رسالة من القلب الى دولة رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي، واستنجاد من القلب والعقل بسماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني

نبراس الكاظمي

دولة الرئيس، قبل شهرين، وجهت هذا الكلام إليك، علّك لم تقرأه، فسأعيده عليك:

…وعادت الكفة الى جعل الارهاب الشأن الاول في البلد. من جانبي، اعلن عن هدنة لمدة شهرين في نقد المالكي وطاقمه الامني والوزاري في ما يخص ملفات الحريات العامة، الكفاءة الامنية، السياسة المالية والاقتصادية، الفساد، العلاقات الخارجية، الحفاظ على الديموقراطية والعملية السياسية، حقوق الانسان، … إلخ. دولة العراق الاسلامية (القاعدة) قد استعادت المبادرة، وهو امر لم نكن نتوقعه من بعد الانتكاسات التي اصابت هذا التنظيم الارهابي على يد الامريكان واستفحال خلافاتهم مع المجاميع المسلحة الاخرى منذ سنة 2008. كما ان المليشيات الشيعية (اهل الحق وغيرها) عادت تتمدد على القانون وتضيّق على المواطنين العزل بشكل لم نراه منذ 2008. شيء من هذا الانفلات نستطيع ان نعزوه الى فشل المالكي السياسي والاداري، ولكن توجيه التهم اليه في هذه المرحلة وتعزيره، او حتى عزله، امر غير مجدي ونحن في اتون هجمة ارهابية. يا دولة الرئيس، نرجو منكم تصحيح المسار الامني في غضون شهرين، ولا اعتقد بأن هذه المهلة قصيرة او مجحفة في ضوء حيازتك على مفاصل هذا الملف كلها ومنذ سنوات. واذا لم تستطع، فأرجوك افسح المجال لغيرك…

ها قد مضت مهلة الشهرين، واعترف بأنني خرقت عهدي مرتين. في المرة الاولى، استفزني كثرة ظهورك التلفازي وإلقاءك للخطب بينما البلد يحترق، فوصفتك بكلمة قاسية (“اثول”) وقليلة الادب بحق مقامك كأحد زعامات هذا البلد ورموزه، فاعذرني عما بدر مني في لحظة غضب. وارجو ان تتقبلها كما هو معروف عنك بمجالسك الخاصة، ذلك انك تفقد اعصابك وتستشيط غضبا ويتطاير منك الكلام القاسي والشرر، ولكن سرعان ما تخمد وتعود الابتسامة الى وجهك. وفي المرة الثانية تطرقت الى ما هو متواتر عن تورط ولدك “احمد” بخروقات وفساد في مشروع بسمايا السكني، وادرك بأنه من الصعب جدا على الوالد ان يرى ابنه عاقا، وقد سمعت من هنا وهناك بأنك تعاقبه اشد العقاب عندما يتبادر الى مسامعك بعض من طيشه، وهذه ايضا تحسب لك، واعذرك في هذا الشأن لربما لم يصلك حديث بسماية.

ولكن، سيدي، ما نسجله ضدك لا يتعلق بشخصك، وانما بكفاءتك.

مضت الشهران ولم نرى منك خطوات جذرية لمعالجة الخلل واصلاح ذات الدولة، بل يبدو بأن الامور ازدادت سوءا، مما دفع الجمع الهائج والمفجوع الى تصرفات مشجوبة، من باب حرق الجثث وتهجير الجار، بسبب شعورهم بأن الدولة ما عاد لها لا حضور ولا هيبة في وجودكم.

