خاطرة اليوم (5 ايلول 2016): أبو ثروت، وداعا عبد العزيز مصطفى جميل علي ثروت الونداوي منذ اول مرة تعرفت عليه، في اثير الانترنت، قبل حوالي عشرون عاما، وأبو ثروت يقول لي بأنه على اعتاب الموت، فقد اعياه المرض والتعب، والقلق على حال بلده. لذا عندما قرأت خبر وفاته البارحة، لم استوعب بأن نبوءته المتأخرة قد حان اوانها. هكذا تعرفت عليه: ظهر شخص عراقي، في احدى دهاليز الانترنت، في نهاية التسعينات، يبشرنا بدستور جديد يعمل على تنقيحه. فكرة غريبة، أليست كذلك؟ في تلك الفترة، كان القلة منا يعتقد، ويعتقد فعلا، بأن نظام صدام حسين آيل الى الزوال، وهنا نجد رجلا يحاول ان يستبق الاحداث من خلال اطلاق العنان لنقاش عام في الانترنت حول الدستور الذي نبتغيه ما بعد نظام البعث. راسلته مستفسرا، من تكون انت؟ وتفاجأت بأن هذا الشخص هو مهندس كان يعمل في سلطة الطيران، في مطلع الستينات من عمره، وخبرته القانونية تقتصر على صياغة قوانين الملاحة الجوية العالمية التي كان يترأس وفد العراق في منتدياتها. أي انه موظف عراقي سابق، كان قد خرج الى الأردن، كي يشرع بالعمل على هذا الدستور، قبيل لحظة وفاته، والتي كانت، حسب افادته، وشيكة. بالطبع، في ظروف الكر والفر ما بين المعارضين وجهاز المخابرات آنذاك، كان لا بد ان تثير هذه الرواية الشكوك لدي. ولكن في نفس الوقت، كوني متصفحا للتاريخ، كنت اعي بأن بعض الأمور الكبيرة تبدأ بصورة صغيرة، وغريبة. لذا كان يتطلب الامر بان اتابع الموضوع، وبأن التقي بهذا الشخص. وفعلا، التقيت به، واختبرته، ووضعت بعض المكائد هنا وهناك. ووضعته تحت المراقبة، و و و كل الأمور الطبيعية والتي من المفترض اتبعاها في المناخ الأمني آنذاك. ولكن الامر، حقيقة، لم يكن يتطلب اكثر من اول لقاء، عندما نظرت الى عينيه، وفهمت من يكون هذا الشخص: انه أبو ثروت، ذلك الحالم العراقي. ومع مرور السنين، توسع فهمي له، فهو أيضا النموذج الارقى للتكنوقراط الوظيفي العراقي، ابن الدولة الوفي الخدوم، الصادق، الزاهد، المثابر، والمبادر، والثوري أيضا. هل تدرون بأن هذا الشخص العراقي لديه علاقة خؤولة مع الملك زوگ، ملك البانيا المخلوع؟ كيف؟ جد أبو ثروت كان آخر والي عثماني على البانيا. هل تعلمون بأن أبو ثروت تقدم الى انشاء نادي للنكتة في ظل نظام صدام حسين، وتعهد لدى الامن العامة عند تقديمه الطلب بأن “لا تخافون ما راح نندگ بيكم…” (بالطبع، تم رفض الطلب). هل تعلمون بأن أبو ثروت بدأ يتجول في شوارع بغداد ما بعد 2003 بـ “تي شيرت” ابيض يحمل شعار الجمهورية ابان العهد القاسمي، وهو تي شيرت احتفظ به على مدى عقود منذ أيام شبابه كي يعاود لبسه مرة أخرى عندما يُزال حكم البعث؟ (أبو ثروت كان، وبقي، يساريا، وإن كان قد انظم الى المؤتمر الوطني العراقي في نهاية التسعينات). هل بإمكاني ان اعطي رجلا فريدا كهذا حقه من خلال كلمات وجيزة؟ بالطبع، كلا. ولكن، استطيع ان اعود على بعض الآمال التي حملها في قلبه، ذلك القلب الذي صمد طويلا، وطاوع السنين. احدى أولى امنيات أبو ثروت، ما بعد 2003، هي جعل الخطوط الجوية العراقية من افضل شركات الطيران في المنطقة، وكالعادة، الامر لم يقتصر على الامنيات، فذهب أبو ثروت واعّد الدراسات الدقيقة والمفصلة، والواقعية هي أيضا، والتي بموجبها وضع رؤيته عن كيفية تحقيق مشروعه الكبير، والذي كان يعتبر شأنا ثانويا، وحتى مستغربا، في الأشهر