التحالف الإسلامي بقيادة السعودية: تحدي كبير للدولة الإسلامية، أم فرصة محتملة؟

feature_20160309_kazimi_getty_images_496670500

نبراس الكاظمي

ترجمة رشا العقيدي

(هذه ترجمة جزئية من دون الهوامش والمصادر لدراسة سيتم نشرها في جورنال “التيارات الحالية في عقائد الإسلاميين” لمؤسسة هدسون في عددها القادم، وتم نشرها مبكرا في الانترنت يوم 8 آذار 2016، ومن يريد مراجعة المصادر والهوامش عليه الرجوع الى النسخة الإنكليزية من هذا الرابط)

 

الخلاصة

أثار إعلان السعودية عن تشكيل “التحالف الإسلامي” لمحاربة الإرهاب في منتصف كانون الأول 2015م مخاوف أبي بكر البغدادي، “خليفة” الدولة الإسلامية. لم يكن جهازه الإعلامي مستعداً لمعالجة التأثيرات الإيديولوجية لمثل هذا التحوّل في النموذج السعودي. إنّ الصيغ والخطابات الإيديولوجية المعادية للسعودية والتي طورّها الجهاديون لعدّة سنوات لم تأخذ في الحسبان احتمالية شروع السعودية بحملاتٍ عسكرية خارج حدودها، وتحديداً عمليات تستهدف الجهاديين. ربما يرتكز التفكير السعودي على فكرة الإنهيار السريع للدولة الإسلامية في حال واجهت “تحالفاً إسلامياً”، فالدولة الإسلامية تسعى لحشد الدعم المحلي بحجة دفاعها عن السنة ضد الطغاة والطائفية، بينما يهدف التحالف الإسلامي إلى تحرير السنّة من الدولة الإسلامية والهيمنة الإيرانية على حد سواء. لقد رفع الإعلان عن تشكيل التحالف الإسلامي من التوقعات الشعبية لـ”نظام جديد” في الشرق الأوسط خصوصاً بين الذين شجعّهم النشاط السعودي الذي يعتبرونه “متأخر وطال انتظاره”. ولكن المبادرة السعودية الجديدة هي مغامرة خطيرة قد تأتِ بنتائج عكسية على الأسس الخطابية والإيديولوجية في حال فشل الحملة أو إطالتها.

التمهيد

إنّ لدى الجهاديين الكثير من قولهم تجاه المملكة العربية السعودية وذلك بسبب رؤيتهم للمملكة على أنّها منافسة لهم. في قلب هذا التنافس توجد مسألة من هو الأحق بشرعية الدفاع عن “التسنّن” في وجه التوسع الإيراني في الشرق الأوسط، وهي مسألة مهمة، ومقلقة، للطرفين. تدّعي الدولة الإسلامية بأنّ آل سعود قد فقدوا الشرعية والفعالية الضرورية التي تمكنّهم من خوض مثل هذا الدفاع الحضاري، ولدعم هذا الإدّعاء، سبق أنْ اشاروا إلى الطبيعة الثابتة للعجز السعودي الذي لم يتوافق مع الخطاب التحذيري الصادر من الرياض والمتعلق بالتجاوزات الشيعية بحق السنّة. ربما يعتقد الجهاديون بأنّ الإنفصال بين القول والفعل يسرّع من سخط المواطنين السعوديين تجاه قادتهم، وإنّ هذا السخط قد يكون عاملاً مساعداً في الترحيب بتوسّع الدولة الإسلامية إلى العمق السعودي، وهو هدف مهم جداً للبقاء الطويل لدولتهم، حسب اعتقادهم. ولكن السياسة الإقليمية للسعودية لم تعدْ ثابتة.

أطلقت السعودية قبل عام من الآن عملية عسكرية في اليمن ضد ثوّار صنّفتهم أتباع لإيران، فاستجاب الجهايون بالإزدراء والسخرية، معتبرين الحملة في اليمن مغامرة عابرة ستكشف مواطن الضعف السعودي. ولكن السعودية ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك واعلنت عن تشكيل تحالف إسلامي لمكافحة الإرهاب في كانون الأول من عام 2015م، ملمحةً بأنّ المملكة على استعداد لنقل المعركة ضد الجهاديين إلى سوريا وغيرها. فسّر مراقبو الشرق الأوسط في الإعلام والدوائر الاستخباراتية بأنّ التحرّك السعودي يهدف أيضاً إلى موازنة النشاط الإيراني عبر الشرق الأوسط. تسائل أحد المحللين السياسيين المعنيين بالشأن السعودي إذا ما كان التحالف يشكّل نظيراً إسلامياً للناتو، وهذا التصوّر ينتشر في السجال العام في المنطقة، رافعاً من سقف الطموحات حول “نظام جديد”.

لم يكن الجهاديون مستعدين لمثل هذا التحوّل غير المسبوق في نموذج السلوك السعودي عندما حللّوا الحملة العسكرية في اليمن، حيث كان خطابهم المعادي للسعودية مفصلّاً لتسفيه العجز السعودي، ولكنهُ اليوم مرغم على اللحاق بالمبادرة السعودية. كما يجب أنْ يعالج الجهاديون التأثيرات الإيديولوجية التي قد تنتج عن وضع السعودية نفسها كـ”دولة محاربة”، مستعيدة بذلك هوية ترجع إلى قرون خلت كانت توظفها قبل تأسيسها كدولة معاصرة عام 1932م. أنّ الخزين الخطابي الذي طورّوه الجهاديون ووظفوه في السنوات الماضية هو عاجز ايديولوجياً عن مواجهة “دولة محاربة” منافسة، خصوصاً إنْ كانت السعودية. سيكون على الجهاديين الآن مواجهة احتمالية المقبولية التي قد تحظى بها سياسات “التوسع” السعودية الجديدة لدى مواطني المملكة، والذين كان الجهاديون على أمل تجنيدهم وإشراكهم في دولتهم التوسعية. يجب على الجهاديين الآن أنْ يجادلوا بأنّ المبادرة السعودية هي غير مشروعة، وهو جدال يصعب الخوض فيه بالمقارنة مع جدال يتمحور حول السبات السعودي، وسيكون أصعب إذا ما أدّت هذه المبادرة إلى إعادة ترتيب جذرية في موازين القوى في الشرق الأوسط. إنّ الإيديولوجية تتبع الفعل، وقد أُخذَ الجهاديين على حين غفلة، الآن على الأقل. ولكن من المحتمل أنْ يجد الجهاديون موطئ قدم لهم إذا، أو حين، اضطرب التحالف الإسلامي في تضاريس ساحات القتال، أو في حال فشل التحالف في الإنطلاق، فيعجز عن تحقيق التوقعات التي رفعها. قد تكون السعودية قد شعرت بأنّها مرغمة على مثل هذه المغامرة بسبب ما كان يقوله الجهاديون عن عجزها، إلى جانب تحديات اجتماعية اقتصادية وثقافية تجري داخل حدود المملكة، ولكنها مغامرة خطيرة. إذا ما رأى المواطنون السعوديون بأنّ التحالف الإسلامي فاشلاً، فقد يعجّل هذا التصوّر من فقدان النظام الحاكم للشرعية. قد يجد الجهاديون حينئذ فرصة لكسب الدعم داخل المملكة، ويوجهون المزيد من اهتمامهم الشخصي ومصادرهم ودعايتهم باتجاه ذلك الهدف.

