هل فشلت “ثورات تويتر” فعلا؟

رد على مقال إيفان كراستيف، في الذكرى الخامسة للربيع العربي

نبراس الكاظمي

(مترجمة عن الانكليزية، نشرت اولا في مدونة باب الطلسم يوم 7 يناير 2016، ترجمة رشا العقيدي)

 

 كتب عالم السياسة البلغاري إيفان كراستيف بذكاء مقال نشرته جريدة نيويورك تايمز، بتاريخ الحادي عشر من نوفمبر (2015) بعنوان “لماذا فشلت ثورات التويتر”. كان المقال ذكياً، آسراً ودقيقاً في أغلب تفاصيله.

نجح كراستيف، في رأيي، في كتابة أذكى تحجيم غير مباشر قرأتهُ في السنوات الأخيرة للمزايا الإصلاحية لليبرالية. لا اتفق مع ما كتبه، لكني أقدّر شمولية سجاله وجرأتهُ. ولكن، كان عليّ أنْ أعذره قبل الرد عليه، إذْ كم يمكن تعبيره من السجال في مقال رأي للتايمز مقيّد بعدد محدد من الكلمات؟ لذلك ولكي أعذرهُ، قرأتُ كتابه الأخير، “الديمقراطية المعطلة: السياسة العالمية للاحتجاج“، إصدار جامعة بنسلفانيا، 2014. وقد احتوى المقال على كثير من النقاط المطروحة في الكتاب والكلمات التي تفسرّها.

يقدّم كراستيف في الأساس قضية “الواقعي” الذي يعارض إعطاء أهمية تاريخية مبالغٌ فيها للحركات الاحتجاجية العالمية، التي بدأت بالربيع العربي وانتقلت إلى العديد من المجتمعات حول العالم، منها تلك الغربية. إنّ حجّة كراستيف تتصّل على وجه الخصوص بكيفية فهم المدرسة السياسية الواقعية للشرق الأوسط  للسنوات السبعين الماضية، والحلول السياسية التي قدمتها هذه المدرسة للتعامل مع تحديات المنطقة. يفتح سجاله المجال أمّا نقاش آخر مطروح في الدوائر السياسية الغربية، حول إذا ما كانت الديمقراطية مناسبة لشعوب الشرق الأوسط مقابل البقاء على الوضع الراهن. لقد بدأ هذا النقاش مع حرب العراق، وفي عقول البعض، فأنّه انتهى في العراق ايضاً. قد يلوّح الواقعيون بكتابات كراستيف على أنّها أدلة تشير إلى صحّة رأيهم.

المشكلة الوحيدة هي أنّهم مخطئون جذرياً. إنّ سوء فهمهم للشرق الأوسط بدءاً بإحداث أيلول 2001، مروراً بالربيع العربي، والآن مع صعود الدولة الإسلامية، هو دليل كفيل على إنهاء ذلك النقاش، مهما ناقشوا وجادلوا عكس ذلك، غير أنّ السجال لا يزال قائماً وإنّ جولة جديدة من أخطاء الواقعيين على وشك الظهور.

إنّ الواقعيين هم مؤيدون راسخون لبقاء الأمر الواقع، حيث يستند نهجهم في صناعة السياسة على أنّ أعلى مستويات الأمن يكمن في حالة مستمرة من إدارة الأزمة والتحكم بالأضرار. يسعى الواقعيون إلى تعزيز النُظم القائمة حيثما كانت، واحتواء العناصر المتمردة التي قد تحاول انتهاك هذه النُظم. يمكن تشبيههم بالكادر المنهك، المتعب في غرفة الطوارئ الذي يحاول إدارة فوضى المذابح ووقف نزف الدماء. لا وقتَ للواقعيين للتفكّر في حلول وقائية واستباقية كبيرة، مثل الليبرالية. من الصعب مجادلة من هم في مثل هذه الذهنية وأنت تقترح بأنّ اللقاح الفكري قد يحجّم من عدوى الفوضى.

الوهم الكبير الذي يعيشه الواقعيون هو افتراضهم أنّ الأمر الواقع مستديم. لمَ يتنبأ هؤلاء بالهجمات على مدينة نيويورك والبنتاغون، كما حجب عنهم افتراضهم العنيد رؤية حركات الاحتجاج في الشرق الأوسط على أنّها ربما قدمّت اللقاح الذي طال انتظارهُ. كما أنّهم، أي الواقعيين، عنيدون في تقييمهم للتركة المبّكرة لهذه الإحتجاجات، فلا يعترف كراستيف بهذا الإرث ويقلل من شأنه، وهو في هذا الأمر مخطئ.

يبدأ كراستيف سجالهُ بالتشكيك في ماركس، وهوغو، وبرودون، ودي توكويفيل، وبايجهوت فيما يتعلق بأهمية انقلاب 1851 الذي قام به نابليون، مؤكداً بأنّهم ” أخطأوا جميعاً باعتقاد أنّ نهاية الموجة الثورية التي استمرت ثلاث سنوات كانت بدايتها”. ويجد كراستيف إنّ هذا الخطأ يوازي الخطأ الذي وقع فيه الإعلام الغربي في تقديره للإحتجاجات في تركيا وروسيا ومصر وسوريا وليبيا واليمن، واعتبارهِ إيّاها موجة ثورية جديدة. يطرح كراتسيف السؤال المحوري التالي لفرضيته: ” إنّ سؤالنا عن أسباب تراجع ثورات التويتر هو سؤال عادي، لكن السؤال المثير هو لماذا كنّا على قناعة تامة بأن هذه الثورات كانت ستنجح أساساً”.

يتهم كراستيف “النرجسية السياسية” للغرب، والعيون الغربية العمياء الساذجة التي بالغتْ في تفسير تلك الثورات، وافترضت بحماقة بأنها حركات إيجابية اطلقتها “الامكانيات الخيالية” للتكنولوجيا والحديثة، وإنّ هذه الحركات ستنجح في القفز نحو الديمقراطية. إنّ وصفهُ الاحتجاجات بأنها معادية للمؤسساتية هو وصف صحيح، أي أنّ المحتجين فشلوا في صياغة شكل النظام الذي يجب أنْ يحل محل الأمر الواقع. يجد كراستيف الجدارة والفاعلية في الأمر الواقع باعتباره “حزب النظام” القادر على ضرب ما يراه “فوضى”. لا ينفرد كراستيف في هذا الرأي، فمعظم الدوائر السياسية تفكّر ضمن هذه الخطوط. كانت فرضيته ستكون جرئية لو لمْ تكن العقيدة التي اعتمدت عليها الحكومات الغربية في استجابتها لهذه الحركات (يمكن ملاحظة السياسات الخارجية لإدارة أوباما الواقعية جداً). الضعف المتأصل لتقييم كراستيف للأهمية التاريخية للإحتجاجات يكمن في أساس سجالهِ: إذا كانت الثورات لا تعلم هدفها، كيف لنا أنْ نحكم إذن على فشلها أو نجاحها في مساعيها؟

يبين لنا التاريخ الحديث بأنّ عقلية “الغرب” لمْ تثق في حركة الاحتجاجات، وهذا الأمر يتجلى لسبب واحد: العراق (يمكن ملاحظة المقالات الواقعية للنيويورك تايمز للقضية على مدى عقد ونصف من الزمن).

يخبرنا التاريخ الثوري بأنّ المفكرين نادراً ما يأخذون المفكرين الآخرين على محمل الجد، حتى يمكّن الرجال والنساء المرابطون في حواجز مركز المدينة من اقتحام قصر الشتاء (في روسيا)، وقد احتاج العالم سبعين عاماً لإثبات أنّ ماركس، هوغو، برودون وغيرهم كانوا على حق.

وهناك باسم يوسف الذي تشير إليه الصحافة الغربية بـ”جون ستيورات مصر”، والذي حوّل برنامجهُ الفكاهي على قناته الخاصة في موقع اليوتوب إلى ظاهرة إعلامية عبر العالم العربي. يتعجل باسم يوسف لإثبات بأنّه على حق، ويعبّر عن هذا الاستعجال بصراحة. قال باسم يوسف في حديثهِ أمام جمهور استرالي، قبل إصدار مقال كراستيف بأيام قليلة: “إلى اولئك الذين يقولون لي الان لقد فشل الربيع العربي أو أنّ الشرق الاوسط ليس مؤهلاً للديمقراطية، أجيبهم سحقاً لكم”. لقد قام “حزب النظام” بمنع بث برنامجه في مصر، ولكن باسم يوسف يعطي رؤيته عن مستقبل المحتجين في حديثه في سيدني: “قد نتصورهم مجموعات عاجزة ليست قادرة على إحداث تغيير، ولكنهم في دواخل أنفسهم يرفضون الأمر الواقع”..”أنّهم يثورون بصمت ضد نفس المحرمات التي كان لا يمكن المساس بها. أنّهم يشككون ويسألون عن كل شيء، لم يعد هناك شيء مقدس أو ممنوع”.

إنّ نظرة يوسف الاستشرافية صحيحة، ولكن تفوته ظاهرة أخر تكشفها لنا ثورة التويتر: عودة الخطابات المتطرفة التي تقوي الجهاديين السنة والشيعة في الشرق الأوسط، المنشغلين أيضاً برفض الأمر الواقع.

إنّ تلك الثورة الظلامية هي التي تلزمنا الان أنْ نجد مناعة ايديولوجية لفشل الواقعية وفكرة الأمر الواقع التي تحملها. وللغرابة، إنّ هذه المناعة الاختبارية تمّر الان في آخر طور التجارب في العراق، وهي “المدنية”.

 protests

 

ماذا كانت “ثورات التويتر”؟

يسعى كراستيف إلى إدراك معنى الأحداث، ويكتب أنّ ما دفعه إلى هذه المهمة كانت الاحتجاجات في بلده بلغاريا، وإنّ الاحتجاجات في روسيا، تركيا، وتايلندا هي مركزية في سجاله. يصف مسعاه بأنها متواضعة، ولكنه توسعهُ في محاولة إيجاد الخيط المشترك خلال احتجاجات وقعت في سبعين دولة من خلال غربلة “البيانات الهائلة” التي انتجتها هذه الاحتجاجات في، شكلاً وخطيّاً ليست متواضعة على الإطلاق.

