خاطرة اليوم (24 حزيران 2015): زيارة الى معرض الطوابع في متحف البريد في واشنطن، تثير الذكريات، والشهوة، وتعيد إليّ لذة الاقتناص، والتنظيم، والبناء لشيء اكبر. جيل كامل ينهض في العراق، لربما لن يستخدم طابعا بريديا واحدا في حياته، وحتى طوابع المعاملات الرسمية قد تندثر هي الأخرى. ولا بد لهذا الجيل ان يعوض لذة جمع الطوابع، بهوايات أخرى، وما اكثر سبل الإلهاء والتسلية المتوفرة لديه مما سبقه من أجيال. ولكن من جمع الطوابع، يعرف أيضا، ان هذه الهواية من الصعب تعويضها، فهي تنمي فيه الكثير مما توفره هوايات الجمع الأخرى (النقود، الكتب، الفراشات، السبح، الانتيكات، اللوحات الفنية، ..إلخ)، ولكن فيها لمسة فنية لجمال تصميم الطابع، ولمسة تاريخية لأنها توثق مراحل البلدان، ولمسة سياحية لأنها تصور اهم ما يهتم به اهل بلد في تلك البلدان ويفتخرون به. عادت المفكرة الشهيرة “اين راند” الى جمع الطوابع في الستينات من عمرها، بعد ان تركت هذه الهواية وعمرها 12 سنة، وتقول عنها: “الاثارة تكمن في الطريقة المعينة في استخدام ذهن الشخص. جمع الطوابع هي هواية لأشخاص شغلين، هادفين، طموحين، لأنه، ومن خلال النمطية، تحتوي على المكونات الأساسية للحِرفة، ولكنها منقولة الى عالم محدد وخاص بشكل كثيف…عقول هؤلاء الناس تتطلب الاستمرارية، والإندماجية، والشعور بالتقدم الى الامام، يعملون على المدى البعيد لأنهم متعودين على ذلك.” من اجمل الـ “هَوَسْ” الذي شاهدته في المتحف، هي مجموعة “مالكولم مكجرجور” والتي بدأها في سنة 1948 وثم تبرع بها الى شبكة المتاحف الوطنية الامريكية. وشغفه كان ان يحصل على تواقيع الأشخاص الظاهرين على الطوابع، وبأن يُمهروها بتواقيعهم مباشرة. فنجد توقيع نهرو على الطابع الذي يحمل صورته، وتوقيع المارشال تيتو على طابع من طوابع يوغوسلافيا أيام زمان، وحتى توقيع “جيمي”، وهو من سكان استراليا الأصليين، والذي ظهرت صورته على احدى طوابع تلك القارة. وكان مكجرجور يتصل بهذه الشخصيات من خلال الأصدقاء او القنصليات او الوسطاء، و لكم ان تتخيلوا ما كان يتطلبه مشروع كهذا من جهد وصبر في عالم ما قبل الايميل والوواتس آب. وحصّة العراق من المجموعة تكمن في توقيع الملك فيصل الثاني على سيت الطوابع ادناه في سنة 1952. هناك صندوق في بغداد يحتوي على طفولتي ومراهقتي. نجى من الفقدان ما بين النقلات والهجرات، والسرقات، والتهجير الطائفي، والتلف بعارض ما. وتسعون بالمئة من محتوياته طوابع، من ضمنها الطوابع التي وقع عليها الملك الشاب، المغدور. الوطن طارد بفوضويته وقسوته. موجع. ملتبس. شائك. ولكن في احدى ربوعه يوجد لي وطن في صندوق. لي ان انظم احداثه، وذكرياته، واضبط ايقاعه، أيامه المضيئة، وايامه السود. لي ان أتطلع فيه واعاتبه، بحب، وبرقّة، وببراءة. اتواجه مع تاريخه، مع جماله، واتعرف على ملامحه، طير هنا، سمكة هناك، زي قومي، مزار، إنشاء سد، ملك شاب، طاغية. اعود الى هذا الوطن، لأنني استطيع ذلك. واجد ما يواسيني فيه.

