خاطرة اليوم (5 ايار 2018): آراز عبد المجيد طالب الجاف، الذي تولد في كركوك عام 1969، والذي توفي فيها يوم 30-11-2016 إثر نوبة قلبية، كان فنانا عراقيا توهج فنه متأخرا. في آخر سنة من حياته، كنت انتظر منه رسم بورتريه شخصي له وإهداءه ليّ. لعدة سنوات، كنت الح عليه بأن يقوم بهذا العمل، ولكنه كان متخوفا جدا من رسم البورتريهات من بعد انقطاع لعقود من الزمن، كما كان متخوفا من مواجهة نفسه في المرآة. ولكنني كنت على يقين بأنه بات قريبا من هذه اللحظة، والتي ستكون انطلاقة لتوهج ونضوج فنه ولو بعد حين، وهذا التوهج، حسب قناعتي، كان سيكون متميزا عن اي فنان عراقي آخر، من جيل الرواد صعودا. غاب آراز في رحلة استكشافية طويلة، فبعد وصوله الى هولندا في سنة 1997، تبحر في فنون المدرسة الهولندية، وخصوصا تلك التي ازدهرت في القرنين 14-16. واستوعب آراز الكثير من تلك التجربة، فابتكر اساليب مقاربة لأساليبهم. وثم ذهب ليبحث عن مشهد او فكرة ليعبر عنها من خلال هذه الاساليب الجديدة. ولعل الغربة والاغتراب بقيت هي السمة الاهم في وجدانه. وهي ليست غربة وطن فحسب، بل هي غربة الوجود. فآراز كان من حال مثلثه الزجاجي الذي كان يحمله في كل مكان ويلتقط له الصور، ومن ثم ادخله ضمن لوحاته. هذا المثلث دخيل على المشهد، ومتسامي عنه في آن واحد. وهكذا كان آراز، الذي امتاز بروحية الطفل في جسد احدهم من الاوباش، وشهد حروبا ومعارك واصبعه يتحسس لفرشاة لا لزناد، وثم من منفاه الاردني وثم الهولندي حاول فهم معنى مجيئه الى هذه الدنيا في بقعة اسمها كركوك، وكيف ان والداه بقيا هم اقرب شيء الى وطن عرفه في حياته. وعليه، انبهر آراز بلوحة رسمها الفنان الهولندي بيتر بروغل الكبير في منتصف القرن السادس عشر لبرج بابل، وحاول آراز معالجة هذه اللوحة بطريقته الخاصة، فقلدها. ولكن، في حين رسم بروغل البرج وهو في طور الانشاء، رسمه آراز وهو خربة. واول محاولاته في ترجمة هذا العمل انتج لوحة سنة 2011، وبقيت هذه اللوحة عبئا نفسيا عليه، إذ لم يكن يجد لها مشتريا، فاصبحت هي معيار فشله كفنان من نجاحه، فأصبح هذا التراكم النفسي جزءا من محنته كفنان وساهم الامر في انضاجه ايضا. وكان آراز يعتبر ما حصل يوم 9 نيسان 2003 نصرا خاصا به، وذلك لأسباب كثيرة، وهكذا خرج محتفلا في شوارع آمستردام، وكان مواكبا لكل مقدمات الحدث من خلال اتصالاته المستمرة معي، واحيانا كنت احسبها لحوحة ومزعجة. وعندما قرر احمد الجلبي شراء هذه اللوحة، في سنة 2014 على ما اظن، حسب آراز الامر بطريقة مختلفة، واعتبرها نصرا مزدوجا، تأكيدا لفنه، وتأكيدا بأن هذه البقعة التي اسمها العراق لربما ستحتويه في نهاية المطاف. فانبرى الى الرسم بثقة وطموح، وارى بأن لوحته لتلك الفتاة اليزيدية، التي رسمها في خريف 2014، كانت بمثابة اول خطوة الى مرحلة فنه الجديد. ولكن الاقدار تداخلت، وفي يوم ما، توقف قلب آراز. ولكن المفارقة هي ان الحدث حصل عندما كان آراز معاودا في احدى مستشفيات كركوك اصلا. فاستطاع زملاءه احياءه مرة اخرى، ولكن عاود قلبه التوقف، وذهب آراز بعيدا في رحلة استكشافية اخرى. ما اتخيله حصل هو ان آراز رأى امرا ما عندما توفي للمرة الاولى، وثم اراد العودة اليه في المرة الثانية، وكان يتصور بأنه سيستطيع ان يرى ذلك الشيء وثم سيعود الى الحياة والى مرسمه مجددا ولكنه اخطأ حساب الوقت وتوانى جشعا ومتفحصا بكل شيء في ازقة هورقاليا، ولهذا خسرناه من هذا الجانب. وداعاً آراز.