يراجع كراستيف العديد من تعريفات “ثورات التويتر”: كانت احتجاجات شعبية “عالمية” تشكّلت من “أفراد لهم ارآء سياسية وأجندة مختلفة نجحوا في تجميع لغة ورسالة مشتركة. يصفهم بالعفويين والسلميين وبدون قيادة، مقتبساً مصطلح توماس فريدمان ” أبناء الساحات”، ووصف فرانسيس فوكوياما للحركة بـ”ثورة الطبقة الوسطى في العالم”. يعتقد كراستيف بأنّ موجة الاحتجاجات هذه و”شبكات الأمل” دفعت بالمجتمعات نحو الاستقطاب، وإنّ هذا الاستقطاب عزّز من هم على شاكلة إودوغان وبوتين لصالح دعم الدولة والقائد الوطني. يطلق كراستيف على هذا الردّ ” حركة جديدة مناهضة للمواطنة العالمية”. لقد فشل الغرب في فهم من سيخرج منتصراً من المواجهة ما بين الثوريين وقوى الأمر الواقع لأنه، أي الغرب، يعاني من الغائية الليبرالية” والتي تؤمن أكثر مما يجب بالنفوذ الخلاصي لنموذج الديمقراطية الغربية.

أخيراً، لم يكن الوهم والتماسك المبهم لشبكات التواصل الاجتماعي نظيراً لتوقعات الأغلبية المحافظة من المجتمعات، والذين يثقون بالاستقرار والثبات الذين تقدمهما الدولة “القوية” وليس كلام الشعراء الجميل.

يفهم كراستيف الحاجة إلى التصنيفات بين الأمثلة التي يضربها ولكنه ومن خلال سجاله، يتجاهل أهمية التصنيف. أنّ صلب جداله هو أنّ المحتجين هم ضد المؤسساتية والنخبوية، لكنهم يفتقرون للرؤية البديلة. أنّهم قللوا من شأن الديمقراطية والتغيير الذي يأتي من خلال صناديق الاقتراع ويفتقرون للصبر، وقد انغمسوا  في تعظيم انفسهم، فهم يفضلون التقاط صور “سيلفيات” لأنفسهم كنشطاء مستقلين بدل الإدلاء بأصواتهم في انتخابات أو الانضمام إلى الأحزاب والنقابات.

أتفق بأنّ هذا الطرح ينطبق على فئة الاحتجاجات التي رأيناها في الديمقراطيات الراسخة، مثل حركة “احتلال وال ستريت”. هنا ينجح كراستيف من تحليل معنى الأحداث من خلال قراءته المدروسة والمبتكرة. ولكن، حين نتحرك باتجاه الديمقراطيات الجديدة (روسيا وبلغاريا، على سبيل المثال) نرى الخلل في سجاله، وهو خلل يشير إليه كراستيف، الأمين فكرياً، بنفسه. لا زلتُ أعتقد بأنّ سجاله يتهاوى حين ندرس قضية الشرق الأوسط حيث بدأت حركة الاحتجاجات.

لو حكمنا على تعريفات كراستيف من خلال احتجاجات الشرق الأوسط، نجدها خاطئة في ثلاث مناحي: بأنّ التظاهرات كانت “ليبرالية” وللطبقة الوسطى، بأنّ المحتجين كانوا مفتونين بـ”الطوباوية التكنولوجية”، وبأنّ الأمر الواقع سيتجه دوما الى الاستقرار والثبات لغاية الثبات.

إنّ ثورات تويتر (وهذا اللقب فيه بحد ذاته الكثير من التصغير) كانت ثورات الوسط، ليست وسطيو طبقية أو سياسية، بل هي الوسطية التي تعكس الحد الأدنى من القواسم المشتركة. لقد نوديَ المعارضين إلى ساحة المدينة، وكثير منهم من أبناء الطبقة الوسطى، من الصالات والمقاهي التي كانوا فيها يشتكون من الأمر الواقع. كان باسم يوسف، مثلاً، يتملل في ردهة الأطباء في مكان ما في القاهرة. وهناك اتفقوا على ما يمكن اعتباره يشكّل الثوابت الإنسانية الأساسية. لم تكن الثورات استفتاءات أو ولم تكن ليبرالية وديمقراطية على الطراز الغربي، ولمْ تكنْ بالتأكيد احتفال بهيج بروحية “التدمير المبتكر” لوادي السليكون (عصب شركات التكنولوجيا الامريكية) كما يصفها كراستيف. لم تكنْ مواقع التواصل الاجتماعي سوى أدوات لإيصال الرسالة مثل المناشير التحريضية في أواسط القرن التاسع عشر في أوروبا. في تونس، كان القاسم المشترك الأدنى المتفق عليه هو أنّ بائعَ فواكه متجوّل يجب ألّا يضطر لحرق نفسه للهروب من الفقر المقفع. في مصر، اتفقوا على أنّه من المزري أنّ يقوم الجهاز الأمني في البلاد بضرب أحد النشطاء الشباب حتى الموت. في عام 2009 وقبل هذين الحدثين، احتشد المتظاهرون في إيران لأنّهم سايروا قوانين النظام الحاكم وصوتوا في الانتخابات، ولكن النظام قام بتقويض القوانين حينما جاءت النتائج على غير هواهُ. في عام 2005، لمْ يتحمل اللبنانيون فكرة قيام النظام السوري بقتل واحدٍ من قادة البلاد في عملية انتحارية كبيرة. وفي آخر تظاهرة عظيمة في الشرق الأوسط، اسطنبول، قرّر المجتمع بأنّه لا يريد مشاهدة أجهزة الأمن وهي تستخدم خراطيم المياه ضد نشطاء كانوا يقومون بحماية الأشجار. ولكن الذي بدأ كسخط أخلاقي للطبقة الوسطى سرعان ما حرّك شيء في ضمير الشرائح الاجتماعية الأخرى، فبدأت الجموع تتحرك باتجاه الساحات. والظاهرة الأهم في الساحات هي الجدال الذي أحدثتهُ بين هذه الأجندات المختلفة، وكان هذا أهم بكثير ممّا كانوا يصرخون به متحدين الدولة. لقد عاد السجال السياسي المفتوح في الشرق الأوسط بعد غياب طويل، وقد تمكنوا، بسرعة، من توسيع القاسم المشترك الأدنى.

اتفقوا في تونس على ضرورة العودة إلى السياسة المتميزة لبلادهم في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، وفي مصر جرى الاتفاق على أنّهم لا يحبذون امكانية تحويل الحكم الأحادي في بلادهم إلى حكم الأسرة. اتفقوا في تركيا على أنّ الأساطير التأسيسية للبلاد كانت قد تجاوزت صلاحيتها، وإنّ الأوان قد حان للإعتراف بالتكوين المتلون للمجتمع التركي، ورؤيته على حقيقته: تعزيز للأمة التركية وليس تهديداً للقومية التركية.

من المضلل إدراج سوريا وليبيا واليمن إلى الحالات أعلاه. في الطيف النسبي، فإنّ الأمر الواقع في دمشق وطرابلس وصنعاء (ودعونا لا ننسى المنامة عاصمة البحرين) هي أقرب إلى الدكتاتوريات القمعية ممّا هي للحكم الفردي التسلطي غير الضار عموماً. إنّ التجاوزات على الثوابت الإنسانية الأساسية كانت أشّد، وكانت الآلام والغضب لدى الناس أعظم ولأسباب صحيحة. وقد تجسدت هذه التجاوزات في كيفية ردّ الأمر الواقع-أي السلطة القائمة- بتطرّف ضد المعارضين.

كما أنّ استحضار روسيا وأوكرانيا إلى النقاش يزيد من ضبابية الفهم، فإنّ مورثهما الغني في الثورة والفكر، وتجربتهم للنموذج الغربي للحكم الفردي والسلطوي، ومؤخراً، للانتخابات والديمقراطية، تنتمي إلى تصنيف غربي.

يبدو أنّ مناسبة مقال الرأي في جريدة النيويورك التايمز الذي كتبهً كراستيف هو أنّ الجولة الثانية من الإنتخابات التركية برهنت صحّة ما طرحه في كتابه، في حين شكلّت نتائج الجولة الأولى في يونيو تحدياً جذرياً له. لقد كانت نتائج انتخابات شهر يونيو بسبب احتجاجات متنزه جيزي عام 2013.

هل برهن انتصار أردوغان في الانتخابات صحة “الواقعية”؟

لم تعجب النتائج الأولى للإنتخابات العامة الرئيس أردوغان، وتهرّب منها عن طريق بدأ معركة مع الكرد. كان شكل “النظام” الذي تبناه أردوغان على استعداد لتوظيف المغامرة والإضطراب لأهداف سياسية محسوبة بقساوة. لم يكن شكّه وطبيعة الأمر الواقع ثابتين على الإطلاق. لقد شعرَ بأنّه مرغم على فعل ذلك لأن التحدي الذي واجهه في متنزه جيزي قد جاءَ بنتيجة ثانوية غير متوقعة: التغيير من خلال قوة الأمل. من السخرية أنّ احتجاجات متنزه جيزي حصلت نتيجةً لمغامرة سابقة لأردوغان، وهي بعد أنّ لاحق وهذّب الدولة العميقة في تركيا. لقد كان أردوغان معززاً بجمهور ناخب منتعش اقتصادياً بعد عقود من الإنهاك نتيجة المشاحنات السياسية والتمرد الكردي، ووصل إلى الحكم في اللحظة المناسبة حين كانت المؤسسة العسكرية التركية ومثال “كمال أتاتورك” في أضعف حالاتها. لقد مزّق الشقوق بجرأة ونجح، وإنْ لجأ إلى توظيف أساليب مشكوك فيها من مؤامرات وخداع القضاء والإعلام.

