دكستر فيلكنز: قاسم سليماني، قائد الظل (مجلة النيويوركر)

اعتمدنا ترجمة موقع “نوون بوست” (http://www.noonpost.net/content/583) ولكنها ترجمة مقتضبة ومجتزئة، بالرغم من إلتزامها بالنص الاصلي. وقد تطوع كل من اصدقائنا في الفايسبوك الاستاذ بشار فريد والست اريج الخالدي بملأ الفراغات وترجمة الفقرات المحذوفة او المجتزئة، وحتى بعض الجمل المغلوطة، ليخرجاه لنا بهذا الشكل المتكامل. وهذا عمل جبار من جانبيهما ولهما جزيل الشكر والامتنان لتوفيرهما ساعات كثيرة من العمل في خدمة القارئ العراقي.

هذا تحقيق مهم جدا، ولعدة اسباب. اولا، هو يوضح طبيعة العمل الصحفي على اصوله، وهي حالة نتمناها لصحافتنا العراقية. ثانيا، هو يحوي، وخصوصا في جزئه الثاني، على الكثير من التفاصيل التي تخص العراقيين بشكل مباشر في السنوات العشر الماضية. وهو بمثابة مادة إلزامية للقراءة لكل من يتكلم بالشأن السياسي والتاريخي العراقي.

سيقرأه البعض ليشخص مفاصل الخلل من باب الرغبة بإصلاح الامور، وسيقرأة البعض الآخر من باب ادانة الماضي والحاضر، وحتى المستقبل. ولكن من يقرأه من دون قناعات مسبقة سيكون المستفيد الاكبر من تفاصيله وفحواه.

نرجو من وسائل الاعلام التي تنوي اعادة نشره الاشارة الى جهد الاصدقاء الرائعين بشار وأريج، وشكرا.

قاسم سليماني: قائد الظل

قاسم سليماني هو العنصر الأمني الإيراني الذي كان يصوغ شكل الشرق الأوسط. وهو الآن يدير الحرب بالنيابة عن نظام الأسد في سوريا.

تحقيق كتبه الصحفي ديكستر فيلكنز

مجلة النيويوركر
عدد 30 سبتمبر 2013

qasim suleimani

في شهر شباط الماضي، كان جامع امير المؤمنين الكائن في منطقة محصنة خاصة بضباط الحرس الثوري في شمال شرق طهران مسرحاً لتجمع بعض اكثر القادة نفوذاً، حيث اتوا لأداء واجب التعزية والقاء النظرة الاخيرة على رفيقهم الراحل “حسن شاطري”.
شاطري هو احد المحاربي القدامى في حروب ايران السرية في الشرق الاوسط وجنوب اسيا، وكان من كبار قادة فيلق القدس العالي التأثير والنفوذ. فيلق القدس هو فرع نخبوي من الحرس الثوري الايراني ويعتبر من الادوات الحادة للسياسة ايران الخارجية وبالأمكان مقارنته بالقوات الخاصة او وكالة المخابرات المركزية الامريكية. يتعهد مقاتلوا هذا الفيلق بتحرير القدس التي يحمل فيلقهم اسمها، كان هدف فيلق القدس منذ العام 1979 هو القضاء على اعداء ايران وتعزيز نفوذ وتأثير ايران في الشرق الاوسط. قضى “شاطري” اغلب فترة خدمته خارج ايران فكان في افغانستان بدايةً ومن ثم انتقل الى العراق حيث قدم فيلق القدس الدعم للمليشيات الشيعية لقتل الجنود الامريكيين.
كان “شاطري” قد قتل قبل يومين على الطريق الواصل ما بين دمشق وبيروت، وكان قد ذهب الى سوريا مع الالآف من مقاتلي فيلق القدس في سعي لإنقاذ رئيسها المحاصر بشار الاسد الذي يعتبر من اهم حلفاء ايران. اتخذ “شاطري” اسماً مستعاراً في السنوات الاخيرة التي قضاها قائداً للحرس الثوري في لبنان، عمل فيها على دعم ومساندة حزب الله الذي كان في يدفع بمقاتليه الى سوريا للقتال الى جانب النظام بالتزامن مع جنازة “شاطري”. علق احد المسؤولين الايرانيين تعليقاً على الظروف الغامضة التي ادت الى مقتل “شاطري” قائلاً: لقد تم استهداف “شاطري” بشكل مباشر من قبل ماسماه”الكيان الصهيوني” وهو الوصف الذي اعتاد الايرانيون وصف اسرائيل به.
بكى المعزون في الجنازة وضرب بعضهم على الصدور على الطريقة الشيعية، تجمع حول تابوت “شاطري” المغطى بالعلم الايراني كل من قائد الحرس الثوري بزيه الاخضر الرسمي، والى جانبه احد عناصر الخطة التي ادت الى اغتيال اربعة معارضين ايرانيين بمطعم في منفاهم بمدينة برلين عام 1992، بالأضافة الى والد “عماد مغنية” القيادي في حزب الله والذ يعتقد انه المسؤول عن الانفجارات التي اودت بحياة 250 امريكي في بيروت عام 1983. تم اغتيال “مغنية” في العام 2008 واشارت الدلالات الى ضلوع عملاء المخابرات الاسرائيلية. يعتبر الموت بمثابة الخدمة في ادبيات الثورة الإيرانية. تقدم المرشد الاعلى في ايران “علي خامنئي” قبيل جنازة “شاطري” برسالة قال فيها بحقه: “لقد تذوق شراب الشهادة الحلو في نهاية المطاف”.
ساجداً في الصف الثاني للمصلين كان الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس. “سليماني” يبلغ من العمر 56 وهو رجل قصير، اشيب الشعر، مع لحية خفيفة، ونظرة ملؤها اعتدادا عميقا بالنفس. لقد كان “سليماني” من ارسل صديقه المقرب “شاطري” الى حتفه. انتمى “شاطري” و “سليماني” كونهما ضباطاً في الحرس الثوري الى ثلّة متكاتفة تم تشكيلها اثناء مرحلة “الدفاع المقدس” وهي التسمية التي اطلقها الايرانيون على حربهم مع العراق التي استمرت من العام 1980 الى 1988 تاركة وراءها مايزيد على مليون قتيل. كانت هذه الحرب كارثيةً على ايران ولكنها كانت ايضاً بداية لثلاثة عقود تم فيها بناء منطقة نفوذ شيعي تمتد عبر العراق وسوريا وصولاً الى البحر الابيض المتوسط. تشكل ايران مع حلفاءها في سوريا ولبنان محوراً للمقاومة موجهاً نحو الغرب و القوى السنية المهيمنة في المنطقة. ولكن في سورية، كان هذا المشروع معلقا ومهددا بالانحسار، وسليماني كان عاكفا على إدارة معركة مصيرية هناك، حتى وان كان ثمن النصر هو مآل الأمور الى صراع طائفي سيشعل الشرق الأوسط لسنوات.
تسلم سليماني قيادة فيلق القدس قبل خمسة عشر عاماً، وخلال هذه الفترة سعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط لما يلائم مصالح ايران، عاملاً بصفته حكما ما بين القوى السياسية وكذلك حسم الأمور القوة العسكرية، بإغتيال المنافسين، وتسليح الجيوش، ولمدة تزيد على عقد من الزمن، توجيه شبكة من الجماعات المسلحة التي قتلت المئات من الجنود الامريكان في العراق. قامت وزارة المالية الامريكية بإدراج اسم سليماني في قائمة الحظر على ضوء دوره في دعم نظام الأسد، ولإسناده الإرهاب. ولكن بالرغم من ذلك لا يزال مخفيا عن اعين غالبية العالم الخارجي، حتى عندما يدير عملائه ويوجهم الى تنفيذ العمليات. “سليماني هو اقوى عنصر امني في الشرق الأوسط اليوم” بحسب ما قاله لي ضابط السي آي آى السابق في العراق جون ماكوير ، “ولا احد سامع به”.
عندما يظهر سليماني امام الملأ، وغالبا ما يكون ذلك في مناسبات المحاربين القدامى او في لقاءاته مع خامنئي، فهو لا يحاول ابراز نفسه، ولا يعلي من صوته، ويتصف بما يسمونه العرب “الخلب”، او الكاريزما الكيّسة. “هو قصير القامة، ولكن لديه حضور،” حسب ما افاد به لي مسؤول عراقي سابق رفيع المستوى. “سيكون هناك عشرة اشخاص في الغرفة، وعندما يدخل سليماني فهو لا يجلس معك. سيجلس في نهاية الصالة، بمفرده، بطريقة صامتة جدا. لا يتكلم، لا يعلق، مجرد يجلس ويستمع. وبالطبع الكل بالهم مشغول به.”
في الجنازة، كان سليماني يرتدي معطفا اسودا وقميص أسود، بلا ربطة عنق، على الطريقة الإيرانية. وكان وجهه الطولاني وحاجبية المقوسين يعتصرهما الألم. فلم يفقد الفيلق شخصا بهذا الموقع في عملية خارجية من قبل. كان سليماني قد زار عائلة شاطري في اليوم السابق لتقديم التعازي لعائلته، يعرف عن سليماني تعلقه القوي بالشهداء من جنوده حيث كان غالباً ما يزور عوائلهم. قال في اخر لقاءاته مع الاعلام الايراني: “كلما رأيت اطفال الشهداء وددت شم رائحتهم والتسليم لها بالكامل”. وثم نهض هو والمعزين الآخرين الى الصلاة، وانحنوا بجبينهم على السجادة. قال إمام المسجد علي رضا باناهيان ناعيا شاطري “أحد أندر الرجال الذين جاؤوا بالثورة إليكم، قد رحل” عندها دفن سليماني رأسه بين كتفيه وبدأ في النحيب.
الأشهر الأولى من سنة 2013، والتي سبقت مقتل شاطري، كانت سيئة بالنسبة للتدخل الإيراني في سوريا، وشهدت تراجعا كبيرا للأسد على الأرض في مقابل الثوار السنة “خصوم ايران”، لو سقط الأسد فسيفقد الإيرانيون صلتهم بحزب الله الذي يعتبر قاعدتهم المتقدمة في مواجهة اسرائيل. بحسب داعية إيراني “لو خسرنا سوريا، فلن نستطيع الحفاظ على طهران”.
لذلك فعلى الرغم من الأثر الشديد للعقوبات الاقتصادية الامريكية لمنع النظام الايراني من تطوير سلاح نووي، إلا أن الإيرانيين استمروا في جهودكم المستميتة في سبيل انقاذ الأسد. ومن هذا الباب، قدموا اليه قرضا بـ 7 مليارات دولار لرفد الاقتصاد السوري. فهم بحسب مسؤول شرق اوسطي امني: “لا يفكرون بحسابات الدولار عندما يدعمون الأسد، إنهم يرون خسارته خطرا وجوديا على بقائهم”. اما بالنسبة لسليماني فإن انقاذ الاسد يبدوا كمسألة كرامة، خصوصاً اذا عنى الامر تمييزه عن الامريكان. قال لي مسؤول عراقي: “سليماني قال بأن الايرانيون سيفعلون ما كل الضروري والممكن، حيث اننا كإيرانيين لانتخلي عن اصدقاءنا كما تفعل امريكا.”

