اولوياتنا العراقية

نبراس الكاظمي

في خضم الصخب الاعلامي حول الاحداث الكثيرة التي تواكب نشرات الاخبار، وفي معمعة الهموم اليومية للمواطن العراقي من كهرباء وماء وهاجس الخوف والازدحام التي يحملها الشخص حيثما حل مثل اوراقه التعريفية الرباعية، وفي وهج الصيف الملتهب الذي نحن على اعتابه، من السهولة نسيان ان قادة البلد يفتقرون الى رؤية واضحة المعالم لأولويات العراق ولمصالحه الاستراتيجية، داخلياً وخارجياً.

انتهت مهلة المئة يوم التي حددها رئيس الوزراء نوري المالكي لنفسه. لقد تقلب المالكي، كعادته، في تحديد ما يروم انجازه في مئة يوم. وابتدأ المالكي بسقف عالي، وقال يومها ان المواطن سيشهد تحسنا ملحوظاً في الخدمات، ومن ثم تدارك نفسه وصرح بأن مرحلة المئة يوم هي لتقييم اداء الوزارات، وكأن الفشل المستفحل يراد له المزيد من التقييم. حين وجد ان هذا الكلام غير مقنع، خرج المالكي ليلوح بأنه سيقدم عددا من الوزراء كأكباش فداء ارضاءً لغضب وسخط الناخبين. ولوح ايضا بأنه اي طرف سياسي يرى من مصلحته استثمار هذا الغضب لغاياته السياسية سيعرض نفسه الى الاقصاء من العملية التوافقية والمشاركة في الحكم وأن المالكي سيتجه الى حكومة الاغلبية البرلمانية او حتى انتخابات مبكرة.

وواكب تهديده السياسي هذا اجراءات “لوي ذراع” للمتظاهرين على قلة عددهم حالياً، مما عكس ارباكاً وخوفاً لديه من هؤلاء الذين ينقدون اداءه. ولجأ المالكي الى سلاح الفاشلين الا وهو القمع وتكميم الافواه. فأمسى اعلامه الرسمي نسخة طبق الاصل لإعلام الدكتاتوريات المحيطة بنا. وعادت الى سجون العراق ظاهرة السجين السياسي. وعادت ظاهرة المكرمات، متمثلة برشوة مهينة قدرها 15,000 دينار عراقي لا غير.

وها هو يخرج علينا ليقول بأن المئة اليوم كانت للتخطيط، وحدد لنفسه مئة يوم آخر للعمل، وكأن قيادة البلد تأتي بالأقساط.

المالكي لا يجيد الا القاء اللوم على الآخرين. فهو، كأي “بياع كلام”، يبرع في التبرير لنفسه، لأنه في المحصلة صاحب منبر، وحامل لشهادة في اللغة العربية، وكأن العراق بحاجة لمزيد من الخطب الرنّانة في غياب ضجيج موقع العمل والورشة. ويظن ان القيادة هي “شقاوة” فنراه يتمشق شخصية الرجل القوي كأنه الفارس المغوار ممتطياً صهوة الاصيلة.

عندما يتكلم المالكي في الخدمات والامن والنزاهة فهو ليس متكرماً ولا قائداً ولا رجل دولة، فهذه الامور هي “ترگيعية” وتمثل اقل ما هو متوقع من اي حكومة. وما حال العراق ما بعد الماء والكهرباء وتحجيم ظاهرة الكاتم؟ ما هو البلد الذي نتطوّق اليه؟ ليس للمالكي اجابة واضحة عن ذلك.

المالكي رئيس مجلس وزراء، وليس رئيسا للوزراء، حسب الدستور. ما معناه ان سياسة البلد يخطها المجلس الوزاري، وليس الرئيس فقط. اذن، الكل يفتقد الى هذه الرؤية الواضحة.

إن اردتموها توافقية، فالتوافقية لا تكون على تقاسم المقاعد الوزارية، وانما توافقوا على النظرة المستقبلية لهذا البلد. الى اين نحن ذاهبون؟ سفينتا العراقية معطّلة في عرض البحر، يتقاذفها الموج. مراجلها لا تعمل. والبدن مثقوب بفعل الارهاب والفساد. والقبطان نائم، وطاقمه مشغولين بابتزازنا نحن، رهائن هذا الحال. ما هي وجهتنا؟ اذا لا نعلم ذلك، فالحال سيظل على ما هو عليه، لأننا نحن المسافرون لا نعرف ماذا نريد. هل يكفي ان تُوصَد الثقوب، وتُصلَح المراجل، ويستفيق القبطان، ويُطلى المركب بأزهى الالوان، اذا لا نعرف في المحصلة ما هو مسارنا؟

اي كيان او شعب يفتقد الى الاهداف او الاحلام فهو شعب في طور الموت والاستسلام وفقدان الهمّة، ويسهل للسفهاء والطغاة استغلال وضع كهذا بالكذب والتبرير والسرقة. عندما يطغى الجَهَل يعمُّ الدَجَل.