لقد خلقت مغامرة أردوغان مجالاً للسجال، ومثل نظيره في ساحة التحرير في مصر، فإنّ السجال وجدَ التعبير في خيام متنزه جيزي. إنّ الذي يميز المتظاهرين في تركيا عن نظرائهم الأوروبيين هو أنّ كفاحهم جاء مع موروث الهوية، وفي هذا، كان تحديهم شرق أوسطي أكثر ممّا هو أوروبي.

إنّ تركيا الحديثة تنضم تقريباً إلى التصنيف الأوروبي، ولكن ليس تماماً. تملك تركيا واحداً من أقوى الاقتصادات في أوروبا، كما أنّ أساطيرها التأسيسية مستلهمة من أوروبا (في هذه الحالة من اليمين القومي)، وتطمح للإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي. يقع متنزه جيزي، جغرافياً، في أوروبا. وفي مرحلة تاريخية ما، كانت ضواحي المتنزه تحكم مسقط رأس كراستيف.

إنّ تركيا الحديثة ليست أوروبية جداً في حكمي ومن خلال هذا الموقف الشخصي: قبل أشهر من حادثة متنزه جيزي، كنت أسير عبر الطريق الاوروبي الأساسي في اسطنبول، شارع الاستقلال. تجاوزتُ أثناء سيري بضع عشرات من الشباب المتجمعين حول فرقة من المغنيين الشباب. كان الجمع يغني ويصفق على أنغام أغاني كردية وطنية. كان هذا يحصل على بعد خمسين متراً من شرطة مكافحة الشغب المتواجدة دائماً على مقربة من البوابة المزخرفة لثانوية غلطة سراي. لقد كنتُ مذهولاً: لقد تجاوزتْ تركيا الكثير عبر العقد الماضي حين كان التعبير عن الهوية الكردية قد يتسبب بمشاكل لصاحبها. إنّ قبول هوية كردية فريدة ضمن تركيا الدولة يعدّ اختباراً حقيقياً، بل هو أحد المعايير التي وضعها الاتحاد الأوروبي للحكم على أوراق اعتماد تركيا. لقد كان موروث أتاتورك لا دينياً، وأراد أنْ تكون تركيا قوة أوروبية. عندما اتّجه عموم الغرب نحو الليبرالية والتسامح مع الهويات الفريدة ضمن الخطاب الوطني، بقيت تركيا عالقة في الوراء تعيقها الكمالية، لأنها لم تكنْ قادرة على المصالحة مع تحدي مثل الهوية الكردية. لقد كانت هذه الثقافة رافضةً للتغيير، باسلوب غير غربي متميز. ولكن التغيير جاءَ، وإنْ كان بطيئاً، وقد ازدهر في متنزه جيزي.

لقد سنحت لي رؤية الظاهرة في يومها الأخير، بل في ساعتها الأخيرة. لقد غادرتُ المكان وانا غير مدرك أنّ هذه اللحظات هي الأخيرة للمشاهد، حيث داهمت قوة من مكافحة الشغب المكان. هناك، اجتمعت كافة أجزاء اللغز التركي الذي قاوم التشكيل القسري الأتاتوركي للهوية الوطنية التركية. كان أحد الراقصين يرتدي قميصاً موسوماً بالعلم الكردي وأسم “كردستان”. كانت الحلي والأدعية العلوية، ديانة منشقة عن التشيّع، تباع على الأرصفة إلى جانب شرائح من البطيخ الأحمر.

gezi park 1 gezi park 2

كان من الممكن مشاهدة المتحولين جنسياً مع أبناء الأسر الاسطنبولية العريقة، وإذا عرفنا أين نبحث، نجد أيضاً أنصار حركة گلن الدينية السرية منتشرين بين الخيام. لمْ يكن المشهد تعبيراً معسولاُ عن الصداقة العابرة، بل اعتراف ضمني وهادئ، باسلوب تركي حقيقي، للهويات الفريدة تجاه بعضها: “أنا أراك، ولا أمانع بوجودك هنا في فضاءنا المشترك”.

لقد كانت سابقة استثنائية القوة. كان متنزه جيزي متحفاً مفتوحا لعلوم الأعراق والإجتماع والهرمية الإجتماعية، وحتى الميل الجنسي. كان يمثّل كلّ ما سعت الكمالية إلى نكرانه أو إخفاءه. وكانت تركيا ملزمة بالحوار مع ذاتها والمصالحة مع حقيقتها قبل المضي قدماً.

على عكس توقعات كراستيف في كتابه “الديمقراطية المعطّلة”، لقد مضتْ ظاهرة متنزه جيزي قدماً ووجدتْ تعبيرها، وقيادتها، في وسيلة موجودة أعيد تجهيزها لسياسات الهوية الكردية: حزب الشعب الديمقراطي.

قبل أشهر من الجولة الانتخابية الأولى، التقيتُ بصحفية صديقة لي وجلسنا في مكان راقٍ في الهواء الطلق. أخذتْ تمجّد أمامي بحزب الشعب الديمقراطي وتشجعني على لقاء قائدها الشاب صلاح الدين ديمرتاش. أخبرتني عن أعداد الليبراليين الذين سيصوتون للحزب في حركة استراتيجية لتجاوز عتبة الـ10% المفروضة في قانون الانتخابات التركية. ولكن، كلّما كان يشغلني وهي تتكلم هو أنْ اسألها بأنّ توطئ من صوتها وأن تستعجل لإنهاء كلامها. كنتً قلقاً من أنّ الأشخاص على المائدة المجاورة سيسمعونها، ففي ذهني كان حزب الشعب الديمقراطي لا يزال واجهة لحزب العمال الكردستاني، المنظمة الإرهابية الكردية التي أمحنت جنوب شرق البلاد في عقود من الحرب الأهلية. لقد كنتُ مخطئاً، فتركيا تغيّرت كثيراً وروح متنزه جيزي دفعتها وحركتها أماماً. سألتُ صديقاً تركياً آخراً كنتً أعرفهُ أيام الدراسة الجامعية عن اختياره، وكان هذا الصديق متشكّكاً دائماً، وتوقعتُ أنْ يجيبني بـعبارى “لماذا أصوّت؟”. لقد فاجأني بالقول: “لقد انتخبتُ حزب الشعب، وذهب صوتي للمرشّح الأرمني”. كان والدُ صديقي يهودياً، ووالدته تركية مسلمة، واختياره فاجأني بقدر ما فاجئتني مشاركته في الإنتخابات. حين سألته عن سبب اختياره، قال: “لأنهم يعكسون مبادئي”. لم يكن ناخباً “استراتيجياً”، بل وجود فرصة للتصويت لحزب الشعب الديمقراطي جعل منهُ مؤمناً، وقد تفاجأ بنفسهِ حين علِمَ بأنّ والدتهُ قد صوّتت لنفس المرشّح، رغم عقود من الولاء لحزب الإيديولوجية الكمالية.

كاد انتصار حزب الشعب الديمقراطي أنْ يضع نهاية لحقبة أردوغان الطويلة التي تأرجحت بين الحاكم المباشر (رئيس الوزراء) إلى الحاكم غير المباشر (مركزه الحالي كرئيس للبلاد). لقد تهرّب أردوغان من هذه النتيجة عن طريق إطلاق مغامرة عسكرية جديدة، إذْ أحيا شبح حزب العمّال الكردستاني (البككه) بإعادة الحرب عليه. فاستجاب حزب البككة لفرصة الحرب هذه لأنهم، مثل أردوغان، شعروا بالتهديد ممّا يمثله ديمرتاش. كان ديمرتاش بوابة المستقبل الذي شيّدهُ متنزه جيزي، بل حتى أنّه لُقّبَ بـ”أوباما الكرد”. من خلال ديمرتاش، كانت تركيا ستنجح في تجاوز سياسات الهوية، ولم يكنْ المحاربون القدامى للبككه سيسمحون بذلك، ولا أردوغان. لقد تمّ إحياء سياسات الهوية، تحديداً في الملف الكردي، ليعيد استقطاب المجتمع الكردي. لقد نجحت الخطة، إلى حدٍ ما، كما يشير كراستيف في تحديث فرضيتهِ الذي نشره في مقال صحيفة التايمز والذي مغزاه “ألمْ أخبركم؟”. ولكن كراستيف يهمل نقطة مهمة: لقد حرق أردوغان أوراق اعتمادهِ كمصلح للمجتمع التركي (بعد أن أطلق مبادرة الإنفتاح على الكرد وغيرها) لكي يفوز حزبه بأغلبية المقاعد النيابية. لقد كان لانتصار اردوغان في انتخابات الأول من نوفمبر ثمناً باهضاً، ولم يكفي لإعادة تصوير تركيا كما كان يحبّذ (كان يحتاج لثلثي المقاعد النيابية ليحدث تغييراً دستورياً ولم يحصل نواب حزبه على هذه المقاعد). على أردوغان الان مواجهة بلدٍ منقسم ومستقطب ضد طموحاته. لا يبدو هذا بالنسبة لي نظاماً مستقراً. لقد تهرّب أردوغان إلى الفوضى، وما يزال ديمرتاش وحزبه موجودين لتحديهِ.