في العام الماضي، سأل سليماني أحد القيادات الكردية في العراق ليسمح له بفتح طريق إلى سوريا عبر شمال العراق، حيث كان سليماني يقوم بسنوات بمحاولات لتخويف ورشوة الاكراد لمساعدته في خططه ولكنهم صدوه هذه المرة. والاسوأ من ذلك هو ان جنود الأسد لا يقاتلون، وعندما يفعلون، إنهم يذبحون المدنيين فقط! “الجيش السوري عديم الفائدة” هكذا قال سليماني لسياسي عراقي. فكان سليماني بحن في حينها للباسيج -الميليشيات الإيرانية المدنية التابعة للحرس الثوري، والذي قمعت تظاهرات الإيرانيين المطالبين بالإصلاح في ٢٠٠٩. وأضاف، “أعطني كتيبة واحدة من الباسيج وسأستطيع احتلال البلد بأكمله”. في شهر آب 2012، اعتقل الثوار السوريون ٤٨ إيرانيا داخل سورية. قالت السلطات الإيرانية أنهم من الزوار القدامين لزيارة المراقد الشيعية، إلا أن الثوار، بالإضافة للاستخبارات الغربية، قالوا بأنهم من عناصر من فيلق القدس. في كل الأحوال، فقد كانوا قيمين للغاية بالنسبة للأسد، اذ انه بادلهم بألفين من الثوار الأسرى. وبعدها، قتل “شاطري”.
بدأ سليماني يسافر بشكل دوري إلى دمشق كي يتبوأ بشكل شخصي مساعي التدخل الإيراني. لقد كان “يدير المعركة بنفسه” حسبما قال لي أحد مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكيين. في دمشق، يقال أنه يدير المعركة من مقر محصن بشدة يقع في مبنى لا يبدو عليه انه موقع رسمي، حيث جمع عددا من القادة متعددي الجنسيات الذين يديرون الحرب، بينهم قادة الجيش السوري، وقائد من حزب الله، ومنسق للميليشيات الشيعية في العراق التي حركها سليماني واستقدمها للقتال. وإن لم يستطع سليماني أن يحضر الباسيج الى المعركة، فقد أحضر ثاني أفضل خيار بالنسبة له، وهو اللواء حسين حميداني، نائب القائد السابق للباسيج، رفيق السلاح السابق أثناء حرب العراق وإيران، والذي يُعد خبيرا في إدارة الميليشيات غير النظامية كمثل تلك التي شكلتها إيران لحماية الأسد من السقوط.
لاحظ المسؤولون الغربيون في السنة الماضية ارتفاعاً حاداّ في عدد شحنات الامدادات الجوية الايرانية الواصلة لمطار دمشق، حيث ارتفع عددها بحسب مسؤول امني شرق اوسطي من بضعة رحلات اسبوعياً الى ان اصبحت تهبط بشكل يومي محملةً “بأطنان من السلاح والذخيرة” بالاضافة الى ضباط من فيلق القدس. كما ان هذا الفيلق قد قام حسب رواية المسؤولين الامريكان بتنسيق الهجمات، وتدريب الميليشيات و نصب جهاز انصات يستطيع من خلاله أن يراقب اتصالات الثوار. بل واستطاع أن ينسق بين الأجهزة الأمنية في نظام الأسد التي صُممت لتتجسس على بعضها بحيث تعمل سوية، يقول نفس المسؤول الامني أن عدد أفراد فيلق القدس، بالإضافة لأفراد الميليشيات الشيعية العراقية التي جلبوهم معهم، يتجاوزون الآلاف. وقال لي، “هم ينتشرون في كل أنحاء البلاد”.
نقطة التحول الكبيرة جاءت في نيسان الماضي، بعدما استطاع الثوار السيطرة على مدينة القصير السورية بالقرب من الحدود اللبنانية. ولكي يستعيد السيطرة على المدينة، تواصل سليماني مع حسن نصر الله ليرسل له أكثر من ألفي مقاتل. لم يحتج نصر الله إلى إقناع، فالقصير هي مدخل سهل البقاع، معقل حزب الله والممر الذي تصل عبره الصواريخ والمؤن الحربية للحزب، وإغلاقها يعني أن حزب الله لن يمكنه الصمود. تجمع سليماني ونصر الله صداقة قديمة شهدت تعاونً امتد لسنين في لبنان وانحاء اخرى من العالم، ونفذ اعضاء من حزب الله عمليات ارهابية تنفيذاً لتعليمات ايرانية. وصف “ويل فولتون” الخبير بالشؤون الايرانية في “معهد اميركان انتربرايز” ما حدث في القصير قائلا: حاصر حزب الله القصير، قطع الطرق المؤدية إليها وهاجم. قُتل العشرات من أفراد حزب الله، وما لا يقل عن ٨ ضباط إيرانيين. وفي يوم 5 حزيران، سقطت المدينة. “العملية كلها كانت مدارة من قبل سليماني” حسب قول مكواير، الذي لا يزال يعمل في المنطقة. “كانت نصرا كبيرا له”.
وعلى الرغم من تورط سليماني في اعمل قاسية فإن صورته بين مؤيديه في ايران لاتشوبها شائبة حيث يعتبر من ابطال المحاربين القدامى في الحرب العراقية الايرانية التي اصبح اثناءها قائد فرقة وهو في عشرينيات العمر. يظهر “سليماني” في المناسبات العامة متواضعاً بطريقة اقرب ماتكون الى التصنع، وصف نفسه في ظهور حديث له بانه “اصغر جندي” وقام بحسب وكالات الاخبار الايرانية بمنع من حاولوا تقبيل يده. ترجع اغلب قوة “سليماني” الى علاقته القوية بـالمرشد الروحي الاعلى للمجتمع الايراني “خامنئي” الذي غالباً ما يوفر المديح للقتلى من جنوده، لكنه وصف سليماني قائلاً: “انه الشهيد الحي للثورة”.
يعتبر”سليماني من المدافعين بقوة والمحافظين على وجود النظام السلطوي الإيراني، ففي تموز ١٩٩٩ وفي ذروة المظاهرات الطلابية في إيران، أرسل سليماني مع عدد آخر من قيادات الحرس الثوري رسالة موقعة بأسماءهم إلى الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي يحذرونه من احتمالية الإطاحة به في حالة عدم تمكنه من قمع التظاهرات، قالوا في رسالتهم “صبرنا نفد بالفعل”. قامت الشرطة بقمع المحتجين حينها وكررت هذا القمع بعد عشر سنوات عند تجدد الاحتجاجات.
تتسم الحكومة الايرانية بالتعقيد الشديد و يلعب الكثير من المحيطين بخامنئي دوراً في تشكيل السياسة الخارجية للبلد، ومن هؤلاء قادة الحرس الثوري وكبار رجال الدين و مسؤولي وزارة الخارجية. لكن الحرية المطلقة في التصرف طالما منحت لـ”سليماني” في تطبيق رؤية خامنئي. يقول عنه “ميير داغان” المدير السابق في الموساد : “له روابط بكل زوايا النظام وهو ما اصفه بالذكي سياسيا، فلديه علاقات مع الجميع”. يصفه المسؤولون بالمؤمن بالاسلام والثورة، وفي الوقت الذي كدس الكثير من كبار ضباط الحرس الثوري ثروات عن طريق تحكمهم بمفاصل الصناعة الرئيسية في الدولة، فإن “سليماني” قد تمت العناية به من قبل “خامنئي” مباشرة حيث وفر له ثروة شخصية، ويقول مكواير: “هو معتنى به بشكل جيد”.
يعيش “سليماني” في طهران حياة تبدوا في ظاهرها كحياة عائلية لموظف بيروقراطي في منتصف العمر. يقول هذا السياسي العراقي الذي عرفه لسنوات وهو يحرك رأسه مستغربا: “انه معتاد على الاستيقاظ في الساعة الرابعة صباحاً ويأوي الى فراشه عند الساعة التاسعة والنصف مساءً”، كما انه يعاني من البروستات ومن الآم مزمنة في الظهر. يضيف المسؤول الامني الشرق اوسطي ان “سليماني” يعامل زوجته بإحترام ويصحبها في بعض اسفاره احياناً، لديه ثلاث اولاد وبنتين وهو اب محب على الرغم من الحزم الذي يتعامل به معهم. يُقال انه يقلق بشكل خاص على إبنته نرجس التي تعيش في ماليزيا، فهي “تظهر انحرافاً عن قيم الاسلام” بحسب وصف المسؤول الامني الشرق اوسطي.
قال لي مكواير :”تفوق سليماني على الغالبية العظمى كونه رجل ألمعي قادر على التحرك في الدوائر السياسية، لكنه في ذات الوقت يمتلك القدرة على التخويف والترهيب”. اضاف المسؤول الشرق اوسطي قائلاً: على الرغم من ان “سليماني” رجل واسع الاطلاع إلا ان ذوقه في النواحي الجمالية تقليدي للغاية، “لا اتخيله يستمع الى الموسيقى الكلاسيكية و لا اظن الطراز الاوروبي يلامئه بشكل عام”.

