بعض الملاحظات الاولية على مسوّدة قانون الاحزاب

نبراس الكاظمي

في نظامنا السياسي، يقوم مجلس الوزراء بتشريع مسوّدة القانون المزمع تمريره، وبعد المداخلات والقراءات المتعددة والتصويت عليه في مجلس النواب يصبح سارياً في البلاد. في حين ان اغلب النظم البرلمانية العالمية لديها الصلاحية بتشريع القوانين هي الاخرة من دون انتظار المبادرة من الهيئة التنفيذية. وبالتالي فإن القوانين التي تصاغ في العراق تعكس، في صورتها الاولى، ما تبتغيه السلطة التنفيذية ومن يرأسها.

قانون الاحزاب السياسية المدرج للبحث هذه الايام في البرلمان لديه ايجابيات وسلبيات. وان اردنا ان نُحسن الظّن بحكومة دولة رئيس الوزراء نوري المالكي وحزب الدعوة، ذلك الحزب السري تنظيمياً والمبهم في توجهاته، فإن حجم السلبيات وخطورتها تجعلنا نقلق بان الايجابيات جاءت لتغليف السلبيات المتقصّدة والتّستر عليها.

هناك ثلاث محاور اشكالية في نص المسوّدة، واخطر ما فيها هو وضع مصير العملية السياسية برمتها في متناول يد موظف بدرجة مدير عام في وزارة العدل، بالإضافة الى اشكالات في باب التمويل الحزبي، وكذلك غُبن الاحزاب التي تريد ان تتشكل على اساس مناطقي ولا مركزي.

المحور الاول: دائرة شؤون الاحزاب

المادة 19/1 من القانون تٌنشأ دائرة جديدة اسمها “دائرة شؤون الاحزاب” كأحد منظومات وزارة العدل، ولهذه الدائرة صلاحيات واسعة من باب الرقابة والتحقيق وتحريك الدعاوي ضد الاحزاب المخالفة للقانون. ويضع القانون كل هذه الصلاحيات بيد موظف بدرجة مدير عام، اي بيد شخص مرتبط اداريا بوكيل وزير مسيّس، المرتبط بوزير مسيّس، الذي هو نفسه مرتبط برئيس وزراء مسيّس. يعني من يسيطر على وزارة العدل سيتمتع بسلطات تصل الى حد الفيتو على كافة الاحزاب الاخرى وتعطيل اعمالها. هذه التراتبية الهيكلية ستنشئ فعلياً حالة شبيهة بحال تركيا، حيث يقوم مدعي عام مسيّس بغلق الاحزاب (ما كان يحدث مع الاحزاب الاسلامية سابقاً وما زال يحدث مع الاحزاب الكردية) بتوجيه من الجهة التي عينته.

القانون فيه الكثير من المحاذير والمنزلقات التي من الجائز تسيّسها مثل باب “التخوين” (المادة 26/9 والمادة 58/1 و2) حيث يُعلم الحزب دائرة الاحزاب بأي علاقات خارجية لديه، ويجعل كل علاقة كهذه في موضع الشك والريبة وان كانت بروتوكولية وتنموية، وباب آخر هو تعطيل التحالفات بين الاحزاب المعارضة والتي من الممكن ان تهدد الكتل الحاكمة (المادة 36/2)، وحتى امور فضفاضة من السهل تحريفها مثل “اي نشاط يهدد امن الدولة” (المادة 39/1 ج 1) او التقاعس عن صيانة الوحدة الوطنية (المادة 26/3). بالتالي وضع ملفات خطيرة كهذه بيد موظف مغمور نسبياً سيؤدي حتماً الى استغلال القانون في تصفية الحسابات السياسية والتضييق على معارضي الاحزاب المتنفذة. خصوصاً وإن اضفنا ما يوازي “المخبر السري” (المادة 62) الى هذه الطبخة السّامة، وامر مستغرب وفضفاض هو الآخر مثل المادة 39/6 القائلة بأن امتلاك او حيازة الاسلحة النارية في مقار الحزب “او اي مكان آخر” يعتبر جريمة، اي ان زرع الادلة من قبل جهة مجهولة في “اي مكان آخر” ونسبها الى حزب ما سيفعّل اجراءات قضائية ضده. ما يعني ان السلطات لها ان تتحجج بوسائل غامضة ومخابراتية لتصفية خصومها، كما هو الامر الحاصل هذه الايام في تعامل السلطات التركية مع قضية الـ”ارجنكون” المشبوهة التي زجت بالمئات من معارضي حزب التقدم والعدالة الحاكم في السجون.