سياسة الدولة الإسلامية تجاه السعودية كما تعكسها خطابات البغدادي

ألقى البغدادي ثلاث خطابات “سياسية” منذ إعلان الخلافة في ايلول عام 2014. أصدرت الأجهزة الإعلامية للدولة الإسلامية الخطاب الأول على شكل ملف صوتي في تشرين الثاني  2014 وتبعهُ خطابين في شهر أيار وكانون الأول من عام 2015 تباعاً. يمكن القول بأنّ السعودية تبرز، بل تهيمن، على هذه الخطابات. من الجلي أنّ السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، إلى الحد الذي يمكن اعتبارها دولة، تركّز على الجارة الجنوبية. لا يبدو أنّ فكرة الثورة في السعودية تجول في بال البغدادي، بل يعدُ بغزو مباشر، أو “تحرير” يشمل تمدد دولته لتضم إليها المراكز الثورية الشعبية الأولى في الداخل السعودي والتي سترحّب بمقاتلي البغدادي. وبالرغم من أنّ الدولة الإسلامية سبق وأنْ بشرّت بإقامة ثلاث ولايات في السعودية (الحجاز، نجد، البحرين)، وقد تبدو هذه البشارة وكأنها تشجيع على الثورة أو على الأقل ضمان سيطرة مناطقية من الداخل، ولكن أول خطابين للبغدادي يشيران إلى تفضيل سياسة تمدد دولته جنوباً في مرحلة ما في المستقبل.

في الوقت الحاضر، تتقاسم الدولة الإسلامية على الأرض حدوداً مع السعودية على امتداد ولاية الأنبار، والتي هي في تصوّر دولة الخلافة الحدود “القديمة” بين العراق والسعودية. سعتِ الدولة الإسلامية إلى كشف هذا الواقع من خلال نشرها لتسجيلات مصوّرة تظهر مقاتليها يهاجمون معاقل للشرطة العراقية أو السعودية على جانبي الحدود.

ولكن حصل هناك تحوّل في سياسة البغدادي تجاه السعودية عبر خطاباتهِ الثلاثة، حيث تحوّل من خطاب إرشادي للمتعاطفين معه في الداخل السعودي إلى خطاب تفاعلي- أو ردّة فعل للتغيرات الكبيرة في السياسية الخارجية السعودية.

يصف البغدادي في خطابهِ الأول (تشرين الثاني 2014) قائمة للأعمال الواجب إنجازها لمناصريه في السعودية. دعا البغدادي أنصاره  للقيام بحملة عنف في الداخل السعودي لإلهاء الحكومة عن مهاجمة الدولة الإسلامية. دعا بالتحديد  لاستهداف السعوديين الشيعة وأفراد الأسرة الحاكمة. في تلك المرحلة كان البغدادي قلقاً من الضربات الجوية التي ينفذها طيارو القوة الجوية السعودية  ونظرائهم من بلدان الخليج الأخرى ضد أهداف الدولة الإسلامية في سوريا بالتعاون مع التحالف الدولي. كان يعتقد بأنّ استراتيجيته في استدراج القوات البرية الأمريكية إلى أرض المعركة تتقدم بنجاح، كما دعا، وكان هدفه الواضح هو حرمان القوات الأمريكية  من الغطاء المعنوي الذي تقدمه مشاركة القوات الإسلامية،مثل وجود طيارين سعوديين ضمن التحالف، وهو الغطاء الذي يعطي الشرعية للقوات الأمريكي.

وعد البغدادي أنصارهُ في السعودية بأنّ  “طلائع الدولة الإسلامية” ستصل إلى داخل المملكة. أمّا الجانب الثاني من السياسة الخارجية للبغدادي فقد ارتكزت على المتمردين الحوثيين في اليمن، ووعدَ بأنّ جنود الدولة الإسلامية سيحاربونهم هناك. رسالة البغدادي الشاملة أفادت بأنّ الخلافة كانت القوّة المؤثرة والناجحة الوحيدة التي تواجه سياسة التمدد الايرانية في الشرق الأوسط في الوقت الذي كانت فيه القوى السنّية التقليدية، تحديداً السعودية، “نائمة على المقود”.

في خطابه الثاني، كان البغدادي ملزماً بالحديث عن تغيّر هائل في السياسة الخارجية السعودية خصوصاً لكونه تغيّر يمس اليمن. ولكن خطابة وإنّ كان تفاعلياً، فقد حمل سمات السخرية أكثر من الحذر. تناول البغدادي الحملة العسكرية السعودية ضد الحوثيين في اليمن، التي أطلق عليها السعوديون اسم “عاصفة الحزم” والتي انطلقت في اذار 2015، وهو يشير إلى أنّ آل سعود لا سعة لهم في الحرب، وإنّ المغامرة العسكرية الإستعراضية لن تحقق شيئاً. يشير أيضاً إلى أنّه يعتقد بأنّ السعوديين اطلقوا حملتهم لاستباق الخطوة عن خطابات الدولة الإسلامية وأفعالها:

” ما هي إلا عاصفة وهم بعد أن لفحت نار الروافض عروشهم، ووصل زحفهم إلى أهلنا في جزيرة العرب، الأمر الذي سيؤدي بعدها لالتفاف عامة المسلمين في الجزيرة حول الدولة الإسلامية، كونها المدافعة عنهم، وهذا ما يرعب آل سلول وحكام الجزيرة، ويزلزل حصونهم، وهذا هو سر عاصفتهم المزعومة، والتي هي بإذن الله نهايتهم، ونهايتهم القريبة إن شاء الله، فما آل سلول ولا حكام الجزيرة بأهل حرب، ولا لهم عليها صبر، وإنما هم أهل رفاهية وترف، أهل سكر وعهر ورقص وولائم، مردوا على حماية اليهود والصليبيين لهم، وأشربوا في قلوبهم الذل والصغار والتبعية.”

في معرض سخريته، يسأل البغدادي عن سبب إنفاق آل سعود مبالغ طائلة على جيش البلاد إذا وقف فشل في الدفاع عن المجتمعات المسلمة في الماضي، ويعدد الصراعات الماضية والجارية في العراق وسوريا وبورما والصين والهند وأندونيسيا والقوقاز وأفريقيا وفلسطين وأفغانستان (المشار إليها بـخراسان). يحلل البغدادي سبب التحوّل في السياسة السعودية إلى أنّ الأسرة الملكية السعودية، بعد أن خدمت “أسيادها من اليهود والصليبيين”، يجدون أنفسهم مبعدين، وقد استُعيضَ عنهم بالشيعة والكرد ليكونوا أذناباً للقوى الغربية في الشرق الأوسط، ومن ثم فإنّ قراءة البغدادي لقرار الحرب في اليمن هو أنّه “شهقة موت” عقيمة في مسعى للسعوديين ليجعلوا من أنفسهم ذي أهمية مرة أخرى لـ”أسيادهم”. يسأل لماذا يحاربون في اليمن وليس سوريا، التي يضطهد العلويون فيها السنّة ويقتلونهم. كرّر البغدادي خطابهُ في كلمته الثالثة بعد أن أصبح واضحاً له بأنّ التحوّل الذي حصل في اليمن لم يكن حدثاً عابراً، بل بداية لإعادة تشكيل هائلة في السياسة الخارجية السعودية. كان على البغدادي الاستجابة لاحتمالية سعة السعوديين للحرب، واحتمالية ملاحقتهم لدولتهِ في سوريا وربما العراق.