لم يحظى “سليماني” بالكثير من التعليم في المؤسسات التربوية الرسمية، ولكنه، كما قال مسؤول عراقي بارز سابق، “داهية ومفكر إستراتيجي مخيف”، وتشمل أدواته التي يستخدمها رشاوى للسياسيين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط والترهيب عند الحاجة إليه والاغتيالات كملاذ أخير. بنى فيلق القدس شبكة عالمية من العناصر العاملة له، بعضها جندها من الشتات الإيراني خارج البلاد، الذين يمكن استدعاءهم لدعم بعض المهمات. قال لي مسؤول امني شرق اوسطي اخر “انهم في كل مكان”. افاد المسؤولون الغربيون الى ان فيلق القدس وحزب الله قد باشرا بحملة جديدة في العام 2012 موجهه ضد اهداف امريكية واسرائيلية كرد فعل إنتقامي على الجهود السرية الساعية لإبطاء البرنامج النووي الايراني، التي شملت هجمات الكترونية واغتيالات لمجموعة من علماء الذرة الايرانيين.
ومنذ ذلك الحين، أدار سليماني عمليات في أماكن مترامية مثل تايلاند، نيودلهي، لاجوس ونيروبي، ما لايقل عن ثلاثين عملية في العامين الماضيين فقط، أكثرها جرأة كانت عملية فاشلة في واشنطن سنة 2011، عندما حاول فيلق القدس اغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة عن طريق شبكة تهريب مخدرات مكسيكية، وكان من المفترض انه ينفذ العملية في مطعم يبعد بضعة اميال عن البيت الأبيض. اتضح لاحقا أن هذا الشخص الذي اعتمده سليماني عميلا كان يعمل في الحقيقة لجهاز مكافحة المخدرات الامريكية. (يبدوا ان فيلق القدس اكثر فاعلية عندما ينفذ عملياته قريباً من ايران حيث ان العديد من خططه المنفذة في اماكن بعيدة قد بائت بالفشل). لكن على الرغم من فشل العملية نصح مسؤولان امريكان سابقان لجنة من الكونجرس باغتيال سليماني، “إنه يسافر كثيرا، إنه في كل مكان، اذهبوا وائتوا به، إن لم تستطيعوا أسره فاقتلوه”. وفي المقابل في إيران، وقع أكثر من ٢٠٠ من ذوي المناصب العليا رسائل احتجاج غاضبة عبر وسائل الاتصال الاجتماعي تحمل عنوان “كلنا قاسم سليماني”.
عرفت العديد من المسؤولين في الشرق الاوسط لمدة امتدت لعقد من الزمن ولكن بعضهم وعلى الرغم من هذه المعرفة، توقف عن الحديث حين ذكرت “سليماني”. قال احد المسؤولين الاكراد العراقيين معلقاً :”لانريد ان نشترك في هذا الموضوع”. يبدو ان “سليماني” في اعين الجواسيس الغربيين في خانة خاصة، عدو مكروه ولكنهم بالرغم من ذلك يحترمون قابلياته، من الممكن القول بإنه النسخة الشرق اوسطية لـ”كارلا” كبير الجواسيس الروس في روايات الكاتب البريطاني جون لو كاريه. اتصلت بـ”داغان” وهو مدير سابق في الموساد وحين ذكرت اسم “سليماني”، حصل صمت طويل على الخط، ثم رد بسخرية ملؤها الضجر قائلاً “آه نعم، هو صديق جيد”.