خاطرة اليوم (9 نيسان 2017): بالنسبة لي، هذه الصورة هي “٩ نيسان”، لانها تقول الكثير عما وقع قبيل، وبعد، حدث ربيع ٢٠٠٣. اجد من المستحيل شرح ما اعنيه لكم، وبان من يفهم قولي هم قلة من الناسكين الذين قد زالت عن أنفسهم غشاوة التضليل، وخثرة الاحتقان، ورغوة الانفعال. نعرف بَعضُنَا البعض، ونرى هذه التوهجات المتباعدة في طيات الضباب، والفكر الرمادي، والخُلُق الرمادي ايضا.  تباعدت مشاعلنا، ولكنها قد تلتقي يوما ما، في أتون من الانصاف لحدث جلل، لم يستوعبه الغالب ولا الخاسر.

ahmad saddam

خاطرة اليوم (4 نيسان 2017): اقنعة الموت بملامح طفولة مخنوقة، صورة لن ينساها جيل.

خاطرة اليوم (1 آذار 2017): خسرنا في يوم الاثنين المنصرم، في مدينة الرقّة السورية، احد اعمق الناسكين في المعرفة في الشرق الاوسط، حسب رأيي.
توفي الباحث السوري (محمد عبد الحميد الحمد) جراء وكعة صحية وشحّة العلاج، عن عمر يناهر الـ 79 عاما. قد يصعب عليّ شرح أهميته الفكرية اليكم، لأنه لم يكن يجاري الآليات البحثية والأكاديمية ودوائر القلاع العاجية، التي دوما ما كانت تصنع امجادا حصرية لروادها، وتجعل من أسماءهم اعلاما فكرية.
ولد في الرقّة، آنئذ تحت الانتداب الفرنسي، وتوفي في الرقّة، حاليا تحت راية الدولة الإسلامية. وما بين هذين الحدثين، اتمّ الثانوية في حلب، ومن ثم كلية الشريعة في دمشق، والتي لم تتقبله فحوّل على كلية الفلسفة وعلم الاجتماع، ومن ثم شرع في اعداد دراسة الماجستير، ولكن الخدمة العسكرية حالت دون اتمامها، وشهد حرب الـ 67 وصدمتها، وبعدها اتمّ دراسات عليا في علم الأديان في حيدر آباد الهندية، وعمل باحث مساعد في جامعة كولمبيا في نيويورك، ثم راود اعمالا حرة في احياء وازقة مدينة نيويورك، رأى من خلالها تنوع هذا الكوكب مجتمعاً، وبهياً، وقضى ساعات عديدة ما بين ما تيسر من كتب في المكتبة العامة هناك. ثم عاد الى سوريا، وتحديدا الى مسقط الرأس والطفولة، الرقة، وتفرغ للبحث، والتبحّر فيه.
وتمخض عن هذا كله دراسات في الأديان والاعراق والأفكار والانساب، كنت اعدها كنزا، ليس من الناحية المعلوماتية او الاكاديمية البحتة بالضرورة، ولكن من ناحية النظر الى تاريخ تكوّن شرقنا البهي من زاوية أخرى. أي ان محمد عبد الحميد الحمد علمني كيف ان اطلق خيالي، ولكن بطريقة منهجية ومتوازنة، كي أرى ما اخفاه التدوين التاريخي عنّا. كما علمني خطورة الفكر، هو الذي اسرته مفاهيم الافلاطونية المحدثة، وكيف تمكن هذا الفكر من التسرب الى أجساد فكرية أخرى، ليخرج لنا بإخوان الصفا وشطحات الملل والطوائف، وتلاوين فكرية اخرى رسمت ملامح هذه الأرض التي نسكنها.
