الفارس يتحزّم للحرب

نبراس الكاظمي

مقال مترجم عن جريدة “النيويورك صن” في عددها الصادر يوم الخميس المصادف 1 تشرين أول / نوفمبر 2007

كانت الدقيقة الأولى من فيلم “المملكة” والذي يعرض حالياً في دور السينما حقاً رائعة. الفيلم يحكي قصة فريق من وكالة المباحث الفيدرالية الـ”أف بي أي” وهم يطاردون خلية ارهابية مسؤولة عن مهاجمة مجمع مدني امريكي في المملكة العربية السعودية، ويبدأ الفيلم بإعطاء المشاهد الأمريكي نبذة عن السنين الثلاثة مئة الاخيرة من التاريخ السعودي مفادها أن الوهابيين هم الأعداء، وهذا أمر صحيح.

دعوني ازيد على ذلك بشيء: عدو عدوي هو حليفي العسكري. الوهابيون والشيعة هم اعداء حتى النخاع، وقد قامت امريكا بإطلاق العنان لقوة الشيعة في العراق. في غضون عقد من الزمن، قد يتم الإيعاز لشيعة العراق، وذلك من قبل قوى الإقتصاد العالمي، بالإجهاز على الوهابيين في السعودية وسيكون الطرف العراقي ممتناً لهذا الدور.

منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 قامت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون يتقطيع اوصال ثعابين القاعدة ولكنهم ترددوا في ما يخص نحر رأس الـ”ميدوسا” (آلهة اغريقية كانت شعرها عبارة عن ثعابين) الوهابية.

الوهابية هي فكرة خبيثة ولئيمة تحفّز اعتى الإرهابيين في العالم اليوم. هي طريقة عنصرية للنظر إلى العالم، وقد قامت بمسخ كل معتقد لامسته، فحولت السلفية الإصلاحية التي نشأت في القرن التاسع عشر إلى عقيدة خطرة كريهة، وحولت تنظيم الاخوان المسلمين السلمي إلى تفرعات ارهابية في مصر وسوريا، وحولت المدرسة الديوباندية إلى تنظيم الطالبان، واخيراً حرفت نفسها إلى تنظيم القاعدة بقيادة اسامة بن لادن والتمرد التدميري التي اطلقه ابو مصعب الزرقاوي في العراق.

ولكن النفوذ التي اكتسبته اموال النفط قد شلّ اي جهد للإنقضاض على رأس هذا الفكر في السعودية نفسها، وهي دولة انشأت ومازالت قائمة على التلاحم الوثيق والشاذ بين امراء آل سعود والوهابية. حين اراد آلهة وملوك الميثولوجيا الاغريقية وضع نهاية لإرهاب الوحش الـ”ميدوسا”, قاموا بتجنيد مقاتل اسمه “برسيوس” وجهزوه بأحذية مجنحة وعباءة للتخفي وسيف ودرع يعكس المقابل كالمرآة، وبعثوه ليأتي لهم برأس الـ”ميدوسا”. نجح “برسيوس” بإتمام المهمة، وسينجح الجيش العراقي بقيادته الشيعية وجنوده الـ200,000 بالمهمة ايضاً.

إن الولايات المتحدة الأمريكية تدرّب وتجهّز جيشها الحليف في العراق الذي سيقاتل في اهم حرب في هذا القرن الحالي، حرب الإبقاء على النفط متدفقاً. كان هناك منظر غريب في حفل تسليم الملف الأمني في محافظة كربلاء يوم الاثنين الماضي إذ كان الجنود العراقيون يسيرون ومعهم رشاشات “أم-16”. كان هذا نتيجة قرار كان قد اتخذ مؤخراً بالإستغناء عن الرشاش او الكلاشنكوف، ذلك الرمز السوفيتي، كسلاح اساسي للمشاة العراقيين.

هذا تطور رمزي وانعطاف عن مسار الماضي، هذا هو الجيش العراقي الجديد للعراق الجديد، والمتشبّع ّبعقيدة مكافحة التمرد للقرن الواحد والعشرين والذي كان عليه أن يتمرّس في مناورات حقيقية ضد اعتى تمرد حديث لم يسبق له مثيل في التاريخ. إن حركة التمرد التي اطلقها الزرقاوي ستكون المثال لكافة حركات التمرد القادمة ومن ضمنها تلك التي قد تنطلق من سواحل الخليج النفطي والتي ستؤدي لاضطراب وفرة النفط في السوق العالمي، وسيكون العراق مؤهلا بشكل خاص لمعالجة تمرد من هذا النوع.

