خاطرة اليوم (23 سبتمبر 2015): في استنهاض فكر الـ3D “ثلاثي الابعاد” كيف نترجم مصطلح critical thinking؟ القواميس تفيدنا بمرادف “التفكير النقدي”. والتفكير النقدي، او ما يوازيه من التفكير المرن او الحر او قابلية تفعيل المنطق وتقييم المعلومات، هي مهارة يكتسبها الانسان من خلال معايشة الواقع، ومنذ بدايات القرن العشرون في الغرب، يتعلمها من خلال المناهج الدراسية في كافة المراحل. جاء الانترنت وتحدى قابلية التفكير والتحليل لدينا بِكمّ هائل من المعلومات، ولأن الانترنت هو فضاء حر لكل من هبّ ودبّ، تعددت فيه المرجعيات المعلوماتية والمصادر، وتفاوتت المصداقية. وهذه حالة جديدة على البشر في كل مكان، وفيما يخص واقعنا العراقي، يأتي هذا الظرف الجديد ليضع ضغطا غير مسبوق على مهارات التفكير لدى العراقيين. اطرح هذا التساؤل في محاولة لفهم حديّة العراقيين في تقييمهم للمعلومة. فمن جانب معين، نجد بأن العراقي لديه مهارة فطرية في التفكير النقدي، اكتسبها من خلال المعايشة، وهذه حالة بشرية عامة. مثلا، إن كان لديه جار يرمي الاوساخ امام البيت، فهذا جار مزعج. اما إن كان لديه جار “فرخچي” فهذا يمثل خطر على ابناء الجار. اي ان هناك مقارنة تحصل بين الجارين، وهناك تراتبية في الازعاج والخطر، وإن يخيّر الجار بين اهون الشرين، فهو سيختار الجار المزعج مقابل الجار الخطر. وايضا، هناك مهارة خاصة لديه قياسيا بمجمعات اخرى، وتلك هي “الحس الامني” الذي اكتسبها العراقي من خلال مواكبة ظغيان وتعسف النظام السابق، والفوضى الامنية اللاحقة، التي تجعله يستشعر الظرف من حوله، ويتنبه له، من باب “هل يسترق احدهم السمع لحديثنا؟” و”لماذا هذا الشارع خالي من المارة في هذه الساعة؟ هل ستحصل مواجهة او تم زراعة عبوة؟” لماذا إذن، نجد بأن الكثير من الاشخاص يفتقرون للتفكير النقدي عند القياس بين السياسيين، مما ينعكس على طريقتهم في التصويت او الانتصار لسياسي معين، او في ذم الطبقة السياسية بالمجمل؟ مثلا، يستشيط العراقي غضبا على نائب فلاني لأنه، حاله من حال بقية النواب، يحصل على راتب كبير ومخصصات اكبر، فيضع عليه علامة الـ “اكس”، وبنفس القياس، يأتي على إسم مشعان الجبوري، وتاريخه الحافل بالمثالب، فيضع عليه “اكس” بنفس وزن الـ”اكس” السابق. الامر فيه تصطيح حيث تتساوى مساوئ هذا بذاك، ولا ينظر الى الصورة بأبعادها الثلاثة ليقيّم بأن جبل مساوئ مشعان الجبوري اكبر بكثير من تلّة ذاك النائب “الدايح”. فكيف بسيل من المعلومات والاشاعات والتشهير والفوتوشوب الذي يأتيه يوميا وعلى مدار الساعة من خلال منفذ الانترنت والساتلايت؟ كيف سيهضم هذه المعلومات ويميز بينها؟ ندرك بأن النظام الدراسي في العراق، وهو نظام مبني على الحفظ او “الدرخ” في كافة مراحله، لا يساعد الشخص على التفكير النقدي. فتتساوى عنده المعلومات لأنه بحاجة الى حفظها كلها من دون تراتبية في الاهمية او المصداقية او الوسيلة. وعندما يواجه اثيرا حرا وصاخبا كالفايسبوك، قد تتساوى لديه المعلومة الصحيحة مع المعلومة الملفقة، من دون التمحيص بكلا المعلومتين. مثلا، تتواتر منذ فترة صور لجنود امريكان مع سبائك يعتقد الناس بأنها من ذهب “غنموها” في اولى ايام سقوط النظام، وبالطبع، الاعتقاد السائد، وهو امتداد لستون سنة او اكثر من مناهج دراسية واعلام موجّه ضد “الاستعمار” و”العدو الخارجي” وما إليه، ادى بمتابعي هذه الصور الى فهمها على انها سببا لحرب العراق، كي تسرق