خاطرة اليوم (5 آذار 2015): صناعة الوهم عملية مهمة في تكوين الهويات، فهي تختصر مفارقات التاريخ وتنمقها، وترسم صورة زاهية للمستقبل، وتحض جماهيرها على تجاوز واقعٍ مرير، من خلال انخراطهم في هوية تكافلية تصل بهم الى شاطئ الامان. وهذا هو دور الاعلام والإعلاميين، وصناع الرأي ومبتكري الامجاد والرموز. ولكن، الهويات الناضجة تبحث عن شيء يكاسر ويشذب هذه الأوهام، كي لا يتعارض السرد مع الواقع المرئي والحسّي، وكي لا تستشعر الجماهير بأن هذه الأوهام قد انطلت عليها، واستغفلتها، لإن مفعول ذلك سيكون عكسيا، وستنتفض ضد الهوية التي يتم التسويق من اجلها من قبل الاعلام. ودور المكاسرة والتشذيب هو العمل المهم الذي يفترض ان تقم به الصحافة، التي يتحدد دورها في تدوين الواقع بما لها من موضوعية واتزان. ويوكبها في ذلك دور المؤرخ، الذي عليه ان يزرع بذرة من الشك، بمنهجية علمية واكاديمية، في السرديات والنصوص التي تدعي الحق واليقين، لأن اليقين التام عادة ما يؤدي الى التطرف والاعتداد. لدينا في العراق الكثير من الاعلام، والقليل من الصحافة او ممارسي علوم التاريخ. وهذا نتاج طبيعي لبلد شهد عدة حقبات متعاقبة من سلطات توظف مواردها لتصنع هويات تمحي ما جاء قبلها. مثلا: تداول الكثير من الناس فيديو للطفل الذي تم إعدامه، وهذا الفيديو اراه أيضا متداولا اليوم بين مجموعة من الأصدقاء الأجانب. انبرت مجموعة لتبرر الحدث، فيما انبرت مجموعة أخرى لاستنكاره. بغض النظر عن وجهات نظر الطرفين، لماذا لم تسعى الصحافة الى تحديد مكان وتوقيت الحدث؟ ما هو اسم هذا الطفل؟ ما هو عمره الحقيقي؟ من هم اهله؟ هل هناك شهود عيان لما حدث قبيل اعتقاله؟ ماذا كان وضعه النفسي والذهني؟ ما كان الوضع النفسي لمن قتله؟ يقال بأن الحدث وقع في منطقة الاسحاقي، فهل ذهب صحفي الى هناك ليتحرى عن الموضوع؟ قد يقول بعضهم بأن تقاعس الصحافة في هذا الامر لا يبرر تخاذل وزارة حقوق الانسان، بل ومنظمات المجتمع المدني المختصة بحقوق الطفل، عن ممارسة دورها أيضا. ولكن، حقيقة الامر، ان اللبنة الأولى للحقيقة تضعها الصحافة، لتلفت النظر لما حصل، ولتمنحنا نبذة أولية عن تفاصيل الحدث، ومن ثم يأتي دور المؤسسات المختصة في التحقق من المعلومات الواردة، وتوجيه الامر قضائيا إن تطلب الامر. مثال آخر: يتداول الكثيرون مقولة “لو ما قاسم سليماني، چان هسة الخليفة يخطب ببو حنيفة”، او مقولات أخرى تشابها. بالطبع، هناك من يصنع هذه الاقاويل لتشييد هوية معينة، ولدعم تطلعات استراتيجية لديه، وله كافة الحق في المحاولة إن وجد أرضية تستقبل سرديته. ولكن، على من تقع مسؤولية مكاسرة وتشذيب هذا القول؟ بإعتقادي، هذه مسؤولية المؤرخ، او الاصح، المحلل، وهو من عليه النظر الى الاحداث السريعة الآنية ببُعد نظر، وبتجرد، المؤرخ. مثلا، يستطيع ان يرد المحلل او المؤرخ على هذه المقولة أعلاه من خلال الإشارة الى دور سليماني في دعم ولاية نوري المالكي الثانية، وتنجيته من مغبة سحب الثقة عقب انعقاد محور أربيل-النجف، بل حتى في محاولة نيل الولاية الثالثة له، التي كان سليماني مهندسها بالرغم من حالة الاحتقان والتأزيم التي كانت السمة الأبرز في عهد