وكما كان الحال مع “برسيوس”، يجب تزويد الجيش العراقي بكافة الحاجيات التي اثبتت جدارتها في مقارعة هذا التمرد مثل عجلات السترايكر والهمفي المدرعة، ودبابات البرادلي ومروحيات الأباشي، إلخ.

الجيش العراقي سيكون فارس المنطقة الذهبي، وهذا مصطلح ادق لوصف حال العراق بدلا من وصف شرطي الشرق الاوسط. هذا الفارس سيغزو المنطقة رافعا راية “الشرق الاوسط الجديد” الذي يرمز لعهد الحكومات المنتخبة.

من نتائج حرب العراق التي اطلقها الرئيس جورج بوش هي ان شيعة العراق باتوا الورثة الشرعيين لاحدى اهم الإقتصاديات الواعدة في المنطقة وهناك دراسة تقول بأن ربع النفط المتبقي في العالم هو في العراق ومعظمه في الجنوب الشيعي. الشيعة باتوا على اعتاب اشعاع هيبتهم السياسية والثقافية والاستراتيجية والتجارية إلى ما وراء حدود العراق.

السنة العرب في العراق لم يعودوا المتحكمين بمصير العراق وهناك تحليل لأرقام الإنتخابات الماضية يقول بأن رقمهم الحقيقي في العراق مجرد 13 بالمئة من مجموع السكان. التحول الذي جرى في العراق عليه أن يقارن بالنموذج القديم في سوريا حيث مازال العلويون، الذين لا يشكلون إلا 12 بالمئة من السكان،هم المتحكمون بمفاصل القوة في ذاك البلد. كذلك الواقع في السعودية حيث وإن كان الوهابيون لديهم الترجيح العددي ألا انهم لا يشكلون الغالبية المئوية من السكان.

العراق يتجه للإستقرار بسبب التمثيل النسبي في التشريع والحكم والسعودية تتجه للإضطراب بسبب انعدامه. حتى عندما اتضح بأن غالبية منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانوا من الجنسية السعودية والذي شكل صدمة للعائلة المالكة هناك وللمجتمع الدولي، مازالت السعودية هي المصنع الرئيسي للإنتحاريين في العالم الإسلامي. وهنا علينا أن نتسائل: لماذا الشاب السعودي مؤهل اكثر من غيره لتفجير نفسه؟ ولماذا هذا الشاب السعودي منعدم الاحاسيس إلى درجة تأهله لإزهاق حياة النساء والأطفال حين انتحاره؟

مازلنا ننتظر الإجابة على هذه الأسئلة من آل سعود والذين اجبرهم الضغط الدولي لتطبيق بعض الإصلاحات المحدودة. ولكن لم ينحسر عدد الإنتحاريين السعوديين بل، على العكس، تزايد الإنتاج! ما الذي يحصل؟

الجواب، بكل بساطة، هو ان الوهابية مازالت مهيمنة وقد قام آل سعود بالربط بين شرعية حكمهم وهيمنة الفكر الوهابي في بلادهم. ففي حين أن المؤسسة الدينية الوهابية تنازلت وقبلت ببعض الإصلاحات المطبقة، لكنها لم تتنازل حتى في موضوع يعد غير قابل للنقاش أو المساس به الا وهو كرهها للشيعة.

وبالتالي قام آل سعود بتفعيل خطابهم المعادي للشيعة ليرضوا بذلك الوهابيين، مما شجع المزيد من الشباب السعوديين للذهاب إلى العراق وتفجير نساء واطفال الشيعة هناك. هذا الموضوع سيزداد خطورة حين نضع نصب اعيننا حقيقة تقول بأن الشيعة وبإختلاف فرقهم يشكلون 20 بالمئة من السكان في السعودية نفسها.

