خاطرة اليوم (5 اكتوبر 2015): طبائع الاستغفال…عن الجلبي والارشيف اليهودي وانكشاف حقيقة شخصية فيسبوكية شهيرة في يوم الجمعة الفائت، قامت شخصية فيسبوكية تكتب تحت إسم “دافيد عزرا مناحيم دانيال” بنشر بوست يتعلق بموضوع الدكتور احمد الچلبي والتوراة اليهودية، وهو موضوع اثاره برنامج استوديو التاسعة ومقدمه الأستاذ أنور الحمداني على قناة البغدادية بشكل متواصل عبر الأسابيع الماضية. هذه الشخصية الفيسبوكية تدعي انها من يهود العراق، وبأنها عائدة لمواطن عراقي غيور، وبالتالي هي تحصد مئات اللايكات والمشاركات اعتيادا، خصوصا في المناخ العاطفي الحالي الذي يتسم بالكثير من الحنين الى ماضي اليهود في العراق، وهم اقلية تم اضطهادها بشكل بشع، من قبل الحكومات المتتالية ومن قبل عامة الناس، على مدى سبعين عاماً. كتب “دافيد عزرا مناحيم دانيال” موبخا الجلبي على خلفية التهمة التي اطلقها الحمداني ومفادها ان الجلبي سرق توراة اثرية تعود الى العهد البابلي وباعها الى إسرائيل. وهي رواية تستند أصلا الى تلك التي رافقت “اعترافات” شخص قدّم نفسه على انه كان مسؤول حماية الجلبي واسمه “محمد فيصل الغزي”، وهي اعترافات بثتها قناة آفاق التابعة لنائب رئيس الجمهورية الأستاذ نوري المالكي قبيل الانتخابات الماضية بيومين، وجاء فيها ان الجلبي، بمعية ابنته الدكتورة تمارا الجلبي والنائب مثال الآلوسي، اخذوا هذه التوراة الى إسرائيل وباعوها هناك في سنة 2003. أولا، هذا الشخص، محمد فيصل الغزي، لم يكن في يوما ما “مسؤول حماية الجلبي” ولا من خط حمايته الأول ولا الثاني، ولا اعرف شخصا في قيادة المؤتمر يعرفه او يتذكره. لربما كان جنديا من ضمن الآلاف الذي انضموا الى المؤتمر وقوات تحرير العراق، ولكن بالطبع لم يكن في موقع قيادة او مسؤولية، او خدم في صفوف المؤتمر لفترة طويلة. ثانيا، انا شخصيا تصورت بأن “دافيد عزرا مناحيم دانيال” هو فعلا شخص حقيقي، وبأنه إبن او حفيد الشخصية الوطنية العراقية عزرا مناحيم دانيال، عضو مجلس الاعيان العراقي في الزمن الملكي، وعزرا هذا كان إبن مناحيم دانيال، التاجر الكبير وعضو مجلس المبعوثان عن ولاية بغداد في برلمان الدولة العثمانية. وربما كان “الحفيد دافيد” متألم فعلا على ما حل بتراث قومه. ومن هذا الباب، حاولت ان اشرح له بأن ما قدمته البغدادية لم يكن إلا تلفيقا لأخبار من السهولة له ان يتقصى حقيقتها على الانترنت ومن المواقع الخبرية الرصينة. مثلا، التوراة التي تظهر في ذلك الفيديو الذي اشهره الحمداني والذي يظهر قيام مجموعة من الإسرائيليين الاحتفاء بها، وإعادة تكريسها كنسيّا من خلال طقوس معينة تهدف الى تطهيرها من الرجس والنجاسة واعادتها الى الخدمة، قامت وزارة الخارجية الإسرائيلية بنشر هذا الفيديو في مطلع العام على موقعها الرسمي. وكتبت الصحافة الإسرائيلية في وقتها بإسهاب حول الموضوع، وصرحت بأن هذه التوراة يقّدر عمرها بـ 150 الى 200 عاماً، أي انها ليست اثرية او بابلية ولا تحسب من المخطوطات القديمة، وكانت قد خطّت بدبس الرمان على جلد غزال في مكان ما في كردستان العراق، وانها كانت من تراث اليهود الاكراد. وفي سنة 2005 او 2006، تم نقلها من كردستان العراق الى العاصمة الأردنية عمان، واودعت في السفارة الإسرائيلية هناك، وتم خزنها ونُسيت الى حين اضطرت السفارة الإسرائيلية اخلاء موجوداتها سنة 2011 بسبب تهديد تعرضت اليه، فنقلت هذه التوراة الى إسرائيل بعد أعوام من حصول السفارة عليها، وثم في مطلع سنة 2015، قامت الخارجية الإسرائيلية بترميم التوراة من آثار التشققات الظاهرة عليها، وثم بإعداد حفل ديني لتكريس التوراة مجددا، وجاءت بصندوق جديد لها عمره مئة عام من تراث يهود مدينة حلب السورية، وهو ما ظهر في الفيديو. هذه هي قصة هذه التوراة. لا اكثر ولا اقل، والامر ستجدونه كله في موقع الخارجية الإسرائيلية، وفي الصحافة هناك التي كتبت عن الموضوع في شهر يناير 2015. اما كيف ارتبط اسم الجلبي بقصة هذه التوراة فهذا كله من تلفيق الأستاذ أنور