حين نراجع احتجاجات الشرق الأوسط، يتبيّن لنا أنّ بعضها تمحورت حول إعادة الحياة السياسية (تونس، مصر، على الرغم من أنّ الأمر الواقع عاد ليفرض نفسه في الأخيرة)، في حين نجد أنّ المثال التركي كان حول تجاوز سياسات الهوية. سواء كانت أيّاً من هذه ستمضي قدماً حيث تستقر في قالب “السياسة المعتادة” بالمعنى الغربي، فما يزال الوقت مبكّراً لمعرفة ذلك. بعض الإحتجاجات أوقدَت لهيب الحرب الأهلية، تحديداً في ليبيا وسوريا واليمن. لا يمكن لوم المتظاهرين على مقاومة الأمر الواقع. كانوا يدركون أنّ النظام القائم سيردّ بقوة، لكنهم قرروا بأنّ الوقت قد حان وكانوا مصيبين جزئياً في قرارهم: كان النظام القائم ضعيفاً ولم يتمكن من القضاء عليهم بشكل كاملٍ، والنتيجة هي الحروب الأهلية المستمرة التي تُلزم تدخّل واشنطن والقوى الإقليمية بدرجات متفاوتة.

لقد برزت جميع هذه المراحل (إعادة الحياة السياسية، سياسات الهوية، محاولات النظام القائم بفرض نفسه، الحرب الأهلية) وما تزال تبرز في العراق الذي كان الأول في إزاحة النظام القائم بتدخّل خارجي. أنصار الأمر الواقع في واشنطن، الواقعيون، يجادلون بأنّ حماقة أزالة مثال على الأمر الواقع كان يمكن احتماله واحتوائه مثل النظام العراقي السابق هي “الخطيئة الأولى”، وإنّ الليبرالية الغربية، في مسعاها لنشر الديمقراطية هناك، كانت قد تناولتْ لقمة مميتة من الفاكهة المحرّمة.

أين موقع العراق من سجال “الواقعية”؟

لقد تصوّرت بقية الأنظمة في الشرق الأوسط بأنّ ما سيتمخض عن العملية الأمريكية لإعادة انتاج العراق سيشكّل تحدياً وجودياً لأسس الأمر الواقع في المنطقة. قال رئيس الجامعة العربية بأنّ “أبواب الجحيم سوف تُفتح”. حذّر ملك الأردن من الهلال الشيعي. لمْ تدخر قناة الجزيرة القطرية أي وقت وجهد لإدانة ما كانت الولايات المتحدة تفعله. كان بقايا نظام صدام موجودين، وكانوا غاضبين جداً. شعر العرب السنّة بأنّ دورهم التقليدي في مسك السلطة كان على المحك، وإنّ الشيعة والكرد قادمون للإنتقام. احتشدت هذه العناصر معاً لإرسال رسالة مفادها أنّ العبث بالعراق كان خطأً. وقد انضم للشجار جهاديين مثل أبو مصعب الزرقاوي من الأردن، بينما كان النظام السوري جالسٌ ويراقب بتعجرف، في نفس الوقت يسمح للجهاديين بالمرور من سوريا إلى العراق بعد أنْ ارسل الالاف من المتطوعين للمشاركة في القتال إلى جانب صدام، عدوهِ اللدود، في نهاية عهده.

كانت للأنظمة القائمة أسباباً عديدة دفعتها لمقارعة التغيير في العراق، لكن سبب اساسي هو لكي يكون لها قصة تحذيرية لإخافة شعبها من مخاطر التغيير. كانت هناك عبارة سمعتها كثيراً خلال رحلاتي في سوريا: “التغيير يعني أننا سنصبح مثل العراق”، وكان العراق يبدو بالنسبة لهم بوضع مزرٍ.

لمْ يكن مقدرّاً للعراق أنْ يصبح مستنقعاً كما تنبّأ أنصار الأمر الواقع في واشنطن. لقد تحوّل العراق إلى الحجيم بعد 2003 لأن القوى الإقليمية المدافعة عن الأمر الواقع وجدت قضية مشتركة مع الثوار المعادين للديمقراطية والمعادين لأمريكا الذين كانوا يتسربون من شتى أنحاء العالم الإسلامي.

هل كانت الديمقراطية لتنجح في العراق؟ ممّا لا شكّ فيه أنّ الكثير من العوامل كانت محتشدة ضدها، وليست فقط قوى الأمر الواقع هي من عملت على تقويضه. كان العراق قد أفاق للتو من كابوس الطغيان الذي دام عقوداً وحروب متتالية وعقوبات اقتصادية دولية. لقد كان المجتمع العراقي الذي لقيه جنود الولايات المتحدة واحداً من أكثر المجتمعات تعرّضاً للصدمة في العصور الحديثة.

كان على الديمقراطية تسلّق منحدر حادٍ جداً منذ البداية، ولمْ يساعدها حين أخذ الواقعيون في إدارة بوش يكونون ويشكلون أفكار ثانية مع انطلاق العملية. لولا إصرار أية الله العظمى السيد علي السيستاني على كتابة الدستور، وعلى الإنتخابات، لكانت سلطة الإئتلاف المؤقتة (بالإضافة لكل من وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية، مجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية) راضية بقيام اياد علاوي أو أي “رجل قوي” آخر بتحويل العراق إلى حكم فردي غير ضار أشبه بنموذج حسني مبارك.

إنّ الغريزة الواقعية مغروسة في الذهنية المؤسسية لدوائر السياسة الخارجية الأمريكية. إنّ وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية هي منظمات فتية تم تكليفها بإدارة دور الولايات المتحدة في العالم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد رأت الحكمة المؤسسية لهذه المنظمات، عقبَ المذابح العالمية التي مرّت، جدارة وشرعية في إبقاء الأمر الواقع والحفاظ عليه، ولكن الأمر الواقع لا يثبت أبداً، حيث واصل الطغاة والمغامرون الضغط على شعوبهم، ولم يكن الاحتواء كافياً كاستراتيجية مقابلة بالنسبة لبعض المفكرين في هذه المؤسسات. لقد وصف المعارضون استراتيجية أكثر استباقيةً ونشاطاً، وقد نجحوا في بعض الأحيان. ولكن تعاقب مثل هذه الردود كانت تعتبر فشلاً مكلفاً: حرب كوريا، خليج الخنازير، حرب فيتنام، وغيرها. إنّ الحكمة المؤسسية كانت تنصح بالعودة إلى راحة الأمر الواقع و “احتواء” من يتحداه. مع نهاية حقبة إدارة كارتر، كانت السفارة الأمريكية في طهران وفرع الاستخبارات المركزية فيها قد سيطر عليهما الثوّار الإيرانيين الذين أطاحوا للتو بنموذجٍ للأمر الواقع وهو نظام الشاه. لم تكن للولايات المتحدة الرغبة في المواجهة، فسعتْ إلى احتواء المغامرين.

أوليك الذين عارضوا روحية الثقافة الواقعية تجمعوا حول ريغان في مسعاه لتعجيل دحر الاتحاد السوفييتي. لقد كان الأمر الواقع للاتحاد السوفييتي يتداعى، وشعروا بوجود فرصة للتسريع في انهياره. العديد من هؤلاء المعارضين أصبحوا فيما بعد أنصار جلب الديمقراطية إلى العراق، وهنا قام معسكر الواقعيين برسم خط في الرمال بينهم وبين المعسكر الفكري المقابل، وأطلقوا عليهم تسمية “المحافظين الجدد”.

ولكن ليس المحافظون الجدد هم من اطلقوا شرارة حرب العراق، بل كان المصري محمد عطا، المتآمر الرئيسي لأحداث أيلول. من الملفت أنّ هجمات باريس التي وقعت قبل أشهر من الان تذكرنا بالخطب الجلل الذي وقع في سماء أمريكا قبل 14 عاماً وتأثيره الكبير على اعتداد الولايات المتحدة بنفسها.

لم يساعد السجال الواقعي إنّ ثلاثة من بين الطيارين الأربعة المنفذين لهجمات أيلول أتوا من بلدان تعتبر نماذج للأمر الواقع: مصر، السعودية، والإمارات العربية المتحدة. لقد نشأ الرابع في لبنان، حيث قام المغامرون الإقليميون مثل سوريا وإيران والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل والسعودية بتحويل نموذجه في سياسات الهوية إلى الحرب الأهلية اللبنانية. بينما كانت الأبراج تتهاوى في ذلك اليوم الذي صادف الثلاثاء، كان الواقعيون متفاجئين مثل البقية من أول هزّة لنظام كامل أخذ يتصدع في الشرق الأوسط.

بسبب الصدمة من هول ما حصل، ليس مفاجئاً قول البعض بأنّ أمريكا لم تعد تحتمل نظام قائم على الأمر الواقع يحكمه رئيس قد يملك طرقاً للحصول على تقنيات سلاح الدمار الشامل وقد يجد ما يجمعه بعدو مثل تنظيم القاعدة. لقد شعر الواقعيون بالحرج الشديد بحيث لم يستطيعوا تقديم سجالاً مقابلاً. وعندما فشلت جميع الأطراف في إيجاد سلاح الدمار الشامل، عاد الواقعيون بقوة وأهملوا في خطابهم بأنّ التهديد المفاهيمي كان قائماً مباشرةً بعد أحداث أيلول. بعد تنفس الصعداء، سعى الواقعيون في إدارة بوش إلى تحجيم الضرر عن طريق وضع الديمقراطية العراقية قيد التجميد، مشيرين إلى تاريخه والتهديد الذي تشكلهُ مثل هذه التجربة “المتهورة” على الأمر الواقع الحساس والمكدوم في بقية المنطقة. كاد أنْ ينجح مسعاهم ولكنهم لمْ يتوقعوا بأنّ  تحدياً من السيد السيستاني سيدفع بالعملية الديمقراطية في العراق إلى الأمام.

