيدا عن ايران وتقربا من اتفاقية سلمية مع اسرائيل، وكان يبدو انه في عامه الحادي عشر من الحكم، وعامه الخامس والاربعون من العمر، في اوّج قوته.

وما كان في الحسبان ابدا ان احداثاً بدأت في تونس منذ اربعة اشهر ستفجر الشارع السوري بطريقة غير مسبوقة في ايامنا هذه.

ما العمل الآن؟

النظام السوري لاعب مهم في التركيبة السياسية في العراق فيما سبق، والآن لا مناص، اذا الاستقرار هو المرجو، الا من جعل العراق لاعباً اساسياً في التمهيد لصفقة سياسية في سورية.

العلاقة السياسية السورية-العراقية تدار من قبل رجل الامن المتنفذ الفريق محمد ناصيف خير بك، والمكنى بـ”ابو وائل”. وهو رجل، حسب شهادات الكُثر، متزّن ووقور ونزيه حتى في انظار اغلب المعارضين السوريين، ولكنه يبقى يمثّل نظاماً فاشياً مستبداً اوغل ظلماً بحق شعبه وبحق العراق، وهو كان الذراع الايمن لحافظ الاسد و”العّم” الروحي لأبنائه. ومكتبه الكائن على مرأى السفارة الامريكية في دمشق في حي ابو رمانة، بمثابة المحَّجْ لكافة الاقطاب السياسية العراقية، بكل تكويناتها الطائفية والعرقية والايديولوجية. وكي اكون واضحا ولإبعاد الشبهات، فانا التقيته عدة مرات بين سنوات 2006 و2008 الى حين منعي من دخول الاراضي السورية. وللأمانة فإن الرجل تقبَّل مني كلاماً حاداً في الشؤون السورية والعراقية، وان خالفه. وهو يتمتع بحظوة كبيرة لدى المالكي ولدى نائب رئيس الوزراء صالح المطلگ، وكذلك لدى الاكراد ولدى التيار الصدري وتحالف العراقية.

اذا اراد الجميع استباق الاحداث، ونزوة النظام السوري الغريزية بقمع المظاهرات التي لن تنتهي، وما قد يفسحه هذا القمع من فتح نافذة امام الجهاديين والسلفيين لإعادة تمردهم وايغال البلد بدماء الحرب الطائفية، فاصبح من الضروري ان تُعقد صفقة بين المنظومة الامنية العلوية من جانب، التي يمثلها ابو وائل، وبين المعارضة الديموقراطية السورية والنخب المدنية السّنية من جانب آخر، وعلى العراق ان يكون عرّابها، بالتنسيق مع الجانب التركي الداخل بقوة في شؤون جيرانه.

وستكون هذه الصفقة لا محالة على حساب آل الاسد وابناء عمومتهم وابناء اخوالهم، لان الشعب السوري لن يهدأ الا بإزالة اسم الاسد من واجهة الحكم، ومن الجائز ايجاد منفى لهم في الاراضي التركية، وربما في لواء الاسكندرون التركي ذو الكثافة العددية العلوية والذي دوماً ما تطالب به سورية. فاليوم ليس كيوم حماة، لأن في سورية العشرات من المدن الثائرة، ومن الارياف المشتعلة، وبات من المستحيل على النظام قمعها بأساليبه القديمة، ولن تستغفلهم كذبة ما يسمى بـ”الاصلاحات” التشريعية والقانونية لأن وضع النظام غير قانوني من الاساس.

فعلى ساسة العراق اتخاذ المبادرة لإيجاد المخرج من الازمة المستفحلة، كونهم على علاقة جيدة بالمنظومة الامنية، وكونهم مشابهين للمعارضة الديموقراطية، بتمرير هذه الصفقة التي هي وحيد طريقة لتفادي انهيار سورية في دوامة العنف السلطوي والعنف الجهادي المضاد. ولا توجد اي مصلحة للعراق في استعداء الشعب السوري باستمرار الوقوف الى جانب من يظلمه، وعلى العكس، فإن الصفقة هذه لها ان تجعل من حكام سورية القادمون حلفاء استراتيجيين للعراق.