الأولى ما بعد اسقاط البعث، وعندما سألت أبو ثروت عن ذلك، أجاب: “لأن هذه من أولى واسهل الهدايا التي نستطيع ان نقدمها الى العراقيين فورا، والتي من خلالها سيشعرون بأن كرامتهم، وافتخارهم بدولتهم، ستعود. كما هي ستكون اول شيء سيراه العالم من معالم العراق الجديد، عراق واثق من نفسه، ومن مستقبله، وقد تغير فعلا.” عليّ ان اعود الى ارشيفي كي اتصفح الدراسات التي كان يقدمها أبو ثروت، لأنني أتذكر بأن دراسة الخطوط الجوية العراقية وسلطة الطيران كانت واحدة من بين خمس او ست دراسات قدمها في وقتها. وكلها كانت تصب في نفس السياق: إعادة روح الفخر والكرامة الى أروقة الدولة العراقية، تلك الدولة التي احبها أبو ثروت، وخدمها طيلة حياته. شاءت الظروف بأن تُحبط مشاريع أبو ثروت، فلم يشارك في صياغة الدستور، ولا في إعادة احياء سلطة الطيران، ولا في أي واحدة من أحلامه الأخرى. شعر أبو ثروت بشيء من الإحباط، وكان يتألم كثيرا على الأخطاء التي بدأت تتراكم مع نهوض العراق الجديد، ولكن في نفس الوقت، لم ينزوي الى نرجسية الشؤم والاعتزال، بل بقي يبحث عن ذلك الدور الذي سيستطيع من خلاله ان يقدم شيئا لهذا البلد. وعليه، استطعت ان استحصل على احدى اخطر الوظائف في العراق الجديد له، الا وهو دور مدير عام الدائرة المعلوماتية في هيئة اجتثاث البعث. فاين كنت سأجد شخصا مثله، عراقيا لا طائفيا، عراقيا لا قوميا، ليبراليا، حريصا، ومقتدرا في نفس الوقت؟ شرع أبو ثروت في أوائل سنة 2004 في إتمام واحدة من اصعب المهام. كانت هناك عديد من القوى السياسية تتنافس ما بينها كي تجعل هيئة الاجتثاث أداة طيعة في يدها، مما أدى الى حالة من عدم التجانس ما بين المدراء العامين، وأيضا، كان هناك اشكال كبير في بنك المعلومات، لأن أرشيف النظام السابق، وخصوصا أرشيف حزب البعث، قد تبعثر لدى اكثر من عشرين جهة، ما بين الجيش الأمريكي، وأجهزة مخابرات إقليمية، وأحزاب، وافراد، و”تجار”، بل ان جزء كبير من الأرشيف قد تم احراقه بشكل ممنهج من قبل بقايا النظام السابق. ولكن أبو ثروت بدأ بالعمل الدؤوب، والمثابر، والمبادر، كما عهدته، وفي غضون فترة قياسية، استطاع ان ينشأ كادرا خاصا به، وفريق عمل، ليجمع كل ما تسنى له من معلومات، كي يقوّم عمل الهيئة ويسهل مهامها. تجح أبو ثروت في إتمام مهمه، ولكن الهيئة لم تنجح، وزاغت عن هدفها الى تحقيق ما كان يطمح اليه هذا وذاك. وحورب أبو ثروت، وفقد النزال. فهل استسلم أبو ثروت؟ هل لعن الزمن الذي جعله “عراقيا”؟ كلا، حاول وحاول وثم حاول ان ينير الطريق بأي صورة كانت، استمر في اعداد الدراسات، استمر في التبليغ عن حلمه بعراق آمن، مستقر، ليبرالي، مدني، عراق واحد لكل ابناءه وبناته، عراق واعد، وعراق واثق من نفسه. مع السلامة يا أبو ثروت، ولا تقلق، فقد اودعت الأمانة، وهناك من سيستلم الراية. اتخيل بأنك الآن في فردوس قد شيدته في ذهنك، “جنّة” اسمها عراق المستقبل، عراق الاحلام، عراق قوي، وزاهر، ومزدهر. واراك تذهب في الصباح الباكر، وتخرج مجموعة من المفاتيح من جيبك، وتدفع بباب الدار، وتتجول ما بين حصاد الحديقة، لتلتقط وردا هنا، وزهرا هناك، وتضعها في مزهرية في صالة الاستقبال، وتجلس مع قهوتك الصباحية، وتنشر شيئا في صفحة “قراءات عراقية”، وتنتظر تقاطر أول الرفاق المواظبين على ارتياد “نادي النكتة”، حيث تتصدر الديوان بابتسامك وعيناك، وذلك الحلم الكبير.