مرة أخرى، قد لا استطيع ان اعطي هذا العملاق الفكري حقه، لان المفردات والمفاهيم الكلاسيكية لا تتناسب مع “شطَحِهِ”. ولكن، من باب المقاربة، ادعوكم الى مراجعة شيء من الـ 40 او 50 مؤلف الذي يحمل توقيعه، بعناوينها المشيقة، وادعو كذلك المؤرخ الشاب ان يأخذ ما تخيله الأستاذ محمد عبد الحميد الحمد ويضعه تحت المجهر العلمي، لربما نتكشف شيئا جديدا من خلال تأكيد او نفي اطروحاته الجريئة.
ويا لها من مفارقة، ان الدولة الإسلامية، والتي هي نقيض لأجمل ما جاءنا من فكر الأجداد، كانت تحوم حول دار هذا الرجل، ولم تكن تعي بأن بين جدران الدار عقل صاغ مفاتيح فكرية جديدة لها ان تنسف كل الأبواب الموصدة، وتدخل نور المعرفة الى اظلم الزوايا.
اذكر يا أيها المؤرخ الشاب افضال الأستاذ محمد عبد الحميد الحمد عليّ وعليك، استاذنا الذي استقبلني قبل عشرة أعوام في تلك الدار في الرقّة، واقرأ له، وتبحّر معه في الخيال والفكر والمعرفة، ثم استذْكِر ما قاله احمد مطر: ورَتِّـلْ سُورةَ النَّسْـفِ على رأسِ الوَثَنْ…
نترحم عليك يا أبو قتيبة، ولك المجد كله.
الحمدالحمد2

خاطرة اليوم (26 شباط 2017): التفاعل السعودي الأخير جاء نتيجة غاية سعودية مرحلية فيما يخص بغداد، الا وهي إيقاف تمدد الحشد الشعبي، او فعليا استراتيجية قاسم سليماني، تجاه الشق السوري من حوض الفرات. لان المشروع السعودي الأكبر، والذي يتبلور من خلال قناة الجنرال بترايوس الى البيت الابيض، هو مشاركة قوات سعودية واماراتيةً ومصرية واردنية في تحرير منطقة آمنة تمتد من درعا، وقد تشمل اجزاء من جبل السويدا، الى الميادين ودير الزُّور وأبو كمال. ومواجهة الدولة الاسلامية هناك. وهو مشروع مكمِّل وموازي لخطة تركية جديدة ستشهد مشاركة ٢٠ الف جندي تركي (ربما خلال ثلاث أشهر) لتحرير الرقة من محور الباب وفتح جبهة جديدة من تل ابيض، وتتطلب تخلي الادارة الامريكية الجديدة عن التعويل على القوات الكردية السورية وتفتيت كانتون كوباني عن باقي اقليم روجاڤا. وهذا ايضا يفسر التفاعل التركي الجديد مع بغداد واربيل. اي ان العراق اصبح فعليا جزءا من هذا المخطط الإقليمي الذي يسعى الى خلق توازنات على ارض الواقع لغاية تطويق تحرك الجنرال سليماني واستراتيجيته تمهيدا الى تسوية الملف السوري. روسيا غير ممانعة حاليا لهذا الامر، وهناك قوات سعودية وتركية تعمل بشكل دؤوب لتحييد الموقف الروسي تجاه هذا المخطط.

