خاطرة اليوم (1 آذار 2017): خسرنا في يوم الاثنين المنصرم، في مدينة الرقّة السورية، احد اعمق الناسكين في المعرفة في الشرق الاوسط، حسب رأيي. توفي الباحث السوري (محمد عبد الحميد الحمد) جراء وكعة صحية وشحّة العلاج، عن عمر يناهر الـ 79 عاما. قد يصعب عليّ شرح أهميته الفكرية اليكم، لأنه لم يكن يجاري الآليات البحثية والأكاديمية ودوائر القلاع العاجية، التي دوما ما كانت تصنع امجادا حصرية لروادها، وتجعل من أسماءهم اعلاما فكرية. ولد في الرقّة، آنئذ تحت الانتداب الفرنسي، وتوفي في الرقّة، حاليا تحت راية الدولة الإسلامية. وما بين هذين الحدثين، اتمّ الثانوية في حلب، ومن ثم كلية الشريعة في دمشق، والتي لم تتقبله فحوّل على كلية الفلسفة وعلم الاجتماع، ومن ثم شرع في اعداد دراسة الماجستير، ولكن الخدمة العسكرية حالت دون اتمامها، وشهد حرب الـ 67 وصدمتها، وبعدها اتمّ دراسات عليا في علم الأديان في حيدر آباد الهندية، وعمل باحث مساعد في جامعة كولمبيا في نيويورك، ثم راود اعمالا حرة في احياء وازقة مدينة نيويورك، رأى من خلالها تنوع هذا الكوكب مجتمعاً، وبهياً، وقضى ساعات عديدة ما بين ما تيسر من كتب في المكتبة العامة هناك. ثم عاد الى سوريا، وتحديدا الى مسقط الرأس والطفولة، الرقة، وتفرغ للبحث، والتبحّر فيه. وتمخض عن هذا كله دراسات في الأديان والاعراق والأفكار والانساب، كنت اعدها كنزا، ليس من الناحية المعلوماتية او الاكاديمية البحتة بالضرورة، ولكن من ناحية النظر الى تاريخ تكوّن شرقنا البهي من زاوية أخرى. أي ان محمد عبد الحميد الحمد علمني كيف ان اطلق خيالي، ولكن بطريقة منهجية ومتوازنة، كي أرى ما اخفاه التدوين التاريخي عنّا. كما علمني خطورة الفكر، هو الذي اسرته مفاهيم الافلاطونية المحدثة، وكيف تمكن هذا الفكر من التسرب الى أجساد فكرية أخرى، ليخرج لنا بإخوان الصفا وشطحات الملل والطوائف، وتلاوين فكرية اخرى رسمت ملامح هذه الأرض التي نسكنها. مرة أخرى، قد لا استطيع ان اعطي هذا العملاق الفكري حقه، لان المفردات والمفاهيم الكلاسيكية لا تتناسب مع “شطَحِهِ”. ولكن، من باب المقاربة، ادعوكم الى مراجعة شيء من الـ 40 او 50 مؤلف الذي يحمل توقيعه، بعناوينها المشيقة، وادعو كذلك المؤرخ الشاب ان يأخذ ما تخيله الأستاذ محمد عبد الحميد الحمد ويضعه تحت المجهر العلمي، لربما نتكشف شيئا جديدا من خلال تأكيد او نفي اطروحاته الجريئة. ويا لها من مفارقة، ان الدولة الإسلامية، والتي هي نقيض لأجمل ما جاءنا من فكر الأجداد، كانت تحوم حول دار هذا الرجل، ولم تكن تعي بأن بين جدران الدار عقل صاغ مفاتيح فكرية جديدة لها ان تنسف كل الأبواب الموصدة، وتدخل نور المعرفة الى اظلم الزوايا. اذكر يا أيها المؤرخ الشاب افضال الأستاذ محمد عبد الحميد الحمد عليّ وعليك، استاذنا الذي استقبلني قبل عشرة أعوام في تلك الدار في الرقّة، واقرأ له، وتبحّر معه في الخيال والفكر والمعرفة، ثم استذْكِر ما قاله احمد مطر: ورَتِّـلْ سُورةَ النَّسْـفِ على رأسِ الوَثَنْ… نترحم عليك يا أبو قتيبة، ولك المجد كله.