القى البغدادي خطابهُ الثالث خصيصاً عن إعلان السعودية للتحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب. أعلن وزير الدفاع وولي ولي العهد محمد بن سلمان عن التحالف في 14 كانون الثاني 2015 في الرياض. يعود البغدادي إلى النقطة التي أثارها سابقاً عن تردد القوى الغربية لمحاربة الدولة الإسلامية مباشرة، وأنّهم اعتمدوا على الشيعة والكرد للقتال نيابةً عنهم، وما التحالف الإسلامي الجديد إلّا ذروة نهجهم:

“وها هم النصارى الصليبيون وأمم الكفر وملله معهم ومن ورائهم اليهود، لا يجرؤون على المجيء برا لقتال ثلة قليلة من المجاهدين، وكل يدفع صاحبه ليورطه، لا يجرؤون على المجيء لامتلاء قلوبهم رعبا من المجاهدين، ولأنهم بفضل الله تأدبوا في أفغانستان والعراق، وعلموا أنه لا طاقة لهم بالمجاهدين، لا يجرؤون على المجيء لأنهم يعلمون يقينا ما ينتظرهم من الأهوال والويلات، في الشام والعراق وليبيا وأفغانستان وسيناء وأفريقيا واليمن والصومال، يعلمون ما ينتظرهم في دابق والغوطة من الهزيمة والهلاك والدمار، يعلمون أنها الحرب الأخيرة، وبعدها –بإذن الله- نغزوهم ولا يغزوننا، ويسود الإسلام العالم من جديد، وإلى قيام الساعة، ولذا يؤخرون المجيء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ويعملون جاهدين لحشد المزيد من أذنابهم وعملائهم، من الصحوات والمرتدين وملحدي الأكراد، وقطعان الروافض البهائم، وما زالت أمريكا وحلفاؤها يحلمون بالقضاء على الخلافة عبر وكلائهم وأذنابهم، وكلما فشل لهم حلف أو قُطع ذنب، سارعوا لإنشاء آخر، حتى أعلنوا مؤخرا عن  التحالف السلولي المسمى زورا بالإسلامي، وقد أعلن أن هدفه محاربة الخلافة، ولو كان تحالفا إسلاميا لأعلن نصرته ونجدته لأهل الشام المستضعفين المنكوبين، وأعلن حربه على النصيرية وأسيادهم الروس، ولو كان إسلاميا لأعلن العداوة والحرب على الروافض المشركين والأكراد الملحدين في العراق، الذين استباحوا أهل السنة قتلا وتشريدا وعاثوا في ديارهم فسادا، ولو كان تحالفا إسلاميا لما أيدته الصين الملحدة وطالبت الدخول فيه، ولو كان تحالفا إسلاميا لأعلن براءته من أسياده اليهود والصليبيين، ولجعل هدفه قتل اليهود وتحرير فلسطين…”

هناك فرقٌ واضحٌ في نبرة البغدادي في الخطاب الثالث. لمْ يعدْ يسخر من الأسرة المالكة بوصفهم بالإتباع والفاسدين. كانت نبرتهُ متجهمة وحذرة، بل توحي بالتخوّف. ينادي على مسلمي العالم ويناشدهم “ليدركوا أنّ الدولة الإسلامية، منذ إنطلاقها قبل عشر سنوات، هي راس الحربة في الحرب بين الإيمان والكفر، مضيفاً أنّ هذا العدد الكبير من القوات المحتشدة ضد الدولة الإسلامية يؤكد بأنها الحق. لمْ يطالب أنصاره بشنّ حملة إرباك وانتظار طلائع الدولة الإسلامية من الشمال كما توّعد قبل سنة، بل يطالب الآن بالإنتفاض ضد آل سعود. يكرر بعد تفكير عميق تلميح سابق له عن السنوات العشرة التي مضت على إقامة الدولة الإسلامية، مشيراً إلى تحمّل الجهاديون المحن من قبل عندما كان مشروع الدولة الإسلامية قريباً من نهايتهِ. يشير هذا التحوّل في نبرة البغدادي بأنّه ومستشاريهِ يأخذون المبادرة السعودية الجديدة على محمل الجد.على الرغم من الأسباب الواضحة لقلق الخليفة، وهي وجود جيوش إسلامية جيدة التدريب والتسليح تهاجم دياره،  قد يكون الخليفة أيضاً قلقاً من التاثيرات الإيديولوجية لهذه المبادرة وإذا ما كانت ستجبره على إعادة النظر في الرسائل الموجهة للشعب السعودي. منذ سنوات والدولة الإسلامية تشحذ خطابات معينة للجمهور السعودية، ولكن التغيرات الحاصلة في نهج القيادة السعودية قد يجعل هذه الخطابات تبدو غير مؤثرة.

الخطاب القديم  في حزمة “يا أرض الوحي صبراً” الإعلامية

قبل البحث في مخاوف البغدادي المتعلقة بالتاثيرات الإيديولوجية للتحالف الإسلامي، يجب النظر بشكل أدق إلى الحملة الإعلامية الأوسع ضد السعودية والتي اطلقتها الدولة الإسلامية.

قبل أيام من خطاب الخليفة، أطلقت الأجهزة الإعلامية الرسمية التابعة للدولة الإسلامية بالتعاون مع جهات مساعدة “غير رسمية” (مثل البتّار، الصمود،الخ) مجموع 26 تسجيل مصوّر وعشرات المقالات والقصائد و”الملصقات” في منابر متعددة على الإنترنت، وقد رزمت المواد كلها في قرص حمل عنوان “يا أرض الوحي صبراً”. لخّص محتوى القرص جميع نقاط الحديث التي وظفتها الدولة الإسلامية في مخاطبتها للجمهور السعودي. كانت السمة الأبرز في التسجيلات “الرسمية” هي تسليط الضوء على “الوجه” السعودي للدولة الإسلامية بكلمات مقتضبة القاها سعوديون يحاربون مع الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر.

لا يوجد جديد فيما يخص النقاط التي تثيرها الدولة الإسلامية والمتعلقة بالسعودية في هذه التسجيلات والمقالات. أغلبية المواضيع تمّ تناولها سابقاً خلال العقود الثمانية منذ تاسيس المملكة، منذ حركة “اخوان من طاع الله” في أواخر العشرينات، وثورة “جهيمان العتيبي” في مكّة عام 1979، وكتاب “الكواشف الجليّة في كفر دولة السعودية” لأبي محمد المقدسي، بالإضافة إلى الخطابات المعادية للسعودية منذ ذلك الوقت. إنّ تأثير المقدسي على مسار أبي مصعب الزرقاوي  هو حقيقة موثقة يمكن من خلالها اقتفاء أثر العتيبي في فكر المقدسي.  وكما تجاوز المقدسي العتيبي في استعداده لتكفير آل سعود وبالنتيجة تغيّر السجال، فإنّ انفصال الزرقاوي عن خط المقدسي يبيّن كيف أنّه واتباعه الذين أقاموا دولة العراق الإسلامية في اكتوبر 2006  صبّوا اهتمامهم على اثنتين من ابتكارات الزرقاوي غير المتعلقة بالسعودية، مثل قتال الشيعة وتقويض سلطة علماء الدين الأكثر علماً (ابتكار استخدمه الزرقاوي ضد المقدسي) بينما كانوا يصّعدون من هجومهم الخطابي على السعودية. كانت إيديولوجيات الدولة الإسلامية مستلهمة من تطبيق هذين الابتكارين في السياق السعودي للحذر من مخاطر الشيعة في المملكة بالإضافة إلى سعيهم لتقويض المؤسسة الدينية الوهابية.

