خاطرة اليوم (8 تموز 2016): المدنية في الميدان كلا، هذا الإحباط ليس في مكانه. فاجعة الكرادة وضحت امر مهم، وهو التنافس ما بين خطابين في ميدان الرأي العام العراقي. من جهة نجد الخطاب المدني، ومن حجة أخرى يتربص الخطاب الشوفيني. المدنية عالجت حالة الصدمة من خلال دفع الأنظار باتجاه التقصير الحكومي، وركزت على جهاز الـ “أى دي إي 651” ودوره في اخلال الامن. كما ركزت على قوى الفساد وعدم الكفاءة التي جلبت هذا الجهاز في بادئ الامر، وثم استمرت في استخدامه حتى من بعد انكشاف امره الزائف منذ سنوات عديدة. المدنية أيضا اثارت الفساد الكامن في الجهد الرقابي الذي تقع عليه مسؤولية ضمان أولويات السلامة العامة، مثلا، التحسب للحرائق وتوزيع مراكز الدفاع المدني ومكامن الخروج من المجمعات التجارية. المدنية حاولت ان تجابه الخرافات والتحليلات “المؤامراتية” التي ارادت ان ترى في حدث الكرادة أمورا تعزز من قناعاتها المسبقة. المدنية جعلت لدى الضحايا قيمة فردية، فهي سلطت الأضواء على هذه الأرواح المبتورة. هنا نجد قصة الفنان، وهنا قصة الخريّج، وهناك قصة ذاك المقبل على الخطوبة. عرفنا أسماءهم واحلامهم ودموع من بقي ينتظر عودتهم. عرفنا هذه التفاصيل ليس بدافع الانتقام، وإنما بدافع ادراكنا للخسارة التي تحصل مع كل فاجعة. لم يعد هؤلاء مجرد ارقام، ليبتزنا بها من تاجر بـ “السبعة مقابل سبعة”، بل هم حمزة وعلاوي ودريد، الصديق والابن والحالم. وهكذا، سعت المدنية الى سحب الفتيل الطائفي الذي أراد مخططو التفجير منه ان يؤدي الى انفجار جمعي اكبر. المدنية قطعت الطريق على أغراض العدو الدنيئة. المدنية، هنا، مارست دورها المعنوي بمسؤولية كبيرة. ونجحت الى درجة كبيرة. ولكنها ليست وحدها في الميدان. فهناك من أراد تجيير الفاجعة باتجاه مآرب أخرى. هناك من ينتعش مع تفشي الشوفينية والرغبة الانتقامية. ولهذا وجدناهم قد اقحموا انفسهم واعلامهم وخطابهم بالصورة. والكل يُدرك ماذا يفعلون، وكيفية استغلالهم للغضب المشروع. ولكن، لديهم أدوات أخرى ليست بمتناول المدنية، مثل السلاح والقدرة على اسكات من يمتعض منهم من دون رادع. في حين رأيينا المدنية تجبر دولة رئيس الوزراء على الانسحاب من المشهد، لأن الغضب قد وجد مآلاته في عدم كفاءة المسؤول التنفيذي الأول، مما اضطره بأن يستجيب لهذا الغضب من خلال رفع ذاك الجهاز الزائف من السيطرات، رأينا بأن المدنية لم تتمكن من دفع من أراد ان يستثمر الموقف سياسيا وخطابيا بطريقة فجة وانتهازية. وها نحن نشهد انعكاس هذا التنافس ما بين المدنية والشوفينية من خلال واجهة المجمّع التجاري، حيث تتزاحم لافتات النعي وصور الضحايا، وشموع الحزن، مع اعلام تنظيمات عسكرية تسعى لإبراز دورها على حساب الدولة، وكأنها تقول بأنها هي وحدها من يستطيع ان يملأ الفراغ. لا ادري الى أي نتائج ستؤدي هذه المواجهات ما بين المدنية والشوفينية، وخصوصا بأن لدى الأخيرة القدرة على ترجيح الميزان بثقل السلاح والتجبّر، ولكن المدنية لا تزال في الميدان، والجولة لم تحسم لحد الآن. وانتم، يا بيارق المدنية في سوح السجال العراقي، انتم من خلقتم هذا التنافس من العدم. فلا مال ولا سلاح في ايديكم، وإنما خلقتم هذا التوازن بقول في حناجركم، وكلمة كتبت بالرغم من كل شيء. انتم تقدمون رؤية لهذا الشعب، شعب منهك، شعب مُتْعَب، قد لا يروم البضاعة الشوفينية التي تسوق امامه، والتي لا تقدم رؤى له الا من نمط المزيد من الحروب والنزيف. امامكم مسؤولية كبيرة، وامامكم احتمالية كبيرة للنجاح، فلا تضيعوها بالإحباط والتباكي. في لحظات كهذه، تنهض الأمم، وانتم اهلا لها. انظروا الى فعلتموه بشحة الموارد، وقليل من العزم.