خاطرة اليوم (5 ايلول 2016): ابو ثروت، وداعا

عبد العزيز مصطفى جميل علي ثروت الونداوي

منذ اول مرة تعرفت عليه، في اثير الانترنت، قبل حوالي عشرون عاما، وأبو ثروت يقول لي بأنه على اعتاب الموت، فقد اعياه المرض والتعب، والقلق على حال بلده. لذا عندما قرأت خبر وفاته البارحة، لم استوعب بأن نبوءته المتأخرة قد حان اوانها.
هكذا تعرفت عليه: ظهر شخص عراقي، في احدى دهاليز الانترنت، في نهاية التسعينات، يبشرنا بدستور جديد يعمل على تنقيحه. فكرة غريبة، أليست كذلك؟ في تلك الفترة، كان القلة منا يعتقد، ويعتقد فعلا، بأن نظام صدام حسين آيل الى الزوال، وهنا نجد رجلا يحاول ان يستبق الاحداث من خلال اطلاق العنان لنقاش عام في الانترنت حول الدستور الذي نبتغيه ما بعد نظام البعث. راسلته مستفسرا، من تكون انت؟ وتفاجأت بأن هذا الشخص هو مهندس كان يعمل في سلطة الطيران، في مطلع الستينات من عمره، وخبرته القانونية تقتصر على صياغة قوانين الملاحة الجوية العالمية التي كان يترأس وفد العراق في منتدياتها. أي انه موظف عراقي سابق، كان قد خرج الى الأردن، كي يشرع بالعمل على هذا الدستور، قبيل لحظة وفاته، والتي كانت، حسب افادته، وشيكة.
بالطبع، في ظروف الكر والفر ما بين المعارضين وجهاز المخابرات آنذاك، كان لا بد ان تثير هذه الرواية الشكوك لدي. ولكن في نفس الوقت، كوني متصفحا للتاريخ، كنت اعي بأن بعض الأمور الكبيرة تبدأ بصورة صغيرة، وغريبة. لذا كان يتطلب الامر بان اتابع الموضوع، وبأن التقي بهذا الشخص.
وفعلا، التقيت به، واختبرته، ووضعت بعض المكائد هنا وهناك. ووضعته تحت المراقبة، و و و كل الأمور الطبيعية والتي من المفترض اتبعاها في المناخ الأمني آنذاك. ولكن الامر، حقيقة، لم يكن يتطلب اكثر من اول لقاء، عندما نظرت الى عينيه، وفهمت من يكون هذا الشخص: انه أبو ثروت، ذلك الحالم العراقي.
ومع مرور السنين، توسع فهمي له، فهو أيضا النموذج الارقى للتكنوقراط الوظيفي العراقي، ابن الدولة الوفي الخدوم، الصادق، الزاهد، المثابر، والمبادر، والثوري أيضا.
هل تدرون بأن هذا الشخص العراقي لديه علاقة خؤولة مع الملك زوگ، ملك البانيا المخلوع؟ كيف؟ جد أبو ثروت كان آخر والي عثماني على البانيا. هل تعلمون بأن أبو ثروت تقدم الى انشاء نادي للنكتة في ظل نظام صدام حسين، وتعهد لدى الامن العامة عند تقديمه الطلب بأن “لا تخافون ما راح نندگ بيكم…” (بالطبع، تم رفض الطلب). هل تعلمون بأن أبو ثروت بدأ يتجول في شوارع بغداد ما بعد 2003 بـ “تي شيرت” ابيض يحمل شعار الجمهورية ابان العهد القاسمي، وهو تي شيرت احتفظ به على مدى عقود منذ أيام شبابه كي يعاود لبسه مرة أخرى عندما يُزال حكم البعث؟ (أبو ثروت كان، وبقي، يساريا، وإن كان قد انظم الى المؤتمر الوطني العراقي في نهاية التسعينات).
هل بإمكاني ان اعطي رجلا فريدا كهذا حقه من خلال كلمات وجيزة؟ بالطبع، كلا.
ولكن، استطيع ان اعود على بعض الآمال التي حملها في قلبه، ذلك القلب الذي صمد طويلا، وطاوع السنين. احدى أولى امنيات أبو ثروت، ما بعد 2003، هي جعل الخطوط الجوية العراقية من افضل شركات الطيران في المنطقة، وكالعادة، الامر لم يقتصر على الامنيات، فذهب أبو ثروت واعّد الدراسات الدقيقة والمفصلة، والواقعية هي أيضا، والتي بموجبها وضع رؤيته عن كيفية تحقيق مشروعه الكبير، والذي كان يعتبر شأنا ثانويا، وحتى مستغربا، في الأشهر الأولى ما بعد اسقاط البعث، وعندما سألت أبو ثروت عن ذلك، أجاب: “لأن هذه من أولى واسهل الهدايا التي نستطيع ان نقدمها الى العراقيين فورا، والتي من خلالها سيشعرون بأن كرامتهم، وافتخارهم بدولتهم، ستعود. كما هي ستكون اول شيء سيراه العالم من معالم العراق الجديد، عراق واثق من نفسه، ومن مستقبله، وقد تغير فعلا.”