على الرغم من الصعوبات الهائلة، اختارت شرائح عديدة من المجتمع صناديق الاقتراع حيث توجّهوا إلى المراكز الانتخابية رغم التهديدات التي توعّد بها، ونفذها، المسلحون. لقد تعاطف العالم مع صور النساء والرجال وهم يرفعون اصابهم التي تظهر لون الحبر البنفسجي. ربما لم تكن اختياراتهم موفقة، وصحيح من يقول بأنّ الانتخابات لا تشكل ديمقراطية، ولكن الحياة السياسية عادت إلى البلد بعد غياب دام خمس عقود. للمرّة الأولى منذ تأسيس البلد كان على العراقيين التصارع مع سياسات الهوية من خلال إيجاد طرق لإدارة التنوع والتوجهات الانفصالية في حدود الحوار السياسي وليس الأسلحة الكيمياوية والإبادة والترحيل الجماعي الذي مارسهُ صدام من قبل. لمْ تكن ديمقراطية تماماً، ولكنها كانت في طريقها أن تصبح واحدة. مع حلول عام 2010 وبينما كان الأمريكيون يتأهبون للمغادرة، كان سنّة العراق قد استعادوا عقلانيتهم، رموا السلاح وشاركوا بالانتخابات.

صور الأصابيع البنفسجية التي ظهرت على التلفاز بعد الانتخابات في العراق، هل أثرّت في لا وعي المتظاهرين في سوريا؟ هل قرروا بأنّ العراق ربما لم يكن بذلك السوء الذي تخيلوه؟ هل شجعهم ذلك الإدراك على المراهنة على التغيير حتى إنْ ساءت الأمور كما حصل في العراق؟ هل كان بإمكان الأتراك والكرد في تركيا  تصوّر هوية كردية ضمن الدولة لو لا أنّهم رأوا أكراد العراق قد حققوا ذلك مم قبل؟

هل كانت الأمور لتختلف لو أنّ إدارة أوباما احتضنت الربيع العربي منذ انطلاقه بدلاً من المراوغة؟ دعونا لا نكون قساة على الرئيس أوباما، فقد ذبلتْ الأجندة الديمقراطية منذ عهد الرئيس بوش بعد أنْ حولها “المستنقع” العراقي إلى أجندة غير مؤثرة. مع مطلع عام 2006 كان الواقعيون يتصدرون المشهد بينما فقد المحافظون الجدد مصداقيتهم.

بعد تجربة العراق، تعلمتُ احترام قوة البقاء في السلطة للأمر الواقع. لم أعدْ استهين بها دون سبب، وبدأتُ استمع بعناية لما يقوله الواقعيون. ربما حجتّهم الأكثر اقناعاً هي تلك القائلة بأنّ الأمر الواقع يمكنه أن يتحرر تدريجياً، ويبتعد عن التشكيك والمغامرة باتجاه الحكومة الصالحة، أو الجيدة بما يكفي. لمْ يكنْ تحوّلي فريداً، فقد كان العديد من الجمهور المناهض للواقعية بما فيهم العديد من أبرز المحافظين الجدد، على استعداد لسماع مثل هذه السجالات المقنعة. لقد كانوا يداوون جراحهم العقائدية بعد أن هدأت سياسات الحروب الفكرية في واشنطن. راى البعض أملاً في احتمالية التحرير الذاتي لنظام مثل ذلك القائم في ليبيا، وقبلوا دعوات اللقاء والعشاء من العقيد القذافي الذي كان الرئيس ريغان قد قصف بلاده ونعتهُ بالمعتوه.

رحلاتي عبر مصر وسوريا أكّدت لي بعض جوانب عملية التحرّر: كانت اقتصاداتهم تنفتح وكان الارتياح يفوق الاعتراض. كانت الكويت تتحول إلى ديمقراطية “تفي بالغرض” ودبي تزدهر. أستعادت الأسرة الحاكمة السعودية في عهد الملك عبدالله ثقتها بعد أحداث أيلول ولم يتحقق تهديد اسامة بن لادن لحكمهم. كان الإعلام الغربي منبهراً بمبارك الإبن وبشار الأسد وملك الأردن عبدالله وزوجاتهم. كان سلطان عُمان حكيماً وكان السلام يعمّ بلاده بعد أنْ تضررت بالحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي. اختارت إيران أحمدي نجاد وتطلعاته النووية، ولكن تمّ احتاؤها بحزم. أمّا في تونس التي كانت حكومتها تضع حداً لأي شكل من أشكال المعارضة فقد كان السياح يتدفقون اليها. في لبنان، حصل الشعب على استقلاله في أول تدريب للربيع العربي في بيروت عام 2005، ولكن البلاد كانت لا تزال عالقة في المحاصصة الطائفية. كان السفير اليمني في واشنطن ساحراً ومحبوباً، متواجداً دائماً في سهرات صنّاع القرار والمحللين. وأرسلت البحرين مواطنة يهودية لتمثيلها في واشنطن العاصمة على الرغم من أنّ تعداد الأقلية اليهودية في البلاد يبلغ 37 فقط.

عدا العراق، كان الأمر الواقع في الشرق الأوسط يتغنى كما كان منذ عقود، إذْ أثبتَ بقاءه كما ادّعى الواقعيون. كان أفضل ما يمكن تمنيه هو التحرّر التدريجي هنا وهناك. لقد بقيتُ قلقاً حيال الأمر حتى عندما حاولتُ كبت انحيازي، وتأملتُ صلاحية الأمر الواقع من المنظور الاستراتيجي. كان هناك امراً خاطئاً، فلا تتناسب هجمات الحادي عشر من ايلول وفوضى الجهاديين في العراق مع الخطاب الواقعي الجديد السائد. بقيتُ غير مقتنعاً حتى حين اكتملت الدائرة: كانت إدارة أوباما تنوي عقد اتفاق مع الأسد على الرغم مما فعله الأخير لإحراج أمريكا في العراق وعلى الرغم من إعادة فرض نفوذه الخبيث على لبنان. كان حزب الله يستفز اسرائيل بين الحين والآخر، وكانت اسرائيل ترد، ولكن كل شيء ينتهي هناك. كانت الولايات المتحدة، وإسرائيل، قادرة على العيش مع هذه الدرجة من الأذى مقابل الاحتفاظ بأمل أن يرى نظام الأسد مزايا السلوك الحسن من خلال عقد صفقة معه. كان الأسد يتلاعب بتعجرف بهذه الآمال.

لكن قام بائع فواكه متجوّل بإضرام النار في نفسه، وانهار الأمر الواقع، وانمحت الإبتسامة من على وجه الأسد.

هل ضعُفَ الأمر الواقع بسبب الإصلاح؟ ام هل كان ركيكاً في الأساس؟

إنّ الإجابة على هذين السؤالين تتطلب فهماً عميقاً لمعاني الاحتجاجات في الشرق الأوسط، وهذا ما سعى كراستيف لفعله جزئياً. إنّ الحصول على الإجابات الصحيحة هي مسألة حاسمة في مواجهة الرؤية الكبرى لثوار التويتر الآخرين مثل الجهاديين وثوار إيران الرجعيين مثل الجنرال قاسم سليماني، المنشغلين بنشر خطاب ظلامي جديد. إنّ القوى الفوضوية التي يمثلونها تنهش من جثة النظام القديم الذي انهار، وما يسعون لبناءه مخيف جداً، يعززهم خطاب صريح وطموح، كما بينهُ ديفيد اغناتيوس مؤخراً في مجلة “ذه أتلانتك” حول الجهاديين. أنّ لديهم مجموعة من “الأفكار الكبيرة”، أفكار تمثّل لعنة لليبرالية. لا يمكن لبقايا الأمر الواقع مجاراتهم في ذلك الحقل الإيديولوجي، لأنّهم ببساطة لا يملكون الأفكار الكبيرة الخاصة بهم. وللأسف بعد التجارب الحديثة في العراق وفي ايران عام 2009، والربيع العربي، ومع حزب الشعب الديمقراطي، يرى العديد من المراقبين في الغرب بأنّ الأفكار الكبيرة للديمقراطية والليبرالية هي ضعيفة ومشوهة، وغير قادرة على الصمود.

المدنية- الأمل الجديد

بمحض الصدفة (هل هي صدفة حقّاً؟) أنّ دولة العراق الحديثة شكّلت واحداً من أكبر التحديات لنظام الأمر الواقع في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان على الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية وضع كافة أنواع العلاجات الممكنة لجعل السجال الواقعي فعّالاً. دخل العراق في واحدة أكثر الحروب دمويةً في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الحرب العراقية الإيرانية. استبشر الواقعيون بالحرب، فكان العراق سيحل لهم المشكلة مع إيران التي عجز الرئيس كارتر عن فعل شيء تجاهها. وما كادت تمضي سنتين على نهاية تلك الحرب حتى اندفع العراق نحو اقلاق الأمر الواقع في الخليج. كان الواقعيون قد أملوا أنْ يتحرر نظام صدام بتلقاء نفسه شيئا فشيء. انصدموا عندما غامر العراق باحتلال الكويت وأخذ يهدد السعودية. شكّل الواقعيون أولَ تحالف دولي من الجيوش في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لإجبار صدام على التراجع عن مغامرته. فرضوا بعد ذلك نظام عقوبات صارم لتقييد طموحات صدام، وأطلقوا أسم سياسة “الاحتواء المزدوج” على سياسة تقييد صدام وإيران معاً. فرضوا بعد ذلك مناطق حظر الطيران لكي لا يقوم صدام بذبح أكراد العراق مرة أخرى. كان الرئيس كلينتون، بين الحين والآخر يعطي الضوء الأخضر لقصف العراق لإيقاف تجاوزات صدام. سعى الواقعيون بعد ذلك للحد من مضار العقوبات من خلال برنامج الأمم المتحدة “النفط مقابل الغذاء” ليشاهدوا بلا حول ولا قوة صدام وهو يقوضها لأهدافه الشخصية، ويقوم أحياناً برشوة مسؤولين في الأمم المتحدة وأقاربهم من أرباح البرنامج. استمر صدام بقتل الناس، ولكن ذلك لم يمكن سبباً كافياً للتدخل من منظورهم البعيد.