فكيف بمدير عام مغلوب على امره ان يتحصّن ضد التأثيرات السياسية التي تريده ان يستخدم هذه الصلاحيات “الدكتاتورية” والقاسية ضد من تشاء؟

الكثير من الامور الرقابية المبالغ بها مبررة في بلد وضعه مربك مثل العراق، ولكن الامانة والحكمة في تحديد ما هو فعلا مسيء للعملية السياسية عليه ان يكون عائداً الى جهة تنفيذية بعيدة عن التجاذبات السياسية. فبدلاً من دائرة احزاب علينا ان ننشئ “الهيئة المستقلة لشؤون الاحزاب” وتكون عائديتها الى مجلس النواب ، خلافاً لقرار المحكمة الاتحادية الاخير فيما يخص الهيئات المستقلة. وليرأس الهيئة موظف رفيع المستوى بدرجة وزير، مع مجلس امناء ينتخبه، وتدوم فترة مخدوميته ستة سنوات في كل دورة، لأهمية هذا المنصب الحساس واثره على العملية السياسية.

وهذا ليس الامر كله، فالقانون فيه تخبّط وتضارب في تحديد مرجعيات القرار، فتسجيل الحزب يحصل عند رئيس محكمة القضاء الاداري (المادة 11/1 أ)، وتعديل النظام الاساسي كذلك (المادة 18/2)، وليس لدى دائرة الاحزاب. في حين ان القانون لا يحدد الجهة القضائية التي لها ان تصدر امر مصادرة مراسلات الحزب او التنصت عليها او تفتيش مقاره في حال ايجاد “الضرورة” القانونية والامنية لذلك (المادة 22/1)، فمن اين يصدر قرار الإنصات او التفتيش ومن يحدد ما هي “الضرورة” الداعية له؟ فهل سيكون العمل المخابراتي منفذاً لكيل التُهم السياسية والتسقيط الاعلامي؟ في جانب آخر، هناك امر ايجابي وهو منع استخدام دور العبادة لأغراض العمل الحزبي (27/5)، وكما هو معلوم هذه مشكلة كبرى في بلدنا سببها الاحزاب الاسلامية، ولكن القانون لا يحدد الجزاء في ذلك وما هي الجهة الرقابية، اهل هي الاوقاف الدينية ام ماذا؟

المحور الثاني: التمويل

لا يوجد سقف للتبرعات المادية والعينية (المادة 41/2) مما سيسمح لكبار التجار و”الحيتان” المالية بغدق الاموال على من “يسهّل” لهم الامر في الحصول على عقود او تشريعات مفيدة لهم من قبيل الاحزاب الحاكمة. وهناك مادة ضعيفة (44/3) تسعى الى التحديد من هذا النفوذ لكن تطبيقها الفعلي شبه مستحيل، والمادة نفسها تفيد بنشر اسماء المتبرعين في جريدة الحزب (المادة 44/1) لكنها لا تنص على نشر المبالغ التي تبرع بها فلان، وفي كل الاحوال يجب ان تكون هذه المعلومات متاحة لكل المواطنين على صفحة هيئة الاحزاب الالكترونية. فالأجدر ان يحدد سقف التبرع للشخص الواحد بما يوازي 3000 دولار كما معمول به في امريكا والتي جاءت جراء اصلاحات سعت للحد من تأثير المال على السياسة. وللمتبرع البالغ والغير محكوم بأمر قضائي الحق بان يتبرع بأمواله الى اكثر من حزب ولكن ضمن ما يحدده السقف ومن دون الانتماء لأي منها، لان تصرفه بماله هو شأنه.