ترأس سليماني في العام 2009 لقاءً لمجموعة من محاربي الحرب العراقية الايرانية القدامى على قمة با آلام، وهومرتفع صخري يطل على الحدود العراقية. شهد موقع با آلام قتالاً عنيفاً في العام 1986 لاجل السيطرة على شبه جزيرة الفاو، حيث قضى عشرات الآف الرجال نحبهم في محاولة لم يحرزوا فيها اي تقدم يذكر. اظهر تصوير لزيارة “سليماني” وهو واقف على قمة هذا المرتفع وهو يسرد احداث المعركة لرفاق السلاح القدامى بصوت هادئ صاحبته ادعية و موسيقى.
اشار “سليماني” الى الاسفل قائلا: “هذا هو شارع دشتي عباس. كانت هذه المنطقة هي الحائل الوحيد بيننا وبين العدو”. قام مع مجموعته لاحقاً بالوقوف على ضفة نهر صغير حيث بدء يقرأ بصوت عالً هزه التأثر، اسماء من سقطوا من الجنود الايرانيين في هذا الموقع. وفي الاستراحة تحدث الى صحافي واصفاً القتال بسرد يكاد يكون روحانياً: “ساحة الحرب هي فردوس البشر المفقود، هي الجنة التي يصل فيها ميثاق البشر والخلود الى اعلى درجاته” واضاف “يتخيل الانسان نوعاً من الفردوس فيه جداول ونساء وزرع وارف، بيد ان هنالك نوع اخر من الفردوس، إنها ساحة الحرب”.
ولد “سليماني” في قرية جبلية متواضعة تدعى “رابور” تقع في شرق ايران. وكسائر الفلاحين الاخرين في تلك الفترة، فإن والد “سليماني” الصبي كان قد حصل على قرض زراعي من حكومة الشاه. كان والده مديناً للدولة بمبلغ 900 تومان-تعادل 100 دولار في وقتها- ولم يستطع سدادها. كتب “سليماني” في سيرة ذاتية مختصرة ذكرياته عن الليلة التي ترك فيها منزلهم بصبحة قريب له يدعى احمد سليماني وكان يمر بظروف مشابهة، كتب: “لم استطع النوم ليلتها، كان الحزن يغمرني وانا افكر بمنظر ابي إن تعرض للاعتقال على يد رجال الحكومة”. سافر مع احمد الى كيرمان، وهي اقرب المدن اليهم في سعي لتأمين دين عوائلهم. لم تكن وجهتهم الجديدة مضيافة على الاطلاق، كتب واصفاً ماحصل: “كنا في الثالثة عشر من العمر انذاك، وكانت اجسامنا ضئيلة ولذلك لم نمنح اي فرصة للعمل، تغير هذا الوضع يوم منحنا فرصة العمل كعمال بناء في موقع بناء مدرسة في شارع خاجو، الواقع في نهاية المدينة وبأجرة يومية بلغت 2 تومان انذاك.” كان ما جمعاه بعد 8 اشهر كافياً للعودة لمنازلهم وسداد الدين، ولكن حصل ان الثلج كان قد سقط بكثافة ذلك الشتاء. نصح الاهالي الصبيان بالاستعانه بسائق من تلك المنطقة يدعى بهلفان وتعني بالفارسية “البطل” وكان رجلاً شديد القوة يقدر على رفع بقرة او حمار بإستخدام اسنانه فقط. كان ليقوم برفع السيارة في حالة غمرها الثلج وازاحتها لمكان يقدر منه متابعة الرحلة. يذكر “سليماني” ان بهلفان كان ساخطاً بشده على الشاه، حيث قال للصبيين:” سحقاً لهكذا حياة، جعلت صبيين بهذا العمر يعملان في البناء في مدينة غريبة، في حين انه عمر يحق لكما فيه الراحة واللعب فقط”. وصف “سليماني” ماحدث حين وصلا القرية وكيف حصل هرج ومرج عندما انتشرت اخبار عودتهما.
لم يظهر سليماني مؤشرات على طموح كبير في صغره. يقول عنه “علي الفوناه” الخبير الايراني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، انه حصل على التعليم الاعدادي فقط ومن ثم عمل في بلدية ماء مدينة كرمان. لكنه كان زمناً ثورياً وكان بالامكان إستشعار تجمع مقومات التمرد، وبعيداً عن الوظيفة قضى “سليماني” اوقاتاً طويلة في القاعات الرياضية المحلية ممارساً رفع الاثقال، وكانت هذه القاعات ككثير غيرها في الشرق الاوسط تقدم تدريباً بدنياً بالاضافة الى الهام روح المحاربين. واثناء شهر رمضان، ومع سماعه لخطب شيخ رحالة اسمه حجة خامياب، وهو من مريدي الخامنئي، أصبح سليماني ملهما بشدة باحتمالية قيام ثورة إسلامية.

