القضية الكردية-العراقية من خلال اربعة كتب

(الجزء الاول نشر لاول مرة في موقع الحرّة يوم 25 اكتوبر 2017)

أول ما استوقفني في هذا الكتاب الصادر عن المطبعة العربية بغداد 1954، هو عنوانه، ثم تاريخ ومكان النشر. فالكاتب يتطرق إلى مسألة حساسة، ولكن يبدو أن هناك هامشا كافيا من اللين السياسي في العهد الملكي كان يسمح بتداول مسألة كهذه في السجال العام. الكتاب جاء مكملا لسلسلة من المقالات كان الكاتب قد نشرها في الجرائد العراقية، أما توقيته فجاء متزامنا مع اقتراب الحكومة العراقية من البت في شأن البارزانيين ومصيرهم بعد ما يقارب ربع قرن منذ بداية مناوشاتهم مع الدولة في عام 1931.

ففي سنة 1954 كان البارزانيون مكسورين ما بين المنافي القريبة في جنوب العراق، ومنافي الاتحاد السوفيتي، وكان معروف جياووك، المؤلف، يسعى إلى استعطاف الدولة على حالهم لإعادتهم إلى مناطق سكناهم في ربوع منطقة بارزان بعد مرور عقد من الزمن تقريبا منذ آخر منازلاتهم الكبيرة مع الدولة، أي الأحداث التي سبقت خروج إحدى عشائر “قوم بارزان” برجالهم ونسائهم وأطفالهم ومسنيهم (البيروزيين) إلى إيران عام 1945 والتحاقهم بجمهورية مهاباد الكردية هناك، ومن ثم انهيارها وعودة غالبيتهم إلى العراق، في حين شق آخرون طريقهم سائرين على الأقدام تحت وابل الرصاص الإيراني والعراقي والتركي في رحلة الـ 250 ميلا إلى حدود الاتحاد السوفيتي مع إيران، وكان تعداد هؤلاء 500 مقاتل بقيادة ملا مصطفى البارزاني، ليطلبوا اللجوء تحت ظلال حكم جوزيف ستالين.

أما الأمر الثاني الذي استوقفني هو سيرة المؤلف، وشخصيته. ولد المؤلف في أحد أزقة بغداد سنة 1885، لعائلة كانت تنحدر من قرية ليست بعيدة عن بارزان. وكان والده موظفا بسيطا لدى السلطة العثمانية، وكما كان معتادا آنذاك، تمكن الوالد من إرسال ابنه إلى الأستانة كي يتابع مهنة الأسرة في خدمة السلطة المركزية من خلال دراسة الحقوق. ولكن تسنى للطالب معروف جياووك الاطلاع على الأفكار التي كانت تعصف بإسطنبول آنذاك والسجالات السياسية المنبثقة عنها، والرامية إلى إصلاح حال دولة الإسلام مقابل “تكالب” الغرب، أو هكذا كان يراها أغلب القوم. وربما أثرت هويته القومية في عدم التحاقه بالركب الأعظم ذي اليمين القومي التركي والمتمثل بأنصار ما سيعرف لاحقا بحزب الاتحاد والترقي، فمال جياووك إلى الليبرالية الإسلامية المتفتحة التي كان ينادي بها الأمير صباح الدين، سليل أحد السلاطين من طرف والدته، وابن البلاط الذي أدار جبهة المعارضة من المنفى الأوروبي.

شاءت الظروف السياسية أن تجعل جياووك من المطاردين السياسيين، فعاد إلى بغداد، وهنا بدأت صفاته الإشكالية في الظهور، والتي يمكنا وصفها بالحادة والعصامية، بل المتطرفة أيضا. ولا أدري ما هي الظروف التي دفعته إلى “الجهاد” في البصرة عند قدوم الإنكليز في الحرب العالمية الأولى، ولكنه وقع أسيرا في المواجهات، وبات منفيا في مستعمرة بورما في جنوب شرق آسيا لحين انتهاء الحرب.

إذن، عدة أمور ساهمت في تكوين شخصية جياووك: الانتماء القومي والفخر به، إطاعة المركز إن كان في إسطنبول أو بغداد، كراهية الإنكليز، والاستشعار بأن الغرب يسعى دائما إلى التآمر على فسطاط الإسلام بمعونة الأقليات المسيحية كالأرمن والنساطرة، كما يدلنا على ذلك الرأي العام السائد في عموم البلاد العثمانية. تقشعر الأبدان للطريقة التي يتناول فيها جياووك مسألة المسيحيين، والتي تمتاز بالطائفية السمجاء الحقود، بل تصل به حد التشفي جراء ما حصل من مجازر ضدهم أثناء حرب إبادة الأرمن، والغدر بمار شمعون، وحتى في سنة 1933 عند حصول مجزرة سميل على يد الجيش العراقي. ولكن يبدو أن وجهة نظره والأوصاف التي ساقها كانت كلاهما تعكسان الرأي العام آنذاك بصورة دقيقة.

وعليه، فإننا نرى القضية البارزانية، أو أول تجلياتها، والتي لا يزال صداها متصدرا لنشرات الأخبار، من خلال عينيه، ليحيل مآلاتها إلى مؤامرة بريطانية لاستعداء البارزانيين مع الدولة كي يتم إخراجهم من أراضيهم وإسكان حلفاء الإنكليز من النساطرة الآثوريين مكانهم في الخط البياني المعروف بـ “خط بروكسل” والذي يمتد من زاخو إلى رواندوز، محاذيا للحدود العراقية – التركية، مارا بقرى بارزان وسريشمة، والأخيرة هي موطن أجداد المؤلف. وكان يعتقد أن “بريطانيا تعهدت سرا للآثوريين بتشكيل دولة لهم في كردستان العراقية نظير الدولة الإسرائيلية في فلسطين”.

هذا من جانب، أما من جانب آخر نجد بداية شعور الكرد بأن العالم الخارجي قد غدر بهم، وبأن قبيل أول الصدامات ما بين البارزانيين والحكومة في سنة 1931، وأثناء المفاوضات التي كانت تجري ما بين الجانب العراقي وجانب سلطة الانتداب حول الاستقلال، استشعر العنصر الكردي في العراق إجمالا أنه لن يحصل على ما وُعد به من قبل عصبة الأمم، والتي كانت قد التزمت بإعطاء الكرد “إدارة ممتازة” (أي حكما ذاتيا) عند أي تحول في شأن سيادة العراق من الانتداب إلى الاستقلال، أو هكذا كانوا يتصورون، وكان جياووك في طليعة المؤججين لذلك.

أضحكتني هذه الجملة عند مراجعتي للكتاب: “وبما أن الواجب يقضي بإعادة النظام والانتظام ومنع تكرار الإجرام، قرر احتلال المنطقة البارزانية احتلالا عسكريا والقبض على المجرمين وسوقهم إلى العدالة”. قيلت هذه الجملة يوم 8 آب/أغسطس 1945 من على الإذاعة الرسمية العراقية لتأتي ضمن قرارات الحكومة في وقتها. ضحكتي كانت سوداوية، لأن بعد مرور 72 سنة لا يزال العراق يراوح في نفس مكانه إن طالعنا البيانات الصادرة والخطاب العام في ما يخص أزمة كركوك الأخيرة. بل إن البلاغ الحكومي أعلاه أكبر سنا من عمر الرئيس مسعود البارزاني. فلا البارزانيين كُسروا، ولا الدولة انتظمت ولا حقوق مواطنيها استوت.