تركّزت المواضيع المعادية للسعودية في الحزمة الإعلامية على: إهمال “الولاء والبراء”، أي القبول بالتشريع الذي تضعهُ السلطات مثل ميثاق الأمم المتحدة، تشريع تعليمات تتعارض مع الشريعة الإسلامية، السماح بالمعاملات التجارية مثل الفائدة في القطاع المصرفي، استضافة المؤتمرات الدينية ومؤتمرات مكافحة الإرهاب والتي توجّه ضد المجاهدين، السماح بـ”المشركين”، الشيعة خصوصاً، من ممارسة طقوسهم الدينية علناً في شبه الجزيرة العربية حتى في مكّة والمدينة، العمل كوكلاء عن “الصليبيين”، تعيين رجال دين مرنين لإضفاء الشرعية لطغيانهم، ومحاربة المسلمين وسجن الجهاديين كونهم جزء من التحالف الدولي. إنّ هذه المواضيع جميعاً سبق تداولها في مجال دراسات الجهاد. كان الموضوع الجديد الوحيد الذي جاء في الحزمة الإعلامية هو موضوع المعتقلات من النساء واللواتي تحتجزهن السلطات السعودية، ولكن التشديد على الموضوع هنا يبدو أنّه متعلق بشرف القبيلة وليس الإيديولوجية. من الملفت للإنتباه بأنّ تسجيل واحد فقط يركّز على الديناميات الاجتماعية الاقتصادية والثقافة المتغيرة في داخل المملكة. ولكن سبب تردد الدولة الإسلامية في طرح هذه المواضيع قد يكون بسبب عدم استعدادها للمزايدة على سجلها في الإدارة مقابل اقتصاد آل سعود، بسبب القيود المفروض على اقتصادها في الحرب.

كانت الدولة الإسلامية تبرز نفسها كالخليفة الحقيقية للمملكة السعودية الأولى (1744-1818) وللرسالة الوهابية الأولى في نجد، كما كانت تعمد إلى انتقاء السجالات التي انتشرت خلال المملكة السعودة الثانية (1824-1891) لتعزيز شرعيتها، واستمر هذا النهج لفترة طولية وكان الجمهور المستهدف هو الجمهور السعودي. جاءت في حزمة “صبراً يا أرض الوحي” الإعلامية مرجعيات تفيد بأنّه لو كان محمد بن عبدالوهاب و محمد بن سعود على قيد الحياة اليوم، لحاربوا سليلهم، ورثة المملكة السعودية الثالثة (1902-اليوم). كما أنّ هناك عدّة إشارات لمقالة ابن عبدالوهاب “النواقض العشرة للإسلام” والتي وزعها أنصار الدولة الإسلامية على هيئة كراسات في الرقّة في حزيران 2015، وكان هدفهم إثبات بأنّه وفقاً للمعايير التي وضعها الشيخ المؤسس للوهابية بنفسه، فإنّ الدولة السعودية قد أصبحت غير مؤمنة.  إنّ هذا الإرث الخطابي مفيد جزئياً في تحريف الإتهامات التي توجهها المؤسسة الدينية السعودية ضد الدولة الإسلامية، مثل تهمة “الخروج عن الملّة” و “الردّة”، من خلال الاستدلال الضمني بأنّ الهيئات التقليدية أبان العهد العثماني كانت قد استخدمت نفس التوصيف ضد الرسالة الوهابية في محطات عديدة.

يّقدّم ويجميكرز مسألة مهمة في بيان مدى تأثير نهج المقدسي على القاعدة في شبه الجزيرة العربية واسباب ذلك التأثير خلال الحملة العنيفة التي شنّها التنظيم في الأراضي السعودية بين عامي 2003-2007. عرض ويجميكرز جاء ردّاً على التصنيف المتقن للسعودية الجهاديين إلى فئتين هما “التقليدية” و “العالمية”، والذي قدّمه هيجهامر لتفسير سبب فشل النموذج الثاني، المتمثل بالقاعدة في شبه الجزيرة العربية، في كسب المزيد من الشعبية بين الجهاديين السعوديين. إنّ المناظرة بين ويجميكرز وهيجهامر يتعلق بتساؤلنا عن سبب استخدام الدولة الإسلامية للخطابات المتماثلة تقريباً مع تلك التي يستخدمها تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية على الرغم من أنّهم شاهدوا بوضوح كيف فشلت هذه الخطابات في تحقيق التأييد الواسع في السعودية.

هل تؤمن الدولة الإسلامية بأنّ الجزء المفقود في الاستراتيجية الإعلامية للقاعدة في شبه الجزيرة العربية كان التشديد على قضايا معينة مثل التهديد الإقليمي الذي يمثّله التشيّع الداخلي؟ إنْ كان ذلك صحيحاً، سيكون على المخططين الإعلاميين للدولة الإسلامية الاعتراف بأنّ  دعوة البغدادي في تشرين الثاني 2014 بتصعيد الحملة ضد شيعة السعودية والخليج قد أخفقت في تحقيق الإخلال الأمني المرجو، فلمْ تخلق الهجمات حتى اليوم حالة الفوضى والإرباك الذي تصوّروه. إضافة إلى ما تقدّم،  إنّ هذا النهج سيكون منافساً حتماً لاستعداد السعودية لاتخاذ الإجراءات العسكرية ضد التجاوزات الشيعية، كما شاهدنا في البحرين واليمن، بالإضافة إلى الإعدام المدوي لرجل الدين الشيعي السعودي المعارض نمر النمر. على الرغم من أنّ الحزمة الإعلامية سلّطت الضوء على صورة النمر مرات عديدة لتعزيز خطابها المعادي للسعودية، إلّا أنه اظهاره عديم النفع بعد أن قامت السعودية بإعدام النمر بتهمة الحريض بعد إصدار الحزمة الإعلامية باسبوعين.

قد يكون التوقيت سبباً منطقياً لاعادة استخدام الدولة الإسلامية لنهج سبق وأن جُرّب في الماضي: ربما قرّر الاستراتيجيون الجهاديون بأنّ المناخ السياسي في السعودية مهيأ الآن لهذه المواضيع أكثر من الماضي. يتدفق المجنّدون السعوديون إلى الدولة الإسلامية منذ سنتين وربما توصّل استراتيجيو الخلافة من خلال القصص التي يسمعونها من هؤلاء المجندين عن الوضع الحالي في بلدهم الأم بأنّ الخطاب المعادي للسعودية قد ينجح هذه المرة في ان يدفع بعدد أكبر من السعوديين للإنقلاب على القادة والمؤسسة الدينية المتحالفة معهم. إذا كان تفكيرهم حقّاً بهذا التوجّه، إذن يمكن أن تكون الحزمة وسيلة شاملة وموجزة لتأكيد الخطاب القديم في أزمنة جديدة، اي “سوق سلاح” مجاني من الدعاية يمكن لأي جهادي مستقبلي استخدامها ضد السعودية. هذا يفتح سجالاً حول إذا ما كان ميل الشباب السعودي للجهاد قد تغيّر بسبب تغيّر طبيعة الجهاد مع إعادة ظهورها بسبب ديناميات الحروب في العراق وسوريا. كيف يرى الشباب السعودي هذه الحروب “القريبة” عليهم مقابل الحروب “البعيدة” في أطراف العالم الإسلامي (افغانستان، الشيشان، البوسنة)، أو حتى الجهاد العالمي في الغرب، أو إذا ما كنّا نتعامل مع حشد من التيارات التقليدية والعالمية، كلّ هذه الأسئلة تصعب الإجابة عليها بسبب محدودية الأبحاث أو التقارير الصحفية. كما أنّ سياسة السعودية في عرقلة البحث المستقل في قضايا الأمن الوطني، وعلى الرغم من أنّه مضرّ، مفهوم بسبب إفراط الإعلامي الغربي في تحميل السياسات التعليمية والإعلامية في السعودية مسؤولية ظاهرة التطرّف الإسلامي العالمي.

المتاح لنا هو محاولة تقييم كيفية فهم استراتيجي الدولة الإسلامية لهذه الديناميات المتغيرات بسبب الأدلة القولية التي يجمعونها من المجندين السعوديين الجدد. إنّ تشديد الدولة الإسلامية على السعودية على أنّها الجبهة القادمة لتمددهم في الشرق الأوسط يشير إلى أنّهم اعتقدوا بأنّ خطابهم سيلقى هذه المرة الاستحسان والقبول.