هاتونا بأولوياتكم لهذا البلد. هاتونا بأفكاركم. هاتونا بالمسار. ليضع كلٌّ منّا عشر نقاط لأولياتنا العراقية، ما بعد هموم وشجون الخدمات والامن والتوظيف، لما سيكون عليه حال العراق بعد حين. عشر اولويات لكل فرد، لكل كيان، لكل صانع رأي.

هذه الاولويات التي اراها للعراق، والحلول التفصيلية والواقعية والواضحة التي اؤيدها:

اللامركزية: نظامنا نظام فدرالي مبني على اللامركزية، ولكن الى الآن، لم نرى افكاراً واضحة المعالم عما تعنية اللامركزية خارج اقليم كردستان. موقفي وضحته في مقالي “لم لا تحتفظ البصرة بـ 40 بالمئة من وارداتها؟” علينا الابتعاد عن منهجية الاقليم، وتفعيل المحافظة كإطار اداري يتمتع بصلاحيات صرفية وادارية كبرى حسب ما نص عليه الدستور ويَسًّره قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم. ستكون هناك محافظات غنية ومحافظات فقيرة، ودور الحكومة المركزية يكمن في تخفيف العبء عن تلك الفقيرة واطلاق العنان للمحافظات الغنية في ادارة نفسها كما يريد ناخبيها.

السياسة الخارجية: موقفي واضح ايضا في مقالي “معارضي اليوم هم حكام الغد” و”انعكاسات المشهد السوري على العراق”. لا يعقل بأن العراق قد تأخر عن الاردن في الاعتراف بحكومة الثوار في بنغازي. العراق يجب عليه ان يكون قائداً للكتلة الديموقراطية التي بدأت تنشأ في محيطه، وعليه ان يكون ملاذاً لأحرار الشرق، من سورية الى ايران الى الخليج، لأن تحالفنا الاساسي هو مع الشعوب التّواقة للحرية، وليس مع الانظمة القمعية المهترئة.

البيروقراطية: علينا ترشيق وتحجيم الجهاز الاداري للدولة الى رقم 700,000 موظف في عشر سنوات، عدا عن وظائف الشرطة والجيش. للمزيد من الحلول في هذا الخصوص، لكم مراجعة مقالي “البيروقراطية المتضخمة اكبر عائق امام نهضة العراق الاقتصادية.”

المساءلة والعدالة: المالكي ما زال يتستر على 6,700 ضابط ومنتسب امني وموظف مشمولين بقانون المساءلة والعدالة لانهم يتملقون له وينفذون اوامره. علينا قلعهم فوراً تطبيقاً للقانون. معاقبة البعث له بعدين، امني واعتباري. الجانب الامني مفهوم لدى الكل الا من يحاول تعكير المياه من باب الاستعطاف على البعثيين. البعث دمر العراق، واستمر في ايذاء العراق الجديد. وعلينا ان نجعل من البعث عاراً ابدياً كي لا يحاول اياً من يكن، المالكي او غيره، العودة الى اساليب الماضي القمعية. عندما يسأل الحفيد جده البعثي بعد عشرون عاماً، “جدو، ما كنت تفعل في عهد صدام؟” اريد لهذه البعثي ان يطأطأ رأسه خجلاً. هذا الجانب الاعتباري.

المعاهدة الاستراتيجية الجديدة مع امريكا: علينا تهيأت العراق للانضمام الى حلف الناتو بعد عشر سنين. وستجدون المزيد حول هذه النقطة في مقالي “العراق بين الانصياع لجيش المهدي او الانضمام الى الناتو”. الشق الآخر من المعاهدة سيكون في التحصيل العلمي. اهل يعقل بأن للسعودية ثلاثون الف طالباً في الجامعات الامريكية حاليا، في حين ان عدد طلبة العراق لا يتجاوز العشرات؟ لنضع برنامجاً يهدف بالأساس لتقوية القابلية اللغوية والاكاديمية لدى الطالب العراقي، تجعله يتأهل للتقديم الى افضل الجامعات الامريكية، وليكون سقفنا الذي نحاول الوصول اليه هو خمسة آلاف طالب في السنة في كافة مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراة. هذا اهم ما يمكن ان نصرفه من الميزانية العراقية اذا اردنا لعراق علمي متماشي مع تطور العالم.