شخصية جياووك المشاكسة جمعت ما بين توليه منصب متصرف (محافظ) أربيل تارة، وتوكله للدفاع عن أحد أشهر “أشقياء” العراق إبراهيم عبدگه (الكردي الفيلي)، تارة أخرى. وحينما كان نائبا عن أربيل في الدورة النيابية التي واكبت حكومة عبد المحسن السعدون، كان إيحاؤه تحت قبة البرلمان بأن السعدون قد خان بلده لصالح الإنكليز لدى تريثه في أمر الاستقلال هي القشة التي دفعت بالأخير إلى الانتحار بعد ساعات من مداخلة جياووك.

لا أدري إن كان جياووك، في تعرجاته وانفعالاته، وتناقضاته قد تناسى موقف السعدون في ما يخص القضية الكردية أثناء انعقاد المجلس التأسيسي العراقي سنة 1924، قبيل انضمام لواء الموصل أصوليا إلى الدولة العراقية؟

هذا ما قاله عبد المحسن بك السعدون حينها: “لا يخفى على رفقائي أعضاء المجلس العالي أن السبب الأكبر الذي أدى إلى سقوط الحكومة العثمانية هو غمط منافع الأمم وحقوق الطوائف التي كانت تستظل بالراية العثمانية، فنحن إذا اتبعنا الطريقة التركية التي كانت تغمط حقوق الأقوام فنكون قد أخطأنا كما أخطأوا فلذا أرى من اللازم والضروري أن نكون أحرارا ونعطي الحرية إلى جميع العناصر ولا نكون حريصين أو بخلاء في إعطاء هذا الحق إلى أهله ولا يخفى أن في العراق عنصرا عظيما وهو العنصر الكردي فاذا لم نعط العنصر الكردي حقه وندع مدارسه تدرس باللغة الكردية فقد تكون النتيجة غير حسنة، نعم أن اللسان العربي مجيد محبوب ولا أعتقد وجود عراقي لا يجتهد أولا ببذل الجهد في سبيل تعلمه ولكن المادة الأصلية على المعنى الواضح تفيدنا سياسياً وترضي جميع إخواننا غير العرب وغير المسلمين فأتمنى من المجلس أن لا يبخل في إعطاء هذا الحق حتى تكون القلوب متحدة ومتفقة ومؤيدة للوحدة العربية وإذا لم نعطهم هذه الحقوق فلا نستطيع الحصول على الوحدة العربية التي نتمناها…”

وهنا نرى التباين ما بين العصامي المتطرف المتسرع، والعصامي المعتدل المتأني. وإن أحسنا الظن بكل الفرقاء في الأزمة الحالية التي يشهدها العراق، فكيف بنا أن نتوقع منهم الحلول والتروي إن لم تستطع قامات كالسعدون وجياووك على التفاهم عند تكوين العراق الوليد؟

توفي جياووك في مطلع سنة 1958، أي أنه لم يشهد نهاية العهد الملكي على يد العسكر. ولم يشهد عودة ملا مصطفى البارزاني منتصرا من منفاه الروسي، ومتحالفا مع الرئيس عبد الكريم قاسم. وبعدها بسنتين، عاد الخلاف، وعادت سحب البارود تنبثق من ثنايا غابات السرو والبلوط في نواحي بارزان. وبعد مرور جيل على صدور كتاب “مأساة بارزان” أقدمت الدولة العراقية في سنة 1983 على قطع نسل أي رجل من “قوم البارزانيين” كان واقعا تحت يدها، وقتلت ما يقارب ستة آلاف منهم في غضون أسابيع، وقطعت حتى الاشجار.

يمكنكم الاطلاع على الكتاب عبر هذا الرابط

 

(الجزء الثاني نشر لاول مرة في موقع الحرّة يوم 3 نوفمبر 2017)

يستهل المؤلف الجزء الأول الصادر سنة 1946 عن مطبعة الزمان ببغداد، والمختص بلواء (محافظة) السليمانية بتعريف القارئ بمتصرفها السابق معروف جياووك، الذي أوردنا كتابه “مأساة برزان” في مقالنا السابق. ويختتم المؤلف الجزء الثاني (1947) الذي يتمحور حول لواء كركوك باستدراك حول جياووك أيضا. يبدو أن الأخير كان قد أعان لجنة التأليف والتي كان يرأسها عبد المجيد فهمي في تجوالها في محافظة السليمانية وأوعز إلى الجهات الرسمية في اللواء تسهيل مساهمها، وقد عبّر المؤلف عن امتنانه لذلك من خلال تقديم ترجمة موسعة لسيرة المتصرف. مثلا، نجد أن جد جياووك، الحاج مولود سعدي “بديع الزمان”، كان فقيها شهيرا وقد آزر الدولة العثمانية “ضد الروس في سبيل الإسلام بغزوتين”. أما والده “علي أصغر أفندي” فكان بدوره من “أفاضل العلماء واشتغل في التدريس وإمامة الجيش ووكالة الأوردو (القوات المسلحة) في جميع المحاكم”. أما جياووك نفسه فيعرفنا الكتاب عن الظروف التي انتهت به أسيرا ومنفيا في بورما، حيث كان معاونا لمدرسة المعلمين في البصرة وأسس “جمعية الخطابة والدفاع” ليحث الأهالي على التصدي للجيش البريطاني عند مطلع الحرب العالمية الأولى قبيل أسره من قبل الإنكليز. عند صدور الجزء الأول لم تكن بغداد قد عيّنت متصرفا لخلافة جياووك، ولكن في الجزء الثاني نجد إشارة إلى أن حسن الطالباني خلفه في هذا المنصب، والذي سيصبح لاحقا في الحقبة الجمهورية وزيرا في الحكومة القاسمية الأولى.

الأمر الذي استوقفني في هذين الجزئين هو أن ظاهرة جياووك، أي الكردي المُنحاز إلى السلطة المركزية، إن تواجدت في اسطنبول أو بغداد، لم تكن ظاهرة قشرية أو شكلية أو فردية، بل من خلال مطالعة تراجم المسؤولين في هاتين المحافظتين نجد أن بغداد كان لها خزين كبير من إداريي الدولة العثمانية من القومية الكردية أو من المتمكنين من اللغة الكردية، لها أن توكل إليهم مهام إدارة شؤون المناطق ذات الأكثرية الكردية، وهو ما كان منصوصا عليه ضمن فكرة “الإدارة الممتازة” (الحكم الذاتي) التي أرادت عصبة الأمم تنظيم وجود الكُرد ضمن الوحدة العراقية من خلالها.

