خاطرة اليوم (3 نوفمبر 2015): مع السلامة دكتور… اتذكر، فيما يخطر ببالي من ذكريات في هذه الساعات العصيبة، اننا كنا في مكتبة عامة في مدينة نيويورك، ربما في سنة 1999، وكان الدكتور يتصفح كتبا عن الرياضيات، ويشير تارة الى نظرية فلان، وتارة اخرى الى دور البابليين في نظرية بيثاجورس، كما كانت عادته في سويعات الراحة، وفجأة تقدم الينا رجل مسّن، بدت على وجهه آثار الانهاك المعرفي، وبادر مباشرة بمساءلة الدكتور: “هل تستطيع الرياضيات ان تجيب عن اسرار الكون؟” اجابه الدكتور بكلمة واحدة: “كلا”. ابتسم الرجل، وتغيرت ملامحه، وظهر وكأنه قد ارتاح للجواب، فقال “شكرا لك”، وذهب. احمد الجلبي لم يكن متدينا، ولكنه كان روحانيا. ربما لا يعرف الكثيرون هذا الامر عنه، ففضاء الروح كان من مشاريعه الخاصة التي يذهب اليها عندما يختلي بنفسه بين الكتب، او اثناء اجتماع ممّل. رجل لم يشرب الكحول في حياته، ولم يدخّن. فطن مبكرا جراء ذكاء متقّد توّلد عليه، ومنذ ذلك الحين، دفعه الفضول الى اشباع رغبته بالمعرفة، وليس بالملذات. تابع مرور الاشخاص والاحداث من حوله، واراد ان يفهم امرا ما: “هل كل هذا تم هندسته بالصدفة، ام ان هناك حكمة كونية فيه؟ ولما لم تستطع كل العقول الجبارة التي ظهرت بين البشر وعبر التاريخ ان تجيب على هذا السؤال باليقين القاطع؟” وانا، ذاك الشاب المشكّك بالروحانيات دوما، كنت اجادله، ويأخذني على “گد عقلي” بحِلمٍ وتسامح، الى حين استفحال لجاجتي، فينهرني بقول مثل: “اذهب واقرأ الفتوحات المكية لإبن العربي، وافهمها، وثم تعال وجادلني!” اقتنيت الفتوحات، وقرأت الصفحة الاولى، وعدت اليه وقلت: “شغلة تعبانة، ما لي خلگ. خل نتخلص من صدام اول…” فابتسم وقال، محاكيا كلام الخضر لموسى: “الم اقل لك انك لن تستطيع معي صبرا…” اتصلت به يوم الجمعة الفائت، كي اهنئه على عيد ميلاده. لم تكن على عادتي ان اتصل في السنوات الماضية. ولكن صديقا مشتركا ذكرني بالتاريخ يومها، فقلت له، دعنا نتصل به. اجابني مرافقه ابو محمد وقال لي الدكتور مشغول وسيتصل بك بعد قليل. قلت له لا داعي لذلك، مجرد قل له انني اتصلت لأهنئه. كنت حاضرا في مؤتمر علمي حول دراسات الشرق الاوسط، ولم انتبه بأن الدكتور قد عاود الاتصال، على غير عادته، وترك رسالة صوتية. فرحت بها. ولكنني تفاجئت بأن الدكتور اتصل مرة اخرى، فخرجت من القاعة واجبت على مكالمته. ايضا، لم يكن الامر من عوائده. تكلمت معه لفترة وجيزة، وثم ذهبت لأجد هذا الصديق المشترك، وهو من اعز اصدقاءه ايضا، وناولته التلفون. بعدها فكرت في الموضوع “غريبة الدكتور يتصل مرتين…” لعله كان يدرك امرا ما. والآن، في صندوق الرسائل الصوتية، استمع له مرة اخرى، وهو يقول شكرا على التهنئة. ستبقى معي الصدمة لفترة طويلة. اعرف ذلك. ولكن في هذا الحدث الجلل، بالنسبة لي على الاقل، اجد نفسي مخاطبا ذاك الصديق والاستاذ: لربما ايتها الروح، في انطلاقتك هذه، ستجدين بعض الاجابات عن اسرار الكون. لربما ستعرجين على كافة المشاريع الخاصة المؤجلة، كرحلة الستة اشهر التي دوما كان يريدها الدكتور لنفسه في ربوع الهند، ما بين دياناتها واقوامها، مترحلا في