الحمداني. وإذا كان “دافيد عزرا مناحيم دانيال” ناقما على الجلبي لأنه نقل الأرشيف اليهودي الى الجيش الأمريكي في اول أسبوع من سقوط نظام صدام حسين، فإن حقيقة الامر هو ان الجلبي انقذ هذا الأرشيف من التلف، وبأن على “دافيد” ان يشكره. فمجاميع المؤتمر الوطني وجدت الأرشيف اليهودي في قبو مبنى المخابرات، وكان هذا القبو قد امتلأ بالمياه الثقيلة من بعد تصدع وانكسار انابيب المجاري جراء القصف الأمريكي الذي دمّر المبنى. وهذه الوثائق، وهي بالآلاف، من مخطوطات وكتب مقدسة وسجلات واوراق شخصية واضابير، بعضها يعود الى مئات الأعوام، قد صودرت في عقد السبعينات من القرن الماضي من قبل المخابرات العراقية، التي استولت عليها من معابد اليهود وبيوتهم ومرافقهم الاجتماعية والدراسية والخيرية. وفي شهر نيسان من سنة 2003، كان هذا الأرشيف متشربا بماء المجاري وبعضه قد احترق جراء القصف، وتالفاً الى درجة كبيرة، وأجزاء مهمة قد جاءت عليه “الارضة” حتى قبل القصف لأن عملية خزنه كانت عشوائية. وهو كان محتجبا عن العامة والاقلية اليهودية والباحثين لمدة ثلاثين سنة. ولربما كان بعض ضباط المخابرات الفاسدين يهربون أجزاء منه اثناء فترة التسعينات، حينما كانت تظهر الآثار والوثائق العراقية ومنها ما يخص اليهود في الأردن أيام العقوبات الاقتصادية (الحصار). فقامت مجاميع الجلبي بنقل الأرشيف، بإشراف من ضباط امريكان وموظفين من وزارة الدفاع الامريكية، الى مقرها في نادي الصيد وبدأت عملية تجفيفه تحت اشعة الشمس، وثم اتى خبير امريكي في المخطوطات وأفاد بأن عملية التلف لن تتوقف إلا من خلال تجميد الوثائق، فأتي المؤتمر بشاحنات مبرّدة واركنها في نادي الصيد ووضع الأرشيف فيها، وثم قام فريق مختص من الجيش الأمريكي بنقلها الى مطار بغداد، وثم الى الولايات المتحدة. وما حدث بعد ذلك هو قصة مهمة جدا، كتبت عنها الصحافة الامريكية والأجنبية بشكل مكثف ومفصّل، ولكن، لسبب غريب، لا يزال الجمهور العراقي معتقدا بإشاعات اطلقها فلان وعلان حول الامر. نُقل الأرشيف الى دار الوثائق الوطنية في واشنطن، وقامت حكومة الولايات المتحدة بصرف مبالغ طائلة وتسخير مختبراتها لإيقاف عملية التلف في الأرشيف، وثم البدئ بعملية ترميمه. ومن بعد عملية الترميم، قامت بتصوير الأرشيف بالكامل وترقيمه الكترونيا، وهذه عملية معقدة استغرقت سنوات عديدة من العمل، وكانت تتطلب تقنيات وخبرات غير متوفرة في العراق. وهذا كله موثق في الموقع الرسمي للإرشيف اليهودي العراقي في دار الوثائق الوطنية بواشنطن، وقامت بعرضه على العامة، وفي كل خطوة كانت تتخذها، كانت تنسق الامر مع الخارجية العراقية والسفارة العراقية في واشنطن ومع دار الوثائق الوطنية في بغداد، وهناك اتفاق رسمي بين واشنطن وبغداد لإعادة الأرشيف الى العراق، بالرغم من ممانعة أعضاء بارزين في الكونجرس الأمريكي ومنظمات يهودية أمريكية للأمر، لأن هؤلاء يعتقدون بأن العراق لا يمكن ان يؤتمن على هذا الأرشيف، وبأن الورثة الشرعيين لهذا التراث، أي يهود العراق، قد غادروا العراق بالكامل. ولكن، الحكومة الامريكية لا تزال تصر على احترام الاتفاقية الموقعة مع الحكومة العراقية والتي تنص على إعادة الأرشيف. اما الفيديو الذي بثه الحمداني عن عملية دفن النصوص التالفة من الأرشيف بحضور السفير العراقي في واشنطن وأبناء الجالية اليهودية العراقية في امريكا، فهذا الفيديو ليس “سريا” ولا يكشف عن الخبايا والمؤامرة التي يروج لها الحمداني، لأنه فيديو تم نشره على الصفحة الرسمية لدار الوثائق الوطنية، وكان بالاتفاق مع الحكومة العراقية وبإشرافها، وقد تم دفن الأوراق التالفة، بموجب الديانة اليهودية، في مقبرة اليهود العراقيين في نيويورك. ما معناه، ان الجلبي ساهم بشكل مباشر في انقاذ هذا التراث من التلف والضياع، من بعد قيام المخابرات العراقية السابقة بمصادرته، وها هو في طريق عودته الى العراق، وهو موجود على الانترنت كي يتصفحه الباحثون واي شخص يريد ان يطلع عليه. والعملية تمت بشفافية وبرقابة حكومية أمريكية-عراقية، وتحت انظار الصحفيين من حول العالم وبشهادة الاعلام الرصين. فإين “الخيانة” في ذلك؟ اين “السرقة”؟ من اين اتت رواية “باعها هو وابنته ومثال الآلوسي” الى إسرائيل؟ كتبت كل هذا في التعليقات على بوست “دافيد”، ولكنني فوجئت بردة فعله. كان بوسته قد حصد مئات اللايكات وعشرات المشاركات والتعليقات، واغلبها شتائم على الجلبي. أجاب “دافيد” بأنه غير معني بالروابط والأدلة التي أوردتها، وبأنه مقتنع برواية ان الجلبي سرق التوراة والارشيف وباعه الى إسرائيل. ربما رد فعله جاء على منحنى “على حس الطبل خفن يا رجليه” لأنه وجد بأن مادة شتم الجلبي هي مادة جاذبة للايكات. او ربما تعنته ورفضه لإنصاف الجلبي فيه امر آخر. هنا بدأت الشكوك تراودني حول شخصية “دافيد عزرا مناحيم دانيال”، تلك الشخصية الفيسبوكية الشهيرة، خصوصا وانه كان ينشر البوست وردوده في ليلة يوم الجمعة، وهو اليوم المقدس لدى اليهود حيث يمتنعون عن استخدام أي آلة او حتى اضاءة المصابيح الكهربائية. فقلت له، لنضع الجلبي جانبا، ودعني اسألك عن عائلتك، وعن شخصية “عزرا مناحيم دانيال” تلك الشخصية الوطنية الشهيرة، والثرية جدا. وكان سؤالي الأول هو “عزرا مناحيم دانيال توفي سنة 1952، ولكن انت يا دافيد تقول بأنك من مواليد 1969، فهل كان عزرا مناحيم جدك ام والدك، وإن كان جدك، فما هو اسم والدك؟” وثم بدأ يتلعثم، فازدادت شكوكي. اجابني “دافيد” قائلا بأن عزرا مناحيم هو جده من امه. حسنا، سألته على الخاص “ما هو اسم والدتك؟ فأنا مؤرخ واحب ان اعرف هذه الأمور.” اجابني “هذا سر من اسراري” وفجأة بدأ يتهمني بأنني جزء من شلة تهدف الى جمع المعلومات لغرض الاستيلاء على عقارات عائلته، وبأنه قد قام بإبلاغ السفارة الامريكية عني. وثم عطّل المراسلة الخاصة بيني وبينه، وبعدها قام بحذف تعليقاتي من البوست، وثم مسح البوست، وثم وضع “بلوك” عليّ. بالطبع، دفعني الفضول الى محاولة تفسير الامر. قال “دافيد” بأن اسم امه هو “سر”، ولكنني وجدت مدونته المنشورة على الانترنت حيث يوضح قصته، فيقول بأن امه اسمها “سليمة” هي بنت “عزرا مناحيم دانيال” ومن مواليد 1943، وبأن والده مسلم اسمه “رشيد ياس شكر”. وهو، أي “دافيد” اسمه “اياد رشيد ياس شكر” من مواليد 1969 في بغداد، وهو الآن مقيم في الدنمارك ويعمل تاجرا. وبحسب روايته، والدته “سليمة” توفيت عندما كان عمره 3 سنوات، وثم تلاها والده وعمره 7 سنوات، وقامت زوجة ابيه برعايته ولكنها كانت تؤذيه، وثم قام اعمامه بتولي امره، وهم من اخبروه بأنه حفيد “عزرا مناحيم دانيال” وبالتالي هو “هو الان الوريث الوحيد لملك جده عزرا مناحيم صالح دانيال من سوق دانيال وسوق ذو الكفل والاراضي الزراعية” حسبما كتب. وهذه التفاصيل كلها منشورة بتأليفه على الانترنت وعلى مدونته. المشكلة تكمن في ان الشخصية السياسية والمالية الشهيرة “عزرا مناحيم دانيال” لم يتزوج قط، وليس له لا أبناء ذكور ام اناث. واستطعت ان اتصل بأحدى اقاربه من خلال بريدها الالكتروني المنشور على صفحة مشجرة آل دانيال وقد اجابتني، واطلعت من خلالها على تفاصيل اضبارة القسّام النظامي لورثة “عزرا مناحيم دانيال” الصادرة عن القاضي صادق حيدر في بغداد في يوم 6 حزيران 1955 والمرقمة 955 على 33، وثم على اضبارة تقرير مديرية التدقيق من دائرة الطابو في تاريخ 15 حزيران 1955 والمرقمة 12676، وثم اطلعت على شجرة آل دانيال والمنشورة على الانترنت، والتي تضم اجداده الى 13 ظهر، وأيضا أسماء 613 شخصا من اقاربه من النساء والرجال. ولا يوجد في كل هذه الاضابير او الأدلة أي اسم لبنت له اسمها “سليمة”. ومن خلال مطالعة السيرة الحياتية لعزرا مناحيم دانيال، فكل ما كتب يذكر بأنه لم يتزوج في حياته، وبأنه مات سنة 1952 من دون ذرية او اعقاب بعد ان رفض ان يغادر مع الهجرة الكبيرة ليهود العراق في العام الذي سبقه. عزرا مناحيم دانيال كان شخصية عراقية وطنية محترمة ومعروفة، وكان يعتز بعراقيته، ولديه الكثير من المبرات الخيرية لطائفته