خاطرة اليوم (24 حزيران 2015): زيارة الى معرض الطوابع في متحف البريد في واشنطن، تثير الذكريات، والشهوة، وتعيد إليّ لذة الاقتناص، والتنظيم، والبناء لشيء اكبر. جيل كامل ينهض في العراق، لربما لن يستخدم طابعا بريديا واحدا في حياته، وحتى طوابع المعاملات الرسمية قد تندثر هي الأخرى.  ولا بد لهذا الجيل ان يعوض لذة جمع الطوابع، بهوايات أخرى، وما اكثر سبل الإلهاء والتسلية المتوفرة لديه مما سبقه من أجيال. ولكن من جمع الطوابع، يعرف أيضا، ان هذه الهواية من الصعب تعويضها، فهي تنمي فيه الكثير مما توفره هوايات الجمع الأخرى (النقود، الكتب، الفراشات، السبح، الانتيكات، اللوحات الفنية، ..إلخ)، ولكن فيها لمسة فنية لجمال تصميم الطابع، ولمسة تاريخية لأنها توثق مراحل البلدان، ولمسة سياحية لأنها تصور اهم ما يهتم به اهل بلد في تلك البلدان ويفتخرون به. عادت المفكرة الشهيرة “اين راند” الى جمع الطوابع في الستينات من عمرها، بعد ان تركت هذه الهواية وعمرها 12 سنة، وتقول عنها: “الاثارة تكمن في الطريقة المعينة في استخدام ذهن الشخص. جمع الطوابع هي هواية لأشخاص شغلين، هادفين، طموحين، لأنه، ومن خلال النمطية، تحتوي على المكونات الأساسية للحِرفة، ولكنها منقولة الى عالم محدد وخاص بشكل كثيف…عقول هؤلاء الناس تتطلب الاستمرارية، والإندماجية، والشعور بالتقدم الى الامام، يعملون على المدى البعيد لأنهم متعودين على ذلك.” من اجمل الـ “هَوَسْ” الذي شاهدته في المتحف، هي مجموعة “مالكولم مكجرجور” والتي بدأها في سنة 1948 وثم تبرع بها الى شبكة المتاحف الوطنية الامريكية. وشغفه كان ان يحصل على تواقيع الأشخاص الظاهرين على الطوابع، وبأن يُمهروها بتواقيعهم مباشرة. فنجد توقيع نهرو على الطابع الذي يحمل صورته، وتوقيع المارشال تيتو على طابع من طوابع يوغوسلافيا أيام زمان، وحتى توقيع “جيمي”، وهو من سكان استراليا الأصليين، والذي ظهرت صورته على احدى طوابع تلك القارة. وكان مكجرجور يتصل بهذه الشخصيات من خلال الأصدقاء او القنصليات او الوسطاء، و لكم ان تتخيلوا ما كان يتطلبه مشروع كهذا من جهد وصبر في عالم ما قبل الايميل والوواتس آب.  وحصّة العراق من المجموعة تكمن في توقيع الملك فيصل الثاني على سيت الطوابع ادناه في سنة 1952.  هناك صندوق في بغداد يحتوي على طفولتي ومراهقتي. نجى من الفقدان ما بين النقلات والهجرات، والسرقات، والتهجير الطائفي، والتلف بعارض ما. وتسعون بالمئة من محتوياته طوابع، من ضمنها الطوابع التي وقع عليها الملك الشاب، المغدور.  الوطن طارد بفوضويته وقسوته. موجع. ملتبس. شائك. ولكن في احدى ربوعه يوجد لي وطن في صندوق. لي ان انظم احداثه، وذكرياته، واضبط ايقاعه، أيامه المضيئة، وايامه السود. لي ان أتطلع فيه واعاتبه، بحب، وبرقّة، وببراءة. اتواجه مع تاريخه، مع جماله، واتعرف على ملامحه، طير هنا، سمكة هناك، زي قومي، مزار، إنشاء سد، ملك شاب، طاغية.  اعود الى هذا الوطن، لأنني استطيع ذلك. واجد ما يواسيني فيه.

IMG_0175 (1)

تعليق