كما ان القانون يقول بأن اموال الحزب توضع في مصارف عراقية من دون تحديد هوية المصارف، ونعرف ان الكثير من المصارف هي دكاكين في حين ان الاخريات مرتبطة بمصالح تجار كبار، فمن السهولة تعتيم او تحريف حجم التحركات المالية في بنوك تفتقر الى ثقافة الرقابة المصرفية. وهذا امر من الممكن تداركه بوضع هذه الاموال في مصارف حكومية او شبه حكومية للزيادة في الشفافية.

ولكن اسوأ ما جاء في باب التمويل هو ان بعضه سيأتي مباشرة من الدولة مما يحمّل عبئاً جديداً على الميزانية، وسبعون بالمئة من التمويل الحكومي سيذهب الى الاحزاب المتنفذة في البرلمان (المادة 52/2). لا يوجد اي مبرر في ان تذهب اموال الدولة لتمويل احزاب سياسية، خصوصا وان كانت هي احزاب الدولة نفسها. هذه المواد (50 الى 53) يجب الغاؤها كلياً.

المحور الثالث: التدخلات الغير مبررة في عمل الاحزاب وتقويض الهوية اللا مركزية

وفي جانب التدخلات الغير مبررة في عمل الاحزاب، نجد نصاً يحدد من هم اعضاء الهيئة العامة للحزب وآلية انعقاد الهيئة (في النص، كل اعضاء الحزب، المادة 32). هذا امر من المفترض للحزب تحديده في نظامه الاساسي من دون العودة لإجراءات القانون لأنه شأن داخلي للحزب. والمادة 8/2 تنص على “تميز برنامج الحزب في تحقيق اغراضه تميزا واضحا عن برامج الاحزاب الاخرى” في حين ان القرار في ما يأتي في البرامج الحزبية عليه ان يكون من اختيار المنتمي للحزب وما يستهويه ولا تقوم الدولة بتحديد ذلك او التدخل فيه. كما للحزب القرار بالمشاركة في اي انتخابات من دون الضرورة الى تحديد عمره السياسي في حالة تغيبه عن صناديق الاقتراع (المادة 40/1 أ)، فالقانون الحالي ينص على ان اي حزب يمتنع عن المشاركة بدورتين انتخابيتين متعاقبتين يعتبر ملغيا بشكل تلقائي، وهذا امر مرفوض. ومن هذا القول، ليس للسلطات ان تحدد ما هي الآليات الاعلامية التي يروم الحزب الترويج عن نفسه بها، وبالتالي ليس من الضروري وجود جريدة ناطقة باسم الحزب او غير ذلك (المادة 25/2)، فهذا ايضا امر عائد له.

وعندما نأتي الى موضوع اللا مركزية نجد ان القانون يريد اجبار الاحزاب المنبثقة عنه نبذ الهويات الجزئية. فالمادة 5/2 هي مادة مفيدة في قولها “لا يجوز تأسيس الجزب على اساس العنصرية او الارهاب او التكفير او التعصب الطائفي او العرقي او القومي”، ولنا ان نتساءل كيف سيتم التعامل مع احزاب مثل الحزب الديموقراطي الكردستاني او التيار الصدري او حتى حزب الدعوة، لأنها احزاب تعكس الوان قومية ومذهبية معينة؟ وماذا سيحصل اذا اراد اهل بغداد تأسيس حزب يعكس الهوية البغدادية، والامر كذلك في الموصل او البصرة؟ هذا القانون يقوّض الهويات المناطقية لأنه ينص على ان الاعضاء المؤسسين للحزب، والذي لا يجوز ان يكون دون رقم 2000 شخص، عليهم التوزع في ست محافظات، وان لا يقل عدد المنتسبين في اي محافظة عن 100 شخص (المادة 11/1 أ)، بما معناه ان اي حزب يعكس تطلعات اهل بغداد عليه ان يبحث عن خمس مئة منتسب “شكلي” في خمس محافظات اخرى قبل ان يحق له ان يُسجّل. فأين هذه المادة من الحقوق المكفولة دستورياً في باب اللا مركزية؟