وحتى عقب أحداث الحادي عشر من أيلول، كان الواقعيون يأملون حقّاً أن ينصلح صدام ويتفادى الحرب من خلال التعاون مع المفتشين الدوليين التابعين للأمم المتحدة. ولكن صدام لم يفعل ذلك، لأنه صدام.

لقد كان العراق طبق بتري لعلاجات الواقعيين السريعة على مدى عقدين، ولم تنجح أيٍ من هذه العلاجات.

 منذ عام 2003 والعراق يتحمل واحدة من أبشع موجات الفوضى في العصر الحديث، ولكن العراق صمد. لقد شهد العراق احتلالاً فاشلاً، تمرد، فساد لا نظير لحجمه، صراع طائفي وعرقي، أشكال الأرهاب الأكثر همجية والأوسع مدى، ومسعى للعودة إلى حكم الفرد الواحد (المالكي، مع غض إدارة أوباما الطرف عنه). بعد أنْ غادرت الولايات المتحدة العراق، بدأ المالكي بضرب السنة من خلال نموذجه من الشوفينية الشيعية، ولكن السنّة لجأوا إلى التظاهر وليس السلاح. ولكن عندما حرمهم المالكي من حق التظاهر، عاد الجهاديون السنّة بقوة وتمكنوا للمرة الأولى خلال عقد من السيطرة على مدينة الفلوجة.

عبر مراحل من الإنتخابات الوطنية والمحلية، انتخب الشعب العراقي نخبة سياسية غير فعالة، أحياناً قابلة للبيع والشراء، ولم تستطع هذه النخبة مجاراة هذه التحديات العديدة. خلال العامين الماضيين فقط، تحمل العراق خسارة حوالي ثلث مساحته لصالح “الخلافة”، وعادت المليشيات الشيعية المدعومة من إيران، وانفصال الكرد على ارض الواقع. يواجه البلد انهيار مالي وشيك بسبب سوء الإدارة المالية وتراجع أسعار النفط. في جميع المقاييس، يجب أن يكون العراق ميتاً، أو شبه ميت. لكن عكس جميع التوقعات، لا تزال هناك دولة: يذهب الأطفال إلى المدارس والموظفون إلى دوائرهم، ويبيع أصحاب المحلات بضائعهم، ويباع النفط في الأسواق العالمية، كما يتم استرجاع المناطق التي سيطر عليها الخليفة مؤخراً. يواجه الكرد الآن حقيقة أنّ كيانهم المنفصل قد لا يتمكن من الإكتفاء المالي دون حصتهم من نفط البصرة. وعلى الرغم من فساد وعدم احترافية النخبة السياسية إلّا أنها استطاعت حرمان المالكي ولاية ثالثة رغم فوزه بأغلبية الأصوات.

وما يفاجأ أكثر هو أنّ آخر انقباضات حركة الاحتجاجات العالمية هي في بغداد، وهي قائمة منذ شهور. لماذا يتظاهر أي شخص ضد ما هو ميت؟

ألا يتبع التظاهر أملٌ ضئيلٌ بإمكانية إصلاح النخبة السياسية لنفسها؟ من أين يأتي هذا الأمل؟

لماذا يتظاهر أحد على الإطلاق إنْ كانت شعوب الشرق الأوسط جميعاً قد توصلتْ إلى نفس استنتاج كراستيف والواقعيين، بأن المظاهرات والربيع العربي وثورات التويتر قد فشلت؟

هل نستطيع استبعاد فكرة كون العراقيون ملتزمين بفكرة العراق؟ ما هي هذا الفكرة؟ هل نقطة مرجعهم هي “الاستقرار” في زمن صدام، أمّا اللاستقرار في العراق الجديد؟

أدعو السيد كراستيف لدراسة مظاهرات ساحة التحرير في بغداد، وأوعده بأنّه سيجد الكثير من الصبيانية التي يحتقرها في ثورات التويتر: معاداة المؤسساتية، افتقار الرؤية العملية، نرجسية السلفيات، الفوضوية الوشيكة، وحالة عامة من قصر النظر السياسي. لقد بدأت المظاهرات عندما وجّه مشاهير الإعلام دعوة على الفايسبوك (حيث يجري معظم السجال العراقي حول الشؤون العامة وليس تويتر) للتظاهر بسبب انعدام توفير الطاقة الكهربائية. سيرى كراستيف الفكاهة في أنّ ذلك يشبه مظاهرات بلغاريا قبل عامين من الان حيث بدأت بسبب زيادة أسعار فواتير الكهرباء. سعى المتظاهرون الليبراليون إلى الرعاية والحماية من المليشيات المعارضة. يعمل العديد من هؤلاء المشاهير في مؤسسات يمولها رجال الأعمال الأكثر اثارة للجدل والانتقاد. إنّ وهم “تأثير الأغلبية” في الإنترنت، وأصداء غرف الفايسبوك، جعل هؤلاء المشاهير يشعرون بالأهمية الذاتية، بل حتى المهدوية. في بداية المظاهرات، طالبوا بإيقاف العمل بالدستور وحل البرلمان. احتشدوا لأنهم رأوا بأنّ رواتب النوّاب كانت عالية جداً، واهملوا الإشارة إلى مصير حوالي نصف تريليون دولار من عائدات النفط التي تبددت أو سرقت خلال السنوات الثمان الماضية. في إحدى المناسبات، رفع المتظاهرون صور أنجيلا ميركل، تعبيراً عن تقديرهم لسياسة فتح الحدود التي تبعتها. في مناسبة أخرى، رفع أحدهم علماً روسياً كبيراً واحتفلوا حوله، معربين عن اعجابهم ببوتين لتدخله في سوريا. وصل تعدادهم وفقاً لتقديراتهم الذاتية إلى الملايين من المتظاهرين، لكن التقديرات المنطقية تضعهم عند 50 ألف كعدد أقصى.

في عام 2011، تظاهر نفس المنظمين أيضاً، ولكن قبضة المالكي القوية كانت حاضرة وتشتتَ جمعهم. ولكن هذه المرة، سهّلت الحكومة حركة المتظاهرين وأمنّت لهم حق التظاهر ووفرت لهم الحماية (بل أحياناً بالغت في توفير الحماية).

كان شعارهم المفضل في البداية “بسم الدين باكونة الحرامية”، مشيرين إلى الأحزاب الإسلامية، وذلك الشعار استفز بلا داعي الشرائح المحافظة والمتدينة من المجتمع العراقي. لقد نسيَ العلمانيون الليبراليون بأنّ الفساد الهائل بدأ بحكومة رئيس الوزراء العلماني اياد علاوي، الذي ترك له الأمريكيون المسؤولية والذي خرج حين فاز الإسلاميون بالسلطة عن طريق الانتخابات. وفي هستيريا معاداة النخبة التي اجتاحت العديد من المتظاهرين، قاموا بطرد نائبة علمانية من بين صفوفهم في المظاهرة (واحدة من بين 3 فقط في البرلمان). وأحد زملاء هذه النائبة والذي كان قد رشّح نفسه للإنتخابات عن القائمة ذاتها وخسر، وهو قيادي شيوعي، يعد الآن أحد قادة المنبر الليبرالي للمظاهرات.

لقد تراجع الحماس عن المظاهرات مؤخراً وأصبح يحضرها عدد أقل كلّ ظهيرة جمعة.

قد تبدو هذه التفاصيل سطحية بحيث تعزز تظرية كراستيف لولا ثلاث نتائج: لقد أرعبت المظاهرات النخبة السياسية، تجاوز المتظاهرون سياسات الهوية، وتبنّوا “المدنية” للتعبير عن مفهومهم للأصلاح ورؤيتهم للمستقبل. قد لا يكونون قادرين على تعريف المدنية، ولكن سعيهم في تفعيلها وفتح الحوار حول تعريفها ضمن ملامح القواسم المشتركة الأدنى هو بالفعل عامل مؤثر. أستُخدمَ تعبير “مدنيت” في العصور العثمانية وفي تركيا المعاصرة اليوم للتعبير عن “الحضارة”، ولكن هذا المعنى لا يعبّر عن المقصد العراقي، بل العراقيون أنفسهم لا يعرفون ماذا تعني المدنية حتى الان: إنّها كلمة تبحث عن إيديولوجية، وهم يقومون بالبحث.

يتمنى العلمانيون الليبراليون أنْ تعني المدنية “العلمانية الليبرالية” دون الحاجة إلى استخدام المصطلحات الغربية للتعبير عن هذه المفاهيم باللغة العربية. أستخدم السيستاني مصطلح “الدولة المدنية” قبل سنتين لوصف ما كان يأمل أنْ يحققهُ السياسيون. كان يقصد، على الأرجح، الحكومة الرشيدة وليس الشكل العلماني أو الليبرالي. على الرغم من ذلك، فإنّ استخدام الكلمة من قبل المرجعية الشيعية الأعلى في العالم بدلاً من “الحكومة الإسلامية” أو “ولاية الفقيه” هو أمر مثير للإهتمام. وفي مدينة البصرة، وجدت الكلمة صداها مع النداءات المطالبة بتحويل المحافظة إلى إقليم. يستطيع “الأهلانيون”  القول بأنّ المصطلح محلي: كلمة مدنية مشتقة من كلمة “مدينة”، ويفخر العراقيون بأن أولى المدن في العالم نشأت في بلاد ما بين النهرين.