خاطرة اليوم (1 آذار 2017): خسرنا في يوم الاثنين المنصرم، في مدينة الرقّة السورية، احد اعمق الناسكين في المعرفة في الشرق الاوسط، حسب رأيي.
توفي الباحث السوري (محمد عبد الحميد الحمد) جراء وكعة صحية وشحّة العلاج، عن عمر يناهر الـ 79 عاما. قد يصعب عليّ شرح أهميته الفكرية اليكم، لأنه لم يكن يجاري الآليات البحثية والأكاديمية ودوائر القلاع العاجية، التي دوما ما كانت تصنع امجادا حصرية لروادها، وتجعل من أسماءهم اعلاما فكرية.
ولد في الرقّة، آنئذ تحت الانتداب الفرنسي، وتوفي في الرقّة، حاليا تحت راية الدولة الإسلامية. وما بين هذين الحدثين، اتمّ الثانوية في حلب، ومن ثم كلية الشريعة في دمشق، والتي لم تتقبله فحوّل على كلية الفلسفة وعلم الاجتماع، ومن ثم شرع في اعداد دراسة الماجستير، ولكن الخدمة العسكرية حالت دون اتمامها، وشهد حرب الـ 67 وصدمتها، وبعدها اتمّ دراسات عليا في علم الأديان في حيدر آباد الهندية، وعمل باحث مساعد في جامعة كولمبيا في نيويورك، ثم راود اعمالا حرة في احياء وازقة مدينة نيويورك، رأى من خلالها تنوع هذا الكوكب مجتمعاً، وبهياً، وقضى ساعات عديدة ما بين ما تيسر من كتب في المكتبة العامة هناك. ثم عاد الى سوريا، وتحديدا الى مسقط الرأس والطفولة، الرقة، وتفرغ للبحث، والتبحّر فيه.
وتمخض عن هذا كله دراسات في الأديان والاعراق والأفكار والانساب، كنت اعدها كنزا، ليس من الناحية المعلوماتية او الاكاديمية البحتة بالضرورة، ولكن من ناحية النظر الى تاريخ تكوّن شرقنا البهي من زاوية أخرى. أي ان محمد عبد الحميد الحمد علمني كيف ان اطلق خيالي، ولكن بطريقة منهجية ومتوازنة، كي أرى ما اخفاه التدوين التاريخي عنّا. كما علمني خطورة الفكر، هو الذي اسرته مفاهيم الافلاطونية المحدثة، وكيف تمكن هذا الفكر من التسرب الى أجساد فكرية أخرى، ليخرج لنا بإخوان الصفا وشطحات الملل والطوائف، وتلاوين فكرية اخرى رسمت ملامح هذه الأرض التي نسكنها.
مرة أخرى، قد لا استطيع ان اعطي هذا العملاق الفكري حقه، لان المفردات والمفاهيم الكلاسيكية لا تتناسب مع “شطَحِهِ”. ولكن، من باب المقاربة، ادعوكم الى مراجعة شيء من الـ 40 او 50 مؤلف الذي يحمل توقيعه، بعناوينها المشيقة، وادعو كذلك المؤرخ الشاب ان يأخذ ما تخيله الأستاذ محمد عبد الحميد الحمد ويضعه تحت المجهر العلمي، لربما نتكشف شيئا جديدا من خلال تأكيد او نفي اطروحاته الجريئة.
ويا لها من مفارقة، ان الدولة الإسلامية، والتي هي نقيض لأجمل ما جاءنا من فكر الأجداد، كانت تحوم حول دار هذا الرجل، ولم تكن تعي بأن بين جدران الدار عقل صاغ مفاتيح فكرية جديدة لها ان تنسف كل الأبواب الموصدة، وتدخل نور المعرفة الى اظلم الزوايا.
اذكر يا أيها المؤرخ الشاب افضال الأستاذ محمد عبد الحميد الحمد عليّ وعليك، استاذنا الذي استقبلني قبل عشرة أعوام في تلك الدار في الرقّة، واقرأ له، وتبحّر معه في الخيال والفكر والمعرفة، ثم استذْكِر ما قاله احمد مطر: ورَتِّـلْ سُورةَ النَّسْـفِ على رأسِ الوَثَنْ…
نترحم عليك يا أبو قتيبة، ولك المجد كله.
الحمدالحمد2

تعليق