لماذا يشعر البغدادي بالقلق أزاء التحالف الإسلامي؟

كان من الممكن أنْ تتمحور استجابة البغدادي للتحالف الإسلامي على النقطة السابقة التي اعتمدها في انتقاده للحملة في اليمن، وهي أنّ آل سعود لن يكونوا قادرين على الإيفاء بإهدافهم. كان بإمكانه السخرية من التحالف الجديد باقتباسه التقارير الصحفية المتعددة التي أفادت بأنّ عدد من الجيوش التي ذكرها الأمير محمد بن سلمان لم تكن على دراية بأنّها من ضمن قائمة البلدان المشاركة في التحالف في وقت الإعلان. كان بإمكان البغدادي شن هجوماً شخصياً على الأمير وعلى تهوّره وعدم خبرتهِ وغروره، مقتبساً تقارير صحفية التي تصوّره كذلك. كان بإمكان البغدادي استخدام مناسبة خطابهِ الثالث لتأكيد المواضيع التي تبنّاها في حزمتهِ الإعلامية “صبراً يا أرض الوحي” لتعزيز وقع الحملة ككل، ولكنه لم يفعل. اتسمت نبرته بالتجهّم وعكست قلقاً حقيقياً. لم تكنْ نتائج التحالف الإسلامي أو مناطق نشاطه مبيّنة في وقت الخطاب، لذا يمكن الإستنتاج بأنّ مصدر القلق الرئيسي للبغدادي كان من التأثيرات الإيديولوجية لحقيقة كون السعودية من تقود هذا التحالف، ومدى تأثير ذلك على استراتيجيته وخطابه المعاديين للسعودية.

قد يعكس كلّ من توقيت الحزمة الإعلامية وخطاب البغدادي ومحتواهما إعادة ترتيب خطاب الدولة الإسلامية وخططها ضد السعودية. تظهر تحليلات الأشرطة المصوّرة والمقالات التي جاءت في الحزمة الإعلامية بأنّ العمل عليها بدأ من أواخر شهر تشرين الثاني وأصبحت جاهرة للنشر في أواسط كانون الأول 2015. أعلِنَ عن التحالف الإسلامي في الرابع عشر من كانون الاول، أمّا خطاب البغدادي فقد بُثّ في السادسة والعشرين من كانون الاول.

تشير الحزمة الإعلامية إلى التحالف الإسلامي أربع مرّات فقط جميعها ضمن الجزء المصوّر وليس ضمن المقالات والخطابات. يبدأ شريط مصوّر “رسمي” لولاية حلب يسلّط الضوء على الدعم الذي يعطيه الأمين العام لهيئة كبار العلماء، السلطة الدينية الأعلى في السعودية، وكذلك منظمة التعاون الإسلامي. ولكن المشاهد الصورية تبدو وكأنها مستقلة عن ما يقوله المعلّق، مما يشير إلى أنّها أُضيفت في المراحل الأخيرة للإنتاج. أشارت الحزمة الإعلامية إلى التحالف في المرة الثانية من خلال ذراعها الإعلامي “غير الرسمي” المسمّى “ترجمان الأساورتي” وكانت من خلال المقاطع الصورية. الكلمات التي رافقت الصور كانت مثيرة للإهتمام حيث يستعرض بعضاً من نهج البغدادي في تناوله للتحالف في خطابهِ الثالث. يقول الشريط المصور “غير الرسمي” بأنّه في أعقاب “فشل التحالف الصليبي في مواجهة الدولة الإسلامية، جاؤوا بخدعة شيطانية جديدة”. يضيف: “إنّ أمريكا تأمر وآل سعود ينفذ بالسمع والطاعة” وإنّ التحالف بإجمعهِ “مسرحاً”. يعرض الإساورتي بعد ذك صوراً لتغريدات من موقع تويتر تظهر الشيوخ الموالين للنظام السعودي وهم يقدمون دعمهم للتحالف مثل ناصر القطامي وعايض القرني ومحمد الحضيف، وهيئة كبار العلماء. أمّا الشريط المصوّر الذي نشره إعلام الثبات ” غير الرسمي” فهو موجز ومبسّط: الشريط يربط بين تأسيس التحالف الإسلامي وكلمة ألقاها آموس جلعاد، مدير مكتب الشؤون السياسية-العسكرية في وزارة الدفاع الإسرئيلية، قبل سنتين، وفيها يعتبر وجود محور عسكري سنّي تطورّاً إيجابياً لأستقرار إسرائيل”. تشير الأدلة إلى أنّ التحالف الإسلامي قد أُعلن عنه مع نهاية إنتاج الحزمة الإعلانية. إنّ عدم تناول البغدادي لمواضيع الحزمة الإعلامية في خطابهِ، وعدم تسليطه الضوء عليها، يشير إلى أنّ التركيز قد تحوّل جزئياً من مواضيع الخطاب القديم إلى المعركة الإيديولوجية الجديدة،على الأقل في تفكير البغدادي. يأتي هذا كنتيجة مباشرة للتحول في نموذج السلوك السعودي. ربما وصلت إلى مسامع البغدادي من خلال شبكاتهِ في الداخل السعودي أخباراً تفيد بأنّ الفعاليات الجديدة للنظام تلقى شعبية. يقول الحدس بأنّ البغدادي ربما استنتج حصول التحالف الإسلامي على الدعم المتحمس من ذات الجماعات الإيديولوجية من السكّان التي كان يأمل البغدادي بتجنيدها. قراءة أخرى لنبرة البغدادي تقول بما أنّ الدولة الإسلامية تقدّم مطالبةً أكثر إخلاصاً لخلافة محمد وبالتالي تبنّت مشروعاً شبه امبريالياً، فإنّ انتقاءها لأخطاء الإدعاءات السعودية من أجل تقديم نسخة أنقى عن الوهابية قد يظهرها بوجه “محلي” لدى المقارنة. في ضوء ذلك، من غير المنطقي أنْ يحدد البغدادي رؤيته العظمى الموجهّة إلى جميع العالم الإسلامي بسجالٍ عن السياسات المحلية في السعودية، إذْ يترك هذه المهمة إلى لجهازه الإعلامي الذي سيصوغ رسالة محددة للسعودية تضم مواضيع أخرى، مثل مقارنتها بالمملكة السعودية الوهابية الأولى.

إنّ هذا التفسير المغاير لخطاب البغدادي الثالث يفترض بأنّ الإعلان عن التحالف الإسلامي يتيح له تأطير المنافسة بين الدولة الإسلامية وأعدائها بشكل أوسع، فهي منافسة بين عدّة بلدان وبين مجاهدي الخليفة، وليس منافسة مع الدولة السعودية فحسب. إنّ الإنقلاب الإعلامي الذي يتيح للدولة الإسلامية تقديم نفسها على أنّها النقيض لواحدة من القوى النفطية في العالم سيكون ذا فائدة عظيمة، ولكن هناك فائدة أعظم في الإشارة إلى أنّ إنحسار مشروع دولة البغدادي سيتطلب تحالفاً يضمّ دول سنيّة متعددة إلى جانب مساعي الولايات المتحدة والدول الأوروبية وروسيا وإيران.