ولباقي الناس، ووالده كان شخصية معتبرة أيضا، واحد أعمدة التجارة في العراق، وعضو في البرلمان العثماني. لا ادرى إن كان “اياد رشيد ياس شكر”، والذي يكتب باسم “دافيد” فعلا يعتقد بأن جده هو “عزرا مناحيم دانيال” حسب رواية اعمامه إليه. ولكن الأدلة تبرهن بأن ليس لهذه القصة أي حقيقة. وثم، اياد يقدم نفسه بأنه “الوريث الوحيد لملك جده” وهنا قد تبرز نوايا أخرى كامنة لديه. ولكننا نعرف بأن هذا الادعاء لا يستند الى أي واقع، لأن اضبارة القسّام واضبارة الطابو، التي تعدد ورثة عزرا مناحيم دانيال، لا يوجد فيها أي ذكر لبنت اسمها “سليمة” والتي يدعي “اياد” بأنها امه، حسب رواية اعمامه. لربما تصور الأستاذ أياد بأن في عراق اليوم “راس الشليلة ضايع”، وبأنه لو اصبح شخصية فيسبوكية شهيره، سينتصر له اعلاميين من أمثال أنور الحمداني، ليتغنى بوطنية، وسيطالب الحكومة العراقية بإرجاع “أملاك جده إليه”، وبالطبع هناك نواب ومسؤولين دوما ما يركبون كل موجة، وقد يأخذ الموضوع جانبا إعلاميا وسياسيا يتكسبون منه، ولربما فعلا، بـ “شخطة” قلم من دولة الرئيس حيدر العبادي، سيتم نقل مُلكية سوق دانيال للأقمشة في شارع النهر الى اياد، وستُحسب هذه أيضا من الإصلاحات “الشعبوية”، وعاشوا عيشة سعيدة. وقد شهدنا ولا زلنا نشهد شخصيات مُربكة من هذا النوع، مثل “الاميرة نسرين بنت محمد بن فيصل الأول” التي داعت بإرث العائلة المالكة، وغيرها الكثير. وما شاء الله، “التاريخ” الإسلامي ممتلأ الى حد التُخمة بالشخصيات المُربكة والملفقة. وما انتم بشخصية “إبن سبأ” ببعيدين… لا اعتب على الذين انطلت عليه قصة الأستاذ اياد، ووضعوا اللايكات وسعدوا بوجود شخصية يهودية عراقية تتكلم بصوت “وطني” وتبارك لهم بعيد الغدير، مثلا. فأنا أيضا صدقته في بادئ الامر. ولا أتوقع من أنور الحمداني وكادر برنامجه ان يتصفوا بالانصاف وبالمهنية، فأسلوب الحمداني هو “التّمسرح السياسي” كما وصفته قبل عام ونصف على هذا المنبر. وهذا الأسلوب لا يكترث كثيرا بالمصداقية بقدر اكتراثه بالنغمة “الفضائحية” التي يطرب اليها الناس، والتي تحصد له المزيد من المشاهدين. ولكن، عندما اجد بأن الصحافة العراقية تكتفي بالتعليق على الموضوع كله من باب “المعركة بين الجلبي وخصومه نحن المنتصرون فيها لأن كل طرف يكشف لنا صفحات من سجل الجرائم التي ارتكبت بحقنا…” ولا تتساءل في المقابل “من هم هؤلاء الخصوم؟” و”لماذا هذه الهجمة في الوقت الحالي بالتحديد؟” و”هل هناك مصداقية لهذه التهم؟” من دون ممارسة دورها في تقصي الحقائق، وهي حقائق من السهولة الوصول اليها حتى من خلال بحث سريع في مواقع الانترنت الخبرية الرصينة، ففي ذلك إشكال كبير. فإما ان تكون هذه الصحافة غير مدركة، او مدركة و”تغلس”، او مدركة ولكن تم اسكاتها بشتى الطرق (التخويف او التمويل)، او انها كسولة، ففي كل حال هي متقاعسة عن أداء واجبها امام الوعي العام للمتلقي العراقي. وقد وصل الحال بالوعي العام العراقي الى ظاهرة “دافيد عزرا مناحيم دانيال”، ولربما سيظهر من يدعي بأنها حفيد سنحاريب وسيطالب بعرش الرافدين قريبا. (ألم يفعلها صدام حسين بصورة او أخرى…؟ ومن لمّع تلك الكذبة في وقتها، الم يشترك في ذلك الكثيرين من الصحفيين والإعلاميين؟ ومنهم الحمداني، مثلا؟) يبقى ان نقول بأن هذا البوست الطويل ربما لن يؤدي الى تغيير قناعة احد، فأنا لا امتلك موارد ولا جمهور الحمداني، وهناك من سيعتقد بأنني قد لفقت كل ما أوردته عن التوراة وعن الأرشيف اليهودي وعن شخصية “دافيد عزرا مناحيم دانيال”، ولن يكلف نفسه بالبحث، وسيكتفي بتصديق وبترديد الشتائم لأن هذا هو المناخ الخطابي الذي نعيشه. فهو بحق “زمن الاستغفال”، وهذه طبائعه. ولكن، لا يزال هناك لدي امل، في اننا في يوما من الأيام سنغزو معاقل الاستغفال بمشاعل المعرفة والمصداقية، وسنفعّل قابلية التفكير النقدي لدى الناس، ومساحة السفاهة والبلادة والكذب ستنحسر في السجال العام، وسينمو لدينا رأي عام، حاذق، متيقظ، متّزن، وحصيف. لا يزال لدي امل.