خاطرة اليوم (8 تموز 2016): المدنية في الميدان

كلا، هذا الإحباط ليس في مكانه.

فاجعة الكرادة وضحت امر مهم، وهو التنافس ما بين خطابين في ميدان الرأي العام العراقي. من جهة نجد الخطاب المدني، ومن حجة أخرى يتربص الخطاب الشوفيني.

المدنية عالجت حالة الصدمة من خلال دفع الأنظار باتجاه التقصير الحكومي، وركزت على جهاز الـ “أى دي إي 651” ودوره في اخلال الامن. كما ركزت على قوى الفساد وعدم الكفاءة التي جلبت هذا الجهاز في بادئ الامر، وثم استمرت في استخدامه حتى من بعد انكشاف امره الزائف منذ سنوات عديدة. المدنية أيضا اثارت الفساد الكامن في الجهد الرقابي الذي تقع عليه مسؤولية ضمان أولويات السلامة العامة، مثلا، التحسب للحرائق وتوزيع مراكز الدفاع المدني ومكامن الخروج من المجمعات التجارية. المدنية حاولت ان تجابه الخرافات والتحليلات “المؤامراتية” التي ارادت ان ترى في حدث الكرادة أمورا تعزز من قناعاتها المسبقة.

المدنية جعلت لدى الضحايا قيمة فردية، فهي سلطت الأضواء على هذه الأرواح المبتورة. هنا نجد قصة الفنان، وهنا قصة الخريّج، وهناك قصة ذاك المقبل على الخطوبة. عرفنا أسماءهم واحلامهم ودموع من بقي ينتظر عودتهم. عرفنا هذه التفاصيل ليس بدافع الانتقام، وإنما بدافع ادراكنا للخسارة التي تحصل مع كل فاجعة. لم يعد هؤلاء مجرد ارقام، ليبتزنا بها من تاجر بـ “السبعة مقابل سبعة”، بل هم حمزة وعلاوي ودريد، الصديق والابن والحالم.

وهكذا، سعت المدنية الى سحب الفتيل الطائفي الذي أراد مخططو التفجير منه ان يؤدي الى انفجار جمعي اكبر. المدنية قطعت الطريق على أغراض العدو الدنيئة. المدنية، هنا، مارست دورها المعنوي بمسؤولية كبيرة. ونجحت الى درجة كبيرة.

ولكنها ليست وحدها في الميدان. فهناك من أراد تجيير الفاجعة باتجاه مآرب أخرى. هناك من ينتعش مع تفشي الشوفينية والرغبة الانتقامية. ولهذا وجدناهم قد اقحموا انفسهم واعلامهم وخطابهم بالصورة. والكل يُدرك ماذا يفعلون، وكيفية استغلالهم للغضب المشروع. ولكن، لديهم أدوات أخرى ليست بمتناول المدنية، مثل السلاح والقدرة على اسكات من يمتعض منهم من دون رادع.

في حين رأيينا المدنية تجبر دولة رئيس الوزراء على الانسحاب من المشهد، لأن الغضب قد وجد مآلاته في عدم كفاءة المسؤول التنفيذي الأول، مما اضطره بأن يستجيب لهذا الغضب من خلال رفع ذاك الجهاز الزائف من السيطرات، رأينا بأن المدنية لم تتمكن من دفع من أراد ان يستثمر الموقف سياسيا وخطابيا بطريقة فجة وانتهازية.

وها نحن نشهد انعكاس هذا التنافس ما بين المدنية والشوفينية من خلال واجهة المجمّع التجاري، حيث تتزاحم لافتات النعي وصور الضحايا، وشموع الحزن، مع اعلام تنظيمات عسكرية تسعى لإبراز دورها على حساب الدولة، وكأنها تقول بأنها هي وحدها من يستطيع ان يملأ الفراغ.

لا ادري الى أي نتائج ستؤدي هذه المواجهات ما بين المدنية والشوفينية، وخصوصا بأن لدى الأخيرة القدرة على ترجيح الميزان بثقل السلاح والتجبّر، ولكن المدنية لا تزال في الميدان، والجولة لم تحسم لحد الآن. وانتم، يا بيارق المدنية في سوح السجال العراقي، انتم من خلقتم هذا التنافس من العدم. فلا مال ولا سلاح في ايديكم، وإنما خلقتم هذا التوازن بقول في حناجركم، وكلمة كتبت بالرغم من كل شيء. انتم تقدمون رؤية لهذا الشعب، شعب منهك، شعب مُتْعَب، قد لا يروم البضاعة الشوفينية التي تسوق امامه، والتي لا تقدم رؤى له الا من نمط المزيد من الحروب والنزيف.

امامكم مسؤولية كبيرة، وامامكم احتمالية كبيرة للنجاح، فلا تضيعوها بالإحباط والتباكي. في لحظات كهذه، تنهض الأمم، وانتم اهلا لها. انظروا الى فعلتموه بشحة الموارد، وقليل من العزم.

تعليق