قطاراتها، ومعه “گونية” من كتبه المفضلة كي يقرأها مرة تلو الاخرى. مع السلامة دكتور. مع السلامة ايتها الروح. …. هذا كلامي عن احمد الجلبي الانسان. اما ما سأقوله عن احمد الجلبي صانع التاريخ، فلي كلام آخر وربما في وقت آخر. سأكتفي بالقول انه قد لا يفهم اكثر العراقيين بأن الجلبي لم يكن مجرد قضية رأي عام عراقية، بل في فترة من الفترات اصبح قضية رأي عام في اهم واقوى دولة في العالم، ولسنوات متتالية. هناك كتابان باللغة الانكليزية يتناولان سيرة هذا الرجل، من وجهة نظر نقدية تميل الى السلبية، احدها بعنوان “الرجل الذي قاد امريكا الى الحرب” والثانية بعنوان “سهام الليل: رحلة احمد الجلبي الطويلة الى النصر في العراق”. لا اتفق مع كليهما، ولكن هذين دليلين على اهمية هذا الرجل في السجال الامريكي ولدى الرأي العام هناك. لم يستطع اكثر العراقيين فهم هذه المعادلة. …. في يوم 9 سبتمبر من السنة الماضية، كتبت التالي مع الصورة المرفقة ادناه: الجلبي سيدخل الحياة السبعينية قريبا. ما قدمه سابقا يكفيه من مجد وعطاء يراه المنصفون، وسيقر به المؤرخون. نطلب منه ان يحافظ على تمارينه الرياضية، وبأن ينتبه لحميته، وان يبقى ذخرا لنا وتأمينا، قد نضطر العودة عليه، الى حين اجتياز العاصفة. واقولها بملئ فمي، رغم خلافي معه، وتباعد المصالح، هذا الرجل احبه، وانا اعرف من هو، واعرف هؤلاء الآخرون من هم. فليحاسبني من يريد، وليغتاظ من يستفزه القول. هذا رجل عظيم. رجل بحجم التاريخ. احمد الاقدار التي جعلتني ادركه.

خاطرة اليوم (3 نوفمبر 2015): مع السلامة دكتور… اتذكر، فيما يخطر ببالي من ذكريات في هذه الساعات العصيبة، اننا كنا في مكتبة عامة في مدينة نيويورك، ربما في سنة 1999، وكان الدكتور يتصفح كتبا عن الرياضيات، ويشير تارة الى نظرية فلان، وتارة اخرى الى دور البابليين في نظرية بيثاجورس، كما كانت عادته في سويعات الراحة، وفجأة تقدم الينا رجل مسّن، بدت على وجهه آثار الانهاك المعرفي، وبادر مباشرة بمساءلة الدكتور: “هل تستطيع الرياضيات ان تجيب عن اسرار الكون؟” اجابه الدكتور بكلمة واحدة: “كلا”. ابتسم الرجل، وتغيرت ملامحه، وظهر وكأنه قد ارتاح للجواب، فقال “شكرا لك”، وذهب.  احمد الجلبي لم يكن متدينا، ولكنه كان روحانيا. ربما لا يعرف الكثيرون هذا الامر عنه، ففضاء الروح كان من مشاريعه الخاصة التي يذهب اليها عندما يختلي بنفسه بين الكتب، او اثناء اجتماع ممّل. رجل لم يشرب الكحول في حياته، ولم يدخّن. فطن مبكرا جراء ذكاء متقّد توّلد عليه، ومنذ ذلك الحين، دفعه الفضول الى اشباع رغبته بالمعرفة، وليس بالملذات. تابع مرور الاشخاص والاحداث من حوله، واراد ان يفهم امرا ما: “هل كل هذا تم هندسته بالصدفة، ام ان هناك حكمة كونية فيه؟ ولما لم تستطع كل العقول الجبارة التي ظهرت بين البشر وعبر التاريخ ان تجيب على هذا السؤال باليقين القاطع؟” وانا، ذاك الشاب المشكّك بالروحانيات دوما، كنت اجادله، ويأخذني على “گد عقلي” بحِلمٍ وتسامح، الى حين استفحال لجاجتي، فينهرني بقول مثل: “اذهب واقرأ الفتوحات المكية لإبن العربي، وافهمها، وثم تعال وجادلني!” اقتنيت الفتوحات، وقرأت الصفحة الاولى، وعدت اليه وقلت: “شغلة تعبانة، ما لي خلگ. خل نتخلص من صدام اول…” فابتسم وقال، محاكيا كلام الخضر لموسى: “الم اقل لك انك لن تستطيع معي صبرا…” اتصلت به يوم الجمعة الفائت، كي اهنئه على عيد ميلاده. لم تكن على عادتي ان اتصل في السنوات الماضية. ولكن صديقا مشتركا ذكرني بالتاريخ يومها، فقلت له، دعنا نتصل به. اجابني مرافقه ابو محمد وقال لي الدكتور مشغول وسيتصل بك بعد قليل. قلت له لا داعي لذلك، مجرد قل له انني اتصلت لأهنئه. كنت حاضرا في مؤتمر علمي حول دراسات الشرق الاوسط، ولم انتبه بأن الدكتور قد عاود الاتصال، على غير عادته، وترك رسالة صوتية. فرحت بها. ولكنني تفاجئت بأن الدكتور اتصل مرة اخرى، فخرجت من القاعة واجبت على مكالمته. ايضا، لم يكن الامر من عوائده. تكلمت معه لفترة وجيزة، وثم ذهبت لأجد هذا الصديق المشترك، وهو من اعز اصدقاءه ايضا، وناولته التلفون. بعدها فكرت في الموضوع “غريبة الدكتور يتصل مرتين…” لعله كان يدرك امرا ما. والآن، في صندوق الرسائل الصوتية، استمع له مرة اخرى، وهو يقول شكرا على التهنئة. ستبقى معي الصدمة لفترة طويلة. اعرف ذلك. ولكن في هذا الحدث الجلل، بالنسبة لي على الاقل، اجد نفسي مخاطبا ذاك الصديق والاستاذ: لربما ايتها الروح، في انطلاقتك هذه، ستجدين بعض الاجابات عن اسرار الكون. لربما ستعرجين على كافة المشاريع الخاصة المؤجلة، كرحلة الستة اشهر التي دوما كان يريدها الدكتور لنفسه في ربوع الهند، ما بين دياناتها واقوامها، مترحلا في قطاراتها، ومعه “گونية” من كتبه المفضلة كي يقرأها مرة تلو الاخرى. مع السلامة دكتور. مع السلامة ايتها الروح. …. هذا كلامي عن احمد الجلبي الانسان. اما ما سأقوله عن احمد الجلبي صانع التاريخ، فلي كلام آخر وربما في وقت آخر. سأكتفي بالقول انه قد لا يفهم اكثر العراقيين بأن الجلبي لم يكن مجرد قضية رأي عام عراقية، بل في فترة من الفترات اصبح قضية رأي عام في اهم واقوى دولة في العالم، ولسنوات متتالية. هناك كتابان باللغة الانكليزية يتناولان سيرة هذا الرجل، من وجهة نظر نقدية تميل الى السلبية، احدها بعنوان “الرجل الذي قاد امريكا الى الحرب” والثانية بعنوان “سهام الليل: رحلة احمد الجلبي الطويلة الى النصر في العراق”. لا اتفق مع كليهما، ولكن هذين دليلين على اهمية هذا الرجل في السجال الامريكي ولدى الرأي العام هناك. لم يستطع اكثر العراقيين فهم هذه المعادلة. …. في يوم 9 سبتمبر من السنة الماضية، كتبت التالي مع الصورة المرفقة ادناه: الجلبي سيدخل الحياة السبعينية قريبا. ما قدمه سابقا يكفيه من مجد وعطاء يراه المنصفون، وسيقر به المؤرخون. نطلب منه ان يحافظ على تمارينه الرياضية، وبأن ينتبه لحميته، وان يبقى ذخرا لنا وتأمينا، قد نضطر العودة عليه، الى حين اجتياز العاصفة.  واقولها بملئ فمي، رغم خلافي معه، وتباعد المصالح، هذا الرجل احبه، وانا اعرف من هو، واعرف هؤلاء الآخرون من هم. فليحاسبني من يريد، وليغتاظ من يستفزه القول.  هذا رجل عظيم. رجل بحجم التاريخ. احمد الاقدار التي جعلتني ادركه.

Nibras Kazimi 'Portrait of Ahmad Chalabi' Sept 2003 11'' x 14''

تعليق