إنّ كلمة مدنية تعني في اساسها الــ”كوزموبوليتانية”: القدرة على التعايش بين ناس من خلفيات وهويات متعددة. عندما جاء الأسلاف الغرباء عن بعضهم إلى أولى مدن بلاد ما بين النهرين عند فجر الحضارة، كان عليهم إدارة “الاستفزاز” الذي قد يأتي من الجار المختلف في اللسان والملبس ولون البشرة والرأي، والذي قد لا يستهويه شخصياً. كان عليهم الاعتراف بالإختلافات مهما كان مستفز والتعايش معه. وهذه الروحية كانت ظاهرة في متنزه جيزي، وهي محطة انتقالية مهمة نحو الايديولوجية الناضجة. في العراق حيث يسود الغضب بسبب سياسات الهوية، والقتل على القومية أو الطائفية وارد، فإنّ الوصول إلى هذه المحطة هو في غاية الأهمية. يأتي البعض إلى ساحة المظاهرات حاملين معهم رايات تلمّح بالهويات، ولكن الأصوات التي تمجّد “المدنية” تكون طاغية عليهم، وألوان العلم العراقي تعزز المشهد. لم تعد “المدنية” مصطلحاً خاصاً بالمثقفين والمرجعيات الدينية الكبرى، بل يمكن سماعها في كل أنحاء العراق. قد لا يدرك الكثيرون معناها، لكنهم يريدونها. سوف يكون هذا المصطلح غير المعرّف مرادفاً للمظاهرات التي حوّلت السياسة العراقية على الرغم من محدوديتها وفوضويتها. في البدء، ظنّت النخبة السياسية بأنّ المظاهرات ستتحول إلى ثورة تعصف بالمنطقة الخضراء و”تسحل” الساسة في الشوارع، وكان الساسة يدركون إنّ غضب المتظاهرين مشروع. وصرّح ممثلو السيستاني قائلين بأنّ على النخبة السياسية الاستماع إلى الشارع وسنّ الإصلاحات “بيد من حديد”. كانت الإصلاحات المنفذة سطحية، وما تزال قوى الأمر الواقع ضمن النخبة السياسية تسعى لتقويضها، ولكن المظاهرات مستمرة بدعم من السيستاني.

آخر تجسدات الفشل المتكرر للنخبة السياسية العراقية هو خواء الخزانة المالية وعجز الحكومة عن دفع رواتب القطاع العام، والذي قد يعطي دفعاً جديداً للحشود المتظاهرة ويجذب المزيد من الأعداد. في متنزه جيزي، التقيتُ بصديق عراقي مقيم في فندق قريب. يملك هذا الصديق ذخيرة شخصية من تناقضات الثورة والأمر الواقع، فقد ولِد لأسرة شيعية لكنهُ اعتنق المذهب السنّي في صورتهِ الأكثر تطرّفاً: السلفية الجهادية. زجّ بهِ فكرهِ الديني في إحد سجون صدام لمعظم سنوات التسعينات. كان أحد الذين مكّنوا الزرقاوي لدى وصول الأخير إلى بغداد من أفغانستان، حتى قبل الحرب. لقد نظّم صديقي الثوري جماعته من السلفيين لجمع السلاح والعتاد، ولسرقة البنوك بينما كانت الدبابات الأمريكية تدخل العراق. لقد خطط للثورة ونسّق مع الثوار السلفيين في الشرق الأوسط، واستضافه أمراء سعوديين، وسافر إلى ليبيا لجمع التبرعات لتمويل الثورة من القذافي. لمْ ينقلب على الزرقاوي إلّا بعد أن سعى الأخير إلى الهيمنة على الثورة السلفية، فأصدر الزرقاوي الأوامر بقتل والد صديقي واثنين من اخوته ثأراً. وحين سعى ورثة الزرقاوي إلى تأسيس خلافة فعلية في العراق، أمرَ المراجع السلفيون في السعودية صديقي بشن الحرب على الزرقاويين، وأعطيَ الاذن للعمل مع الأمريكيين والحكومة العراقية لتحقيق النصر.

لمْ اتقبّل هذه الصداقة بسهولة، إذْ اتوقّع أنّ نوعية الثورة التي تبناها صديقي كانت مسؤولة ربما عن موت العديد من أصدقائي. ولكن، كان فيه شيْ محبّب، فبدى لي وكأنه ندمَ على ماضيه. ربما انقلب على الزرقاويين لكي ينقذ ثورته السلفية، ولكن خلال هذه المرحلة تغيّرت نظرته للأمور. يقول لي بأنّ كلّ ما يفعله الان هو للتكفير عن خطاياه الماضية. كنتُ مهتماً في مسعاه الشخصي للتوبة كإنسان وإنْ كان لا يزال يحمل العديد من التناقضات: بالنسبة إليه، ما يزال آل سعود هو الحليف الأفضل ضد التشيّع الثوري، وحتى أردوغان، رغم قرب الأخير من فكر الإخوان المسلمين الذي يحتقره السلفيون، يعدّ جندياً-سلطاناً جيداً للتسنّن في نظره. لم يعد صديقي ثورياً، وهو الان يخدم الأمر الواقع الإقليمي، لذا كنتُ مسروراً حينَ رأيتُ متنزه جيزي من خلال عينيه، وليس من منظوري الشخصي فقط. ظلّ يتلو العبارة التالية: “هذا ليس صحيحاً. يجب الّا يقوم الأترك (المتظاهرون) بهذا (معارضة أردوغان)”. شعرتُ بأنّ التنوع في المتنزه فاجأهُ، وهو التنوع الذي يلعنه السلفيون. شعرتُ أيضاً بأنّه تفاجأ من نفسه لاكتشافه بأن التنوّع الكبير ليس بالأمر السيء حقّاً. عندما ازداد عدد المتظاهرين لمواجهة الشرطة، صعد صديقي على أعلى سيارة محروقة ليتسنّى له رؤية ما يحصل، وفي وضعه هذا، التقطتُ له صورة: السلفي الثوري يقف ويشاهد ثورة تختلف كثيراً عن ثورته. في هذه الأيام، ينشر صديقي صوراً له في مظاهرات بغداد وقد أصبح من أبرز مناصري المدنية. كيف حدث هذا التحوّل؟ لا أدري تماماً، لكني مسرور بأنّه حدث. هل كان هذا التحوّل ممكناً لولا ما شاهده في متنزه جيزي؟ هل كنتُ لأشاهد هذا التحوّل لولا مظاهرات بغداد؟ شاهدتُ صوره في جدار الفايسبوك مع صور صديق آخر، رجل دين شيعي يرتدي العباءة والعمامة وهو واقف بين المتظاهرين. صديقي الآخر كان من اشد أنصار التيار الصدري وبين القياديين الصاعدين فيه. اعتقلهُ الأمريكيون وزجّوا به في معسكر بوكا لثلاث سنوات، نفس المعسكر الذي ضمّ خليفة الدولة الإسلامية، أبو بكر البغدادي، ونفس المعسكر الذي يقالُ أنّ الأخير أصبح فيه متطرّفاً. ولكن صديقي خرج من السجن ليبرالياً ديمقراطياً. احتفظ بعمامتهِ ولكنّه تبنّى خطاباً مغايراً، وتبنى أيضاً مصطلح المدنية مع بداية المظاهرات. وقد استضاف قائده السابق مقتدى الصدر قادة المظاهرات، ومن بينهم القيادي الشيوعي. كنتُ أتمنى لو كانت القصة كلها مفعمة بالأمل، لكنها ليست كذلك. شعر رجل الدين الشيعي الليبرالي بالتهديد من المليشيات الشيعية المدعومة من إيران، وهو اليوم لاجئاً سياسياً في لندن ليكون رقماً أخراً في إحصائية الهجرة الجماعية من الشرق الأوسط إلى أوروبا.

قد يمثّل هذان الرجلان ما أشرنا إليه سابقاً، ولكن بغياب الجنود التقليديين لتمثيل قضاياهما، يعتبر تحوّلهما استثنائياً، وتوجيهياً أيضاً ليس فقط للجمهور الغربي الذي يبحث عن قصة إيجابية، بل لآلاف الشباب والشابات الذين قد تغريهم نداءات التطرّف، كما أغرت هذين الرجلين في شبابهما.

أثق بأنّ كراستيف، في كفاءتهِ كعالم سياسي، سيرى الفائدة في كون هذان النموذجان من قادة الحركة المدنية.

في هذه المرحلة، ربما تكون المدنية مجرّد “ماركة” وليست ايديولوجية كاملة، ولكنها ماركة أكثر رحمة من ماركات الجهادية المتوفرة، وقد يكون لها تاثير. إذا كان في ذلك فائدة، ألا يعدّ دعمه مسعى واقعي، وإن كان لا يتصف هذا الفكر من نتاج المدرسة “الواقعية”؟                                                  

هناك احتمال أن تشهد ساحة التحرير في بغداد قتالاً بين ثوار الخلافة والثوار الذين يقودهم الجنرال قاسم سليماني. قد نرى أنصار المدنية في العراق على قوارب متجهين إلى أوروبا لأن “الفكرة الكبيرة” التي تبنوها لم تستطع مجاراة قوى اللانظام. إنّ هذا المنظور مؤلم، كما رأينا في باريس، فإنّ هذه القوى اللانظامية قد تلاحقهم هناك أيضاً. كما أنّه مؤلم أنّ حزب الشعب الديمقراطي انخرط في الخطاب التحريضي الذي عاد اليه أردوغان في تناوله للمسألة الكردية. في المقابل، عاد ديمرتاش إلى قول ما كان سائداً قبل خمس سنوات، مصغياً إلى النقاط التي اثارها البككه في الماضي، ومخيبّاً لآمال العديد من الأتراك الليبراليين الذين كانوا يتطلعون إلى تحولّه إلى قائد وطني وليس قائد إثني.

ولكن من المحتمل أن تخلّد ساحة التحرير لكونها موقع ولادة المدنية في العراق. وهذا ما تحدّث عنه باسم يوسف في سياق الشباب المصري، في حين تعدّ احتماليات “الفرصة المناضلة” هذه ضئيلة جداً بالنسبة لكراستيف والواقعيين. على كل حال، أحبّذ وجود شعاع من الأمل على الظلام الدامس، وهذه ليست عاطفة، إنما استراتيجية. لا يمكننا محاربة القوى الظلامية في الظلام الدامس، فقد تصبح “الفكرة الكبيرة” للمدنية هي اداتنا الاستراتيجية.