أطاحت الثورة الشعبية الاسلامية بقيادة روح الله الخميني بالشاه في ١٩٧٩، انضم سليماني الذي كان يبلغ من العمر 22 عام آنذاك وهو في فورة الدين والثورية إلى الحرس الثوري، وهي قوة عسكرية أسستها القيادة الدينية لمنع الجيش من القيام بإنقلاب ضدها. ترقى بسرعة شديدة رغم كونه لم يحصل على تدريب متقدم، ربما لا يتجاوز تدريبه ٤٥ يوما. تم ارساله في تلك الفترة الى شمال غرب ايران حيث ساعد في قمع إنتفاضة الاكراد انذاك.
وعندما كانت الثورة في شهرها الثامن عشر، قام صدام حسين بإرسال الجيش العراقي لإجتياح كامل الحدود العراقية الايرانية، آملاً بالإستفادة من الفوضى الداخلية في ايران. ماحصل كان العكس، حيث ان الغزو قوى قيادة خميني ووحد البلد خلف فكرة المقاومة، مشعلاً حرباً دفاعية طاحنة. أُرسل “سليماني” حينها في مهمة بسيطة مدتها 15 يوماً في الخطوط الامامية وهي تأمين امدادات المياه الى الجنود، ولم يعد لبقية زمن الحرب. فيقول “دخلت الحرب في مهمة امدها خمس عشرة يوما ولم اغادر الى نهاية الحرب”. تظهره صورة فوتوغرافية من تلك الفترة واقفاً ببزته الخضراء العسكرية بدون رتب عسكرية، بعيونه السوداء شاخصة نحو الافق. قال “سليماني” في مقابلة عام 2005عن تلك المرحلة: “كنا جميعنا بمرحلة الشباب و ورغبنا بخدمة الثورة”.
اكتسب “سليماني” سمعة جيدة بسبب ما اظهره من شجاعة واندفاع، وتحديداً نتائج عمليات الاستطلاع التي نفذها خلف الخطوط العراقية. لقد كان يعود من بعض المهمات حاملاً “معزة” بيده يقوم الجنود بذبحها وشواءها. الامر الذي احترمه حتى اعداءه العراقيين، حسبما قاله لي احد ضباط الحرس الثوري السابقين ممن هربوا الى الولايات المتحدة وطلبوا اللجوء. كان سليماني يلقب في الاذاعة العراقية “لص الماعز”. ونظرا الى الى فاعليته، قال الفونيه انه عين مسؤولاً عن كتيبة مجندة من اهالي كرمان فيها كثير ممن تمرنوا معه في الصالات الرياضية.
كان ميزان القوى يميل بشدّة ضد الجيش الإيراني الذي كان ضباطه يلجأون إلى تكتيكات بسيطة ومكلفة. وباعتمادهم على الهجمات بواسطة “الأمواج البشرية”، كانوا يرسلون آلاف الجنود إلى خطوط المواجهة مع العراقيين، غالباً لتنظيف حقول الألغام، ما يؤدي إلى وفاة الجنود بمعدل متهوّر. وبدا سليماني مفجوعاً بالخسائر بالأرواح. وقبل إرسال جنوده إلى المعركة، كان يعانق كل واحد منهم ويودعه؛ وفي خطاباته، كان يمجّد الجنود الشهداء ويطلب منهم الغفران لأنه لم يكن شهيداً معهم. وعندما أعلن مرؤوسيه خططاً للهجوم على شبه جزيرة الفاو، انتقدهم ووصفهم بأنهم مسرفون ومتهورون. ويذكر العضو السابق في الحرس الثوري نفسه، أنه شاهد سليماني في العام 1985، عقب معركة عانت خلالها كتيبته خسائر كبيرة في الأرواح والكثير من الاصابات، وكان جالساً بمفرده في زاوية خيمته. ويقول “كان غارقاً في صمته، ويفكّر بالجنود الذين خسرهم”.

قتل احمد، قريب سليماني الذي سافر معه إلى كرمان، في العام 1984. وفي مناسبة واحدة على الأقل، أصيب سليماني نفسه بجروح. ومع ذلك، لم يفقد حماسته للعمل الذي كان يقوم به. وفي ثمانينيات القرن الماضي، كان رويل مارك غيريشت عميلاً مبتدئاً في “السي آي أيه” ومقره اسطنبول، حيث جنّد أشخاصاً من بين آلاف الجنود الإيرانيين الذين أرسلوا إلى تركيا ليتعافوا. وقال غيريشت الذي كتب كثيراً عن الموضوع الإيراني “كان أمامك مجموعة متنوعة من جنود الحرس الثوري. كان بإمكانك اختيار رجال دين، أو جنود عاديين جاءوا ليتنفسوا أو للقاء العاهرات أو الشرب”. وقسّم غيريشت قدامى الحرس الثوري إلى مجموعتين. “كان هناك رجال مهزومون ومنهارون، بنظرات خاوية ـ هؤلاء الذين دمّرت حياتهم. ثم هناك الرجال التواقون إلى العودة إلى الجبهة بفارغ الصبر. اضع سليماني في تلك الفئة الأخيرة”.
وكان لدى ريان كروكر السفير الأميركي السابق لدى العراق بين العامين 2007 و2009 شعورا مماثلا. وخلال حرب العراق، كان كروكر يتعامل في بعض الأحيان مع سليماني بشكل غير مباشر، من خلال القادة العراقيين الذين كانوا يذهبون ويأتون من وإلى طهران بصورة دائمة. ومرة سأل احد العراقيين عما إذا كان سليماني متديّناً بشكل خاص وكان الجواب “ليس كثيرا. فهو يذهب الى المسجد بصورة متقطعة، فالدين ليس دافعه، الروح القومية وحبه للقتال هما الدافع”.

تعلّم قادة إيران درسين من الحرب الإيرانية ـ العراقية. الدرس الأول هو أن إيران كانت محاطة بالأعداء القريبين والبعيدين. بالنسبة للنظام، لم يكن الغزو مؤامرة عراقية بقدر ما كان مؤامرة غربية. كان المسؤولون الأميركيون على علم بالتحضيرات التي يجريها صدام حسين لغزو إيران في العام 1980، وقاموا لاحقاً بتزويده بمعلومات حول أهداف هاجمها صدام بأسلحة كيميائية؛ هذه الأسلحة تم تصنيعها بمساعدة من مصانع أوروبا الغربية نفسها. وذكرى هذه الهجمات مريرة بشكل خاص. وقال مهدي خالاجي، الخبير في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى “هل تعلم كم شخصاً لا يزال يعاني من آثار الأسلحة الكيميائية؟ يعتقد آلاف الجنود السابقين أنها كانت أسلحة زوّدها الغرب لصدام”. هوجمت فرقة بقيادة سليماني في العام 1987 خلال معركة مع الجيش العراقي، بواسطة قنابل مدفعية تحتوي على مواد كيميائية. عانى أكثر من مئة من جنوده من آثار هذا الهجوم.
كان الدرس الثاني الذي تعلمه الإيرانيون هو عدم جدوى خوض المواجهات المباشرة. وفي العام 1982 وبعدما دحرت القوات الإيرانية الجيش العراقي، أمر الخميني رجاله بالاستمرار في القتال حتى “تحرير” العراق والتقدّم نحو القدس. وبعد ست سنوات ومئات آلاف الضحايا، وافق على وقف إطلاق النار. واستناداً لألفوناه، يعتقد العديد من الجنرالات من جيل سليماني أنه كان بالإمكان النجاح لو لم يتراجع الملالي. وقال “يشعر العديدون منهم كما لو أنهم طعنوا في الظهر. لقد غذّوا هذه الأسطورة لما يقارب الثلاثين عاماً”. لكن قادة إيران لا يريدون حمام دم آخر، وعوضاً عن ذلك، سعوا الى تطوير القدرة على شن هجمات غير متكافئة ـ أي مهاجمة قوى أكبر بطريقة غير مباشرة خارج إيران.
وكان “فيلق القدس” الآلية المثالية لذلك. كان الخميني قد أنشأ نسخة أولية من هذه القوة في العام 1979 بهدف حماية إيران وتصدير الثورة الإسلامية. والفرصة الأكبر جاءت في لبنان، عندما تم إرسال مجموعة من ضباط الحرس الثوري في العام 1982 لتنظيم الميليشيات الشيعية خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي شاركت فيها أطراف عديدة. وأثمرت هذه الجهود بتأسيس “حزب الله” تحت توجيه إيران. وساعد القائد العسكري لـ “حزب الله” عماد مغنية اللامع والدموي على تأسيس ما عرف لاحقاً باسم “جهاز الأمن الخاص”، وهو أحد أجنحة “حزب الله” الذي يعمل بشكل وثيق مع “فيلق القدس”. وبمساعدة من إيران، ساعد “حزب الله” على تنظيم هجمات على السفارة الأميركية ومقري القوات الفرنسية والأميركية. وقال دافيد كريست، المؤرخ في الجيش الأميركي ومؤلف كتاب “حرب الغسق”: “في الأيام الأولى، وعندما كان حزب الله معتمداً بشكل كلي على المساعدات الإيرانية، مغنية وآخرون كانوا يعملون كعناصر امنية لإيران بشكل مطلق وطوعي.”
وعلى الرغم من كل العدائية التي كانت لدى النظام الإيراني، إلا أن بعض تعصبّه الديني بدأ يخفت. في العام 1989 توقف الخميني عن الطلب من الإيرانيين تصدير الثورة، ودعا عوضاً عن ذلك، إلى تسريع خطوات المحافظة على مكاسبها. وأصبحت الغلبة للمصالح القومية الفارسية، حتى لو أنها كانت غير متمايزة عن حماسة الثورة. وفي هذه السنوات، عمل سليماني على الجبهة الإيرانية الشرقية في مساعدة الثوار الأفغان الذين كانوا يتصدون للطالبان. وكان الإيرانيون ينظرون إلى الطالبان بعدائية شديدة وذلك يعود في جزء كبير إلى اضطهادهم للأقلية الشيعية الأفغانية. ( في إحدى المراحل، كان البلدان على وشك خوض حرب بينهما حيث حشدت إيران ما يقارب ربع مليون جندي، وشجب قادتها تنظيم الطالبان على أنه مهين للإسلام). وفي منطقة يسهل فيها الانزواء الفساد، بنى سليماني لنفسه شهرة كمحارب لمهربي الأفيون على طول الحدود الأفغانية.