يدرك البغدادي وكذلك الفئة التي يتقصدها بأنّ التحالف هو شأن سعودي، وأنّ نجاحه أو فشله سينعكس بشكل مباشر على الرقعة السياسة والإيديولوجية الداخلية السعودي. من غير الواضح إذا ما كان يعتبر البغدادي تمددهُ في تلك الرقعة ضرورة مرحلية ملحّة لتثبيت مشروعه المتوجه نحو خطط طويلة الأمد للدولة الإسلامية. من غير الواضح أيضاً إذا كان التحالف الإسلامي يهدد هذه الخطط أيضاً. ولكن من المنطقي محاولة استنتاج الأهمية المحورية للسعودية فيما يتعلق بالاستراتيجة الجهادية من خلال تأمّل ما يكتبه الجهاديون وما يقولونه عن المملكة وحكامها. لدينا سابقة مهمة وهي كيفية اختيار الزرقاوي إعادة ترويج منظمته في العراق في عام 2004 على أنّها جزء من تنظيم القاعدة. كان الزرقاوي بحاجة إلى شبكة الممولين والمجندين السعوديين التي كانت لدى القاعدة من أجل التمدد والبقاء، وإنّ الاستراتيجيين في الدولة الإسلامية قد يفكرون بنفس الموازاة. إنّ دولتهم بحاجة إلى التمدد في السعودية وتثبيت نفسها هناك من أجل البقاء وسط الهجوم الإقليمي والدولي عليها. ربما استنتجوا أن السعودية جاهرة لمثل هذا التمدد الثوري، أو ربما بدت المملكة لهم هكذا قبيل كانون الأول 2015. ويجب أنْ نسأل هنا: لمَ قد يحظَ التحالف الإسلامي بالشعبية في السعودية، ولمَ تعتبر هذه الشعبية تهديداً للدولة الإسلامية؟ لا يمكننا الإجابة على هذا السؤال ما لمْ نسمع المزيد عن الموضوع سواء من البغدادي أو من الدولة السعودية وجهازها الإعلامية وسلطتها الدينية التقليدية.  يمكننا طرح وتصنيف مجالات للتساؤلات والتي قد تساعدنا على وضع الأحداث الجارية في سياقها.  تصنيفان أساسيان، الصورة والإيديولوجية، ربما يلقيان بظلالهما على هدف تحقيق الشرعية، وهو هدف مشرك لداعش والسعوديين. النقطة البارزة في هذين التصنيفين هي أنّ الجهاديين المناهضين للسعودية، في جميع أصنافهم، لم يهيئوا فكرة شاملة لمعالجة النموذج الجديد للحزم العسكري السعودي وراء الحدود. ارتضى الجهاديون بصورة القيادة السعودية العاجزة وكانت سجالاتهم متمحورة على المواضيع العامة التي تشدد على عدم شرعية آل سعود في الحكم، وبالتالي فإنّ تعطيل الجهاد ليس ضمن أوامرها. لقد تفاجئوا باحتمالية شنّ المملكة السعودية الثالثة الحرب مرة أخرى كما فعلت في أولى أيامها،وقد يكون هذا مصدر قلق البغدادي.

لقد علّق آل سعود صورة الدولة المحاربة أو الإمام المحارب منذ تأسيس المملكة عام 1932م، خلا السنوات المحدودة التي شاركت فيها فصائل سعودية في المواجهات العربية الإسرائيلية والدعم العسكري لنظام الإمام في اليمن، حيث امتنع حكّام السعودية عن المغامرات العسكرية خارج حدودهم. ولكن السعوديون قاموا بعملية أمنية في البحرين لقمع مظاهرات شعبية هناك عام 2011م. في أذار 2015م أطلقت السعودية حملة جوية ترافقها أعداد محدودة من القوات البرية في اليمن بعد مدة قصيرة من تولّي الملك سلمان عرش البلاد. لقد تحوّل التغيير إلى صورة السعودية وهي تقود الجيوش الإسلامية في حرب ضد الإرهاب، حرب أثنت عليها هيئة كبار العلماء واعتبرتها ” أوجب الواجبات التي يفرضها الدين الإسلامي ، وهو واجب الوقت الذي ينبغي للعالم الإسلامي أجمع أن يتنادى إليه ويتعاون عليه ” . يتم الترويج لتلك الصورة من خلال الحملة الإعلامية المحيطة بمناورات رعد الشمال (التي انطلقت في الثامن والعشرين من شباط 2016) بمشاركة فرق عسكرية من دول عديدة في التحالف الإسلامي. سبقَ وأنْ حدثت مثل هذه المناورات ورافقتها ضجة مماثلة، ولكنها الآن تجري على بعد أميال قليلة عن الحدود التي تتقاسمها السعودية مع الدولة الإسلامية وعلى مقربة من المليشيات الشيعية العراقية. ويبدو أنّ هذه القوات على استعداد لاتخاذ موقف هجومي وليس دفاعي فقط وهذه التطورات برمتها تمثّل تطورات جديدة. إنّ هذا الاستعراض السعودي الجديد يعرقل مساعي الدولة الإسلامي في تقديم نفسها على أنّها الخليفة الأحق بالمملكة السعودية الأولى والرسالة الوهابية الأصيلة التي تمحورت حول التوسعية والقوة العسكرية. إنّ التنافس على “الصورة” بين المملكة السعودية الثالثة وخلافة البغدادي قائمة على تشبيهات جزئية للمملكتين الأولى والثانية، والمراحل البدائية للمملكة الثالثة. هذا يجعل عدم تهيئ الدولة الإسلامية لمواجهة النموذج السياسي السعودي الناشط و التوسعي الجديد امراً مفاجئاً لأنّ السابقة التاريخية موجودة ومتمثلة في حركة الإخوان. إذا طرحنا موضوع الإستمرارية في العديد من الأفكار التي يتبناها الجهاديين المناهضين للسعودية وحركة “أخوان من طاعَ الله” في العشرينات، فإنّه من المفاجئ أنّ فكرة ” إيقاف الحملات التوسعية”، والتي كانت واحدة من أكثر الإدانات التي وجهها المنشقون من الإخوان ضد إبن سعود لم يتم الإسهاب فيها من قبل الأجيال المتعاقبة من الإيديولوجيات المناهضة للسعودية. في وقت مؤتمر الرياض عام 1927م، حكم رجال الدين الوهابيين بأنّ قرار الحرب كان بيد الإمام، إبن سعود، فحسب. ولكن المسألة لم تنته هناك: تجاهل الإخوان هذا الحكم وهجموا على موقعاً حدودياً عراقياً، ممّا عجّل من حاجة إبن سعود إلى شنّ الحرب على المنشقين. في “صبراً يا أرض الوحي”، مثلاً، يمّر التسجيل المصوّر على قضية الإخوان بإيجاز، ويقتصر على التقارب التاريخي حول مشاركة القوات الجوية الملكية البريطانية في قصف الثوّار. النقطة البارزة في أسباب تمرّد الإخوان، وإذا ما كانت تتعلق بإيقاف توسّع الرسالة الوهابية، لا يتم السجال فيها من قبل المجادلين في الدولة الإسلامية ولا من قبل من سبقهم. سبب محتمل لذلك هو أنّ قليل ممّا فعل الإخوان أو فكرهم قد نُقلَ إلى الأجيال اللاحقة عبر مصادر مكتوبة، فأكثر ما كُتبَ عن القضية كانت بأقلام مؤرخين البلاط والعاملين لدى آل سعود أو من كانَ طرفاً مقاتلاً للإخوان. من هذه النقطة المنحازة، نُسب سخط الإخوان على إيقاف التوسّع إلى خلافات قبلية حول التدخّل في رسم الحدود الجديدة التي تحدد الحقوق القبيلة في الرعي. أثار ذلك الحنق لأن المستفاد كانوا رجال القبائل الشيعية في جنوب العراق. سبب ربما قد يفسّر عدم اعتبار الجهاديين قصة الإخوان قضية شعبية هو أنّ الإخوان، في الأخير، تكبدوا الخسارة، وإنّ الإشارة إلى سابقة تاريخية انتهت بالفشل المذّل لا  تنفع لتوجيه رسالة مناهضة للسعودية تريد أيصال فكرة النصر الوشيك.