وفي الختام، نجد مواد تحرّم ضمنياً عمل البعثيين مجددا، ولكن القانون يخلو من اي اشارة الى قانون المساءلة والعدالة. هل هذا سهو متعمد ام جزء من صفقة سياسية لا نعلم خباياها؟

نعود ونقول ان هناك ايجابيات مطلوبة في القانون، ولكن السلبيات لها ان تشوّه وتدمر العملية السياسية والروح التعددية اذا بقيت على حالها، ونعيد ايضا اننا نريد ان نحسن الظن بمن خطّ هذه المسودة ولكن التجارب تجعلنا نتوجس من النزعة الإقصائية ورغبة الحزب الاوحد في السيطرة على مقاليد السلطة بطرق قانونية ملتوية. ونتأمل خيرا من النائب خالد شواني، رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب وعضو التحالف الكردستاني، بان يُحدث التغييرات اللازمة ضمن نقاشات لجنته قبل التصويت البرلماني على هذه المسوّدة.

الرابط: مسودة قانون الاحزاب السياسية

    1.
  1. April 3rd, 2011 at 6:12 am
    علي العبيدي
      يقول:

    متفق معك القانون كله شوائب وملاحظاتك مهمه

  2. 2.
  3. April 5th, 2011 at 4:19 pm
      يقول:

    السلبيات خطيرة ومن التجارب الماظية الذين يقترحون هكذا قانون مخلف للدستور وأنعاكسته لا يمكن توقعها وهل من غاية للتصعيد فبدلا من الاصلاح ها هم يزيدون الامور تعقيدا .أنا أرى ان القيمن على الامور التنفذية او التشريعية في وداي والدنيا في وداي أخر والله لا يدري الواحد منا ماذا يقول لك الله يا عراق لك الله يعراق .

  4. 3.
  5. April 5th, 2011 at 10:38 pm
    كفاح سمعان
      يقول:

    إن إصدار قانون للأحزاب من قبل حزب واحد يشغل رئيسه وظيفة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة و وزير الدفاع ووزير الداخلية ووزير الأمن الوطني ورئيس جهاز المخابرات ورئيس مكافحة الإرهاب والقائمة تطول إن إصدار هذا القانون سيكون مهزلة خاصة إذا سيطر الفكر التكفيري والديني الأسلاموي على تشريعه من خلال برلمان من نوع موافق إذا حصتي مضمونة !!

  6. 4.
  7. April 5th, 2011 at 10:40 pm
    كفاح سمعان
      يقول:

    حاولنا الحصول على مسودة القانون لمناقشته في وسائل الإعلام القائمة بدون فائدة
    لماذا لا يقوم البرلمان بإقتراح القوانين؟ أليست هذه مهزلة أخرى تضاف إلى مهزلة تشريع قانون الأحزاب ؟

  8. 5.
  9. April 19th, 2011 at 11:08 pm
    الدكتور حسن الجبوري
      يقول:

    صار كلامك الان ضد الحكومة .ما هذه الازدواجية

  10. 6.
  11. April 20th, 2011 at 9:27 pm
    د0حيدر ادهم
      يقول:

    توجد ازمة حقيقية في العراق والفوضى الحزبية مظهر من مظاهرها

تعليق