فمثلا، ينتسب جياووك من جانب والدته إلى عائلة بابان، وهي نفسها العائلة التي استطاعت انتزاع السلطة في مناطق واسعة من محيط السليمانية وأدخلتها ضمن رقعة “إمارة بابان” شبه المستقلة. بل إن أحد زعماء هذه الإمارة، إبراهيم باشا البابان، أنشأ مدينة السليمانية على أطلال قلعة وقرية كانت في محلها سنة 1784، وتتضارب الروايات فهناك من يقول إنه سماها باسم جده، وفي رواية أخرى “إكراما لوالي بغداد… بيوك سليمان باشا الكولمندي” أي صاحب المماليك الجورجيين والذين كانوا قد انتزعوا شيئا من الحكم المحلي في بغداد في منتصف القرن الثامن عشر. ولكن بعد مرور سبعين عاما، ومع ورود تغيرات جذرية في العلاقات الجيوستراتيجية والاقتصادية والإدارية، تحولت أنظار الباب العالي إلى هذه المقاطعات المهملة سابقا كالعراق، فتحركت القطعات العسكرية العثمانية لبسط السلطة المركزية هناك، ووقعت إمارة بابان كغيرها ضحية لهذا التوسع. ولكن في نفس الوقت، سعى العثمانيون إلى إدماج عائلة بابان ضمن النُظم الإدارية العثمانية، فنجد أن العائلة “كانت لها مكانتها المحترمة، ففي العهد العثماني كانوا المقربين، فمنهم الوزراء والولاة، فمثلا (مصطفى زين باشا) كان واليا على الحجاز وإسماعيل حقي باشا كان وزيرا لوزارة المعارف العثمانية وخالد بك كان مدرسا خاصا للسلطان محمد رشاد ومجيد باشا والد جميل بك كان قائم مقام لقضاء رواندوز وكفري والشامية برتبة، كان (مير ميران)…” واستمر الحال من بعد تحول البوصلة المركزية من اسطنبول إلى بغداد، فنجد الوزيرين جمال وجلال بابان، والنائب صلاح الدين بابان، وكذلك فاضل بابان معاون مدير الشرطة، وأيضا أحمد مختار بابان رئيس الديوان الملكي لفترات طويلة، وآخر رئيس وزراء في العهد الملكي.

لم يقتصر الأمر على لقب “بابان”. الجزءان يضمان تراجم لعشرات الرجال من المسؤولين والتجار وشيوخ العشائر، ولكن أهم ما في الأمر هم المسؤولون والضباط، إذ نجد أن كركوك بالأخص كانت ترفد السلطات العراقية بالعديد من الرجالات المتمكنين من اللغات الكردية والعربية والتركمانية لخاصية تلك المدينة كنقطة التقاء لهذه الهويات ضمن الإدارة العثمانية سابقا، ولكون كركوك نقطة سيطرة مهمة على أحد الطرق التجارية والإدارية الرئيسية ما بين بغداد والموصل وما يلي الموصل. فالألقاب “التركمانية” كـ “قيردار” أو “نفطجي” أو غيرها تخفي أواصر أخرى تجمع هذه العائلات مع أنساب كردية بحكم التزاوج الحاصل ما بين طبقة الحكام والمتنفذين في تلك المدينة، والتي كانت الهوية الجامعة فيها هي الإسلام السني والولاء للعرش السلطاني. واستمر الحال بعد انتقال ذلك الولاء إلى العرش الهاشمي ببغداد. ولعل الانتساب الكردي، من جهتي الأب أو الأم، والذي تفاوت في وضوحه لدى الرجالات الأبرز في العهد الملكي، مثل نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي وأخيه ياسين الهاشمي وبكر صدقي وغيرهم، وحتى مثقفين كمعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، وامتد إلى العهد القاسمي مع ورود روايات انتساب والدة عبد الكريم قاسم إلى العنصر الكردي، هو دلالة على انصهار أعداد كبيرة من الكرد ضمن النظم الإدارية المركزية على مدى مئات السنين.

ومن المفارقات في الجزء الأول هو ورود الإهداء إلى “سيادة الزعيم الحر الشيخ محمود الشيخ سعيد (الحفيد)” الذي يوصف في موضع آخر بـ”الزعيم الأكبر للسادات البرزنجية، كما أنه الرئيس الأعلى لعشائر لواء السليمانية، والمتنفذ الأوحد فيها”. المفارقة تقع في أن الحفيد كان في حال ثورة شبه مستمرة من سنة 1919 إلى 1923 ضد الدولة العراقية، وتم نفيه عدة مرات خارج البلد وداخله، وبقي مشاكسا ومشاغبا لحين عقد الثلاثينيات، تلاها نفيه لمدة 10 سنوات في جنوب العراق وفي بغداد، وبعدها سمح له بالعودة إلى قريته داركلي لقضاء خريف العمر. ومشروع دليل تاريخ مشاهير الألوية العراقية كان مجازا من قبل مديرية الدعاية العامة، ولكنه في نفس الوقت يقدم هذا الدليل سردية متعاطفة مع سيرة الحفيد، فمثلا يعلمنا المؤلف بأن الحفيد ذهب إلى الشعيبة قرب البصرة مع 1800 خيال و300 راجل “للذود عن الإسلام”، وقضى ثمانية أشهر في القتال ضد الإنكليز هناك. ثم خاض 20 معركة ضد الروس المتقدمين على نواحي رواندوز. وحتى عندما ثار في مطلع العشرينيات وأعلن نفسه ملكا على كردستان كان “وطنيا” في ذلك لأنه قاتل الإنكليز “فوقعت بينه وبينهم حرب ضروس دامت 45 يوما في مضيق (طاسلوجة) وقد جهز له في تلك الحرب 50 ألف مقاتل دون أن يتمكنوا من التغلب عليه إلا بعد خيانة أحد المقربين إليه…” وبعدها أرسل منفيا إلى بومباي وثم إلى بونا، وهكذا. أما انصياعه الأخير للسلطة المركزية “كان في نهايتها أن استسلم إلى الحكومة العراقية حقنا لدماء المسلمين” أي أنه تنازل عن استقلال قومه لا لأنه قد اقتنع بـ “الوحدة العراقية” وإنما حرصا على الأرواح.

هذه السردية تعكس الاعتقاد السائد في سنة 1946 بأن القضية الكردية قد طوي أمرها، وبأن الدولة تتمتع بما يكفي من الثقة لأن تفسح المجال لسردية متعاطفة مع أحد خصومها كي تُنشر من دون تدخل مقص الرقيب. ولكن سنة 1946 أيضا شهدت ولادة جمهورية مهاباد الكردية في يناير، ثم انتهاءها في ديسمبر، وولادة الحزب الديموقراطي الكردستاني (الپارتي) برئاسة ملا مصطفى البارزاني (في شهر آب). ولتوضيح أهمية هذه اللحظة من تاريخ الحركة الكردية، يعرفنا مؤلف الدليل بأصغر أبناء الشيخ محمود الحفيد، عبد اللطيف الحفيد، ليقول بأنه “نهج منهج أسرته في التقرب إلى الله” و”انشغل في الشؤون الزراعية”. ولكن ما فات المؤلف هو أن عبد اللطيف الحفيد كان قد انتخب نائبا للبارزاني في حزب الپارتي وذلك سرا في أولى جلسات تأسيسه في بغداد.

يحتوي الجزءان على الكثير من المعلومات المهمة والتي يستطيع المؤرخ إعادة تأويلها بأثر رجعي من بعد مشاهدة كل ما حصل في السبعين سنة الماضية منذ صدور هذه الكتب. فمثلا، يفيدنا المؤلف بأن حوالي 40 بالمئة من سكان محافظتي السليمانية وكركوك هم من العشائر المترحلة والمتنقلة، أي غير الثابتة والتي يصعب تعداد سكانها أو تحديد موقع سكناهم. وهذا التماوج الديموغرافي سيلقي بظلال مخيفة على مستقبل هاتين المحافظتين عند تحديد التركيبة السكانية التي تُجزم بأن فلان قومية تشكل الغالبية أو علان مذهب يشكل الأقلية. ومثال آخر على أهمية الكتاب يكمن في الإعلانات، إذ نجد أن أغلبها لتجار وحرفيين ومجهزين من بغداد والبصرة، أي أن أسواق السليمانية وكركوك هي أسواق ثانوية ضمن العراق، لم تستطع إفراز طبقة رأسمالية موازية لتلك في المدن الرئيسية الأخرى. والإشارة الأخرى تكمن في أنهما لم تكونا ضمن دائرة الموصل التجارية، كمثل أربيل ودهوك.

