السعودية مرة اخرى… منذ اشهر وانا اراجع واتدارس دوافع القرار السعودي، وفي هذا المنوال، انا اميز بين الدوافع والثوابت. كعراقيين، لدينا صورة نمطية في فهم السعودية، وهذه النمطية تؤدي بنا الى خلل بنيوي في فهم الثوابت والدوافع لدى حكامها. اعتقد بأن المشكلة بدأت عندما فقدنا حكمة العائلة المالكة والتي كانت احد ضحايا الاستخفاف بآل سعود، ولم نستوعب ايضا الحكمة الفطرية لدى عراقيين آخرين كأهل الزبير وبقايا آل الرشيد (الذي انتهى المطاف بقسم منهم كمواطنين عراقيين) والذين تفاعلوا، بصورة عدائية، مع الدعوة الوهابية والتوسع السعودي في نجد عبر اكثر من مئتي سنة. اتى العساكر الذين استنتجوا بأن آل سعود ظاهرة عابرة ستزول كما ازالوا هم الحكم الملكي، وثم اتى حكم “الشقاوة” او بالاحرى حكم “الشقي الواحد” الذي كان ينظر بإزدراء الى بطر وتخمة معاصريه من العائلة السعودية. اين هذا الشقي الآن، واين العساكر؟ في حين، لا يزال آل سعود في مكانهم. واثرت هذه النمطية في فهمنا للواقع، كما تأثرنا بمفاهيم طائفية لم تستطع ان تفهم التفاصيل الدقيقة ما بين حكم آل سعود والدعوة الوهابية. استعرض هذه الامور كي اطرح هذا السؤال: ما الذي سيحصل ان قرر السعوديين ارسال قوات برية قتالية الى سوريا (وربما الى العراق) ضمن “التحالف الاسلامي” الذي يتزعموه؟ وما هي دلالات مناورات “رعد الشمال” التي انطلقت؟ هل هذا رعيد من دون غيث، كما يدعونا عقلنا النمطي الى فهمه؟ ام انه مستهل لمرحلة ثورية تحركها دوافع جديدة بعيدا عن ثوابت لم نفهمها اصلا؟ عندما توسع ابن سعود ضمن ما كان يتحمله الوضع الاقليمي الجديد ما بعد الحرب العالمية الاولى، ووصل الى مشارف مناطق النفوذ البريطاني، توقف، بل روض الحركة الوهابية القتالية “الاخوان”، وحول إمارته الحربية وثم امامته الحربية وثم سلطنته الحربية الى مملكة ودولة تحترم الحدود التي فرضها الامر الواقع الدولي. وبقي امر الجهاد معلقا، او بالاحرى متعلقا، بقرار “الامام” حسب اساطين الوهابية. وتفاوتت الحاجة الى المراجعة في هذا الملف، فبقيت الثوابت في مكانها، وتم تهدئة الخواطر بين الحين والآخر من خلال تمكين الدعوة عالميا بالمال والعلاقات لفترة، وثم تمكين المجاهدين، مثلا، في الثمانينات والتسعينات. ولكن، عندما اصبح هذا التمكين عالة استراتيجية على آل سعود، انقلبوا عليه وتحملوا العواقب من خلال الصد والقسوة والاستقطاب حينما تطلب الامر لإحدى هذه المعالجات. وتفاعل الامر اكثر فاكثر، وقام تنظيم القاعدة بمعاداة آل سعود علنا، في حين نشط خط سلفي آخر في العراق كان يفاخر بعداءه لآل سعود حتى في فترة التمكين او الهدنة ما بين القاعدة وحكام الرياض، وهذا هو خط الزرقاوي الذي تبلور لاحقا وهو ماثل امامنا على شاكلة “الدولة الاسلامية” ويعتبر السعودية وُجهة اساسية في توسيع رقعة خلافته. ولكن ما الذي سيحدث ان قام “الامام” السعودي بمعاودة الجهاد، والرجوع الى الحالة الثورية المتمثلة بـ “الامارة او السلطة المحاربة”؟ ماذا سيحصل في الفلك السلفي؟ وماذا سيحصل ضمن التوازن الاقليمي؟ هل بات السعوديين على قناعة بأن النظام الدولي الذي سُنّ في الشرق الاوسط ما بعد الحرب العالمية الاولى والذي ورثته امريكا قد زال الى غير رجعة مع اخلاء الامريكان لأبراجهم البوليسية؟ هل بات آل سعود على قناعة بأن المنطقة ذاهبة الى اعادة التكوين وعليهم استباق الدولة الاسلامية او ايران او تركيا في رسم ملامحها؟ قد ستدفعهم هذه القناعات الى مغامرة عسكرية كبيرة، اكبر بكثير من حرب اليمن، لترسم واقعا جديدا في شرق سوريا وربما غرب العراق، فماذا سيكون موقفنا؟ متفرجا؟ متفاجئا؟ “مترمغلا” بردود الافعال النمطية والخطابية؟ هل مؤسساتنا الاستراتيجية مهيئة لحساب ما هو قادم ورفد قادة البلد بالشرح والمشورة؟

خاطرة اليوم (9 شباط 2016): السعودية مرة اخرى…
منذ اشهر وانا اراجع واتدارس دوافع القرار السعودي، وفي هذا المنوال، انا اميز بين الدوافع والثوابت.