عليّ ان اعود الى ارشيفي كي اتصفح الدراسات التي كان يقدمها أبو ثروت، لأنني أتذكر بأن دراسة الخطوط الجوية العراقية وسلطة الطيران كانت واحدة من بين خمس او ست دراسات قدمها في وقتها. وكلها كانت تصب في نفس السياق: إعادة روح الفخر والكرامة الى أروقة الدولة العراقية، تلك الدولة التي احبها أبو ثروت، وخدمها طيلة حياته.
شاءت الظروف بأن تُحبط مشاريع أبو ثروت، فلم يشارك في صياغة الدستور، ولا في إعادة احياء سلطة الطيران، ولا في أي واحدة من أحلامه الأخرى. شعر أبو ثروت بشيء من الإحباط، وكان يتألم كثيرا على الأخطاء التي بدأت تتراكم مع نهوض العراق الجديد، ولكن في نفس الوقت، لم ينزوي الى نرجسية الشؤم والاعتزال، بل بقي يبحث عن ذلك الدور الذي سيستطيع من خلاله ان يقدم شيئا لهذا البلد. وعليه، استطعت ان استحصل على احدى اخطر الوظائف في العراق الجديد له، الا وهو دور مدير عام الدائرة المعلوماتية في هيئة اجتثاث البعث. فاين كنت سأجد شخصا مثله، عراقيا لا طائفيا، عراقيا لا قوميا، ليبراليا، حريصا، ومقتدرا في نفس الوقت؟
شرع أبو ثروت في أوائل سنة 2004 في إتمام واحدة من اصعب المهام. كانت هناك عديد من القوى السياسية تتنافس ما بينها كي تجعل هيئة الاجتثاث أداة طيعة في يدها، مما أدى الى حالة من عدم التجانس ما بين المدراء العامين، وأيضا، كان هناك اشكال كبير في بنك المعلومات، لأن أرشيف النظام السابق، وخصوصا أرشيف حزب البعث، قد تبعثر لدى اكثر من عشرين جهة، ما بين الجيش الأمريكي، وأجهزة مخابرات إقليمية، وأحزاب، وافراد، و”تجار”، بل ان جزء كبير من الأرشيف قد تم احراقه بشكل ممنهج من قبل بقايا النظام السابق. ولكن أبو ثروت بدأ بالعمل الدؤوب، والمثابر، والمبادر، كما عهدته، وفي غضون فترة قياسية، استطاع ان ينشأ كادرا خاصا به، وفريق عمل، ليجمع كل ما تسنى له من معلومات، كي يقوّم عمل الهيئة ويسهل مهامها.
تجح أبو ثروت في إتمام مهمه، ولكن الهيئة لم تنجح، وزاغت عن هدفها الى تحقيق ما كان يطمح اليه هذا وذاك. وحورب أبو ثروت، وفقد النزال.
فهل استسلم أبو ثروت؟ هل لعن الزمن الذي جعله “عراقيا”؟
كلا، حاول وحاول وثم حاول ان ينير الطريق بأي صورة كانت، استمر في اعداد الدراسات، استمر في التبليغ عن حلمه بعراق آمن، مستقر، ليبرالي، مدني، عراق واحد لكل ابناءه وبناته، عراق واعد، وعراق واثق من نفسه.
مع السلامة يا أبو ثروت، ولا تقلق، فقد اودعت الأمانة، وهناك من سيستلم الراية. اتخيل بأنك الآن في فردوس قد شيدته في ذهنك، “جنّة” اسمها عراق المستقبل، عراق الاحلام، عراق قوي، وزاهر، ومزدهر. واراك تذهب في الصباح الباكر، وتخرج مجموعة من المفاتيح من جيبك، وتدفع بباب الدار، وتتجول ما بين حصاد الحديقة، لتلتقط وردا هنا، وزهرا هناك، وتضعها في مزهرية في صالة الاستقبال، وتجلس مع قهوتك الصباحية، وتنشر شيئا في صفحة “قراءات عراقية”، وتنتظر تقاطر أول الرفاق المواظبين على ارتياد “نادي النكتة”، حيث تتصدر الديوان بابتسامك وعيناك، وذلك الحلم الكبير.

ابو ثروت

تعليق