وماذا ستقول لتبري ذمتك هذه المرة؟ بأن مستشاريك كذبوا عليك مرة اخرى؟ وهل يخفى عنك موجات الارهاب ودوي الانفجارات؟ الم يصل صدى “الطبات” اليك في الخضراء؟

وهل ستلوم شركاءك في السياسة؟ ها هم الذين وصمتهم بالإرهاب مطاردون، ومتوارون، فهل قلّت التفجيرات؟

وهل ستقول بأنك يديك مكبلتين؟ كيف ذلك وكافة مفاصل الملف الامني في يديك؟ لا يوجد موقع امني او عسكري واحد لا يأتمر بأمرك مباشرة، وفي كثير من الحالات بخلاف ما نص عليه الدستور. هل تود ان اعيد عليك كافة المناصب الامنية والعسكرية التي بحيازتك؟ هل يجدي ذلك؟

وهل ستقول بأن الدستور والقانون وحقوق الانسان لا يسمحون لك بممارسة ما تسميه “الحزم”؟ ولكن قواتك اطلقت النار على المتظاهرين في الحويجة، وتتبع منهج الفصل العنصري والطائفي، وتعتقل من دون امر قضائي، بل حتى تمارس التعذيب بشهادة العديد من المنظمات الدولية الرصينة. فهل نجحت في ذلك ام زاد الامر تعقيدا واحتقانا؟

ادرك يا دولة الرئيس بأن الكثيرون قد كتبوا اليك سابقا، ونصحوك قبلي، وعندما توجهت الى اصدقائي بالفايسبوك قبل ايام، راجيا منهم توجيه رسائلهم إليك، كان رد الاجماع هو “لا فائدة من ذلك” لأنه لن يسمع ولن يكترث.

ولكني ما زلت على قناعة بأنه ليس لدينا خيار إلا لاصلاح هذا البلد، وصون جمهوريتنا وديموقراطيتنا، والمضي الى مستقبلا افضل، وافضل بكثير.

سيدي دولة الرئيس: لا نطلب عزلك، ولكن نرجو ان ترحمنا وترحم نفسك. كيف سيتذكرك التاريخ، وكيف سيجل ما سيسجله عن هذه المرحلة؟

وعدتنا قبل ثلاثة اشهر باستبدال الطاقم الامني بأكمله من حواليك، ولكنهم هؤلاء ما زالوا في مواقعهم. لماذا؟ هل ولاؤهم الشخصي لك بتلك القيمة والفائدة ريثما يحترق اسمك بين الناس؟ ووعدتنا قبلها بإزالة اجهزة الكشف عن المتفجرات من السيطرات، والتي تبين بشكل واضح انها ليست إلا دمى بلاستيكية عديمة الجدوى، فأين انت من ذلك؟ لم تلتزم بوعودك يا سيدي، بل الاجهزة ما زالت في مكانها، وقادتك الامنيون القدامى لم يأتوا اليك بحل الا بنظام الفردي والزوجي الذي اقل ما يقال عنه انه سخيف.

هؤلاء القادة يجب استبدالهم فورا، ولكن ليس من قبلك، وسآتي على ذلك لاحقاً. والمواقع التي نريد ان نرى فيها وجوها جديدة هي: وزير الداخلية ووكلاءه، وزير الدفاع ووكلاءه، رؤساء اجهزة المخابرات والاستخبارات واستخبارات الداخلية ونوابهم ومدراء اقسام العمليات ونوابهم، رئيس جهاز مكافحة الارهاب ونوابه، رئيس قوات السوات ونوابه، آمرية الالوية العسكرية المنتشرة في المدن العراقية، رئيس قوات الحدود ونوابه، وثم طاقم مكتب القائد العام للقوات المسلحة برمته.

ولكن لك ان تخدمنا بشيء واحد في هذه المرحلة وذلك من خلال صلاحياتك، وهو استقدام واستضافة طاقم استشاري دولي لإعادة هيكلة وتوجيه القوى الامنية والعسكرية، فلا تخجل من طلب العون من الاجنبي وتكابر وتزايد بـ “السيادة” في حين شعبك عرضة للاستباحة على يد الاشرار. وها هو صديقك القديم، الجنرال ديفيد بترايس قد تقاعد، وتفرغ للعمل الخاص والاستشارات الامنية، ولديه خبرة عميقة مع العراق، وسجّل ناجح في مطاردة الارهاب والحفاظ على السلم الاهلي، ولك ان تتصل به وتطلب قدومه الى العراق من اجل هذا الهدف.