امريكا خيرات العراق. من ينظر الى الصور يستطيع ان يقارن بين رداءة قالب الصب للسبيكة مع ما قد نراه في صور اخرى لسبائك ذهبية حقيقية. فالسبيكة الحقيقية لا توجد فيها اعوجاجات ولا تأتي بأحجام مختلفة، لأهمية الوزن والقياس في مسألة الذهب. وحتى اللون يختلف عن لون الذهب المعروف. وعندما نطالع مصدر هذه الصور، والتي نشرها الجيش الامريكي بنفسه سنة 2003 ضمن سياق اخبار صحفية عن مصادرة “غنائم” مهربي النحاس من اسلاك الكهرباء، قد نجد رواية مقنعة اخرى لأصل الصورة. وحتى لو افترضنا مثل ما يريده المشككون المعتقدون بسوء نية “المحتل” بأنها كانت سبيكة حقيقية، هل قام احد بإحتساب سعر السبيكة العالمية في وقتها، وعدد السبائك الظاهرة في الصور، وحتى عدد السبائك كلها في البنك المركزي العراقي آنذاك، ليأتي لنا برقم معين، وثم يتسائل، هل كانت قيمة السبائك كلها تمثل اهمية مالية بالنسبة لإقتصاد جبار كإقتصاد امريكا؟ وهل بررت هذه السبائك المصروفات الهائلة التي انفقها الامريكان لخوض حرب عابرة للقارات؟ ومثل هذا القول هو قول موظف في الدولة بأن الامريكان جاءوا ليسرقوا نفط العراق. إن سرقوه، فمن اين اتت زيادة الراتب لديك يا ايها الموظف مقارنة بعهد صدام حسين؟ بالطبع، لهؤلاء جواب جاهز وبسيط، وفي اعتقادهم “مفحم”، لتبرير تناقضهم، لأن الجواب الجاهز اسهل بكثير من التفكير النقدي. ولهذا نجد اساتذة في الجامعات قد يقولون او يكتبون امور يجدها غيرهم ضحلة او غشيمة او متطرفة. في احدى المناسبات التي حصلت مؤخرا، صادفت مسؤول دائرة Google Ideas السید جارد كوهين، وهو شاب امضى وقتا طويلا في العراق وفي مناطق اخرى من الشرق الاوسط، ويتكلم اللغة السواحيلية الافريقية، وهو مكلف من قبل رئيس شركة كوكل ليستنبط الافكار الجديدة في عملية فهم البشر للمعلومات. فسألته، من بعد ان اسهب في كيف انهم في شركة كوكل يعلمون الآلة الحاسبة بأن تفكر بنفسها: “هل بإستطاعة الانترنت ان يعلم الناس مهارة التفكير النقدي لمعاكسة منهج حفظ المعلومات الذي اكتسبوه في مدارسهم وجامعاتهم؟” لم اسمع منه جوابا مقنعا، وقررنا ان نتابع الحديث في المراسلة. اعتقد من الصعب قيام الانترنت بهذا الدور. لأن الصخب المعلوماتي وكثرته له مفعول عكسي لمن هو غير مكتسب لمهارة تقييم وتحليل المعلومة التي تأتيه من خارج سياق معيشته اليومية العملية، والنتيجة هي ان هذا الشخص سيتقوقع في ابسط وايسر “اليقين المعلوماتي”، ليحمي طريقة تفكيره من التناقضات التي تفرض نفسها عليه بسبب كم المعلومات. وهنا اتكلم عن الاكثرية وليس عن الاقلية التي استطاعت كسر الطوق والاستفادة من وفرة المعلومات المتناقضة لتعلم مهارة التفكير النقدي بنفسها. وعندما نتكلم عن “اليقين المعلوماتي” الذي تذهب اليه الاكثرية، سنجد انفسها فعليا في عالم الغيبيات، لأن الغيبيات من الصعب نقضها بالمعلومة والانفتاح المعلوماتي، فهي بطبعيتها “مغيّبة”. واعتقد بأن هذا هو السبب الذي مكّن الافكار الدينية المتطرفة، وخصوصا الغيبية منها (المهدوية هنا، والنصرة الإلهية لدولة الخلافة هناك) من ايجاد ارض خصبة لأنصارها ومريديها في الانترنت، وتفعيل حلقات التجنيد لعقائدها فيه. اشو السالفة طولّت، واعوف الباقي عليكم. لازم اخوض بشكل اعمق في هذه المفاهيم، واكو صديق كان يستمع لحديثي مع كوهين، ونصحني اقرا كتاب صادر جديدا اسمه Thinking, Fast and Slow للكاتب دانيل كاهنمان. لربما نجد فيه حلول للخروج من هذه المعضلة.

