خاطرة اليوم (6 ديسمبر 2014): كيف يفهم المجنون حمى الحرب من حوله؟ لا ادري. ولكن ما اعتقده، هو ان المجنون يتسم ببراءة اعمق من براءة الطفولة. الطفل قد يرى الحرب تستعر من حوله، ويستنبط ما قد يستنبطه منها، وقد يبلغ الرشد متأثرا بما شاهده ووعاه. في هذه الحالة، قد تتشوه روحه جراء لهيب النار، او تتعقم بإحتراق الشوائب والعُقد. ولكن من بلغ وجُنّ، يذهب الى عالمه الخاص، بعيدا عن الهوية الموروثة، بعيدا عن الرايات والبيارق، بعيدا عن المنطق والتبريرات، بعيدا حتى عن الزمن المتوهج من حوله. وفي هذه العزلة، في صومعة عقله المحموم، في انطواءه على ذاته، في طلاقه من الواقع، قد يجد جنّة من البراءة والخيال، يفهم من خلالها ما يريده لنفسه، بعيدا عن املاءات المنبر والدهماء، ومرارة معاشرة ابناء آدم من سلالة قابيل. فهل التلاقي ما بين مفردتي “الجنون” و”الجنّة” مجرد مصادفة لغوية؟ شاهدت فيما سبق فيلم روسي (انتج سنة 2002) بعنوانه المترجم الى الانكليزية “هاوس اوف فولز” (“بيت المغفلين”)، يحكي قصة مصّح نفساني يقع في نقطة تماس ما بين المقاتلين الشيشان والجيش الروسي. فيلم اعجبني كثيرا، وجعلني افكر كثيرا: ماذا يعني احتراب الهويات لدى من باتت هويته الجنون؟ كان هنالك مجنونا يقف امام فندق بابل في الجادرية. نراه دوما وهو يتحرك بصورة بهلوانية لتمشية السير. رجل ستيني قيل لي انه فقد عقله من بعد فقدان ولده في الاحتراب الطائفي، او هكذا كان الاهالي يفسرون جنونه. كنت اراه كلما ازور صديقي الذي يسكن بالقرب من الفندق. في سنة 2010، وقع هجوم ارهابي على فندق بابل، اخذ معه الكثير من الضحايا. اتذكر انني زرت صديقي من بعد الهجوم، فخرجنا بالسيارة، ونظرنا الى الخراب، ومن ثم، وبصورة تلقائية، شعرت بفراغ ما، وتذكرت ذلك المسن المجنون، فسألت صديقي عنه، وقال لي: “قتل في الانفجار”. لا ادري لماذا آلمني الامر كثيرا، بالرغم من كثرة الضحايا الآخرين. لماذا انتابتني رغبة عارمة للإنتقام مما حصل لهذا الرجل بالتحديد؟ الامر غير منطقي، فكيف بي لا اتعاطف مع كل الضحايا بصورة متساوية؟ اعتقد، وانا اراجع نفسي، ان هذا الشعود تولد لي لأن هذا الرجل اصبح خارج الزمن والهويات. لم يبقى له من العالم الا ذكرى ولده المغدور. خرج من هويات السنة والشيعة، خرج من هويات الاحزاب، خرج من كل شيء، الا هوية جنونه وألمه. فكم كان وحيدا هناك في فورة جنونه؟ ومن سيأخذ بثأره؟ في زياراتي الى مدينة حلب منتصف العقد الماضي، كان لا بد لي، في كل زيارة، ان ارى “الرجل الاصفر” المعروف على نطاق المدينة بـ “ابو زكور”. رجل ستيني مجنون، ولكن بطريقة او اخرى، ذهب جنونه الى اعتناق هوية خاصة به، وهي اللون الاصفر. كان شعره اشقرا، وقيافته صفراء، وقيل لي بأن حتى الوان اثاث شقته كلها صفراء. هناك من لم يستوعب هذه الحالة من اهالي حلب، فبعضهم كان يتخوف منه ويقول بأنه لا بد ان يكون من عناصر الامن والمخابرات. آخرين كانوا يقولون لا بد انه جاسوس اسرائيلي. ولكن، كلما نظرت اليه، كنت ارى في عيونه ثقة متوهجة لرجل لا يريد من هذا العالم كله الا اللون الاصفر، وكان مفعما بالسعادة والاكتفاء بهذا القدر. من بعد الثورة السورية، ظهر فيديو اعتقال “ابو زكور”، وكان من يعتقله يسأله “هل انت سني او شيعي؟” ويعذبه بنتف شاربه الاصفر. ارتسمت ملامح الحيرة على وجه “ابو زكور”، وكأن حاله يقول، الا تعلم بأنني الرجل الاصفر، لا غير؟ واليوم ينتشر فيديو بين اهالي ديالى وبالتحديد اهالي السعدية، يظهر فيه رجل اشيب، اسمه “ابو زهوة”، يعرفه الاهالي بأنه احد مجانين منطقتهم، عاد من الاسر في ايران، حسب ما هو متواتر عنه، وعاش في عزلة، وبراءة، جنونه. الفيديو يظهره وهو رهن اعتقال من قبل رجال بملابس مرقطة. لا اعرف ان كانوا من العسكر او المليشيات. والافواه في الفيديو تتهمه بأنه امير لداعش، في حين ان الحيرة والذهول مرتسمتين على وجهه. عندما هرب اهالي السعدية من الاقتتال، لم يلتفت احدهم الى ابو زهوة، فبقي هناك وحيدا على ما يبدو، الى ان وجده هؤلاء المسلحين. وثم ظهرت صورة اخرى، فها هو ابو زهوة الآن ميتا، ممددا في التراب، وهناك بسطال عسكري فوق رأسه. هل هذا هو الانتصار؟ فعلا، هذه حيرة المجنون في زمن مجنون.

خاطرة اليوم (6 ديسمبر 2014): كيف يفهم المجنون حمى الحرب من حوله؟ لا ادري. ولكن ما اعتقده، هو ان المجنون يتسم ببراءة اعمق من براءة الطفولة. الطفل قد يرى الحرب تستعر من حوله، ويستنبط ما قد يستنبطه منها، وقد يبلغ الرشد متأثرا بما شاهده ووعاه. في هذه الحالة، قد تتشوه روحه جراء لهيب النار، او تتعقم بإحتراق الشوائب والعُقد.  ولكن من بلغ وجُنّ، يذهب الى عالمه الخاص، بعيدا عن الهوية الموروثة، بعيدا عن الرايات والبيارق، بعيدا عن المنطق والتبريرات، بعيدا حتى عن الزمن المتوهج من حوله. وفي هذه العزلة، في صومعة عقله المحموم، في انطواءه على ذاته، في طلاقه من الواقع، قد يجد جنّة من البراءة والخيال، يفهم من خلالها ما يريده لنفسه، بعيدا عن املاءات المنبر والدهماء، ومرارة معاشرة ابناء آدم من سلالة قابيل. فهل التلاقي ما بين مفردتي “الجنون” و”الجنّة” مجرد مصادفة لغوية؟ شاهدت فيما سبق فيلم روسي (انتج سنة 2002) بعنوانه المترجم الى الانكليزية “هاوس اوف فولز” (“بيت المغفلين”)، يحكي قصة مصّح نفساني يقع في نقطة تماس ما بين المقاتلين الشيشان والجيش الروسي. فيلم اعجبني كثيرا، وجعلني افكر كثيرا: ماذا يعني احتراب الهويات لدى من باتت هويته الجنون؟  