وفي تقريظ الجزء الثاني، يضع الكاتب البغدادي محمد عباس الصالح عبارة “كركوك عروس كردستان” من دون تحسس كذلك الناجم حاليا عن مصطلح “كركوك قدس كردستان”. وهناك إشارات مهمة لسياسة التعريب “الفعلي” التي كانت السلطة الملكية قد بدأتها من خلال إسكان عشائر العبيد وأخرياتها ضمن مشروع ري الحويجة. وكان العبيد قد نزحوا إلى العراق منذ أربعة قرون من نجد وسكنوا نواحي الجزيرة شمال جبل سنجار. ولكن هجرات شمر اللاحقة من حائل دفعت العبيد في اتجاه الجنوب شرق، فانتقلوا إلى سهل الحويجة، ودفعوا بدورهم البيات والعزة عنها، مما ساهم في اضطراب الهوية لدى هذه العشائر المهزومة ما بين التركمانية والكردية والعربية. وحتى صدور الجزء الثاني، لم يكن العبيد قد سجلوا رسميا ضمن نفوس قضاء الحويجة. وكل هذه ستصبح لاحقا ألغاما ديموغرافية لا تزال تتفجر في نواحي كركوك وديالى.

كانت غاية لجنة التأليف إصدار دليل لكل محافظة عراقية. وهناك دعايات تعلمنا بقرب صدور الجزء الثالث المتعلق بأربيل، ولكن لم يصلنا منه شيء. ويبدو أن أزمة الورق ما بعد الحرب العالمية الثانية قد ألقت بظلالها على هذا المشروع كما هو موضح من خلال كتاب وزارة التموين بتاريخ حزيران 1947 إلى اللجنة تعلمهم بأنها لن تستطيع تزويدهم بالورق. ويبدو كذلك بأن اللجنة كانت تعاني من التسقيط والإشاعات من طرف جهات منافسه لهم في هذا الصدد، والجزء الثاني تتخلله العديد من هذه الإشارات إلى حروب المثقفين والصحفيين في ما بينهم.

وإحدى المفارقات الأخرى هي ورود دعاية في الجزء الثاني لاقتراب صدور كتاب “قلب اليمن” الذي تناولناه في مقال سابق.

ويبقى أمامنا هذا التساؤل عند مطالعة الكتاب: إن كان لدى الكرد خزين كاف من الكفاءات الإدارية التي تشكلت في آخر 50 عاما من الحكم العثماني، مما كان سيساعد في اندماجهم ضمن إدارة جديدة مركزها بغداد، وهم في ذلك متقدمون بصورة واسعة على شيعة العراق، وإن كانت الأجواء توحي في منتصف الأربعينيات بانخماد تطلعات الكرد في الاستقلال، فكيف أضاعت الدولة العراقية فرصة تلاحم القومية الكردية ضمن الرابطة العراقية؟ حصل هذا كله قبيل “المناطق المحرمة” وتدمير آلاف القرى وإبادة البارزانيين وعمليات الأنفال ومأساة حلبجة ومرور 26 عاما من الاستقلال “الفعلي” ومأساة الأيزيديين على يد داعش واستعادة كركوك والمناطق المتنازع عليها بقوة السلاح. أي عند المقارنة، كانت الجراح في سنة 1947 لا تزال طفيفة نسبيا، وتواجد ذلك “الجيل العثماني” الكردي في مفاصل الدولة العراقية الفتية كان عاملا مساعدا للتفاهم والتساوم. فمن سيدير “الحوار” في يومنا هذا بعدما حصل كل ما حصل؟

للاطلاع على الكتاب اضغط الرابط

(الجزء الثالث نشر لاول مرة في موقع الحرة يوم 10 نوفمبر 2017)

ما أشبه اليوم بالبارحة، إذا ما قسناه بتقلب التحالفات السياسية، وأيضا بتداول المصطلحات الجارحة والدارجة في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في ما يخص الأزمة الأخيرة بين بغداد وإقليم كردستان العراق. ففي غضون ستة أشهر من عام 1961، تحولت علاقة عبد الكريم قاسم مع ملا مصطفى البارزاني مما سبقها من حلف وثيق ضد القوى المناوئة للجمهورية الفتية، إلى استخدام الجيش في حسم الصراع السياسي مع الأكراد. وهذا الكتاب “من يحرك البارزاني؟ أسرار تنشر لأول مرة” تأليف الصحفي والباحث هاشم البناء، يختصر علينا المسافة في إدراك المصطلحات التي ساقتها بغداد في وصف حليف الأمس، الذي غدا “عميلا” و”جاسوسا” و”لصا” و”قاطع طرق”، وانصاره “قرود” و”مخالب القط” و”بيادق الاستعمار”.

ويضيف البناء بأن البارزاني يقف “أمام الزحف الوطني المقدس القائم على الوحدة الوطنية.” ويتساءل “أيريدون إشغال قطعات من الجيش العراقي الباسل في الشمال لتقوية الاخطبوط الإنكليزي الجاثم في الخليج العربي في الجنوب؟!” ويحذر البناء من أن هذه المحاولات ستبوء بالفشل، “فعلى صخرة إيمان الشعب وحبه لزعيمه عبد الكريم قاسم ارتطمت الخيانة وانتثرت أشلاؤها شذر مذر…” وبأن المخطط الاستعماري سيكشف عنه ويوّثق، و”سوف تظهر هذه الوثائق عما قريب في إحدى المحاكم العسكرية أو المدنية التي ستنظر في هذا المتمرد الاستعماري الظالم…” موضحا أن “التمرد الخياني لم يكن وليد تحركات عسكرية وإنما هذه التحركات جاءت نتيجة لإعلان التمرد واقتضتها حماية الأمن والاستقرار من عبث المفسدين”.

للحدث خلفية معقدّة، ولا يزال بعض من جوانبه غامضا، بل التساؤل الأكبر هو هل كل ما حصل لاحقا لا بد منه، أو أنه جاء جراء تصعيد خطابي ما بين الطرفين انتهى إثر تراكم الأخطاء إلى حرب ضروس؟ حرص انقلابيو 14 تموز 1958 على استمالة المكوّن الكردي كما كان يفعل العهد الملكي، وذلك من خلال تطعيم قيادات النظام الجديد بعناصر كردية. فكان أحد أعضاء المجلس السياسي الثلاثي كرديا، وهو ضابط عسكري متقاعد من مواليد قرية بامرني قرب دهوك، وعمل متصرفا (محافظا) للواء أربيل قبيل الانقلاب. وقد اختاروا الابن الثاني للشيخ محمود الحفيد، بابا علي الشيخ محمود، وزيرا للمواصلات، بعد أن كان قد تبوأ منصبا وزاريا في إحدى حكومات نوري السعيد.