خاطرة اليوم (23 سبتمبر 2015): في استنهاض فكر الـ3D “ثلاثي الابعاد” كيف نترجم مصطلح critical thinking؟ القواميس تفيدنا بمرادف “التفكير النقدي”. والتفكير النقدي، او ما يوازيه من التفكير المرن او الحر او قابلية تفعيل المنطق وتقييم المعلومات، هي مهارة يكتسبها الانسان من خلال معايشة الواقع، ومنذ بدايات القرن العشرون في الغرب، يتعلمها من خلال المناهج الدراسية في كافة المراحل.  جاء الانترنت وتحدى قابلية التفكير والتحليل لدينا بِكمّ هائل من المعلومات، ولأن الانترنت هو فضاء حر لكل من هبّ ودبّ، تعددت فيه المرجعيات المعلوماتية والمصادر، وتفاوتت المصداقية. وهذه حالة جديدة على البشر في كل مكان، وفيما يخص واقعنا العراقي، يأتي هذا الظرف الجديد ليضع ضغطا غير مسبوق على مهارات التفكير لدى العراقيين.  اطرح هذا التساؤل في محاولة لفهم حديّة العراقيين في تقييمهم للمعلومة. فمن جانب معين، نجد بأن العراقي لديه مهارة فطرية في التفكير النقدي، اكتسبها من خلال المعايشة، وهذه حالة بشرية عامة. مثلا، إن كان لديه جار يرمي الاوساخ امام البيت، فهذا جار مزعج. اما إن كان لديه جار “فرخچي” فهذا يمثل خطر على ابناء الجار. اي ان هناك مقارنة تحصل بين الجارين، وهناك تراتبية في الازعاج والخطر، وإن يخيّر الجار بين اهون الشرين، فهو سيختار الجار المزعج مقابل الجار الخطر. وايضا، هناك مهارة خاصة لديه قياسيا بمجمعات اخرى، وتلك هي “الحس الامني” الذي اكتسبها العراقي من خلال مواكبة ظغيان وتعسف النظام السابق، والفوضى الامنية اللاحقة، التي تجعله يستشعر الظرف من حوله، ويتنبه له، من باب “هل يسترق احدهم السمع لحديثنا؟” و”لماذا هذا الشارع خالي من المارة في هذه الساعة؟ هل ستحصل مواجهة او تم زراعة عبوة؟”  لماذا إذن، نجد بأن الكثير من الاشخاص يفتقرون للتفكير النقدي عند القياس بين السياسيين، مما ينعكس على طريقتهم في التصويت او الانتصار لسياسي معين، او في ذم الطبقة السياسية بالمجمل؟ مثلا، يستشيط العراقي غضبا على نائب فلاني لأنه، حاله من حال بقية النواب، يحصل على راتب كبير ومخصصات اكبر، فيضع عليه علامة الـ “اكس”، وبنفس القياس، يأتي على إسم مشعان الجبوري، وتاريخه الحافل بالمثالب، فيضع عليه “اكس” بنفس وزن الـ”اكس” السابق. الامر فيه تصطيح حيث تتساوى مساوئ هذا بذاك، ولا ينظر الى الصورة بأبعادها الثلاثة ليقيّم بأن جبل مساوئ مشعان الجبوري اكبر بكثير من تلّة ذاك النائب “الدايح”.  فكيف بسيل من المعلومات والاشاعات والتشهير والفوتوشوب الذي يأتيه يوميا وعلى مدار الساعة من خلال منفذ الانترنت والساتلايت؟ كيف سيهضم هذه المعلومات ويميز بينها؟ ندرك بأن النظام الدراسي في العراق، وهو نظام مبني على الحفظ او “الدرخ” في كافة مراحله، لا يساعد الشخص على التفكير النقدي. فتتساوى عنده المعلومات لأنه بحاجة الى حفظها كلها من دون تراتبية في الاهمية او المصداقية او الوسيلة. وعندما يواجه اثيرا حرا وصاخبا كالفايسبوك، قد تتساوى لديه المعلومة الصحيحة مع المعلومة الملفقة، من دون التمحيص بكلا المعلومتين. مثلا، تتواتر منذ فترة صور لجنود امريكان مع سبائك يعتقد الناس بأنها من ذهب “غنموها” في اولى ايام سقوط النظام، وبالطبع، الاعتقاد السائد، وهو امتداد لستون سنة او اكثر من مناهج دراسية واعلام موجّه ضد “الاستعمار” و”العدو الخارجي” وما إليه، ادى بمتابعي هذه الصور الى فهمها على انها سببا لحرب العراق، كي تسرق امريكا