الإيمان الحقيقي كاستراتيجية، وليست عاطفة

يقال بأنّه من الخطر أنْ يصدّق المرء البروباغاندا التي ينشرها. بعد تجربتي في مشاهدة تداخل الليبرالية والأمر الواقع والجهاد، وصلتُ إلى قناعة بأنّ هذه العبارة تعني بأنّ المرء يستطيع أنّ يكون مؤمناً حقيقياً بضرورة امتلاك منظومة إيمانية. قد يشكّ البعض بهذا التعبير ويعتبره استغلاليا، لكنه يمثل استراتيجية جاءت من الحاجة.

يذكّرني (التعبير) بمقطع قرأتهُ من كتاب روي متحدة “عباءة النبي” (1985)، وفيه ينصدم طالب علم شيعي شاب عندما يخبره مرجع ديني في مدينة قم المقدسة بأنّه لا دليل لوجود الله:

“كان الطالب الشاب متيقناً بأنّ الملا المعروف بالتقوى كان يختبره، ليرى إنْ كان يشكّ (بوجود الله) سرّاً. واصل الملا كلامه: حين اكتشفت بأن لا دليل عقلاني على وجود الله، حاولتُ أنْ اترك الصلاة. تمرضتُ، ولم استطيع تناول الطعام، ولم احتفظ بتوازني. ثم وجدتُ طريقة أخرى للإيمان. أنا اصلي، ويجب أن تصلي أنتَ. والأهم، يجب أنْ تأمر الناس من حولك بالصلاة. هل تظن أنّ الناس من حولك سيدعون أي شيء في محله لو علموا بأنّ لا حياة ثانية بعد هذه؟ بنفخة واحدة، سترى النظام في المجتمع ينهار مثل بيت من القش. أنت فتى صالح وذكي. لقد درست العرفان، وعندك من القوة ما يكفي لسماع ما قلته لك للتو. إذهب الان قبل أن يصل الناس.”

يجب أن ترسو المجتمعات على الأوهام، وقد بدأ الشرق الأوسط بالتداعي عندما تداعت تلك الأوهام. تسلسلت تلك الأوهام من معاداة الاستعمار إلى الليبرالية ما بعد الاستقلال إلى الإشتراكية إلى القومية العربية إلى القومية التركية فالوهابية ثم ولاية الفقيه، وغيرها. يحيي المغامرون الأوهام عن طريق الدفع بها إلى الأمام، ولكن بدلاً من الحفاظ على الأمر الواقع، يعملون على تقويضه بدعوتهم لعدم الاستقرار. إنّ الأنظمة القديمة في الشرق الأوسط خلت من الأوهام، وهذا يترك فراغاً فكرياً يعطي فرصة لمشاريع الأوهام الدينية التي يصنعها الجهاديون، السنة منهم والشيعة.

كما يشير كراستيف، إنّ ثورات التويتر العالمية تتقاسم سمة عدم معرفة ما هي الأوهام التي يجب أن تحل محل تلك التي يعارضونها. ولكن مجتمعات الشرق الأوسط التي شهدت بداية الاحتجاجات وصداها لا يسعها التوقّف هناك لأن البديل لمْ يعد مجرد العودة إلى الأمر الواقع. إنّ الثورة الجهادية قادمة وتكسب الأرضية، وليس لتلك المجتمعات رفاهية الوقت والصون أمام هذا التهديد المتشكّل.

هناك وفرة من الأدلة على أنّ الاحتجاجات عملت على احياء الحياة السياسية إلى هذه المجتمعات. لقد حرّك هذا المناخ حواراً طال سباتهُ حول ما هو قادم. لا تزال الجماهير تبحث عن الإجابة، ولكن على الأقل، في الحالة العراقية، وجدوا العنوان: المدنية. في حين لا يعير الغرب اهتماماً، بعد تخليه عن العراق وثورات التويتر، واستسلم لخطاب الواقعيين.

بدلاً من التلويح بالغائية الليبرالية، كما يجادل كراستيف، يبدو أنّ صنّاع القرار في الغرب ذوي التوجهات الليبرالية أصبحوا يتحسسون من ظهور الليبرالية والديمقراطية وقد أقرّوا بأنها مفاهيم غريبة عن الشرق الأوسط. يطارد تفكيرهم الاتهام بالاستعمار، والاستعمارية الجديدة، والاستشراق، و”عبء الرجل الأبيض”، وما إلى ذلك. ويضرب العراق مثلاً لفشل نجاح هذه المفاهيم في أرضٍ غير أوروبية. وإذا أخذنا دولة غير أوروبية نجحت فيها الديمقراطية، مثل الهند في مرحلة ما بعد الاستقلال، يتحول الحديث إلى عدم موائمة الثقافات العربية الإسلامية في الشرق الأوسط مع القيم الغربية. إنّ كراستيف محقّ حين يصف التفكير الغربي حول الربيع العربي والعراق بالــ”نرجسية الليبرالية”، ولكن ذلك يناسب سياق الاستقراء الذاتي، الذي يشعر بأنّ الغرب مذنباً افتراضياً لإدعائهِ الأسبقية في الأفكار، وليس كما يقول كراستيف، لمناصرة هذه الأفكار.

لا تحمل بلاد ما بين النهرين حقوق ملكية القصص والأفكار التي صاغتها وصدرتها إلى البشرية، ولا تطلب رسوماً لقاء احتفاظها بالفلسلفة والثقافة الاغريقية وإعادة تصديرها من مكتباتها خلال العصور الأوروبية المظلمة. لا أحد ينتظر المستحقات من تلك القصص المستوحاة من أسطورة الأهواء الإلهية والاستسلام البشري لكاكامش، والتي تشابه إلى حد كبير نمط التفكير الواقعي. لا ينتظر من جورج لوكاس مقاسمة أرباح فلم “حرب النجوم” المستوحاة من المانوية مع المجلس البلدي لمحافظة بابل. سيكون ذلك مضحكاً، وكذلك، يجب ألّا يكون للغرب براءة اختراع على قيم الليبرالية.

في ضوء ما تقدّم، إنّ تبني مثل هذه القيم من قبل سكّان الشرق الأوسط تحت مسمّى المدنية، أو تصويتهم لحزب الشعب الديمقراطي “القادم” تمثّل فرصة ضائعة إذا شكّ الغرب فيها. إنّ ما بدأ كرأي الأقلية قد ينضج ليشمل الجمع، وأحياناً تتحول الجموع إلى الأغلبية عن طريق الإنتخابات الناجحة. عندما يتجاهل الغرب مكائد الأمر الواقع في إحباط النضوج السياسي الصادق كما فعل أردوغان، فإنّ هذه القيم الناضجة تخسر فرصة للنضال. وفي نفس الوقت، لا يمكن القول بأنّ المسألة محسومة طالما أنّ هناك قوى مثل حزب الشعب الديمقراطي لا تزال صامدة، والمدنية لا تزال في قيد تعريف نفسها. لا يزال من مبكراً الحكم على “ثورات التويتر” بالفشل.

هل ننتظر سبعين عاماً، كما فعل ماركس وبرودون، قبل أن تتحقق توقعاتهم بانهيار الأمر الواقع بفعل الثورات؟ لا اعتقد. إنّ الأمر الواقع في الشرق الأوسط ينهار الآن، بعد صموده خلال الجزء الأكبر من القرن العشرين. علاوة عن ذلك، فإنّ اللحظة التي بدأت فيها تلك الأسماء اللامعة تفسير ما وقع في منتصف القرن التاسع عشر كانت هي بالفعل صفّارة البداية للثورات في أوروبا، وهنا يخطئ كاستيف مرة أخرى.

نعيش اليوم في دائرة سياسية متعجلة يدفعها بحماس الإنترنت وتحدي التطرّف الثوري. إنّ السرعة التي تتلاحم وتتولد فيها الخطابات الساعية إلى إيجاد الأجوبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي هي سابقة لم تشهدها التجربة البشرية. إنّ التعجيل هنا يخدم نشر الثورة في وقت يعجز فيه الأمر الواقع المنهار، أو الضعيف، عن تقديم خطابات مقابلة.

نأمل أن تتسنى للمفاهيم الناشئة فرصة لإثبات نفسها في ميدان “الأفكار الكبيرة” الهائج، والمفاهيم المقصودة هي تلك التي جاءت من الاحتجاج مثل المدنية أو روحية متنزه جيزي. هنا لا يمكن اعتبار الأمل “رفاهية”، فالأمل سلاح. ومن الأفضل أن نواجه الجهاديين بسلاح ما على أنّ تكون ايادينا خالية.

يحتاج كراستيف إلى الأخذ بنظر الإعتبار ايضا بأنّ انتصار مثل هذه الأفكار الليبرالية في الشرق الأوسط قد يكون له تأثير على التفكير الغربي: هذا الانتصار سيجعل المتظاهر الغربي (البلغاري مثلاً) أكثر تقديراً لقيمة الديمقراطية. ففي النهاية، ألم تستلهم هذه الفئة من المتظاهرين من الربيع العربي، وهو ما يجده كراستيف غريباً؟ وبينما يحشّد الغرب بشكل متزايد لمعالجة التهديد الجهادي الذي يقترب من سواحله ويزيل جدران قلاعه الليبرالية، أليس مفيداً أنْ يتذكر الغرب مالذي يحارب من أجله؟

    1.
  1. January 25th, 2016 at 9:46 pm
    علي ابو خمسي
      يقول:

    هناك تبلور واضح لتيار عريض اخذ التوجهات الليبراليه وسيكون قوه عمليه بديله وناعمه للقوى السياسيه الكلاسيكيه .اعتقد ماطرحته ليس مقال وانما بحثا مطولا جدا ….تناولت به سيناريوهات المدرسه الواقعيه .اتمنى لك التوفيق استاذ نبراس .ورحم الله الفقيد الراحل الدكتور احمد الجلبي

تعليق