ورحب النظام الجديد بعودة ملا مصطفى البارزاني من منفاه في موسكو، الذي صدف تواجده في تشيكوسلوفاكيا أثناء حدوث الانقلاب، فعاد إلى العراق بحرا من خلال ميناء البصرة يوم 5 اكتوبر 1958 حيث احتشد عشرات الآلاف من الأكراد والعرب عند استقابله. يُذكر بأن البارزاني سلك طريق العودة من خلال القاهرة حيث التقاه جمال عبد الناصر الذين كان يعده الأكراد متعاطفا معهم. وفي آذار 1959، اندلعت محاولة انقلابية جديدة في الموصل بقيادة الضابط عبد الوهاب الشواف، وهنا جاء دور الأكراد مناصرا لحكومة عبد الكريم قاسم، واستطاعوا تحييد دور العشائر العربية المناصرة للشواف كقبيلة شمر، والتي انتهى شيخها صريعا على يد مجموعة من المقاتلين الأكراد. وربما وجد قاسم في البارزاني وأنصاره قوة ضاربة تشد من أزره كما كان يفعل الشيوعيون، فسمح بعودة بقية المنفيين البارزانيين من روسيا، بل سمح لهم بالاحتفاظ بالسلاح أيضا، وأوعز كذلك إلى مجلس الاعمار بإعادة بناء قرية بارزان المدمرة. فبعد أحداث الشواف بشهر، انطلقت سفينة من ميناء أوديسا بالاتحاد السوفيتي تحمل جُل من لجأ او التحق مع البارزاني في روسيا، وكان عددهم، حسب وكالة تاس السوفيتية، “459 مواطنا عراقيا، يصطحبون 394 من النساء والأطفال، وأيضا مئة مسن أو معوق”. ولكن الغريب في الأمر كان موقف الصحافة المصرية، إذ قلبت الصورة وجعلت هؤلاء المارين في قناة السويس في طريقهم إلى العراق “850 مقاتلا من أكراد الاتحاد السوفيتي” (هناك أقليات كردية في جمهوريتي إرمينيا وأذربيجان)، وبأن ثلاث سفن ممتلئة بالسلاح قد قدمت معهم، وهؤلاء هم طلائع “جيش احتلال سوفيتي سيفرض على العراق”، وهذا دليل بأن نظام عبد الناصر في مصر قد استعدى عند هذه اللحظة نظام قاسم، وأراد أن يجعل من تحالف الأخير مع الاكراد مثلبة عليه. وردّت وكالة تاس موضحة بأن مزاعم الصحافة المصرية ليس فيها أي أساس من الصحة، إذ إن السفن الثلاث المشار إليها إحداها أفرغت معدات صناعية في موانئ مصر، والأخرى كانت تحمل مادة الاسمنت الى بورما، أما الثالثة كانت محملة بالسكر إلى اليمن.

وسرعان ما اختُبر هذا التحالف ما بين قاسم والبارزاني عندما اندلعت أحداث كركوك في الذكرى الأولى للانقلاب، وكانت شرارتها الاحتقان القومي الكردي-التركماني القائم منذ عقود، ولكن قاسم آثر وضع اللوم على الشيوعيين حصرا. وبعدها في شهر أكتوبر، قام البعثيون بمحاولة اغتيال قاسم، وهنا نرى أول ملامح لشاب مدعو باسم صدام حسين من بين أعضاء فريق الاغتيال، انتهى به الأمر بعد المحاولة الفاشلة لاجئا في القاهرة. هذه الحادثة جعلت قاسم يتريث في شأن قطع صلاته كليا مع الشيوعيين ومعاقبتهم على أحداث كركوك، ولكن بقي الاحتقان موجودا وألقى بظلاله، في أول الأمر، على علاقة قاسم مع البارزاني. وتبع هذه الأحداث منح رخصة لنشر جريدة “خه بات” (النضال) لسان حال الحزب الديموقراطي الكردستاني، وثم إجازة الحزب نفسه في شباط 1960. وكان حزب البارتي متحالفا ومتماهيا مع الشيوعيين، فيقول في ميثاقه التأسيسي إنه “يمثل مصالح الفلاحين والكسبة والحرفيين والمثقفين في كردستان العراق” ويستلهم توجهاته الاجتماعية من النظرية العلمية الماركسية اللينينية. ولكن مع تزايد الاحتقان بين السلطة القاسمية والشيوعيين، وجد البارزاني أن عليه تحييد الجناح اليساري في الحزب من خلال سلسلة من الإجراءات لإرضاء قاسم، منها عزل أقطاب هذا الجناح في الهيئة التحريرية لدى جريدة خه بات، والتي كانت قد شرعت بانتقاد قاسم جراء ما وصفته بمحاباة الاقطاع من بعد عفوه عن غريم البارزانيين القديم، الشيخ رشيد لولان الذي كان قد انتفض مع أغوات أكراد آخرين ضد الإصلاح الزراعي في أولى أشهر العهد الجديد.

ولكن جريدة خه بات استمرت بالنقد المبطّن، فتارة كانت تطالب بالإسراع بتجسيد وعود السلطة تجاه الأكراد، وتارة أخرى تدعو إلى إلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء الفترة الانتقالية والتوجه إلى دستور دائم وانتخابات نيابية.

وربما تحسس قاسم من هذا النقد بشكل مفرط، ووجد فيه توجها يساريا جديدا ينوي تقويض حكمه، فرد من خلال ما بات يعرف بالدعوة إلى الانصهار، أي إن القوميات والهويات الفرعية عليها أن تذيب نفسها ضمن الهوية العراقية الجامعة، وحاول نقض فكرة الخاصية القومية للأكراد في إحدى خطبه، فأدى ذلك إلى استفزازهم، فواصلت جريدة خه بات حملتها ضد قاسم، مما أثار غضبه، إلى درجة تلفيق تُهم ضد صاحب امتيازها الأول وسكرتير عام حزب البارتي عند تأسيسه (ومن ثم لاحقا مؤسس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني المنشق عن البارزاني) إبراهيم احمد فتاح الذي اتهمته السلطات العراقية بمقتل زعيم عشيرة خوشناو قرب شقلاوة. وتواصل التأزيم على صفحات الجرائد إلى أن نشرت جريدة الثورة مقالا بعنوان (تحت ظلام الشيوعيين يكتبون) تهدد فيه بأن النظام الجديد قد وجد مراسلات سرية في مقر حلف بغداد تكشف عن “عملاء متسترين” في خدمة الاستعمار وبأنها ستنشر هذه الوثائق قريبا، وكان التلميح القوي هنا بأن الشخص المعني هو ملا مصطفى البارزاني نفسه.

وهكذا تبلور خطاب جديد لدى العهد القاسمي، ألا وهو جعل البارزاني تابعا لمخطط غربي يحاول تقويض سلطة بغداد، والتي كانت تروم مضايقة شركات النفط العالمية العاملة في العراق، والمطالبة بالكويت، ذاك “القضاء العراقي السليب” حسب وصف البناء. ولعل القشة التي أدت إلى اختلال التوازنات كليا أتت من جانب محامٍ شاب وطموح عمره 28 سنة فقط واسمه جلال الطالباني، والذي كان يُعد نجما صاعدا ضمن صفوف البارتي. فأعتلى الطالباني إحدى المنصات في بغداد ونوه بأن عبد الكريم قاسم كان يعمل تحت أمرة ضابط بريطاني حين مشاركته في العمليات العسكرية ضد البارزانيين إبان العهد الملكي. ويضيف البناء إلى معلوماتنا في كتابه حيث يشير إلى قيادة الضابط عبد الكريم قاسم لفصيل مشاة مكون من ثلاثين جنديا في معركة ليلية ضد قوات البارزاني في منطقة ميركه سور سنة 1945،بل يتغنى البناء بهذه المعركة كدليل على انتصارات “الزعيم” ضد العصاة، وليس كما أراده الطالباني من تنويه، بأن من يتهم غيره بالعمالة لدى الإنكليز بناء على وثائق حلف بغداد المكتشفة كان نفسه يأتمر لدى ضابط بريطاني.