خاطرة اليوم (5 ايلول 2016): ابو ثروت، وداعا

عبد العزيز مصطفى جميل علي ثروت الونداوي

منذ اول مرة تعرفت عليه، في اثير الانترنت، قبل حوالي عشرون عاما، وأبو ثروت يقول لي بأنه على اعتاب الموت، فقد اعياه المرض والتعب، والقلق على حال بلده. لذا عندما قرأت خبر وفاته البارحة، لم استوعب بأن نبوءته المتأخرة قد حان اوانها.
هكذا تعرفت عليه: ظهر شخص عراقي، في احدى دهاليز الانترنت، في نهاية التسعينات، يبشرنا بدستور جديد يعمل على تنقيحه. فكرة غريبة، أليست كذلك؟ في تلك الفترة، كان القلة منا يعتقد، ويعتقد فعلا، بأن نظام صدام حسين آيل الى الزوال، وهنا نجد رجلا يحاول ان يستبق الاحداث من خلال اطلاق العنان لنقاش عام في الانترنت حول الدستور الذي نبتغيه ما بعد نظام البعث. راسلته مستفسرا، من تكون انت؟ وتفاجأت بأن هذا الشخص هو مهندس كان يعمل في سلطة الطيران، في مطلع الستينات من عمره، وخبرته القانونية تقتصر على صياغة قوانين الملاحة الجوية العالمية التي كان يترأس وفد العراق في منتدياتها. أي انه موظف عراقي سابق، كان قد خرج الى الأردن، كي يشرع بالعمل على هذا الدستور، قبيل لحظة وفاته، والتي كانت، حسب افادته، وشيكة.
بالطبع، في ظروف الكر والفر ما بين المعارضين وجهاز المخابرات آنذاك، كان لا بد ان تثير هذه الرواية الشكوك لدي. ولكن في نفس الوقت، كوني متصفحا للتاريخ، كنت اعي بأن بعض الأمور الكبيرة تبدأ بصورة صغيرة، وغريبة. لذا كان يتطلب الامر بان اتابع الموضوع، وبأن التقي بهذا الشخص.
وفعلا، التقيت به، واختبرته، ووضعت بعض المكائد هنا وهناك. ووضعته تحت المراقبة، و و و كل الأمور الطبيعية والتي من المفترض اتبعاها في المناخ الأمني آنذاك. ولكن الامر، حقيقة، لم يكن يتطلب اكثر من اول لقاء، عندما نظرت الى عينيه، وفهمت من يكون هذا الشخص: انه أبو ثروت، ذلك الحالم العراقي.
ومع مرور السنين، توسع فهمي له، فهو أيضا النموذج الارقى للتكنوقراط الوظيفي العراقي، ابن الدولة الوفي الخدوم، الصادق، الزاهد، المثابر، والمبادر، والثوري أيضا.
هل تدرون بأن هذا الشخص العراقي لديه علاقة خؤولة مع الملك زوگ، ملك البانيا المخلوع؟ كيف؟ جد أبو ثروت كان آخر والي عثماني على البانيا. هل تعلمون بأن أبو ثروت تقدم الى انشاء نادي للنكتة في ظل نظام صدام حسين، وتعهد لدى الامن العامة عند تقديمه الطلب بأن “لا تخافون ما راح نندگ بيكم…” (بالطبع، تم رفض الطلب). هل تعلمون بأن أبو ثروت بدأ يتجول في شوارع بغداد ما بعد 2003 بـ “تي شيرت” ابيض يحمل شعار الجمهورية ابان العهد القاسمي، وهو تي شيرت احتفظ به على مدى عقود منذ أيام شبابه كي يعاود لبسه مرة أخرى عندما يُزال حكم البعث؟ (أبو ثروت كان، وبقي، يساريا، وإن كان قد انظم الى المؤتمر الوطني العراقي في نهاية التسعينات).
هل بإمكاني ان اعطي رجلا فريدا كهذا حقه من خلال كلمات وجيزة؟ بالطبع، كلا.
ولكن، استطيع ان اعود على بعض الآمال التي حملها في قلبه، ذلك القلب الذي صمد طويلا، وطاوع السنين. احدى أولى امنيات أبو ثروت، ما بعد 2003، هي جعل الخطوط الجوية العراقية من افضل شركات الطيران في المنطقة، وكالعادة، الامر لم يقتصر على الامنيات، فذهب أبو ثروت واعّد الدراسات الدقيقة والمفصلة، والواقعية هي أيضا، والتي بموجبها وضع رؤيته عن كيفية تحقيق مشروعه الكبير، والذي كان يعتبر شأنا ثانويا، وحتى مستغربا، في الأشهر الأولى ما بعد اسقاط البعث، وعندما سألت أبو ثروت عن ذلك، أجاب: “لأن هذه من أولى واسهل الهدايا التي نستطيع ان نقدمها الى العراقيين فورا، والتي من خلالها سيشعرون بأن كرامتهم، وافتخارهم بدولتهم، ستعود. كما هي ستكون اول شيء سيراه العالم من معالم العراق الجديد، عراق واثق من نفسه، ومن مستقبله، وقد تغير فعلا.”