كان هنالك مجنونا يقف امام فندق بابل في الجادرية. نراه دوما وهو يتحرك بصورة بهلوانية لتمشية السير. رجل ستيني قيل لي انه فقد عقله من بعد فقدان ولده في الاحتراب الطائفي، او هكذا كان الاهالي يفسرون جنونه. كنت اراه كلما ازور صديقي الذي يسكن بالقرب من الفندق. في سنة 2010، وقع هجوم ارهابي على فندق بابل، اخذ معه الكثير من الضحايا. اتذكر انني زرت صديقي من بعد الهجوم، فخرجنا بالسيارة، ونظرنا الى الخراب، ومن ثم، وبصورة تلقائية، شعرت بفراغ ما، وتذكرت ذلك المسن المجنون، فسألت صديقي عنه، وقال لي: “قتل في الانفجار”. لا ادري لماذا آلمني الامر كثيرا، بالرغم من كثرة الضحايا الآخرين. لماذا انتابتني رغبة عارمة للإنتقام مما حصل لهذا الرجل بالتحديد؟ الامر غير منطقي، فكيف بي لا اتعاطف مع كل الضحايا بصورة متساوية؟ اعتقد، وانا اراجع نفسي، ان هذا الشعود تولد لي لأن هذا الرجل اصبح خارج الزمن والهويات. لم يبقى له من العالم الا ذكرى ولده المغدور. خرج من هويات السنة والشيعة، خرج من هويات الاحزاب، خرج من كل شيء، الا هوية جنونه وألمه. فكم كان وحيدا هناك في فورة جنونه؟ ومن سيأخذ بثأره؟  في زياراتي الى مدينة حلب منتصف العقد الماضي، كان لا بد لي، في كل زيارة، ان ارى “الرجل الاصفر” المعروف على نطاق المدينة بـ “ابو زكور”. رجل ستيني مجنون، ولكن بطريقة او اخرى، ذهب جنونه الى اعتناق هوية خاصة به، وهي اللون الاصفر. كان شعره اشقرا، وقيافته صفراء، وقيل لي بأن حتى الوان اثاث شقته كلها صفراء. هناك من لم يستوعب هذه الحالة من اهالي حلب، فبعضهم كان يتخوف منه ويقول بأنه لا بد ان يكون من عناصر الامن والمخابرات. آخرين كانوا يقولون لا بد انه جاسوس اسرائيلي. ولكن، كلما نظرت اليه، كنت ارى في عيونه ثقة متوهجة لرجل لا يريد من هذا العالم كله الا اللون الاصفر، وكان مفعما بالسعادة والاكتفاء بهذا القدر.  من بعد الثورة السورية، ظهر فيديو اعتقال “ابو زكور”، وكان من يعتقله يسأله “هل انت سني او شيعي؟” ويعذبه بنتف شاربه الاصفر. ارتسمت ملامح الحيرة على وجه “ابو زكور”، وكأن حاله يقول، الا تعلم بأنني الرجل الاصفر، لا غير؟  واليوم ينتشر فيديو بين اهالي ديالى وبالتحديد اهالي السعدية، يظهر فيه رجل اشيب، اسمه “ابو زهوة”، يعرفه الاهالي بأنه احد مجانين منطقتهم، عاد من الاسر في ايران، حسب ما هو متواتر عنه، وعاش في عزلة، وبراءة، جنونه. الفيديو يظهره وهو رهن اعتقال من قبل رجال بملابس مرقطة. لا اعرف ان كانوا من العسكر او المليشيات. والافواه في الفيديو تتهمه بأنه امير لداعش، في حين ان الحيرة والذهول مرتسمتين على وجهه. عندما هرب اهالي السعدية من الاقتتال، لم يلتفت احدهم الى ابو زهوة، فبقي هناك وحيدا على ما يبدو، الى ان وجده هؤلاء المسلحين. وثم ظهرت صورة اخرى، فها هو ابو زهوة الآن ميتا، ممددا في التراب، وهناك بسطال عسكري فوق رأسه.  هل هذا هو الانتصار؟  فعلا، هذه حيرة المجنون في زمن مجنون.

تعليق