تفاقمت الأمور إلى حين إعلان الأكراد الاضراب العام في شهر أيلول، وما لحقه من انتشار لقوات البيشمركة في العديد من المناطق الكردية. مما حدى بقاسم إلى تعبئة الجيش في المقابل. وهنا حاول البارزاني الركون إلى التهدئة والعودة إلى التفاوض وفق نقاط محددة أرسلها إلى قاسم، ولكن جاء رد الأخير من خلال خطاب استمر لخمس ساعات ونصف أمام وكالات الإعلام يعزز فيها من الخطاب المتشدد الجديد، أي إن الحركة الكردية الأخيرة هي جزء من مؤامرة كبرى تحاك ضد البلد، وبأن البارزاني عميل للإنكليز “منذ أن كان ساعيا للبريد سنة 1933″، وادعى قاسم بأن الانكليز مولوا البارزاني بنصف مليون دينار عراقي، وبأن العراق قد يغلق السفارة البريطانية في بغداد ردا على ذلك.

وثم تزايدت الحشود، وبدأ القتال المرير، والتجأ ذاك المحامي الشاب إلى الجبل، وشرع بقيادة مفارز عسكرية ضد الجيش العراقي. وهنا يأتي كتاب البناء الذي نشر في تموز 1962 ليكمل السردية من وجهة نظر الحكومة، واصفا الأحداث بأنها “عملية تمرد موقوتة قام بها بعض المتمردين في الوقت الذي كانت تجري فيه مفاوضات النفط مع الشركات، ويخوض الشعب معركة دبلوماسية حاسمة من أجل تحرير الكويت…”

وفي معرض رده على بيان الحزب الشيوعي القائل بأن الأحداث “أثارت قلقا عميقا لدى القوى الديموقراطية الحريصة على وحدة الصف الوطني ضد الاستعمار نظرا لما يتمتع به البارزانيون من عطف وتقدير الجماهير الشعبية العربية والكردية على السواء”، أجاب البناء “رضيت الشيوعية عن الملا مصطفى البارزاني لأن الاتحاد السوفيتي رضي عنه وأكرمه في لجوئه”، وهنا يظهر شيء من التناقض في سردية عمالة البارزاني إلى القوى الغربية، إذ إن وكالات الاستخبارات البريطانية والأميركية كانت في ذلك الوقت تنظر إليه على أنه “بيدق سوفيتي”! ولكن عند حبك السرديات التعبوية، لا يوجد متسع للاتزان والتأمل في مصداقياتها، فيستطرد البناء قائلا إن “الزعيم (عبد الكريم) بصبره الطويل الجميل، وذهنه المتوقد، وإرادته الحديدية القوية ليلقن هؤلاء الدرس بعد الدرس، ويطهر التربة العراقية من أدرانهم وآثامهم ويقضي على أعشاشهم وأوكارهم…”

وثم يهلهل البناء بقرب انتهاء “التمرد” فينقل عن قائد الفرقة الثانية “بأن المعلومات المتوفرة لدينا تدل على أن الملا الخائن قد جرح جرحا بليغا وهرب مع شقيقه، وأغلب الاحتمال أنه سيموت”، مضيفا “وأكد الزعيم الأمين على أن الأمن والأمان قد عادا إلى ربوع الشمال ورفع علم الجمهورية العراقية فوق زاخو…”

يختتم البناء كتابه ببرقيات بعثتها قيادات كردية تناصر عبد الكريم قاسم، منها واحدة من طرف رشيد لولان الذي كان قاسم قد عفا عنه، يدعوه فيها إلى “تخليصنا من هؤلاء الكفرة والملحدين” في إشارة إلى الاتهامات بالخروج عن الدين التي كان يكيلها لولان ضد مشايخ الطريقة الصوفية البارزانية منذ العهد العثماني. كما أن هناك برقية أخرى من عدو قديم آخر للبارزانيين، وهو محمد فارس آغا شيخ الزيباريين، الاقطاعي العتيد الذي كان يتهم الطريقة البارزانية بتقويض سلطان عائلته على تلك المناطق منذ مئة عام، بالإضافة إلى برقيات من مشايخ يتلقبون بـ “البارزاني” يعلنون فيها إذعانهم للحكومة.

ويجد عدد من المؤرخين أن انهيار تحالف عبد الكريم قاسم مع البارزاني، واستمرار القتال بينهما لحين انتهاء حكم قاسم، ساهم لاحقا بإضعاف نظام الحكم في بغداد، وأبقى قاسم وحيدا أمام مخططات مجاميع أخرى من الضباط القوميين اليمينيين. وثم انتهت الأمور إلى انقلاب شباط 1963 وإعدام عبد الكريم قاسم في دار الإذاعة ببغداد، حيث صورت جثته الهامدة، وتعدى أحد الجنود بالبزق عليها، “مبشرا” الشعب العراقي بقدوم عهد جديد، مضى هو أيضا، وبقي البارزاني صامدافي المشهد، إلى حين وفاته هو الآخر في منفاه الأميركي هذه المرة، قبيل أربعة أشهر من تولى صدام حسين رئاسة العراق، وإحالة الزعامة البارزانية إلى مسعود البارزاني، الذي اجتاز الفترة الصدامية، وربما هو اليوم يتأمل اجتياز ما لحقها.

للاطلاع على الكتاب اضغط على هذا الرابط

 

(نشر الجزء الرابع لاول مرة في موقع الحرّة يوم 21 نوفمبر 2017)

تكمن أهمية “ضوء على شمال العراق” للمؤلف نعمان ماهر الكنعاني، في توثيقه لانعطافة مهمة في أسلوب تعامل السلطة المركزية في بغداد مع القضية الكردية، ألا وهي تجنيد العشائر في كردستان العراق ضد النزعة الانفصالية المتمثلة بقيادة ملا مصطفى البارزاني لحزب البارتي. فالكتاب يحتوي على أسماء وصور العشرات ممن سيشكلون اللبنات الأولى لما سيعرف رسميا بـ “الفرسان”، وشعبويا باسم “الجحوش”، والذين سيعدون بعشرات الآلاف من المسلحين وسيلعبون أدوارا مهمة في مراحل لاحقة، منها تمكين القوات الحكومية من تنفيذ عمليات الإبادة الجماعية التي سميت بـ “الأنفال” في نهاية الثمانينيات.