وفي العام 1998، سمّي سليماني على رأس “فيلق القدس” حيث تولى قيادة جهاز كان قد بنى لنفسه تاريخاً دموياً: يعتقد المسؤولون الأميركيون والأرجنتينيون أن النظام الإيراني ساعد “حزب الله” على تنظيم تفجير السفارة الإسرائيلية في بيونس أيرس في العام 1992 والذي أدى إلى مقتل 29 شخصاً، والهجوم على المركز اليهودي في المدينة نفسها والذي أدى لمقتل 85 شخصاً. وحوّل سليماني “فيلق القدس” إلى تنظيم ذات باع طويل وفروع متخصصة بالاستخبارات، التمويل، السياسة، التخريب والعمليات الخاصة. ومع مركز القيادة الذي اتخذه في مبنى السفارة الأميركية السابقة في طهران، يملك “فيلق القدس” ما بين عشرة وعشرين ألف عنصر، ينقسمون بين المقاتلين وأولئك الذين يشرفون على تدريب وإدارة الفروع الخارجية. ويتم اختيار عناصره من بين أصحاب المهارات وولائهم لعقيدة الثورة الإسلامية، (كما في بعض الأحيان بسبب انتماءاتهم العائلية). واستناداً إلى صحيفة “إسرائيل اليوم” يتم تجنيد المقاتلين من جميع أنحاء منطقة الشرق الاوسط، ويتم تدريبهم في مدينتي شيراز وطهران، وتلقينهم العقيدة في “جامعة عملية القدس” في مدينة قم، ثم يرسلون “لشهور طويلة في مهمات إلى أفغانستان والعراق ليحصلوا على خبرة في العمل الميداني”. ويسافرون عادة تحت ستار عمال بناء إيرانيين.
وبعد توليه القيادة، عزز سليماني علاقاته في لبنان مع مغنية وحسن نصر الله، الأمين العام لـ “حزب الله”. وفي تلك الأثناء، كان الجيش الإسرائيلي قد احتل لبنان لما يزيد عن ستة عشر عاماً، وكان “حزب الله” يتوق إلى السيطرة على البلد، فأرسل سليماني عناصر من “فيلق القدس” لمساعدته على ذلك. وقال كروكر “كان لديه حضور هائل ـ تدريب، نصح وتخطيط”. وفي العام 2000، انسحب الإسرائيليون مرهقين نتيجة هجمات “حزب الله”. كان ذلك إشارة انتصار للشيعة، وأضاف كروكر “كان مثالاً آخر حول كيف يمكن لدول مثل سوريا وإيران أن تخوض لعبة طويلة الامد، بناء على معرفتهم بأنه لا يمكننا فعل ذلك”.
ومنذ ذلك الحين، وفّر النظام الإيراني المساعدات لمجموعات مختلفة من المقاتلين الإسلاميين التي تعارض حلفاء الأميركيين في المنطقة، مثل المملكة السعودية والبحرين. ولم تصل المساعدة إلى الشيعة فقط، بل أيضاً إلى مجموعات سنية مثل “حماس” ـ ما ساهم بتشكيل مجموعة تحالفات تمتد من بغداد حتى بيروت. وقال ديبلوماسي غربي في بغداد “لم ينطلق أحد في طهران قبل لوضع خطة شاملة لبناء محور المقاومة، غير أن الفرص كانت مناسبة. في كل حالة، كان سليماني أذكى، أسرع ويملك موارد أكثر من أي جهة أخرى في المنطقة. من خلال اغتنام الفرص حين حدوثها، بنى هذا الشيء ببطء لكن بثبات.”
وخلال الأيام الفوضوية التي تلت اعتداءات 11 أيلول، سافر ريان كروكر الذي كان أصبح أحد كبار مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية، إلى جنيف للقاء مجموعة من الديبلوماسيين الإيرانيين. وقال كروكر “كنت اسافر يوم الجمعة واعود يوم الأحد، وكانت عطلة نهاية الأسبوع، فلم يعلم أحد في الوزارة أين كنت. كنا نسهر طيلة الليل خلال اجتماعاتنا”. وبدا واضحاً لكروكر أن الإيرانيين كانوا يجيبون سليماني الذي كانوا يسمّونه “حجي قاسم”، وكانوا يتوقون إلى مساعدة الولايات المتحدة الأميركية في القضاء على عدوهم المشترك، الطالبان. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وإيران كانتا قطعتا العلاقات الديبلوماسية في العام 1980 عقب أزمة الرهائن الديبلوماسيين الأميركيين في طهران، إلا أن كروكر لم يكن متفاجئاً بإحساسه بليونة سليماني. وقال “لا تعيش ثماني سنوات من الحرب الوحشية ولا تخرج منها براغماتياً”. كان سليماني يمرر رسائل في بعض الأحيان لكروكر، لكنه كان يتجنّب في أن تكون خطية. وأضاف كروكر “الحاج قاسم أذكى بكثير من ذلك. لن يترك وراءه آثاراً ورقية للأميركيين”.