خاطرة اليوم (5 اكتوبر 2015):

طبائع الاستغفال…عن الجلبي والارشيف اليهودي وانكشاف حقيقة شخصية فيسبوكية شهيرة

في يوم الجمعة الفائت، قامت شخصية فيسبوكية تكتب تحت إسم “دافيد عزرا مناحيم دانيال” بنشر بوست يتعلق بموضوع الدكتور احمد الچلبي والتوراة اليهودية، وهو موضوع اثاره برنامج استوديو التاسعة ومقدمه الأستاذ أنور الحمداني على قناة البغدادية بشكل متواصل عبر الأسابيع الماضية.
هذه الشخصية الفيسبوكية تدعي انها من يهود العراق، وبأنها عائدة لمواطن عراقي غيور، وبالتالي هي تحصد مئات اللايكات والمشاركات اعتيادا، خصوصا في المناخ العاطفي الحالي الذي يتسم بالكثير من الحنين الى ماضي اليهود في العراق، وهم اقلية تم اضطهادها بشكل بشع، من قبل الحكومات المتتالية ومن قبل عامة الناس، على مدى سبعين عاماً.
كتب “دافيد عزرا مناحيم دانيال” موبخا الجلبي على خلفية التهمة التي اطلقها الحمداني ومفادها ان الجلبي سرق توراة اثرية تعود الى العهد البابلي وباعها الى إسرائيل. وهي رواية تستند أصلا الى تلك التي رافقت “اعترافات” شخص قدّم نفسه على انه كان مسؤول حماية الجلبي واسمه “محمد فيصل الغزي”، وهي اعترافات بثتها قناة آفاق التابعة لنائب رئيس الجمهورية الأستاذ نوري المالكي قبيل الانتخابات الماضية بيومين، وجاء فيها ان الجلبي، بمعية ابنته الدكتورة تمارا الجلبي والنائب مثال الآلوسي، اخذوا هذه التوراة الى إسرائيل وباعوها هناك في سنة 2003.
أولا، هذا الشخص، محمد فيصل الغزي، لم يكن في يوما ما “مسؤول حماية الجلبي” ولا من خط حمايته الأول ولا الثاني، ولا اعرف شخصا في قيادة المؤتمر يعرفه او يتذكره. لربما كان جنديا من ضمن الآلاف الذي انضموا الى المؤتمر وقوات تحرير العراق، ولكن بالطبع لم يكن في موقع قيادة او مسؤولية، او خدم في صفوف المؤتمر لفترة طويلة.
ثانيا، انا شخصيا تصورت بأن “دافيد عزرا مناحيم دانيال” هو فعلا شخص حقيقي، وبأنه إبن او حفيد الشخصية الوطنية العراقية عزرا مناحيم دانيال، عضو مجلس الاعيان العراقي في الزمن الملكي، وعزرا هذا كان إبن مناحيم دانيال، التاجر الكبير وعضو مجلس المبعوثان عن ولاية بغداد في برلمان الدولة العثمانية. وربما كان “الحفيد دافيد” متألم فعلا على ما حل بتراث قومه. ومن هذا الباب، حاولت ان اشرح له بأن ما قدمته البغدادية لم يكن إلا تلفيقا لأخبار من السهولة له ان يتقصى حقيقتها على الانترنت ومن المواقع الخبرية الرصينة.
مثلا، التوراة التي تظهر في ذلك الفيديو الذي اشهره الحمداني والذي يظهر قيام مجموعة من الإسرائيليين الاحتفاء بها، وإعادة تكريسها كنسيّا من خلال طقوس معينة تهدف الى تطهيرها من الرجس والنجاسة واعادتها الى الخدمة، قامت وزارة الخارجية الإسرائيلية بنشر هذا الفيديو في مطلع العام على موقعها الرسمي. وكتبت الصحافة الإسرائيلية في وقتها بإسهاب حول الموضوع، وصرحت بأن هذه التوراة يقّدر عمرها بـ 150 الى 200 عاماً، أي انها ليست اثرية او بابلية ولا تحسب من المخطوطات القديمة، وكانت قد خطّت بدبس الرمان على جلد غزال في مكان ما في كردستان العراق، وانها كانت من تراث اليهود الاكراد. وفي سنة 2005 او 2006، تم نقلها من كردستان العراق الى العاصمة الأردنية عمان، واودعت في السفارة الإسرائيلية هناك، وتم خزنها ونُسيت الى حين اضطرت السفارة الإسرائيلية اخلاء موجوداتها سنة 2011 بسبب تهديد تعرضت اليه، فنقلت هذه التوراة الى إسرائيل بعد أعوام من حصول السفارة عليها، وثم في مطلع سنة 2015، قامت الخارجية الإسرائيلية بترميم التوراة من آثار التشققات الظاهرة عليها، وثم بإعداد حفل ديني لتكريس التوراة مجددا، وجاءت بصندوق جديد لها عمره مئة عام من تراث يهود مدينة حلب السورية، وهو ما ظهر في الفيديو. هذه هي قصة هذه التوراة. لا اكثر ولا اقل، والامر ستجدونه كله في موقع الخارجية الإسرائيلية، وفي الصحافة هناك التي كتبت عن الموضوع في شهر يناير 2015.
اما كيف ارتبط اسم الجلبي بقصة هذه التوراة فهذا كله من تلفيق الأستاذ أنور الحمداني.