كعراقيين، لدينا صورة نمطية في فهم السعودية، وهذه النمطية تؤدي بنا الى خلل بنيوي في فهم الثوابت والدوافع لدى حكامها. اعتقد بأن المشكلة بدأت عندما فقدنا حكمة العائلة المالكة والتي كانت احد ضحايا الاستخفاف بآل سعود، ولم نستوعب ايضا الحكمة الفطرية لدى عراقيين آخرين كأهل الزبير وبقايا آل الرشيد (الذي انتهى المطاف بقسم منهم كمواطنين عراقيين) والذين تفاعلوا، بصورة عدائية، مع الدعوة الوهابية والتوسع السعودي في نجد عبر اكثر من مئتي سنة.
اتى العساكر الذين استنتجوا بأن آل سعود ظاهرة عابرة ستزول كما ازالوا هم الحكم الملكي، وثم اتى حكم “الشقاوة” او بالاحرى حكم “الشقي الواحد” الذي كان ينظر بإزدراء الى بطر وتخمة معاصريه من العائلة السعودية. اين هذا الشقي الآن، واين العساكر؟ في حين، لا يزال آل سعود في مكانهم.
واثرت هذه النمطية في فهمنا للواقع، كما تأثرنا بمفاهيم طائفية لم تستطع ان تفهم التفاصيل الدقيقة ما بين حكم آل سعود والدعوة الوهابية.
استعرض هذه الامور كي اطرح هذا السؤال: ما الذي سيحصل ان قرر السعوديين ارسال قوات برية قتالية الى سوريا (وربما الى العراق) ضمن “التحالف الاسلامي” الذي يتزعموه؟ وما هي دلالات مناورات “رعد الشمال” التي انطلقت؟ هل هذا رعيد من دون غيث، كما يدعونا عقلنا النمطي الى فهمه؟ ام انه مستهل لمرحلة ثورية تحركها دوافع جديدة بعيدا عن ثوابت لم نفهمها اصلا؟
عندما توسع ابن سعود ضمن ما كان يتحمله الوضع الاقليمي الجديد ما بعد الحرب العالمية الاولى، ووصل الى مشارف مناطق النفوذ البريطاني، توقف، بل روض الحركة الوهابية القتالية “الاخوان”، وحول إمارته الحربية وثم امامته الحربية وثم سلطنته الحربية الى مملكة ودولة تحترم الحدود التي فرضها الامر الواقع الدولي.
وبقي امر الجهاد معلقا، او بالاحرى متعلقا، بقرار “الامام” حسب اساطين الوهابية. وتفاوتت الحاجة الى المراجعة في هذا الملف، فبقيت الثوابت في مكانها، وتم تهدئة الخواطر بين الحين والآخر من خلال تمكين الدعوة عالميا بالمال والعلاقات لفترة، وثم تمكين المجاهدين، مثلا، في الثمانينات والتسعينات. ولكن، عندما اصبح هذا التمكين عالة استراتيجية على آل سعود، انقلبوا عليه وتحملوا العواقب من خلال الصد والقسوة والاستقطاب حينما تطلب الامر لإحدى هذه المعالجات.
وتفاعل الامر اكثر فاكثر، وقام تنظيم القاعدة بمعاداة آل سعود علنا، في حين نشط خط سلفي آخر في العراق كان يفاخر بعداءه لآل سعود حتى في فترة التمكين او الهدنة ما بين القاعدة وحكام الرياض، وهذا هو خط الزرقاوي الذي تبلور لاحقا وهو ماثل امامنا على شاكلة “الدولة الاسلامية” ويعتبر السعودية وُجهة اساسية في توسيع رقعة خلافته.
ولكن ما الذي سيحدث ان قام “الامام” السعودي بمعاودة الجهاد، والرجوع الى الحالة الثورية المتمثلة بـ “الامارة او السلطة المحاربة”؟ ماذا سيحصل في الفلك السلفي؟ وماذا سيحصل ضمن التوازن الاقليمي؟
هل بات السعوديين على قناعة بأن النظام الدولي الذي سُنّ في الشرق الاوسط ما بعد الحرب العالمية الاولى والذي ورثته امريكا قد زال الى غير رجعة مع اخلاء الامريكان لأبراجهم البوليسية؟ هل بات آل سعود على قناعة بأن المنطقة ذاهبة الى اعادة التكوين وعليهم استباق الدولة الاسلامية او ايران او تركيا في رسم ملامحها؟ قد ستدفعهم هذه القناعات الى مغامرة عسكرية كبيرة، اكبر بكثير من حرب اليمن، لترسم واقعا جديدا في شرق سوريا وربما غرب العراق، فماذا سيكون موقفنا؟ متفرجا؟ متفاجئا؟ “مترمغلا” بردود الافعال النمطية والخطابية؟
هل مؤسساتنا الاستراتيجية مهيئة لحساب ما هو قادم ورفد قادة البلد بالشرح والمشورة؟

تعليق