وقبل بدء عمليات القصف على أفغانستان، شعر كروكر أن الإيرانيين كانوا يفقدون صبرهم مع إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، ويعتقدون أن المسألة تأخرت كثيراً قبل المباشرة بقصف الطالبان. وفي اجتماع في مطلع تشرين الأول 2001، وقف كبير المفاوضين الإيرانيين ورمى برزمة من الأوراق على الطاولة وقال “إذا لم تتوقفوا عن بناء هذه الحكومات الخرافية في السماء، وتشرعوا بالفعل ببعض القصف على الأرض، فلن يحدث أي من هذه الأشياء. عندما تصبحون جاهزين للحديث جدياً عن قتال حقيقي، ستعرفون أين تجدوني”. وغادر الغرفة بسرعة. وأضاف كروكر “كانت لحظة عظيمة”.
واستمر التعاون بين البلدين طيلة المرحلة التحضيرية للحرب. وفي مرحلة معينة، سلّم كبير المفاوضين إلى كروكر خريطة تفصيلية عن مواقع قوات الطالبان. وقال “هذه نصيحتنا. اضربوهم هنا أولاً، ثم انتقلوا إلى هنا. هذا هو المنطق”. وتوجه كروكر المندهش بسؤال “هل باستطاعتي تدوين ملاحظات؟” فأجاب المفاوض “يمكنك الاحتفاظ بالخريطة”. وتدفقت المعلومات من الجانبين. وفي لحظة ما، قال كروكر إنه أعطى نظراءه الإيرانيين موقع أحد المخبرين من طالبان يعيش في مدينة مشهد في شرق إيران. اعتقله الإيرانيون وسلّموه إلى قادة أفغانستان الجدد الذين بحسب اعتقاد كروكر قاموا بتسليمه إلى الولايات المتحدة. وقال المفاوض لكروكر “الحاج قاسم سعيد جداً لتعاوننا”.
ولم تستمر النوايا الطيبة طويلاً. كان كروكر قد اصبح نائب مسؤول السفارة الامريكية في كابول في كانون الثاني 2002، أيقظه مساعدوه ليلاً ليبلغوه أن الرئيس الأميركي جورج بوش سمّى إيران عضواً في “محور الشر”. ومثل العديد من كبار الديبلوماسيين، فوجئ كروكر بهذا الموقف. وشاهد كروكر كبير المفاوضين الإيرانيين في اليوم التالي في مركز الأمم المتحدة في كابول وكان غاضباً. ويقول كروكر إن المفاوض الايراني قال له “لقد أسأت إلي بالكامل. أصيب سليماني بنوبة غضب. يشعر أنه قد فضح”. وأضاف المفاوض لكروكر أن هذه لحظة خطر سياسي حقيقي وأن سليماني يقوم بإعادة تقويم شاملة للعلاقة مع الولايات المتحدة قائلاً “ربما حان الوقت لكي نعيد التفكير بعلاقتنا مع الأميركيين”. لقد أوصل خطاب “محور الشر” الاجتماعات إلى نهايتها. ووجد الإصلاحيون داخل الحكومة الإيرانية الذين كانوا يدافعون عن التقارب مع الولايات المتحدة أنفسهم في موقف دفاعي. وحين يتذكر كروكر تلك الفترة يهز برأسه ويقول “كنا قريبين جداً، كلمة واحدة في خطاب غيّرت التاريخ”.
وقبل انهيار الاجتماعات، تحدّث كروكر مع كبير المفاوضين الإيرانيين حول احتمال الحرب في العراق. وقال كروكر “اسمع، لا أعلم ما الذي سيحدث، لكن لدي بعض المسؤولية عن الملف العراق ـ إنه ملفي، وأستطيع قراءة الإشارات، و أعتقد أننا سنذهب إلى هناك”. لقد شاهد الإيراني فرصة هائلة، فالإيرانيون يكرهون صدام، واعتقد كروكر حينها أنهم سيكونون على استعداد للتعامل مع الولايات المتحدة. قال المفاوض لكروكر “لست مع الغزو. لكني أفكر أنه إذا كنتم ستقومون به، فلنر ما إذا كان بإمكاننا تحويل عدو إلى صديق ـ على الأقل تكتيكياً لهذه الغاية، ثم نرى أين نذهب بعد ذلك”. وأشار المفاوض إلى أن الإيرانيين على استعداد للحديث، وأن العراق مثل أفغانستان، كان جزءاً من خطة سليماني. أضاف كروكر “كان هذا الرجل يديرُ الجبهتين”.
وبعد بدء الغزو في آذار 2003، قام المسؤولون الإيرانيون بسعي محموم لإعلام الأميركيين بأنهم يريدون السلام. وشاهد كثيرون منهم كيف تمت الاطاحة بأنظمة أفغانستان والعراق ، واعتقدوا أن الدور المقبل سيكون عليهم. وقال ماكواير، مسؤول “السي آي أيه” السابق في بغداد “كانوا خائفين. كانوا يرسلون مفاوضين عبر الحدود العراقية إلينا ليقولوا إنهم لا يريدون المشاكل معنا. كنا نملك كل الأوراق الرابحة”. وفي العام نفسه، اقتنع الأميركيون أن إيران أعادت رسم خططتها لتطوير سلاح نووي، والسير في هذه الخطة ببطء وسرية، خشية أن تدعو الغرب لضربها عسكرياً.
وبعد انهيار نظام صدام، أوفد كروكر إلى بغداد ليساعد على تنظيم الحكومة الوليدة التي دعيت باسم “مجلس الحكم العراقي”. وأدرك كروكر أن العديد من السياسيين العراقيين كانوا يتوجهون إلى طهران للتشاور، واستغل مباشرة فرصة التشاور مع سليماني. وأثناء ذلك الصيف، مرّر له كروكر أسماء المرشحين الشيعة المحتملين، وكان الرجلان يدققان في كل اسم منهم. ولم يعترض كروكر على أي اسم، بل كان يستثني مباشرة اسم الشخص الذي كان سليماني يعترض عليه. وقال “كان تشكيل مجلس الحكم بجوهره مفاوضات ما بين طهران وواشنطن”.

كان ذلك التبادل بمثابة قمة التعاون الايراني – الامريكي. قال كروكر “انهار كل شيء بعد أن تشكل مجلس الحكم”. و مع تعثر الاحتلال الأمريكي، بدأ سليماني حملة شرسة من التخريب. يعتقد العديد من الأميركان والعراقيين الذين قابلتهم أن تغيير الاستراتيجية كانت نتيجة الغريزة الانتهازية, اذ اصبحوا اكثر عدوانية عندما بدأ الخوف من الغزو الأميركي في الانحسار.

كان سليماني يرسل العناصر الى العراق لتهيئة الميليشيات الشيعية لسنوات، لذلك، فعندما سقط صدام، كان لديه بالفعل قوة مقاتلة حاضرة على الارض: فيلق بدر، الجناح المسلح لحزب سياسي شيعي اسمه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق, حيث ارتبط قادة هذا الحزب بشكل وثيق مع قادة الثورة الايرانية حتى أن ميليشيات بدر قاتلوا إلى جانب القوات الإيرانية في الحرب العراقية الإيرانية.

قضى فيلق بدر الكثير من وقته بتنفيذ اغتيالات انتقامية ضد البعثيين، كما انه تجنب المواجهة مع الامريكان الى حد كبير. لكن ميليشيات أخرى مدعومة من ايران، كجيش المهدي بقيادة رجل الدين الشعبوي مقتدى الصدر، كانت قد بدأت في مواجهة الأميركان في وقت مبكر. ففي أغسطس 2004، بعد أن أطلق الأميركيون هجوما دمويا مضادا، قمت بزيارة لمقبرة مؤقتة في مدينة النجف، جنوب بغداد، وعثرت على العشرات من المقابر الضحلة، تم تعليم كل واحدة منها بقارورة زجاجية صغيرة تحتوي على قصاصة من الورق مع اسم المقاتل وعنوانه. وكان العديد منها معنون “طهران”.