الاسكان: الائتلاف الوطني وضع خطة جيدة للإسكان في برنامجه الانتخابي ولكنهم نسوا ان يفعِّلوه في البرلمان. اؤيد تطبيق هذه الخطة ولكن بشرط واحد، الابتداء في المحافظات البعيدة عن بغداد، ولتكون العاصمة آخر مكان يطبق فيه هذا البرنامج الاسكاني.

بغداد: اعادة الاعتبار الى الهوية البغدادية في كل وجوهها، ابتداءً من الحفاظ على تراثها، الى فرض مرشحين بغاددة في انتخاب مجالسها ونوابها، وهذا ليس الحال اليوم. للإستزادة لكم مقالي “بغداد بمحافظتين”.

السيطرة النوعية: من الآن علينا تطبيق المواصفات الاوروبية تحسباً لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، وحينها سيكون للعراق حدوداً مع اوروبا. المواصفات الاوروبية معقدة وطموحة، ولكن اذا ابتدأنا بها كسقف عالي للسيطرة النوعية من الآن، سنكون مهيئين للمتاجرة معهم قبل غيرنا.

انشاء مصرف لتنمية القطاع التجاري الخاص: مشكلة القطاع الخاص الاساسية تقع في غياب التمويل والتسهيلات المالية لإطلاق المشاريع. يخصص مبلغ عشرة مليارات دولار لهذا الصندوق، تصرف منه قروض لا تتجاوز الـ 5 ملايين دولار، مع ضمانات اولية تبلغ عشرة بالمئة من المبلغ مع ضمانة ثانوية تبلغ نصف المشروع، ويطلق القرض على دفعات عُشرية مع نمو المشروع تدريجياً. ما يعني ان وجود المشروع على ارض الواقع يصبح هو الضمان الآجل في مراحله المتتابعة. يستثنى من هذه القروض اي متعاقد مع الدولة كان قد حصل على عقد حكومي في الخمس سنين الماضية. وتكون نسبة الفائدة خمسة بالمئة.

ميناء الفاو: هذا الميناء هو رأس مالنا ما بعد النفط. الميناء الذي يروم المالكي بناءه هو صورة مصغّرة لما يجب ان يكون عليه هذا الميناء، وحتى في هذه الصورة المصغرة تم تأخيره والتلكؤ به. العراق سيكون المنفذ الاهم لبضائع الشرق الآسيوي والهند الى اسواق اوروبا والشرق الاوسط واواسط آسيا لو انشأ ميناءا كبيرا وطموحا.

هذه اولوياتي بشكلها المبسّط، ولمن يهتم بالتفاصيل له مراجعة مقالاتي السابقة المتخصصة في بعض النقاط. قد تكون لغيري اولويات اخرى. دعونا نتحاور ونتفاوض ونتوافق، ومن ثم نتحالف لتحقيقها. نحن امام تحدي مصيري لوضع خارطة مستقبلية للعراق، والاجدر بنا ان نفكر بما نسعى اليه من دون اللإلتهاء بالمكائد السياسية والصخب الاعلامي والهموم اليومية.

في سنوات حكم المالكي الخمسة، دخلت 300 مليار دولار الى الخزينة العراقية، على اقل تقدير، جراء المبيعات النفطية. هذا المبلغ يكفل بتقويم افقر البلدان واكثرها تخلفا. ولكن العراق ما زال فقيراً ومتخلفاً. لماذا؟

اهل من مجيب؟

    1.
  1. June 12th, 2011 at 2:24 pm
    شهاب
      يقول:

    الاستاذ نبراس المحترم،
    اللامركزيه غير واضحة حتى في اقليم كردستان، واذا كنت تعتبر اللامركزيه في كردستان هي النموذج الواجب السير على نهجة فيه مصيبه بكل المقاييس! للاخوه الاكراد 17% من واردات الدوله اي انهم يشاركون 15 محافظه بوارداتهم وجميع واردات الاقليم لهم وحدهم! بل ويأخذون تعرفه جمركية على البضائع الداخله الى العراق ويطالبون بدفع فاتوره البيشمركه من ميزانية الدفاع ولهم برلمانهم 100% اكراد بالاضافه الى 18% من المجلس الفدرالي ولهم وزارتهم ويشاركون المركز بالوزارات يعينون فيها اكراد من الاقليم وليس من سكنه باقي محافظات العراق ولهم حق الشراء والتملك وفتح الشركات التجارية وشركات المقاولات في جميع محافظات العراق وليس لك حق الشراء او الاقامة في الاقليم إلا بموافقات امنيه و الاقامه المحدوده المدة القابله للتجديد بموافقات امنية سنويه
    السياسة الخارجية: لا يمكن للعراق ان يكون قائداً للحراك الديمقراطي في المنطقه في ظل ما تأسست عليه الديمقراطية في العراق! فلبنان اقدم منا بالتجربه الديمقراطية ولكنها ديمقراطية محاصصه اثنية وطائفيه وللاسف سرنا بنفس النهج، فيمكنك ان ترى العراق بعد 10 سنوات على حال لبنان يومنا هذا، احزاب متنافره طائفية تخدم مصالح الدول التي تدفع لهم وتمولهم بغياب رؤيا وطنية، واعتقد ان للامركزيه ستعزز الاصطفاف المناطقي و الاثني
    البريرقراطية: اتفق معك 100% ف اكثر من 58% من ميزانية العراق لهذا العام تذهب للراوتب، وهي ميزانية ضخمة اذا اخذنا بعين الاعتبار ان جميع القطاعات الخدمية و الصناعيه الحكومية تمثل عبأ على الميزانية فهي مؤسسات مدعومه وغير منتجة ناهيك عن تردي مسوى هذه الخدمات
    المساءلة و العدالة: اتفق في ما جاء بالبعد الامني اما البعد الاعتباري فيجب تنفيذه على الجميع وخصوصا احزاب السلطة التي قسمت العراق وزرعت بذور الفتنه اشعلت نار الحرب الاهليه في 2005 و 2006 والتي نعاني منها ليومنا هذا، فماذا عن احفاد من كانو يوما في تنظيم القاعدة او الصدريين جماعة ابو درع او حزب الله في العراق و وكل الاحزاب التي امتلكت او مولت تنظيماً مسلحاً داخل العراق
    عدد المبتعثين السعوديين في الخارج كان 80 الف طالب (كل دول العالم) في عام 2010، و اصدر الملك قرار بتحمل نفقات الدراسة الخاصة للطلبه السعوديين في الجامعات البريطانية لكل من اجتاز امتحان اللغة بنجاح،، فهل 5000 آلاف كافية لنواكب دول الجوار؟
    السيطرة النوعية: اعتقد ان مفهوم المتاجرة مع الاتحاد الاوربي غير واقعي فنحن دوله مستهلكه للمنتجات (مستورده) العراق للاسف يسعى حاليا للانظمام الى منظمة التجارة العالمية دون اي رؤيا لحماية الصناعة الوطنية ، اعتقد ان علينا الاهتمام بمنظومات الجودة الشاملة للارتقاء بقطاع الخدمات بالدرجة الاولى وتحديد المواصفات العالية للبظائع المستورده وتثقيف القطاع العام بهذا الخصوص للحصول على جوده بظائع وخدمات عالية
    تحياتي
    شهاب

  2. 2.
  3. June 13th, 2011 at 2:36 am
      يقول:

    تحياتي لك استاذنا الرائع نبراس الكاظمي للأسف الفكر الايدلوجي الطائفي الذي يسير به المالكي ومستشاريه ومن لف لفه هو ما جعل العراق يصل الى هذه المرحلة من الدمار فقد عمدوا الى عزل الوطنيين من تقديم خدماتهم الاستشارية بادارة الدولة العراقية….

  4. 3.
  5. June 18th, 2011 at 11:17 am
    حيدر العراقي
      يقول:

    استاذ نبراس
    تحية طيبة
    هذا المفال موفق جدا في تناول اهم اشكالات الوضع العراقي ولقد كنت من اوائل من حذر من الموشرات الخطيرة التي اشرت اليها انت في هذا المقال اتمنى في اقرب وقت ان تتاح لي الفرصة لمناقشة هذا الموضوع معكم تحياتي

تعليق