مشكلة أكبر تواجه سياسات الدولة الإسلامية في كسب التأييد داخل المملكة هي اصطفاف مؤسسة دينية موالية للحكم مع الأسرة الحاكمة، إلى جانب تجمّهر الليبراليين السعوديين حول فكرة الوطنية. إنّ هذه التوجهات أشبه باللعنة بالنسبة للجهاديين، فمنذ عقود والمؤسسة الدينية التقليدية كانت مكلّفة بدرء الانتقادات الموجهة إلى آل سعود بسبب عجزها عن التحرّك في الوقت الذي واجه فيه العالم الإسلامي إضطرابات كثيرة. توجّبت على الهيئة إدارة بعض المبادرات السعودية، مثل الدعم الصامت للمجاهدين الأفغان وانتشار الدعوة السلفية في العالم، باعتبارها كافية نسبةً لمعطيات الظروف وتوازنات القوى في العالم ومكانة الإسلام. ظهر هؤلاء النقّاد عندما بدت السعودية غير قادرة على الدفاع عن نفسها أمام توسّع صدام حسين جنوباً في الكويت، حيث اضطرت المملكة إلى دعوة أمريكا وقوات التحالف لردعهِ. عندما اشتدّت محنة السنّة في العراق وسوريا، لمْ يكن الأمريكيون مستعدين لفعل المزيد ضد نظام بشار الأسد تلبيةً توقعات حلفائهم السعوديين، لذا فكانت الإنتقادات الموجهة ضد عجز السعودية موجعةً أكثر لنخبة رجال الدين. ولكن صورة السعودية وهي تقود تحالفاً إسلامياً تخفف من تلك الضغوط وتمكّن المؤسسة الدينية من تبرير دعمها للملك السعودي باعتباره الإمام المحارب الذي سينهي معاناة السنّة في اليمن وسوريا ومناطق أخرى. كما أنّ شنّ الحرب عن طريق الجيش السعودي بدلاً من جهاد إسلامي شامل غير نظامي سيمكّن الليبراليين السعوديين، الذين تعلو أصواتهم بازدياد، من الالتفاف حول العلم السعودي، وبذلك يحيد واحدة من الفئات الناقدة للأسرة الملكية في شؤون أخرى، في هذه الفترة على الأقل. يتيح التحالف الإسلامي والصورة التي يصنعها للدولة السعودية فرصةً لمواجهة الجهاديين على أسس أيديولوجية أسلم، فهناك فرق كبير بين إدانة نخبة رجال الدين للبغدادي وجنوده واعتبارهم خوارج أو مرتدين أو فئة ضالة ثم انتظار الغرب للمشاركة في القتال ضدهم(بوجود موقف غريب يصرّح فيه وزير الخارجية الأمريكي بأنّ الجهاديين هم مرتدون)، وبين احتمالية شنّ جيش مسلم الحرب على الجهاديين استناداً على أسس تلك الأهداف الصريحة. الإحتماليات الإيديولوجية الفكرية التي قد يوظفها رجال الدين الموالين للحكومة في السعودية تتراوح من سجالات القرون الوسطى المتعلقة بظهور إمامين أو أكثر في العالم الإسلامي مع حصول ذهاب شرعية قيادة العالم الإسلامي إلى من يتغلب على منافسيه (من خلال مبدأ التمكين والتغليب)، إلى الحجج التي ظهرت في القرنين الأخرين حول الحفاظ على النظام ومحاربة عصيان إمام ثوري من أجل خير الجمع الإسلامي. إنّ الحجج الإيديولوجية التي سيوظفها أيٌّ من الطرفين ستستعير حتماً بشكل مباشر أو غير مباشر من الحملات الخديوية ضد المملكة السعودية الأولى والثانية، وإنْ كانت الأدوار معكوسة. من ناحية أخرى، ستتوسع المناظرات حول الأسبقية وبالتالي الشرعية لتشمل آل سعود في هذا النموذج الجديد، إلى جانب الملّا عمر من طالبان أو خلفاء الدولة الإسلامية (أبو عمر البغدادي وخليفته أبو بكر البغدادي). سيكون علينا مشاهدة كيفية تكشّف المعركة الإيديولوجي لربطها بالمعركة الحقيقية في ساحة القتال.

على الدولة الإسلامية الآن أداء دور المدافع عن الإيديولوجية. إنّ قواعد اللعبة القديمة التي تظهر بوفرة في الحزمة الإعلامية ” صبراً، يا أرض الوحي” لن تكون كافية. ولكن قد يتمكن أبو بكر البغدادي من ملاحظة فرصاً خطابية وايديولوجية إذا فشلَ التحالف الإسلامي في تحقيق أهدافه المتوقعة.

التأثيرات على السياسة

إنّ سقف التوقّعات ليست مرفوعة في السعودية فحسب، فهناك وزير المالية العراقي السابق (السنّي) رافع العيساوي، والذي أدّى الصدام السياسي بينه وبين رئيس الوزراء (الشيعي) نوري المالكي إلى إثارة المظاهرات السلمية في المحافظات السنيّة. لقد قمع المالكي تلك المظاهرات ممّا قاد الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى الإستيلاء على الفلوجة في شهر كانون الأول من عام 2013م. يتوقّع العيساوي بأنّ التحالف الإسلامي سيعيد تشكيل الشرق الأوسط، فقال ما يلي في مقابلة أجرتها معه قناة سكاي نيوز العربية:

“يضم التحالف الإسلامي جميع العرب إلّا العراق، وجميع المسلمين إلّا إيران…إذا كرّس هذا التحالف كلّ جهوده لتغيير الواقع في سوريا والعراق، تغييراً شاملاً في سوريا وفي العراق من خلال إصلاحات جذرية، ولم تنجح مساعيهِ، فمالذي سيفعله؟ لا يسعني التحدّث بالنيابة عنهم لكنّي اعتقد بأنّ التحالف سيشكّل المنطقة، وفقاً لنظريتي الخاصة، إذا فشلَ المجتمع الدولي في خلق شرق أوسط جديد. سيخلق التحالف شرق أوسط جديد وفقاً لرؤيتهِ الخاصة وإصلاحاته الخاصة، ووفقاُ لأهداف إعادة الشرعية للدول، إعادة الشرعية في اليمن، إصلاح العملية السياسية في العراق، إعادة الشرعية للشعب السوري، أيقاف المليشيات التي تصدّر مشروع الولي الفقيه…”

لمْ يتطرّق أبو محمد الجولاني، زعيم تنظيم جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى التحالف الإسلامي إثناء خطابهِ مؤخراً والذي عبّر فيه عن رفضه للهدنة الدولية في بلاده. ولكن من الملفت للإنتباه أنّه لم يرفض التحالف الإسلامي، على عكس البغدادي. تحدّث بغموض عن الجبهة السورية وموقفها من السعودية: “إذا استقّر الأمر للرافضة، فستنتقل المعركة في أقل من عقد من الزمن إلى جزيرة محمد”. يضيف الجولاني: “لمّا استقر الأمر للرافضة في العراق، وتركوا السنّة يواجهون مصيرهم وحدهم، طمع الرافضة إلى النظر أبعد من العراق نحو سوريا واليمن، فمن سيضمن سلامة جزيرة محمد بعد ذلك؟”. إنّ الجهاد في سوريا، وفقاً للجولاني، قد تجاوز مواجهة نظام الأسد وهو يتمحور الآن حول جهود دحر “المشروع الرافضي”. يبدو أنّ الجولاني أيضاً يراقب السياسة السعودية المتغيرة تجاه سوريا ولكنه لا يشير إلى أنّه ضدها، على الرغم من أنّ المنظمة الأم، القاعدة، هي مناهضة للسعودية بشدّة.