ولعل شخصية الدكتور صالح المطلگ، بقربها من ابو وائل، وهواها البعثي، وهويتها السنية، هي الانسب للقيام بهذه الوساطة (…وقد يسيء الظن بعضهم فيرون في ذلك تحكيم عمرو بن العاص الاموي في مواجهة ابو موسى الاشعري العلوي، وعلينا الخروج من هذه العقلية في النظر الى العلاقة بين الشام والسواد). وما على المالكي الا ان يوكِّل نائبه بهذه المهمة التاريخية، التي من الممكن ان تعود على البلدين باستقرار وسلم مدني، فتكون سورية هي الحلقة الوسطى بين العراق ولبنان في نشوء هلال ديموقراطي يضم لاحقاً ايران وبحرين المتغيّرتان، بدلا من هلال شيعي يؤسس لحالة حرب ضمنية، داخلية وخارجية، قد تدوم لعقود من الزمن.

    1.
  1. April 19th, 2011 at 10:06 pm
      يقول:

    أعجبني مقالك وتحليلك الواقعي هذا .لأني كمعارض عراقي عاش في لبنان في أول سنوات الغربة ورايت في مقالك الكثير من الموضوعية يفتقدها أكثر السياسين العراقيين الحاليين .وأريد أن أركز على موضوع موقف الحكومة الحالي ودعوتك من خلال ما تقترحه لكي تصبح سوريةالحلقة الوسطىبين العراق ولبنان في نشوء هلال ديمقراطي ولربما تلحقه أيران بعد ذلك .أولا كل عراقي عاقل ومخلص يتمنى ذلك وأستراتجيا هذا ما يجب أن يحدث ولي في هذا الأمر مقالة سأنشرها ولكني في أنتظار بعض التطورات السياسية في لبنان وخاصة في انتظار معلومات عن نتائج أجتمعات قادة المورانة الأربع عون وجعجع وفرنجية وامين الجميل .ما أقصده هل تعتقد أن السيد المالكي وحكومته مؤ هلين لهذا الدور أساسا وهل يؤمن بالديمقراطية الحقيقية وهل أذا حدثت أنتخابات جديدة كما تتجه الأمور في العراق هل سيفوز المالكي .أنه مجرد رأي وأرجوا أن يكون صدرك رحبا للأني أعرف النظام السوري جيدا ومثله الحكومة العراقية الحالية ورئيسها ليس بالمزيادة عليك ولكن من خلال علاقاتي الشخصية مع السياسيين البنانيين فأني أشك بأمكانية نجاح مقترحك اللهم الا أذا حدث تدوير حاد في الزواي .أنه أجتهاد خاص أتمنى أن يكون مفيدا مع التحيات .

  2. 2.
  3. April 21st, 2011 at 12:38 am
    Kifah
      يقول:

    مقالة جيدة وأود أن أضيف إلى المرحلتين المذكورة وجود مرحلة ثالثة بدأت بوفاة حافظ أسد وإستلام بشار حيث قام صدام حسين برعاية النظام السوري البشاري الجديد وإحتضانه (ماديا) وتنظيميا من خلال الدعم المباشر وغير المباشر وهذا ما جعل حزب البعث السوري إمتدادا للبعث العراقي. إن هذه المرحلة المتوسطة تفسر الكثير من أسباب دعم النظام السوري لأعداء العراق الحالي مع ضرورة أخذ موضوع إستمرار أعداء صدام (كالمالكي) في العمل داخل سوريا لحين مغادرة صدام عام 2003 بنظر الإعتبار عند دراسة توجهات حكومة المالكي . وأود أن أشير إلى أن التفاوض بين حزب الدعوة والبعث في سوريا خلال الأشهر الماضية أنتجت إجراءات مثل منح التقاعد لفدائيي صدام وإعتبار البعثيين الأفراد غير مسؤولين عن جرائم البعث وإلغاء المحكمة الجنائية العليا (محكمة صدام) نهاية الشهر السادس من هذا العام وغيرها من إجراءات بعضها سري وبعضها يعلن على إستحياء.

تعليق