الكاتب نعمان ماهر الكنعاني (1919-2010) كان ضابطا من أهالي سامراء، انصرف في ما بعد إلى الشعر، أما في تلك المراحل المضطربة من الخمسينيات والستينيات، فيفيدنا ابنه غسان بهذه المعلومات: “إن والدي رحمه الله لم يشترك لا في انقلاب 58 ولا انقلاب 63. أما الأول فلأنه كان رهن الإقامة الجبرية بعد انكشاف أمر تآمره سنة 57 فطرد من الجيش وبقي في البيت، ولكنه كان على تواصل مع مجموعته مع المرحوم رفعت الحاج سري (ساكن منطقتنا نجيب باشا أيضاً)، ولكنه أعيد إلى الجيش صبيحة يوم 14 تموز. فهو إذاً من الضباط الأحرار ولكن لم يشترك يوم 14 تموز. وأما 63 فلأنه كان لاجئاً في سورية بعد أن هرب في ربيع 59 بعد فشل انقلاب الشواف، وكان محكوماً بالإعدام غيابياً، ولم يعد إلا في آذار 63”. وجاء تعليق الابن في معرض رده عليّ عندما أعدت نشر هذا الكتاب في الإنترنت حيث وصفت خطاب أبيه بأنه “عنصري”، فاضاف: “أعلم أن والدي كان قومي النزعة إلى درجة حادة، إلا أنك لو راجعت الخطاب فإنك لن تجد فيه الخطاب العنصري كما وصفت. بل لعل الأحداث اليوم تؤكد صحة ما ذهب إليه من أن القضية هي قضية زعامات ومصالح وارتباطات خارجية واضحة لم تعد خافية على أحد”. وكان آخر منصب تبوأه الكنعاني هو وكيل وزارة الثقافة والإرشاد لحد انقلاب 1968.

ولعلني بالغت في وصف الكاتب بأنه عنصري، ولكنه بالطبع لديه وجهة نظر أحادية حول الشأن الكردي، والمفارقة الكبرى هي أن توصيفاته وتبريراته، بل حتى تحليلاته، وذلك عند نشر الكتاب سنة 1965 أثناء حقبة حكم الرئيس عبد السلام عارف، تشبه إلى حد كبير الخطاب الذي نسمعه اليوم من بغداد، ومن طرف مجموعة كبيرة من الإعلاميين والباحثين المندرجين ضمن الخطاب المركزي، والذين يحاولون إظهار أنفسهم بأنهم أحرص على الشعب الكردي من بعض القيادات التي اختارها هذا الشعب لنفسه، مثل العائلة البارزانية، والتي يرى النعماني بأن ما يحركها هو “حب الزعامة والسيطرة لا أكثر من ذلك”.

ويُسهب النعماني في توضيح ما يراه من عدم تمكن الأكراد من تحقيق حلمهم بالاستقلال، فيقول إن الأكراد آنذاك في العراق يتراوح عددهم عند المليون نسمة، وهم خُمس مجموع عدد الأكراد في الشرق الأوسط. وهؤلاء يشكلون فقط 15.5 بالمئة من عدد سكان العراق الإجمالي، وإن مناطقهم لا تتعدى في مساحتها 1/9 من مساحة البلد، وهي تنتج ما يقل عن 5 بالمئة من ثروة العراق إذا ما قيست بالزراعة والثروة الحيوانية. وبموجب هذه الأرقام يتساءل الكنعاني: “وماذا ستكون عليه النتيجة لو اقتصر اقتصاد المنطقة الكردية عليها دون هذا التمازج والتكامل بينها وبين الاقتصاد العام للبلاد”؟ ما معناه ضمنيا إذا ذهب الأكراد إلى الانفصال تحت راية البارزاني، فالجوع سيكون مصيرهم.

وثم يعرج الكنعاني إلى خطاب العقوق ونكران الأكراد للجميل الذي وافتهم به الدولة العراقية، فيقول: “فنشير إلى أن مشاركة الأكراد في تأليف الوزارة لم يكن مهملا في يوم من الأيام، ففي الوزارات الأولى من تاريخ العراق الحديث والتي كان عدد وزرائها لا يتجاوز الثمانية كان الأكراد يشتركون في وزارة أو وزارتين وحيث ازداد عدد الوزارات في العراق ازدادت نسبة مشاركة الأكراد فيها…” ويضيف: “نجد أن قادة الفرق في أغلب الأوقات كانوا من الضباط الأكراد” بل يدعي أن في بعض الأوقات كان عدد المتصرفين (المحافظين) من الأكراد عشرة من مجموع الأربع عشرة متصرفية. ويزيدنا علما بالقول “فقد تجاوزت نسبتهم حسب أدق الإحصاءات التي أظهرتها الجداول الرسمية 23 بالمئة من مجموع وظائف الدولة…أما الموظفين غير الأكراد في المنطقة الكردية لم يتجاوزوا قط نسبة 3 بالمئة”. ثم أن الكردية هي لغة التدريس الرسمية وكذلك المرافعة في المحاكم. والأكراد يتمتعون بحق ارتداء أزيائهم القومية، وحرية الإقامة في أي مكان من العراق. كما يجرد لنا الكنعاني المشاريع المنجزة والأموال التي صرفتها الدولة في المناطق الكردية، ويلحظ فيها حجم التعويضات التي دفعتها الدولة جراء الدمار الذي كان يواكب “حركات الشمال” العسكرية بالضد من الانفصاليين. وهذه امتيازات “لا يجدها الكردي في البلدان الأخرى التي سكنها…” موضحا أن وضع الأكراد في تركيا وإيران مغاير جدا، وأسوء بكثير. “فإذا كان ما وصلت إليه المواطنة الكردية في قطر كالعراق غير مرضية للكردي هنا، فكيف ستكون معالجة وضع الكردي الآخر من الأقطار الأخرى التي لا تشارك العراق وجهة نظره في كيفية معالجة المواطنة الكردية؟” ويستنتج من ذلك الكنعاني بأن تحقيق المشروع الكردي في الاستقلال أمر مستحيل نظرا للتوازنات الإقليمية.

ويبدو أن مدعاة تأليف هذا الكتاب لم تكن فقط لتوضيح وجهة نظر الحكومة حين معاودة حربها مع البارزاني، بل يظهر جليا مدى تحسس السلطة مما كتبه مراسلون أجانب متعاطفون مع الثورة الكردية في تلك الفترة، ولهذا كانت تسعى إلى الرد عليهم، والحيلولة دون “تدويل” القضية الكردية من خلال استعطاف الرأي العام العالمي في سبيل تحقيق مطاليب الكرد الشرعية بالاستقلال. والسلطة بقيت ترى “يد الأجنبي” في تحركات الأكراد، فيشير الكنعاني إلى تصريح الناطق الرسمي باسم البارزاني، جلال الطالباني في باريس حيث قال: “إن من واجبي أن أوضح أن الأكراد هم أصحاب آبار البترول الموجودة في أرجاء كركوك وفي عين زاله وفي خانقين… وأننا على الرغم من كوننا ملاك هذه الآبار فإن اعداءنا يقبضون مواردها”، ويفسرها الكنعاني على أنها إشارة بأن الأكراد يفكرون بمنطق قطاع الطرق والعصاة، الذين يريدون استحصال “الخاوة” من الشركات النفطية الأجنبية كي تدفع لهم وليس إلى جيب الحكومة المركزية. ويسرد لنا الكنعاني 25 حادثا من أعمال التسليب والعصاة التي قامت بها مجاميع البارزاني حسب ادعائه ما بين شهر آيار 1964 وشهر يناير 1965.