كيف سيتصرف آل سعود عندما يقوم نشطاء الوهابية بذبح المليوني شيعي المتمركزين حول آبار النفط الشرقي؟ هل سيلجمونهم ام سيغظون النظر ابعادا لشبهة الاتهام بأنهم اصدقاء الشيعة؟ وحين يتسع هامش الفوضى الطائفية ويفسح المجال للجهاديين بحرق آبار النفط الشرقية، وبالنتيجة شلّ الإقتصاد العالمي، كما ابدوا استعدادهم بشكل واضح لذلك،ترى من سيدخل إلى المنطقة الشرقية لفرض الاستقرار مجدداً فيها؟

لا توجد قوة في الشرق الأوسط مؤهلة للقيام بذلك إلا تلك التي اصبحت في متناول شيعة العراق، الذين لهم الكثير من الحسابات التي بحاجة الى تصفية بينهم وبين الوهابيين تعود إلى 200 سنة حين قام الوهابيون بغزو مدينة كربلاء المقدسة لدى الشيعة وهتك حرمتها، وإلى يومنا هذا. كما انهم سينتفضون للدفاع عن اخوتهم الشيعة في المنطقة الشرقية والتي كانت ادارياً تتبع ولاية البصرة في القرن التاسع عشر من الحكم العثماني.

بالتأكيد لن يتمكن المارينز من النزول إلى سواحل مدينة الدمام من دون اذكاء نار الغضب الإسلامي بإنتهاك ارض الجزيرة العربية المحرمة على “الكفار”. كما لا يمكن الإعتماد على المصريين والأتراك في حين أن تلك الشعوب باتت تعادي الغرب وتتعاطف مع من يحاربه. كما أن حلفاء مفترضين لأمريكا مثل الاردن وقطر ليس لهم الوزن الكافي للقيام بمشروع استراتيجي بهذا الحجم. ولا احد يثق بالإيرانيين، مما يبقي العراق فقط في الصورة.

إنني ادرك يقيناً بأن هذا المقال سيتعرض للهجوم وسيعده البعض مثالا آخر على حملة إدانة السعوديين أو التخويف أو الإنحياز الشيعي أو دق طبول الحرب لدى المحافظين الجدد. من السهل انتقاد هذه الافكار ولكن على من ينتقد ان يجيب على هذا السؤال: ما العمل مع الـ”ميدوسا” الوهابية؟

“إن واشنطن غير مؤهلة للنظر بعيدا في ما يخص الشرق الأوسط ” كما قال لي خبير في شؤون الخليج هنا، مضيفاً “إن التفكير العميق حول مشكلة ما إلى حين انفجارها في وجهنا ليس من سماتنا، فالأمر ليس بسهولة احتساء الـ”فرابوشينو” وقراءة مقال لـ”توماس فريدمان.”

ما زال هناك احتمال بسيط بأن يقوم آل سعود بإنقاذ انفسهم عن طريق القبول بنموذج التمثيل الشرعي والترحيب بقيادة الشيعة للعراق، وبذلك يجنبوا انفسهم فوضى داخلية وحربا مستقبلية. كان اجداد آل سعود واقعيون وقد انقذوا انفسهم مرتين في التاريخ من الإنهزام التام. لكن يبدو أن تلك الجينات الوراثية القوية قد تلاشت الآن، إذ لا نرى من نشاط وهمة السعوديين إلا ما تقوم به شركات العلاقات العامة واللوبي في واشنطن لتلطيف صورتهم مقابل المال.

إن القيادة العليا لأحفاد إبن سعود التي تبدو اليوم مرهقة وتعاني من الكهولة وعبء كروشها المتخمة بالكافيار، ستكون حتماً غير قادرة على الصمود امام عاصفة الإرهابيين.

العراق الجديد يمثل بديلا عن آل سعود، فبات من الممكن الاستغناء عنهم، والفارس العراقي سيكون جاهزا لتصحيح مسار الأمور التي قد تتدهور. إن القيادة الشيعية للعراق هي سلاح حيوي للمستثمرين والمخططين العسكريين الذين يتهيأوون للحروب الاقتصادية والعسكرية المقبلة في القرن الحادي والعشرين. العراق الجديد يجب ألنظر إليه كمنقذ ويجب تأهيله وتسليحه لهذا الدور.

* نبراس الكاظمي محرر مساهم في جريدة “النيويورك صن” وهو استاذ زائر في مؤسسة “هدسون” للدراسات الإستراتيجية في العاصمة واشنطن, ولديه عامود في مجلة “بروسبكت” البريطانية ويكتب في مدونته الخاصة في الإنترنت “باب الطلسم”

تعليق