خيرات العراق. من ينظر الى الصور يستطيع ان يقارن بين رداءة قالب الصب للسبيكة مع ما قد نراه في صور اخرى لسبائك ذهبية حقيقية. فالسبيكة الحقيقية لا توجد فيها اعوجاجات ولا تأتي بأحجام مختلفة، لأهمية الوزن والقياس في مسألة الذهب. وحتى اللون يختلف عن لون الذهب المعروف. وعندما نطالع مصدر هذه الصور، والتي نشرها الجيش الامريكي بنفسه سنة 2003 ضمن سياق اخبار صحفية عن مصادرة “غنائم” مهربي النحاس من اسلاك الكهرباء، قد نجد رواية مقنعة اخرى لأصل الصورة. وحتى لو افترضنا مثل ما يريده المشككون المعتقدون بسوء نية “المحتل” بأنها كانت سبيكة حقيقية، هل قام احد بإحتساب سعر السبيكة العالمية في وقتها، وعدد السبائك الظاهرة في الصور، وحتى عدد السبائك كلها في البنك المركزي العراقي آنذاك، ليأتي لنا برقم معين، وثم يتسائل، هل كانت قيمة السبائك كلها تمثل اهمية مالية بالنسبة لإقتصاد جبار كإقتصاد امريكا؟ وهل بررت هذه السبائك المصروفات الهائلة التي انفقها الامريكان لخوض حرب عابرة للقارات؟  ومثل هذا القول هو قول موظف في الدولة بأن الامريكان جاءوا ليسرقوا نفط العراق. إن سرقوه، فمن اين اتت زيادة الراتب لديك يا ايها الموظف مقارنة بعهد صدام حسين؟  بالطبع، لهؤلاء جواب جاهز وبسيط، وفي اعتقادهم “مفحم”، لتبرير تناقضهم، لأن الجواب الجاهز اسهل بكثير من التفكير النقدي. ولهذا نجد اساتذة في الجامعات قد يقولون او يكتبون امور يجدها غيرهم ضحلة او غشيمة او متطرفة. في احدى المناسبات التي حصلت مؤخرا، صادفت مسؤول دائرة Google Ideas السید جارد كوهين، وهو شاب امضى وقتا طويلا في العراق وفي مناطق اخرى من الشرق الاوسط، ويتكلم اللغة السواحيلية الافريقية، وهو مكلف من قبل رئيس شركة كوكل ليستنبط الافكار الجديدة في عملية فهم البشر للمعلومات. فسألته، من بعد ان اسهب في كيف انهم في شركة كوكل يعلمون الآلة الحاسبة بأن تفكر بنفسها: “هل بإستطاعة الانترنت ان يعلم الناس مهارة التفكير النقدي لمعاكسة منهج حفظ المعلومات الذي اكتسبوه في مدارسهم وجامعاتهم؟” لم اسمع منه جوابا مقنعا، وقررنا ان نتابع الحديث في المراسلة. اعتقد من الصعب قيام الانترنت بهذا الدور. لأن الصخب المعلوماتي وكثرته له مفعول عكسي لمن هو غير مكتسب لمهارة تقييم وتحليل المعلومة التي تأتيه من خارج سياق معيشته اليومية العملية، والنتيجة هي ان هذا الشخص سيتقوقع في ابسط وايسر “اليقين المعلوماتي”، ليحمي طريقة تفكيره من التناقضات التي تفرض نفسها عليه بسبب كم المعلومات. وهنا اتكلم عن الاكثرية وليس عن الاقلية التي استطاعت كسر الطوق والاستفادة من وفرة المعلومات المتناقضة لتعلم مهارة التفكير النقدي بنفسها.  وعندما نتكلم عن “اليقين المعلوماتي” الذي تذهب اليه الاكثرية، سنجد انفسها فعليا في عالم الغيبيات، لأن الغيبيات من الصعب نقضها بالمعلومة والانفتاح المعلوماتي، فهي بطبعيتها “مغيّبة”. واعتقد بأن هذا هو السبب الذي مكّن الافكار الدينية المتطرفة، وخصوصا الغيبية منها (المهدوية هنا، والنصرة الإلهية لدولة الخلافة هناك) من ايجاد ارض خصبة لأنصارها ومريديها في الانترنت، وتفعيل حلقات التجنيد لعقائدها فيه.  اشو السالفة طولّت، واعوف الباقي عليكم. لازم اخوض بشكل اعمق في هذه المفاهيم، واكو صديق كان يستمع لحديثي مع كوهين، ونصحني اقرا كتاب صادر جديدا اسمه Thinking, Fast and Slow للكاتب دانيل كاهنمان. لربما نجد فيه حلول للخروج من هذه المعضلة.

تعليق