وإذا كان “دافيد عزرا مناحيم دانيال” ناقما على الجلبي لأنه نقل الأرشيف اليهودي الى الجيش الأمريكي في اول أسبوع من سقوط نظام صدام حسين، فإن حقيقة الامر هو ان الجلبي انقذ هذا الأرشيف من التلف، وبأن على “دافيد” ان يشكره. فمجاميع المؤتمر الوطني وجدت الأرشيف اليهودي في قبو مبنى المخابرات، وكان هذا القبو قد امتلأ بالمياه الثقيلة من بعد تصدع وانكسار انابيب المجاري جراء القصف الأمريكي الذي دمّر المبنى. وهذه الوثائق، وهي بالآلاف، من مخطوطات وكتب مقدسة وسجلات واوراق شخصية واضابير، بعضها يعود الى مئات الأعوام، قد صودرت في عقد السبعينات من القرن الماضي من قبل المخابرات العراقية، التي استولت عليها من معابد اليهود وبيوتهم ومرافقهم الاجتماعية والدراسية والخيرية. وفي شهر نيسان من سنة 2003، كان هذا الأرشيف متشربا بماء المجاري وبعضه قد احترق جراء القصف، وتالفاً الى درجة كبيرة، وأجزاء مهمة قد جاءت عليه “الارضة” حتى قبل القصف لأن عملية خزنه كانت عشوائية. وهو كان محتجبا عن العامة والاقلية اليهودية والباحثين لمدة ثلاثين سنة. ولربما كان بعض ضباط المخابرات الفاسدين يهربون أجزاء منه اثناء فترة التسعينات، حينما كانت تظهر الآثار والوثائق العراقية ومنها ما يخص اليهود في الأردن أيام العقوبات الاقتصادية (الحصار).
فقامت مجاميع الجلبي بنقل الأرشيف، بإشراف من ضباط امريكان وموظفين من وزارة الدفاع الامريكية، الى مقرها في نادي الصيد وبدأت عملية تجفيفه تحت اشعة الشمس، وثم اتى خبير امريكي في المخطوطات وأفاد بأن عملية التلف لن تتوقف إلا من خلال تجميد الوثائق، فأتي المؤتمر بشاحنات مبرّدة واركنها في نادي الصيد ووضع الأرشيف فيها، وثم قام فريق مختص من الجيش الأمريكي بنقلها الى مطار بغداد، وثم الى الولايات المتحدة. وما حدث بعد ذلك هو قصة مهمة جدا، كتبت عنها الصحافة الامريكية والأجنبية بشكل مكثف ومفصّل، ولكن، لسبب غريب، لا يزال الجمهور العراقي معتقدا بإشاعات اطلقها فلان وعلان حول الامر.
نُقل الأرشيف الى دار الوثائق الوطنية في واشنطن، وقامت حكومة الولايات المتحدة بصرف مبالغ طائلة وتسخير مختبراتها لإيقاف عملية التلف في الأرشيف، وثم البدئ بعملية ترميمه. ومن بعد عملية الترميم، قامت بتصوير الأرشيف بالكامل وترقيمه الكترونيا، وهذه عملية معقدة استغرقت سنوات عديدة من العمل، وكانت تتطلب تقنيات وخبرات غير متوفرة في العراق. وهذا كله موثق في الموقع الرسمي للإرشيف اليهودي العراقي في دار الوثائق الوطنية بواشنطن، وقامت بعرضه على العامة، وفي كل خطوة كانت تتخذها، كانت تنسق الامر مع الخارجية العراقية والسفارة العراقية في واشنطن ومع دار الوثائق الوطنية في بغداد، وهناك اتفاق رسمي بين واشنطن وبغداد لإعادة الأرشيف الى العراق، بالرغم من ممانعة أعضاء بارزين في الكونجرس الأمريكي ومنظمات يهودية أمريكية للأمر، لأن هؤلاء يعتقدون بأن العراق لا يمكن ان يؤتمن على هذا الأرشيف، وبأن الورثة الشرعيين لهذا التراث، أي يهود العراق، قد غادروا العراق بالكامل. ولكن، الحكومة الامريكية لا تزال تصر على احترام الاتفاقية الموقعة مع الحكومة العراقية والتي تنص على إعادة الأرشيف.
اما الفيديو الذي بثه الحمداني عن عملية دفن النصوص التالفة من الأرشيف بحضور السفير العراقي في واشنطن وأبناء الجالية اليهودية العراقية في امريكا، فهذا الفيديو ليس “سريا” ولا يكشف عن الخبايا والمؤامرة التي يروج لها الحمداني، لأنه فيديو تم نشره على الصفحة الرسمية لدار الوثائق الوطنية، وكان بالاتفاق مع الحكومة العراقية وبإشرافها، وقد تم دفن الأوراق التالفة، بموجب الديانة اليهودية، في مقبرة اليهود العراقيين في نيويورك.