المالكي، والتي تسببت فيما تسبب به من عودة الجهاديين الى الصدارة والمبادرة، واطلاق مشروع خلافتهم. وسليماني أيضا كان المسؤول المباشر في تأزيم الظرف السوري عسكريا، مما القى بظلاله على العراق، وفيما سبق، ساهم سليماني بصورة كبيرة في فتح جبهة شيعية ضد الامريكان عند محاولتهم قمع التمرد السني، ومطاردة تنظيمات متطرفة مثل تنظيم الزرقاوي. واربك سليماني فرصة انخراط العراق في المنظومة الأمنية والعسكرية الامريكية والأوروبية، مما جعل الولايات المتحدة تتخلى عنه لتبحث عن شركاء آخرين في المنطقة. وحتى معركة تكريت الأخيرة فيها المزيد من تأزيم المواقف ما بين العراق وامريكا، التي ارادت لهذه المناطق السنية ان تتحرر من خلال الجيش العراقي حصرا، ومن خلال حرس وطني يتم تجييشه من أبناء المناطق، لا من الحشد الشعبي وما يترتب على ذلك من استفزاز لأهالي تكريت، مثلا. كل هذه الأمور ساهمت في احياء الظروف المساعدة لامتداد دولة الخلافة، واغلبها يمكن ارجاعها الى قرارات غير حكيمة اتخذها قاسم سليماني. هذا هو دور المؤرخ والمحلل في وضع الاحداث ضمن تراتبية زمنية، لتبقى الذاكرة محافظة على ذاتها، وكي لا تقع الشعوب والامم في دوامة من الأخطاء المكررة. لأن مكاسرة الانفعال، والدعوة الى الهدوء والتفكير، حتى في خضم المعركة، ستسهم في إدارة افضل للمعركة، وفي صناعة امتن للهوية التي يرام تكوينها. “لا صوت يعلو على صوت المعارك” شعار تطلقه أنظمة قمعية، تهاب التساؤل والتفكير، وهي دائما وصفة ستؤدي بنا، كما شهدنا ذلك على مر عقود، الى بؤس اعمق، ومآسي أوسع.

خاطرة اليوم (5 آذار 2015): صناعة الوهم عملية مهمة في تكوين الهويات، فهي تختصر مفارقات التاريخ وتنمقها، وترسم صورة زاهية للمستقبل، وتحض جماهيرها على تجاوز واقعٍ مرير، من خلال انخراطهم في هوية تكافلية تصل بهم الى شاطئ الامان. وهذا هو دور الاعلام والإعلاميين، وصناع الرأي ومبتكري الامجاد والرموز.  ولكن، الهويات الناضجة تبحث عن شيء يكاسر ويشذب هذه الأوهام، كي لا يتعارض السرد مع الواقع المرئي والحسّي، وكي لا تستشعر الجماهير بأن هذه الأوهام قد انطلت عليها، واستغفلتها، لإن مفعول ذلك سيكون عكسيا، وستنتفض ضد الهوية التي يتم التسويق من اجلها من قبل الاعلام.  ودور المكاسرة والتشذيب هو العمل المهم الذي يفترض ان تقم به الصحافة، التي يتحدد دورها في تدوين الواقع بما لها من موضوعية واتزان. ويوكبها في ذلك دور المؤرخ، الذي عليه ان يزرع بذرة من الشك، بمنهجية علمية واكاديمية، في السرديات والنصوص التي تدعي الحق واليقين، لأن اليقين التام عادة ما يؤدي الى التطرف والاعتداد.  لدينا في العراق الكثير من الاعلام، والقليل من الصحافة او ممارسي علوم التاريخ. وهذا نتاج طبيعي لبلد شهد عدة حقبات متعاقبة من سلطات توظف مواردها لتصنع هويات تمحي ما جاء قبلها.  مثلا: تداول الكثير من الناس فيديو للطفل الذي تم إعدامه، وهذا الفيديو اراه أيضا متداولا اليوم بين مجموعة من الأصدقاء الأجانب. انبرت مجموعة لتبرر الحدث، فيما انبرت مجموعة أخرى لاستنكاره. بغض النظر عن وجهات نظر الطرفين، لماذا لم تسعى الصحافة الى تحديد مكان وتوقيت الحدث؟ ما هو اسم هذا الطفل؟ ما هو عمره الحقيقي؟ من هم اهله؟ هل هناك شهود عيان لما حدث قبيل اعتقاله؟ ماذا كان وضعه النفسي والذهني؟ ما كان الوضع النفسي لمن قتله؟ يقال بأن الحدث وقع في منطقة الاسحاقي، فهل ذهب صحفي الى هناك ليتحرى عن الموضوع؟ قد يقول بعضهم بأن تقاعس الصحافة في هذا الامر لا يبرر تخاذل وزارة حقوق الانسان، بل ومنظمات المجتمع المدني المختصة بحقوق الطفل، عن ممارسة دورها أيضا. ولكن، حقيقة الامر، ان اللبنة الأولى للحقيقة تضعها الصحافة، لتلفت النظر لما حصل، ولتمنحنا نبذة أولية عن تفاصيل الحدث، ومن ثم يأتي دور المؤسسات المختصة في التحقق من المعلومات الواردة، وتوجيه الامر قضائيا إن تطلب الامر.  مثال آخر: يتداول الكثيرون مقولة “لو ما قاسم سليماني، چان هسة الخليفة يخطب ببو حنيفة”، او مقولات أخرى تشابها.  بالطبع، هناك من يصنع هذه الاقاويل لتشييد هوية معينة، ولدعم تطلعات استراتيجية لديه، وله كافة الحق في المحاولة إن وجد أرضية تستقبل سرديته. ولكن، على من تقع مسؤولية مكاسرة وتشذيب هذا القول؟ بإعتقادي، هذه مسؤولية المؤرخ، او الاصح، المحلل، وهو من عليه النظر الى الاحداث السريعة الآنية ببُعد نظر، وبتجرد، المؤرخ.  مثلا، يستطيع ان يرد المحلل او المؤرخ على هذه المقولة أعلاه من خلال الإشارة الى دور سليماني في دعم ولاية نوري المالكي الثانية، وتنجيته من مغبة سحب الثقة عقب انعقاد محور أربيل-النجف، بل حتى في محاولة نيل الولاية الثالثة له، التي كان سليماني مهندسها بالرغم من حالة الاحتقان والتأزيم التي كانت السمة الأبرز في عهد المالكي، والتي تسببت فيما تسبب به من عودة الجهاديين الى الصدارة والمبادرة، واطلاق مشروع خلافتهم. وسليماني أيضا كان المسؤول المباشر في تأزيم الظرف السوري عسكريا، مما القى بظلاله على العراق، وفيما سبق، ساهم سليماني بصورة كبيرة في فتح جبهة شيعية ضد الامريكان عند محاولتهم قمع التمرد السني، ومطاردة تنظيمات متطرفة مثل تنظيم الزرقاوي. واربك سليماني فرصة انخراط العراق في المنظومة الأمنية والعسكرية الامريكية والأوروبية، مما جعل الولايات المتحدة تتخلى عنه لتبحث عن شركاء آخرين في المنطقة. وحتى معركة تكريت الأخيرة فيها المزيد من تأزيم المواقف ما بين العراق وامريكا، التي ارادت لهذه المناطق السنية ان تتحرر من خلال الجيش العراقي حصرا، ومن خلال حرس وطني يتم تجييشه من أبناء المناطق، لا من الحشد الشعبي وما يترتب على ذلك من استفزاز لأهالي تكريت، مثلا.  كل هذه الأمور ساهمت في احياء الظروف المساعدة لامتداد دولة الخلافة، واغلبها يمكن ارجاعها الى قرارات غير حكيمة اتخذها قاسم سليماني. هذا هو دور المؤرخ والمحلل في وضع الاحداث ضمن تراتبية زمنية، لتبقى الذاكرة محافظة على ذاتها، وكي لا تقع الشعوب والامم في دوامة من الأخطاء المكررة.  لأن مكاسرة الانفعال، والدعوة الى الهدوء والتفكير، حتى في خضم المعركة، ستسهم في إدارة افضل للمعركة، وفي صناعة امتن للهوية التي يرام تكوينها. “لا صوت يعلو على صوت المعارك” شعار تطلقه أنظمة قمعية، تهاب التساؤل والتفكير، وهي دائما وصفة ستؤدي بنا، كما شهدنا ذلك على مر عقود، الى بؤس اعمق، ومآسي أوسع.

تعليق