عليّ ان اعود الى ارشيفي كي اتصفح الدراسات التي كان يقدمها أبو ثروت، لأنني أتذكر بأن دراسة الخطوط الجوية العراقية وسلطة الطيران كانت واحدة من بين خمس او ست دراسات قدمها في وقتها. وكلها كانت تصب في نفس السياق: إعادة روح الفخر والكرامة الى أروقة الدولة العراقية، تلك الدولة التي احبها أبو ثروت، وخدمها طيلة حياته.
شاءت الظروف بأن تُحبط مشاريع أبو ثروت، فلم يشارك في صياغة الدستور، ولا في إعادة احياء سلطة الطيران، ولا في أي واحدة من أحلامه الأخرى. شعر أبو ثروت بشيء من الإحباط، وكان يتألم كثيرا على الأخطاء التي بدأت تتراكم مع نهوض العراق الجديد، ولكن في نفس الوقت، لم ينزوي الى نرجسية الشؤم والاعتزال، بل بقي يبحث عن ذلك الدور الذي سيستطيع من خلاله ان يقدم شيئا لهذا البلد. وعليه، استطعت ان استحصل على احدى اخطر الوظائف في العراق الجديد له، الا وهو دور مدير عام الدائرة المعلوماتية في هيئة اجتثاث البعث. فاين كنت سأجد شخصا مثله، عراقيا لا طائفيا، عراقيا لا قوميا، ليبراليا، حريصا، ومقتدرا في نفس الوقت؟
شرع أبو ثروت في أوائل سنة 2004 في إتمام واحدة من اصعب المهام. كانت هناك عديد من القوى السياسية تتنافس ما بينها كي تجعل هيئة الاجتثاث أداة طيعة في يدها، مما أدى الى حالة من عدم التجانس ما بين المدراء العامين، وأيضا، كان هناك اشكال كبير في بنك المعلومات، لأن أرشيف النظام السابق، وخصوصا أرشيف حزب البعث، قد تبعثر لدى اكثر من عشرين جهة، ما بين الجيش الأمريكي، وأجهزة مخابرات إقليمية، وأحزاب، وافراد، و”تجار”، بل ان جزء كبير من الأرشيف قد تم احراقه بشكل ممنهج من قبل بقايا النظام السابق. ولكن أبو ثروت بدأ بالعمل الدؤوب، والمثابر، والمبادر، كما عهدته، وفي غضون فترة قياسية، استطاع ان ينشأ كادرا خاصا به، وفريق عمل، ليجمع كل ما تسنى له من معلومات، كي يقوّم عمل الهيئة ويسهل مهامها.
تجح أبو ثروت في إتمام مهمه، ولكن الهيئة لم تنجح، وزاغت عن هدفها الى تحقيق ما كان يطمح اليه هذا وذاك. وحورب أبو ثروت، وفقد النزال.
فهل استسلم أبو ثروت؟ هل لعن الزمن الذي جعله “عراقيا”؟
كلا، حاول وحاول وثم حاول ان ينير الطريق بأي صورة كانت، استمر في اعداد الدراسات، استمر في التبليغ عن حلمه بعراق آمن، مستقر، ليبرالي، مدني، عراق واحد لكل ابناءه وبناته، عراق واعد، وعراق واثق من نفسه.
مع السلامة يا أبو ثروت، ولا تقلق، فقد اودعت الأمانة، وهناك من سيستلم الراية. اتخيل بأنك الآن في فردوس قد شيدته في ذهنك، “جنّة” اسمها عراق المستقبل، عراق الاحلام، عراق قوي، وزاهر، ومزدهر. واراك تذهب في الصباح الباكر، وتخرج مجموعة من المفاتيح من جيبك، وتدفع بباب الدار، وتتجول ما بين حصاد الحديقة، لتلتقط وردا هنا، وزهرا هناك، وتضعها في مزهرية في صالة الاستقبال، وتجلس مع قهوتك الصباحية، وتنشر شيئا في صفحة “قراءات عراقية”، وتنتظر تقاطر أول الرفاق المواظبين على ارتياد “نادي النكتة”، حيث تتصدر الديوان بابتسامك وعيناك، وذلك الحلم الكبير.