الى هنا ينتهي كلامي معك يا دولة الرئيس، والآن اسمح لي ان اتوجه بكلامي الى سيدنا آية الله العظمى السيد علي السيستاني.

مولاي:

منذ سنتان وقد اوصدتم الابواب امام الساسة والسياسة، ولكنكم فعليا اوصدتم الباب في وجه واقعٍ ساهمتم انتم بتشييده.

فهل نجحتم بإخجال من رفعتموهم الى هذه المناصب؟

لا اعتقد ذلك، وخير دليل تصرفاتهم وتجاهلهم إياكم.

مولاي، لم يعد في هذا البلد كيان يتمتع بالمصداقية، لا شخص ولا مؤسسة ولا منبر. انظروا من حواليكم من خلال اعين العامة، فهل ترون المصداقية في مجلس النواب او مجلس القضاء او هيئة النزاهة او الاجهزة الامنية او او او …إلخ…؟

يقال بأن في العراق صمامان للأمان، جنابكم، والى درجة اقل، رئيسنا مام جلال الغائب، والمعذور.

بالتالي، لا يوجد كيان معنوي يتمتع بالمصداقية، وثقة الناس، الا جنابكم، وهذا يندرج على كافة مكونات البلد، من شيعة وسنة، وكرد وعرب، واقليات، واسلاميين وعلمانيين، واثرياء وفقراء، ونساء ورجال، وكهول وشبيبة، ومتعلمين واميين، وبغادّة وبصاروة ومصالوة، واهل المدن والريف والهور والبادية.

سيدنا الجليل، نلتمس منكم خدمةً اخيرة منكم في خريف العمر، ونلتمسها لا كشيعة، ولا كمسلمين، وانما كعراقيين، كأبناء وبنات هذا البلد الذي اسميتموه وطنا وبيتا لكم منذ اكثر من ستة عقود.

نطلب منكم اختيار الضباط والمراتب والمسؤولين لشغل المواقع الامنية والعسكرية التي ذكرتها اعلاه، ونعلم بأنه بحكم موقعكم، لديكم معرفة جيدة، وان لم تكن عصماء، بمن يصلح لها، من باب الكفاءة والنزاهة والرغبة الجادة والمشهودة بخدمة اهل العراق.

فنطلب منكم تشكيل هيئة انقاذ مؤقتة، غايتها تحديد من هو انسب لإدارة الملف الامني، ونرجو بأن لا توكلوها الى من سبق وان اعتمدتهم عليه، مثل السيد الوزير حسين الشهرستاني، لأنه هو ايضا فاقد للمصداقية امام طيف كبير من الناس بتخاذله عن وعوده وتقصيره في الواجب.

ساعدنا يا مولاي في ايجاد المخرج من هذا المنزلق. فما عاد يكفي ارسال التلميحات من خلال خطب الجمعة. نحتاج الى تدخلكم وبسرعة، فالقوم، قومكم، والخطر يحدق بهم، وانتم الاعرف لما قد لا يحمد عقباه إن استمر التسيب والتخاذل والشلل على ما عليه.

واخيرا، الى من قد يقرأ هذه الرسالة ويعتقدها عديمة الجدوى، اعيد القول عليكم: لا يوجد لدينا خيار الا المحاولة لإصلاح المسار، وحتى في ذلك خياراتنا محدودة. دعونا نفّعل ما لدينا من آليات واقعية، ودعونا ننبذ التشاؤم والانهزام، والاستهزاء بالقدر وكافة المقامات. إما ان نحلم ونعيش، وإما ان نبكي ونموت. انا اختار الاولى، وما زلت على قناعة بأن لهذا البلد فرصة للنجاة، بل للظفر بالسلم والكثير من الرخاء.

تعليق