ما معناه، ان الجلبي ساهم بشكل مباشر في انقاذ هذا التراث من التلف والضياع، من بعد قيام المخابرات العراقية السابقة بمصادرته، وها هو في طريق عودته الى العراق، وهو موجود على الانترنت كي يتصفحه الباحثون واي شخص يريد ان يطلع عليه. والعملية تمت بشفافية وبرقابة حكومية أمريكية-عراقية، وتحت انظار الصحفيين من حول العالم وبشهادة الاعلام الرصين. فإين “الخيانة” في ذلك؟ اين “السرقة”؟ من اين اتت رواية “باعها هو وابنته ومثال الآلوسي” الى إسرائيل؟
كتبت كل هذا في التعليقات على بوست “دافيد”، ولكنني فوجئت بردة فعله. كان بوسته قد حصد مئات اللايكات وعشرات المشاركات والتعليقات، واغلبها شتائم على الجلبي. أجاب “دافيد” بأنه غير معني بالروابط والأدلة التي أوردتها، وبأنه مقتنع برواية ان الجلبي سرق التوراة والارشيف وباعه الى إسرائيل. ربما رد فعله جاء على منحنى “على حس الطبل خفن يا رجليه” لأنه وجد بأن مادة شتم الجلبي هي مادة جاذبة للايكات. او ربما تعنته ورفضه لإنصاف الجلبي فيه امر آخر.
هنا بدأت الشكوك تراودني حول شخصية “دافيد عزرا مناحيم دانيال”، تلك الشخصية الفيسبوكية الشهيرة، خصوصا وانه كان ينشر البوست وردوده في ليلة يوم الجمعة، وهو اليوم المقدس لدى اليهود حيث يمتنعون عن استخدام أي آلة او حتى اضاءة المصابيح الكهربائية. فقلت له، لنضع الجلبي جانبا، ودعني اسألك عن عائلتك، وعن شخصية “عزرا مناحيم دانيال” تلك الشخصية الوطنية الشهيرة، والثرية جدا. وكان سؤالي الأول هو “عزرا مناحيم دانيال توفي سنة 1952، ولكن انت يا دافيد تقول بأنك من مواليد 1969، فهل كان عزرا مناحيم جدك ام والدك، وإن كان جدك، فما هو اسم والدك؟”
وثم بدأ يتلعثم، فازدادت شكوكي. اجابني “دافيد” قائلا بأن عزرا مناحيم هو جده من امه. حسنا، سألته على الخاص “ما هو اسم والدتك؟ فأنا مؤرخ واحب ان اعرف هذه الأمور.” اجابني “هذا سر من اسراري” وفجأة بدأ يتهمني بأنني جزء من شلة تهدف الى جمع المعلومات لغرض الاستيلاء على عقارات عائلته، وبأنه قد قام بإبلاغ السفارة الامريكية عني. وثم عطّل المراسلة الخاصة بيني وبينه، وبعدها قام بحذف تعليقاتي من البوست، وثم مسح البوست، وثم وضع “بلوك” عليّ.
بالطبع، دفعني الفضول الى محاولة تفسير الامر. قال “دافيد” بأن اسم امه هو “سر”، ولكنني وجدت مدونته المنشورة على الانترنت حيث يوضح قصته، فيقول بأن امه اسمها “سليمة” هي بنت “عزرا مناحيم دانيال” ومن مواليد 1943، وبأن والده مسلم اسمه “رشيد ياس شكر”. وهو، أي “دافيد” اسمه “اياد رشيد ياس شكر” من مواليد 1969 في بغداد، وهو الآن مقيم في الدنمارك ويعمل تاجرا. وبحسب روايته، والدته “سليمة” توفيت عندما كان عمره 3 سنوات، وثم تلاها والده وعمره 7 سنوات، وقامت زوجة ابيه برعايته ولكنها كانت تؤذيه، وثم قام اعمامه بتولي امره، وهم من اخبروه بأنه حفيد “عزرا مناحيم دانيال” وبالتالي هو “هو الان الوريث الوحيد لملك جده عزرا مناحيم صالح دانيال من سوق دانيال وسوق ذو الكفل والاراضي الزراعية” حسبما كتب. وهذه التفاصيل كلها منشورة بتأليفه على الانترنت وعلى مدونته.
المشكلة تكمن في ان الشخصية السياسية والمالية الشهيرة “عزرا مناحيم دانيال” لم يتزوج قط، وليس له لا أبناء ذكور ام اناث. واستطعت ان اتصل بأحدى اقاربه من خلال بريدها الالكتروني المنشور على صفحة مشجرة آل دانيال وقد اجابتني، واطلعت من خلالها على تفاصيل اضبارة القسّام النظامي لورثة “عزرا مناحيم دانيال” الصادرة عن القاضي صادق حيدر في بغداد في يوم 6 حزيران 1955 والمرقمة 955 على 33، وثم على اضبارة تقرير مديرية التدقيق من دائرة الطابو في تاريخ 15 حزيران 1955 والمرقمة 12676، وثم اطلعت على شجرة آل دانيال والمنشورة على الانترنت، والتي تضم اجداده الى 13 ظهر، وأيضا أسماء 613 شخصا من اقاربه من النساء والرجال.
ولا يوجد في كل هذه الاضابير او الأدلة أي اسم لبنت له اسمها “سليمة”. ومن خلال مطالعة السيرة الحياتية لعزرا مناحيم دانيال، فكل ما كتب يذكر بأنه لم يتزوج في حياته، وبأنه مات سنة 1952 من دون ذرية او اعقاب بعد ان رفض ان يغادر مع الهجرة الكبيرة ليهود العراق في العام الذي سبقه.
عزرا مناحيم دانيال كان شخصية عراقية وطنية محترمة ومعروفة، وكان يعتز بعراقيته، ولديه الكثير من المبرات الخيرية لطائفته ولباقي الناس، ووالده كان شخصية معتبرة أيضا، واحد أعمدة التجارة في العراق، وعضو في البرلمان العثماني.