يضع العيساوي مؤشر نجاح التحالف الإسلامي صراحةً على مدى قدرته على إعادة تشكيل نظام الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد أمريكا. أمّا الجولاني فيضع هذا المؤشر ضمنياً على قدرتهِ في مواجهة الأهداف الإيرانية في سوريا: ضمان بقاء النظام العميل هناك. يعكس المتحدثان فهمهما الشخصي للمتغيرات الأخيرة في الشرق الأوسط والذي هو ليس بالضرورة فهماً دقيقاً أو حتى منسجماً مع الفكر السعودي. إنّ السعودية أخذت على عاتقها مواجهة الأهداف الإيرانية الإقليمية لذا فإنّه لا محالة من قياس مدى نجاح قيادتها للتحالف الإسلامي عن طريق مواصلة أهدافها الإقليمية المعلنة من قبل الصديق والعدو معاً. هل وقعت السعودية في الفخ الخطابي الذي صنعتهُ؟

لقد تركّزت التحليلات حول التحالف الإسلامي على مدى قدرة القوات العسكرية السعودية على شنّ حرب في جبهات متعددة، وعلى قدرة السعودية مواصلة تحمّل تكاليف حربٍ ممتدة، وعلى الأهداف الحقيقية للمبادرة السعودية. يبدو أنّ هناك توافق صادر عن الدوائر الإستخباراتية الأمريكية بالإضافة إلى بعض الهمس من السعودية يفيد بأنّ الجيش السعودي أو خزائن الدولة ليسوا على قدر حملة عسكرية ممتدة في سوريا أو مناطق أخرى. إنّ التركيز على القدرة أعطى استنتاجات ضمنية عن الأهداف القصوى للإعلان عن التحالف. إنّ هذه التلميحات تصدر بسبب الطبيعة الغامضة لصناعة القرار السعودي، الأمر الذي يؤدي إلى اعتماد المحللين على تحليل التصريحات التي يدلي بها ولي ولي الأمر أو وزير الخارجية أو متابعة مناورات رعد الشمال لغرض تحديد المدى الذي قد تذهب إليه السعودية. لقد وصف الأمير محمد بن سلمان التحالفَ في أول مؤتمر صحفي له بأنّه  لن يصدر مواقف “ملزمة” ولكنه سيكون للتنسيق  بين سياسات مكافحة الإرهاب للدول الإسلامية المشاركة في التحالف (وكانت 34 دولة وقت الإعلان) ومع المجتمع الدولي. قال أيضاً بأنّ التحالف ستكون له أجزاء عسكرية وإعلامية وأمنية وإيديولوجية. حتى وإنْ جاء الإعلان للكشف عن تحالف “عسكري”، فإنّ الأمير استبعد الحشد العسكري. أضافَ هذه الجهود قد تمتد إلى سوريا والعراق، ولكن من خلال “التنسيق مع  الشرعية والمجتمع الدولي”. أشار ولي ولي العهد بأنّه لا فرق بين الجماعات الإرهابية السنيّة والشيعية . لم تتجاوز مدة المؤتمر الإخباري أكثر من ست دقائق تلقّى الأمير خلالها خمسة عشر سؤالاً. وبالنتيجة، جاء الاتفاق في التحليلات على نظرية أنّ السعودية تهدف إلى مشاركة محدودة وأهداف محدودة: مجموعات من القوات الخاصة من البلدان المشاركة في التحالف الإسلامي ستعمل على تعزيز الثوار المعتدلين في سوريا لإبقاء الوضع الراهن كما هو تحضيراً لتسوية تفاوضية مع النظام. قد يتوجه التفكير السعودي، على الأغلب، إلى مشاركة عسكرية أمريكية واسعة في سوريا بالتنسيق مع التحالف الإسلامي. قد لا تحقق هذه المشاركة أهداف التحالف في مواجهة النظام، ولكنها ستحقق على الأقل وجود قوة توازي التدخّل الإيراني والروسي في سوريا، على حد تعبير المحللين.

ولكن ما قد يبدأ كمبادرة محدودة قد يمتد، بسبب طبيعة الرسالة، إلى تورّط أوسع. لا تأخذ التحليلات السائدة بنظر الإعتبار الصورة والإيديولودية التي يعززها التحالف الإسلامي أو تقلل من شأنها كما تغفل عن أهميتها بالنسبة لآل سعود في الترويج لخطاب جديد للرعية. لقد رفع السعوديون من سقف التوقعات، وإنّ التوقعات ستشكّل دفع داخلي مهم وعوامل سحب خارجية تؤثر على صناعة القرار السعودي مستقبلاً. وعلى الرغم من أنّ السعوديين لمْ يصرحوا بالأهداف الواضحة المحددة للتحالف الإسلامي (ربما لأنه ليس لديهم)، إلّا أنّ هذه التوقعات قد اتخذت مضامين استراتيجية خاصة بها. وصف ولي ولي العهد جهداً متواضعاً في مؤتمره الصحفي، ولكن المزاج السائد داخل السعودية وعبر المنطقة تفرض توقعات عالية على مصطلح “التحالف العسكري الإسلامي”. تمّ تفسير مناورات رعد الشمال التي انطلقت بعد الإعلان بفترة وجيزة على أنّها جزء من التحالف. لمْ تقلْ الدولة السعودية الكثير لتبديد هذه التوقعات، ممّا يدل على أنّها تجدها مفيدة، الآن على الأقل. لكن في حال عدم تحقيق هذه التوقعات بشكل كامل أو في الوقت المناسب فإنّ المغامرة السعودية قد تنقلب على أصحابها، حيث أنّها قد تسلّح أمثال البغدادي بذخرٍ من السجالات التي تستهدف العوام الساخطين في السعودية. إنّ نتائج وتأثيرات مأزقٍ طويل الأمد في سوريا لا ينتصر فيه طرف، مشابه للمستنقع الذي تواجهه السعودية في اليمن، قد يلقي بظلاله على فعالية الدولة السعودية. في هذا الصدد، تستطيع الدولة الإسلامية استخدام السوابق والمقاربات التاريخية، والتي غالباً تلوّن الخطابات الإعلامية والإيديولوجية، لتقول بأنّ المملكة السعودية الثالثة قد انتهت.  يمكنها أنّ تدّعي بأن المملكة تفتقد للشرعية و للقوة العسكرية التي تمكنها من حماية المسلمين. ولكن إذا تمكّن التحالف الإسلامي من إبعاد الدولة الإسلامية عن معاقل عدّة في سوريا على وجه السرعة، فآنذاك سيستخدم السعوديون الصورة والإيديولوجية للإطاحة بالخطابات القديمة والجديدة الصادرة عن البغدادي وجماعته. في هذه الحالة، لن يكون الخطاب المعادي للسعودي ذي فائدة للبغدادي إلّا في حال أقنع عدد كبير من الجنود السعوديين بألّا يقاتلوا بالنيابة عن إمامهم. يأمل البغدادي أنْ ينشق هؤلاء الجنود ليقاتلوا إلى جنبهِ تحت راية الإمام الخليفة إذا ما وقعت مواجهة بين جنود الأخير والتحالف الإسلامي. إنْ لم يحصل هذا، فأنّ السعودية ستتمكن بسهولة من الاستفادة من الأحداث الراهنة من خلال وساطة المقاربات التاريخية لتقديم خطاب ايديولوجي تكون الدولة الإسلامية غير مستعدة لمواجهته بسبب الوقائع القاسية على أرض المعركة. إنّ هذا ما استنتجه البغدادي، على الأرجح، من التحدي الذي يشكلّه التحالف الإسلامي. أمّا عن كيفية أداء التحالف وما سيقوله البغدادي وأذرعه الإعلامية عنه، فأنّ ذلك قد يصبح واحد من أهم مجالات البحث في الإيديولوجية الجهادية في السنوات المقبلة والمتعلقة بالدولة الإسلامية.

تعليق