ابو ثروت

خاطرة اليوم (26 آب 2016): كازينو الخضراء والروليت الروسي…
رهان عجيب…
اما الشعب خانع، لأسباب متعددة، او متخاذل، لأسباب اخرى، بحيث يسع الطبقة السياسية ان تتصرف وكأنها تسكن في عالم موازي…
او…
في المفاجئة او الخضّة القادمة، والتي لا نعرف ملامحها، سنكتشف بان الورور كان فعلا يحوي رصاصة طيلة أمد اللعبة…
تره هذا هو القمار على اصوله، ولو يگلون عليه حرام…
عن نفسي، لا أستطيع ان أبرر استمرار هذه الطبقة السياسية باي صورة ما. بس يمكن همه يفتهمون اكثر، ويعرفون بان الحظ راح امشيلهم ياها. القمارچي حياته كلها على الحفّة…الى ان يوگع.

خاطرة اليوم (25 آب 2016): خطوط استقرائية كما اراها

ادركت منذ حين، ان من يأتي بالجديد قد يكون محقا، ولكنه يبقى بلا تأثير كبير. لأن الجديد، إن تعارض مع المفاهيم الحالية أو الآنية، سيربك المتلقي، والارباك سيؤدي الى النفور. انجح المتكلمين في الشأن العام هم من يخاطبون العقلية السائدة بما تتقبله، وربما، إن كانوا حريصين، يُدخلون “الجديد” بـ “القطارة” كي يستطيع المتلقي ان يتكيف معه. انا شخصيا لا اتمتع بهذه الخاصية، والوم نفسي على ذلك، ولكن هذا لا ينهيني عن محاولة تداول “الجديد” لربما يتبناه هؤلاء الناجحون، كي يوظفوه في سردياتهم.

فهذه بعض الخطوط الاستقرائية التي توصلت اليها اجتهادا. اضعها امامكم كما هي. وهي مبنية على ما افهمه من ميول واتجاهات ومنحنيات واقعة الآن، والتي حاولت ان استكمل تطورها الطبيعي الى المدى المتوسط والبعيد:

-أمريكا قد غادرت الشرق الأوسط نفسيا، ولكن العكس غير صحيح. لا يزال الشرق الأوسط يعتقد بأنه ذات أهمية بالغة بالنسبة للأمريكان. في حين ان إدارة أوباما قد أوضحت بأن هذا الامر لم يعد قائما. الأسباب التي أوردها أوباما كثيرة، ونحن هنا لسنا بصدد مناقشتها. الأهم هو الناتج، والذي لا اعتقد سيتغير تحت إدارة جديدة حتى ان كانت لديها النزعة لإعادة بسط شيء من نفوذها في الأوساط التي اخلاها أوباما.