وذهبت الحكومة آنذاك إلى توجه جديد وهو الاعتماد على العشائر الناقمة على البارزانيين، وبعضها ناقم عليهم منذ قرن من الزمن، لمحاربة البارزاني. فيقول الكنعاني “ففي شمال العراق قبائل كردية وزعماء ورجال دين لهم مكانتهم التي تفوق مكانة البرزاني سواء من حيث التفاف المواطنين من حولهم أو إيمانهم بطبيعة الواقع الذي يعيشونه مع العرب في العراق في ظل حكومته التي بالغت في إكرام الأكراد طوال نصف القرن الماضي…” فأصبح اعتماد الدولة على هؤلاء الفرسان –الحجوش – كحل مرتجل وسريع في الحد من تمدد الثورة الكردية. ولكن ما حصل فعليا هو أن الدولة أصبحت طرفا في خلافات عشائرية محلية، ولم يتبلور انحياز هذه العشائر إلى سلطة المركز إلى تغيير جذري في فهم المواطن الكردي لماهية دوره ضمن الرابطة العراقية، بل ما كان يراه هو امتطاء الدولة لأبناء جلدته في حربها ضد تطلعات آخرين من نفس القومية. وتوسعت دائرة الاعتماد هذه أيضا إلى تسليح عشائر عربية، وبالأخص العبيد في منطقة حمرين والحويجة، في مواجهة الأكراد.

وهنا علينا العودة إلى ما حذر منه عبد المحسن السعدون عند مداخلته في المجلس التأسيسي سنة 1925 حول القضية الكردية، حينما قال إن أحد أسباب انهيار الدولة العثمانية كان يكمن في فشلها عند معالجة تطلعات القوميات والمكونات التي تستظل بها إلا من خلال العنف والقسوة. وأصاب السعدون في توقعه بأن هذا الصنف من الحلول ليس ناجعا، لأن فكرة الفرسان، بل حتى تسميتها، مستوحاة كليا من تشكيلات “الفرسان الحميدية” (الخيالة الأكراد) التي شكلها السلطان عبد الحميد الثاني سندا لحكمه سنة 1891. وهي مستوحاة أصلا من تشكيلات القوازق في روسيا القيصرية، والتي شاهدها صاحب فكرة “الفرسان الحميدية”، المشير أحمد شاكر باشا يوزگـاتلي چـبان أوغلو (1838-1899)، حينما كان سفيرا في روسيا لمدة إحدى عشرة سنة قبيل تبوئه لمنصب معاون السلطان في سنة 1890. وكان شاكر باشا هذا من دعاة الإصلاح (سبق وأن عمل نائبا في بغداد للوالي مدحت باشا) وكان يرى أن تشكيلات الفرسان ستحل عدة مشاكل مستعصية في “الولايات الستة” الأناضولية، ومنها درأ خطر التمدد الروسي، وإخضاع الأرمن، وتقوية أواصر العشائر الكردية مع السلطة المركزية خصوصا بعد فشل النموذج السابق بالاعتماد على أصحاب الطرق الصوفية كالشيخ عبيد الله، من شيوخ النقشبندية الخالدية في قرية نهري، والذي أخذ زمام الأمور بيده في سنة 1880 وغزا إيران واستضعف الأرمن وتحدى الباب العالي. وفي بعض الجبهات، كان من مسؤولية الخيالة الحميدية، وخصوصا تلك التي بإمرة إبراهيم باشا رئيس عشائر الملي الكردية، ضد تمدد عشائر عنزة وشمر إلى باقي مناطق جزيرة الفرات.

وعهد التشكيل الجديد إلى إدارة المشير زكي باشا (1830-1924) قائد الجيش العثماني الرابع المتمركز آنذاك في مدينة أرزنجان، والذي بقي في منصبه هذا لمدة 21 عاما (… وفي مرحلة لاحقة، أي في سنة 1912، تولى إدارة ولاية بغداد لمدة سبعة أشهر). ولكن سرعان ما واجه المشروع عدة مشاكل، منها الفساد (تقارير القناصل الأوروبيين تقول بأن زكي باشا اغتنى بشكل فاحش جراء سوء إدارته للأموال المخصصة للعشائر)، وكذلك “الفضائيين” أي الجنود الذين لا وجود حقيقي لهم ولكنهم أدرجوا ضمن قوائم الرواتب، وأيضا ضعف الأداء العسكري. ولكن الإشكال الأكبر هو تمادي شيوخ العشائر ضد الأرمن، وضد عشائر كردية وعلوية غير منضوية تحت الفرسان، وافتعال الفضائع ضدهم، والاستحواذ على أراضيهم وأملاكهم. واستمر الحال حتى بعد إقصاء السلطان عبد الحميد من قبل جماعة تركيا الفتاة، وأعيد تسمية هذه التشكيلات باسم “الخيالة العشائرية الخفيفة”، وكان لديهم دور كبير في تنفيذ المجازر التي ارتكبتها السلطات العثمانية ضد الأرمن والأقليات المسيحية الأخرى أثناء الحرب العالمية الأولى. أي أن ما حصل فعليا لا يعد إصلاحا كما أراده شاكر باشا، ولا حتى عزز من الاستقرار، وإنما ساهمت هذه التشكيلات بتغيير معادلات وتوازنات ديموغرافية كبيرة على مساحات حيوية من الشرق الأوسط طمعا منها بمصالح محلية صغيرة وحسما لنزاعات قديمة مع الجار “المخالف”، أفضى قسم منها إلى تغيير الموازين السكانية في شمال سوريا حاليا، وزرع ألغاما في وجدان الشعوب باتت تتفجر لعقود متتالية من الزمن.

وهذا النموذج، أي تجنيد العشائر لتحقيق أهداف الاستقرار والأمن في مناطق متعددة من الشرق الأوسط، استخدمه الإنكليز أيضا (مثلا، اعتمادهم على أفواج الليفي الآشوري)، وعادت إليه تركيا سنة 1984 عند تشكيلها لـ “حراس القرى” في مواجهة تنظيم البي كي كي الكردي، وحتى أننا شهدناه مؤخرا حينما شكل الأمريكان الصحوات في الأنبار وغيرها. ومجمل هذه التجارب تشير إلى أن النموذج غير مفيد بل قد يرتد على القائمين عليه. ولكن ما يميز حال الفرسان الحميدية، ونظيرها مشروع “الفرسان – الجحوش” الذي كان يراه الكنعاني على أنه حل مفيد، هو انتهاء الأمر إلى اشتراك عناصرها في أبشع جريمتي إبادة جماعية “جنوسايد” في الشرق الأوسط في القرن العشرين: “إبادة الأرمن” وعمليات الأنفال.

لا يزال هذا الجرح غائرا ما بين الأكراد إلى يومنا هذا، حيث لم تحاسب السلطات والأحزاب الكردية هؤلاء الفرسان – الحجوش على ماضيهم في خدمة الاستبداد، وإيذاء بني جلدتهم. ولكن في المقابل، لو لم تقم هذه التشكيلات بقلب الطاولة على نظام صدام حسين في انتفاضة عام 1991، وانحيازها إلى القضية الكردية، ولو بعد حين، ولو بعد سكب الكثير من الدماء، لما استطاع الأكراد أن يحققوا قسطا من الإدارة الذاتية منذ ذلك التاريخ.

ولأن التاريخ يعيد نفسه بشكل رتيب في شأن القضية الكردية -العراقية، لا بد أننا سنشهد محاولة جديدة من جانب السلطة المركزية في بغداد لتقويض سلطة البارزاني وغيره من “الانفصاليين” من خلال إنشاء سرايا كردية عسكرية مناصرة لها من بعد عودة دورات الزمن إلى عهده العنيف، وسنطالع كتابات معلّبة وجاهزة من نفس وتيرة وتعليلات الكنعاني لما فعلته السلطة المركزية عند معالجتها لهذا الملف قبيل حوالي نصف قرن.

للاطلاع على الكتاب اتبع الرابط

تعليق