لا ادرى إن كان “اياد رشيد ياس شكر”، والذي يكتب باسم “دافيد” فعلا يعتقد بأن جده هو “عزرا مناحيم دانيال” حسب رواية اعمامه إليه. ولكن الأدلة تبرهن بأن ليس لهذه القصة أي حقيقة. وثم، اياد يقدم نفسه بأنه “الوريث الوحيد لملك جده” وهنا قد تبرز نوايا أخرى كامنة لديه. ولكننا نعرف بأن هذا الادعاء لا يستند الى أي واقع، لأن اضبارة القسّام واضبارة الطابو، التي تعدد ورثة عزرا مناحيم دانيال، لا يوجد فيها أي ذكر لبنت اسمها “سليمة” والتي يدعي “اياد” بأنها امه، حسب رواية اعمامه.
لربما تصور الأستاذ أياد بأن في عراق اليوم “راس الشليلة ضايع”، وبأنه لو اصبح شخصية فيسبوكية شهيره، سينتصر له اعلاميين من أمثال أنور الحمداني، ليتغنى بوطنية، وسيطالب الحكومة العراقية بإرجاع “أملاك جده إليه”، وبالطبع هناك نواب ومسؤولين دوما ما يركبون كل موجة، وقد يأخذ الموضوع جانبا إعلاميا وسياسيا يتكسبون منه، ولربما فعلا، بـ “شخطة” قلم من دولة الرئيس حيدر العبادي، سيتم نقل مُلكية سوق دانيال للأقمشة في شارع النهر الى اياد، وستُحسب هذه أيضا من الإصلاحات “الشعبوية”، وعاشوا عيشة سعيدة.
وقد شهدنا ولا زلنا نشهد شخصيات مُربكة من هذا النوع، مثل “الاميرة نسرين بنت محمد بن فيصل الأول” التي داعت بإرث العائلة المالكة، وغيرها الكثير. وما شاء الله، “التاريخ” الإسلامي ممتلأ الى حد التُخمة بالشخصيات المُربكة والملفقة. وما انتم بشخصية “إبن سبأ” ببعيدين…
لا اعتب على الذين انطلت عليه قصة الأستاذ اياد، ووضعوا اللايكات وسعدوا بوجود شخصية يهودية عراقية تتكلم بصوت “وطني” وتبارك لهم بعيد الغدير، مثلا. فأنا أيضا صدقته في بادئ الامر.
ولا أتوقع من أنور الحمداني وكادر برنامجه ان يتصفوا بالانصاف وبالمهنية، فأسلوب الحمداني هو “التّمسرح السياسي” كما وصفته قبل عام ونصف على هذا المنبر. وهذا الأسلوب لا يكترث كثيرا بالمصداقية بقدر اكتراثه بالنغمة “الفضائحية” التي يطرب اليها الناس، والتي تحصد له المزيد من المشاهدين.
ولكن، عندما اجد بأن الصحافة العراقية تكتفي بالتعليق على الموضوع كله من باب “المعركة بين الجلبي وخصومه نحن المنتصرون فيها لأن كل طرف يكشف لنا صفحات من سجل الجرائم التي ارتكبت بحقنا…” ولا تتساءل في المقابل “من هم هؤلاء الخصوم؟” و”لماذا هذه الهجمة في الوقت الحالي بالتحديد؟” و”هل هناك مصداقية لهذه التهم؟” من دون ممارسة دورها في تقصي الحقائق، وهي حقائق من السهولة الوصول اليها حتى من خلال بحث سريع في مواقع الانترنت الخبرية الرصينة، ففي ذلك إشكال كبير. فإما ان تكون هذه الصحافة غير مدركة، او مدركة و”تغلس”، او مدركة ولكن تم اسكاتها بشتى الطرق (التخويف او التمويل)، او انها كسولة، ففي كل حال هي متقاعسة عن أداء واجبها امام الوعي العام للمتلقي العراقي.
وقد وصل الحال بالوعي العام العراقي الى ظاهرة “دافيد عزرا مناحيم دانيال”، ولربما سيظهر من يدعي بأنها حفيد سنحاريب وسيطالب بعرش الرافدين قريبا. (ألم يفعلها صدام حسين بصورة او أخرى…؟ ومن لمّع تلك الكذبة في وقتها، الم يشترك في ذلك الكثيرين من الصحفيين والإعلاميين؟ ومنهم الحمداني، مثلا؟)
يبقى ان نقول بأن هذا البوست الطويل ربما لن يؤدي الى تغيير قناعة احد، فأنا لا امتلك موارد ولا جمهور الحمداني، وهناك من سيعتقد بأنني قد لفقت كل ما أوردته عن التوراة وعن الأرشيف اليهودي وعن شخصية “دافيد عزرا مناحيم دانيال”، ولن يكلف نفسه بالبحث، وسيكتفي بتصديق وبترديد الشتائم لأن هذا هو المناخ الخطابي الذي نعيشه. فهو بحق “زمن الاستغفال”، وهذه طبائعه.
ولكن، لا يزال هناك لدي امل، في اننا في يوما من الأيام سنغزو معاقل الاستغفال بمشاعل المعرفة والمصداقية، وسنفعّل قابلية التفكير النقدي لدى الناس، ومساحة السفاهة والبلادة والكذب ستنحسر في السجال العام، وسينمو لدينا رأي عام، حاذق، متيقظ، متّزن، وحصيف.
لا يزال لدي امل.

تعليق