-التقنيات الصناعية الجديدة ستماثل الارتجاج العالمي الهائل الذي جاء مع عصر الانترنت قبل عقدين. هذه التقنيات ستغير معظم المعادلات الاقتصادية، ومحاور التجارة العالمية، التي أنشئت عبر الأربعين سنة الماضية.

-عدة عوامل اثرت وستؤثر في تحديد أسعار النفط. ولكن التطورات التقنية، وتغير محاور الاقتصاد والتجارة، ستعني بأن أهمية النفط ستنحسر، وسيلقي هذا الامر ظلاله على أسعار الطاقة.

-لا ادري ان كانت العوامل المناخية المتغيرة هي من صنع البشر، اما انها نابعة عن تغيرات طبيعية تشهدها كرة الأرض من عصر الى آخر. ولكن المؤشرات فيما يخص الشرق الأوسط غير مشجعة، والاستنتاج الذي نستطيع التوصل اليه، مع ما نشهده من شحة مائية، هو ان المنتوج الزراعي لن يوازي النمو السكاني، خصوصا وان التقنيات الزراعية متأخرة جدا لدينا.

-النزعة الثورية، وتأثير الأفكار الكبرى (مثلا، الخلافة، ولاية الفقيه، كردستان الكبرى) لا تزال بكامل عنفوانها، ولا اراها في طور الافول قريبا.

-لا توجد لدي مؤشرات بأن الطبقات السياسية الواسعة في ربوع الشرق الأوسط تتمتع برؤية وهمّة توازي التحديات. قابلية هذه الطبقات على استيعاب الأفكار الجديدة وفهم التحديات الماثلة تشابه قابلية العوام. فيما يخص العراق، هذا الضمور والشلل قد تم مأسسته ضمن شبكات فساد متداخلة وعميقة، ولن نرى، لا من لدن هذه الطبقة، ولا من صفوف معارضيها، الادراك الكافي لما يواجه البلد، والسبل الواقعية الى مخارج النجاة.

-صناعة الرأي العام، عالميا، قد تغيرت بصورة مطلقة. وهذا الرأي العام، بطريقة او أخرى، يصنع او يوجه النخب، وهذه النخب هي التي ستحدد السياسات. أي ان الرأي الحكيم او العقلاني عليه ان يزاحم فورة الصخب والتسمم المعلوماتي والكذب المبرمج وتلاشي حدود السريّة في استمالة الدهماء، وهؤلاء هم اسياد العصر الجديد. كيفية تطور هذا الامر لا يزال مبهما بالنسبة لي، ولكن ما كنا نعتقده “خبرة” و”معرفة” تستوجب احترام الجمهور لها، او حتى الانبهار بها، لن تستطيع ان “تگايش” هذه المتغيرات.

-في خضم هذه العاصفة، لن يسع الشاب المثابر، الذي يروم النجاة، ان يهاجر الى بر الأمان، لأن قلاع الغرب ستنهيه عن القدوم اليها. الغريزة البيولوجية في الحفاظ على النفس، او النسل، ستواجه ممانعة من قبل قوارب النجاة المزدحمة اصلا.

كل واحدة من هذه النقاط فيها تفصيلات وسجالات عديدة. قد تعترضون على اجزاء منها. هذه قراءتي الخاصة. وما يقلقني فعلا انها ستأتي متزامنة ومترادفة. لا ارى حلولا لها، ولكن هناك طرق لتحييد شيء من وجعها، او على الاقل، دفع ضررها على غيرنا.

خاطرة اليوم (6 آب 2016): انجح كتلة “عابرة للطوائف” هي كتلة الفساد.

خاطرة اليوم (14 تموز 2016): آلمني ما كتبه الاستاذ خالد المطلگ على صفحته الخاصة قبل قليل تعقيبا على بوست البارحة (الـ “لستة” المدنية). الاستاذ خالد شخصية ثقافية محترمة ومعتبرة ويتابع كتاباته الكثير من الناس، وكان اسمه من اكثر الاسماء تداولا في منشور البارحة. ولكن دعوني اضع نقده على جنب وأن اركز على جملة تفضل بها: “المدنية يا صديقي تعني الفردية…”
فهنا يكمن جوهر الموضوع. هذا التعريف للمدنية ليس عاما، لأن المدنية لا تزال في طور التعريف. وهو عمل جمعي سيقوم به الكثير من الكتاب والمفكرين، وفي نهاية الامر سيرسو الاختيار على تعريف يناسب المفاهيم الموجودة حاليا عند الجمهور، او اغلبه.
انا شخصيا اختلف مع الاستاذ خالد في هذا التعريف، واعتبره مبتوراً. نعم، المدنية في بداية تعريفها هي الحرية الفردية، ولكن “الفرد” لا يستطيع ان يعيش في صومعة خاصة به بمعزل عن باقي الافراد. وخصوصا في النظم الاجتماعية التي تتكون في المدن والقصبات، حيث قد يضطر الفرد ان يجاور من لديه تعريف آخر لـ “حريته الفردية” متباين ومتناقض مع تعريفه الخاص.
فكيف سيتم التوفيق بين هذين الفردين؟ كيف لهما ان يتعايشا جنبا الى جنب في مساحة محصورة؟ لا بد ان تكون هناك مفاهيم وتوافقات تنظم العلاقة عمليا بينهما، من دون التوقع انهما سيعيشان في احضان الطوبائية والسعادة الابدية.
في بوستات سابقة، اشرت بأن اهم صادرات العراق عبر الازمة كان الفكر.
واليوم، تتسنى لدينا فرصة لصياغة فكر جديد لأن العراق يتميز عن اقرانه في منطقة الشرق الاوسط في منحنى مهم جدا: توفر فرصة الحوار.
هذا الامر غير متوفر في اي مكان آخر، لا في ايران، ولا في السعودية، ولا حاليا في تركيا، ولا في مصر، ولا حتى في اسرائيل. الحوار العراقي، الذي يبدأ في الـ “كيّا” ويمتد الى الفايسبوك ويجتاز اسوار الخضراء اصوليا ام ثوريا، هو مكسب كبير لشعب مجبر بأن يتفحص نفسه في المرآة ومجبر على ايجاد حلول كبرى، وبسرعة. الحوار العراقي مشروع هائل ومكسب كبير، لأنه يغور في عمق الاشكال الحاصل.
قد نمتعض من مستويات هذا الحوار، وقد نتخوف منه ايضا. اليس هذا الحوار هو الذي ادى بأحدهم الى اطلاق فكرة “سبعة بسبعة”؟
ولكنه نفس الحوار الذي من خلاله لنا ان نتفحص حدث مفصلي في تاريخنا، مثل احداث يوم 144 تموز 1958. قد تقولون ما الفائدة من اثارة الخلاف القديم مع تزاحم الخلافات المستحدثة؟ ولكنني ارى بأن استطاعتنا في ادارة الخلاف في ملف شائك مثل انقلاب-ثورة 14 تموز هو “تمرين” جمعي يؤهلنا الى ادارة خلاف اليوم، والخلاف الآتي.
وقابلية ادارة هذا الخلاف، بين افراد معتدين برأيهم، وواثقين من صحة موقفهم، وعلى يقين من مشروعية طرحهم، ولكنهم في نهاية السجال قد يفترقون من دون “فگس” عين المقابل، او اراقة دماءه، هو منهج المدنية الذي ابحث عنه، والذي اعتقده اطارا جيدا، ولا اقول حلا سحريا، كي يستطيع كل فرد منا ان يعود الى اهله ومحبيه عندما يطوي اليوم ساعاته.