وجد سليماني انه من الصعب السيطرة على الصدر و لا يمكن التنبؤ بما يمكن له القيام به ، لذلك بدأ فيلق القدس بتنظيم الميليشيات الأخرى التي كانت على استعداد لمهاجمة الأمريكيين. فبدأت عناصره بتدريب المقاتلين في إيران، بمساعدة رفاقهم في حزب الله في بعض الأحيان. بدت و كأن سيطرة سليماني على بعض هذه المليشيات باتت محكمة في كثير من الاحيان. ففي احدى المرات اتهم مسؤول عراقي رفيع المستوى ، وهو في رحلة إلى واشنطن، علنا القائد الأعلى (خامنئي) بتصعيد العنف في العراق. و بعد عودته إلى بغداد بوقت قصير، قال لي انه تلقى رسائل من قادة اثنين من الميليشيات الشيعية العراقية, كلاهما يطرح السؤال نفسه: هل تريد أن تموت؟

في عام 2004، بدأ فيلق القدس باغراق العراق بفيض من قنابل قاتلة تزرع على الطريق اطلق عليها الامريكيون اسم “القنابل الخارقة للدروع”. وهي عبارة عن سبيكة نحاس منصهر قادرة على اختراق الدروع، ملحقة خسائر في صفوف القوات الأمريكية، وهي مسؤولة عن ما يقارب عشرين في المائة من الوفيات الناجمة عن القتال. هذه القنابل لا تصنع الا من قبل فنيين مهرة، و غالبا ما يتم تفجيرها بواسطة اجهزة استشعار معقدة. “لم يكن هناك اي تساؤل عن مصدر هذه القنابل” يقول الجنرال ستانلي ماكريستال، الذي كان رئيس قيادة العمليات الخاصة المشتركة في ذلك الوقت ،”كنا نعرف انها مصنعة في ايران. هذه القنابل مسؤولة عن مصرع المئات من الأمريكيين”.

كانت حملة سليماني ضد الولايات المتحدة قد تجاوزت الانقسام السني – الشيعي, فهو كان دائما على استعداد لوضع ذلك جانبا لغرض أكبر. اخبرني مسؤولون عراقيون وغربيون، في وقت مبكر من الحرب، ان سليماني قد شجع رئيس المخابرات لنظام الأسد على تسهيل حركة المتطرفين السنة عبر سوريا لمحاربة الأمريكان. وفي كثير من الاحيان، اعطيت القاعدة أيضا درجة من الحرية في إيران. اذ اخبرني كروكر في مايو 2003 ان الامريكان تلقوا معلومات استخباراتية تفيد بأن مقاتلي القاعدة في إيران كانوا يستعدون لشن هجوم على أهداف غربية في المملكة العربية السعودية. وبدى كروكر منزعجا, “كانوا هناك، تحت الحماية الإيرانية، يخططون لهذه العمليات”. على اثرها, استقل الطائرة الى جنيف وهدد الإيرانيين، ولكن دون جدوى؛ فقد قام مسلحون بتفجير ثلاثة مجمعات سكنية في الرياض، مما أسفر عن مقتل خمسة وثلاثين شخصا، بينهم تسعة أمريكيين.

و كما اتضح فيما بعد، فان الاستراتيجية الإيرانية بمساعدة المتطرفين السنة قد جاءت بنتائج عكسية بشكل مرعب: فبعد وقت قصير من بدء الاحتلال، بدأ المتطرفون ذاتهم بمهاجمة المدنيين الشيعة والحكومة العراقية التي يهيمن عليها الشيعة. ظهرت و كأنها نموذجا لحرب أهلية قادمة. “مرحبا بكم في الشرق الأوسط”، قالها لي الدبلوماسي الغربي في بغداد. “أراد سليماني ان يستنزف الامريكان فدعا المجاهدين الى الدخول، ثم خرجت الامور عن السيطرة”.

ومع ذلك، لم تكن سياسة إيران تجاه الأميركيين في العراق عدائية تماما, اذ ان كلا البلدين، رغم كل شيء، يحاولان تفعيل دور الاغلبية الشيعية في العراق ، وهكذا تناوب سليماني بين المساومة مع الأميركان وقتلهم. طوال فترة الحرب، استدعى سليماني القادة العراقيين الى طهران لعقد صفقات وسيطة، معدة لتعزيز قدرة الشيعة. حتى انه غامر ذات مرة بالدخول الى قلب التواجد الامريكي في بغداد. “، جاء سليماني إلى المنطقة الخضراء للقاء العراقيين” اخبرني السياسي العراقي. “أعتقد أن الامريكيين أرادوا أن يلقوا القبض عليه، لكن وجدوا انهم لا يستطيعون.”

فبينما يسعى الجانبان الى احراز تقدم ما، فان التحول في ولاءات الاطراف ادى الى مصادفات غريبة وغير محمودة في كثير من الاحيان. كان قادة الحزبين الكرديين الرئيسيين، مسعود بارزاني وجلال طالباني، يلتقون بانتظام مع كل من سليماني والأمريكان. فبينما كانت علاقة الكرد مع الولايات المتحدة دافئة، كانت علاقتهما مع الزعماء الايرانيين مثل سليماني أعمق وأكثر تعقيدا ذلك لان النظام الايراني كان حاضنة اكراد العراق أثناء حربهم مع صدام. لكنها لم تكن يوما علاقة متكافئة. يقول زعماء الاكراد أن هدف سليماني كان دائما الابقاء على الأحزاب السياسية في العراق منقسمة وغير مستقرة، لضمان بقاء العراق في وضع ضعيف اذ لم تكن الحرب الايرانية العراقية بعيدة أبدا عن ذهنه. “من الصعب جدا بالنسبة لنا ان نقول كلمة كلا لسليماني” صرح مسؤول كردي رفيع لي. “فعندما نقول لا، يبدأ بافتعال المشاكل لنا. تفجيرات. إطلاق نار. الإيرانيون جيراننا. لقد كانوا دائما هناك، سيظلون جيراننا دائما. لذا يجب أن نتعامل معهم”.

ويستذكر ضابط استخبارات كبير في بغداد زيارته لطالباني في منزله خلال رحلة قام بها إلى شمال العراق. و يستذكر انه عندما دخل, رأى قاسم سليماني جالسا هناك، يرتدي قميصا أسود وسترة سوداء. نظر كلا الرجلان الى بعضهما البعض “كنت اعرف من يكون وهو يعرف من اكون. و عندما تصافحنا لم يقل شيئا”. واضاف الضابط، “أنا لم أر قط طالباني مجاملا لأحد الى هذا المدى. لقد كان يشعر بالخوف”.

في السنوات التي تلت الغزو، تركزت جهود الجنرال ماكريستال في القضاء على المتمردين السنة، و مثل القادة العسكريين الأميركيين الآخرين في العراق، امتنع إلى حد كبير من ملاحقة عناصر فيلق القدس. كان استفزاز ايران لا يؤدي إلا إلى تفاقم الصراع، وفي كل الاحوال، كان العديد من العناصر يعملون تحت غطاء دبلوماسي. ولكن، حين استمرت الحرب، بدأت الميليشيات المدعومة من ايران تظهر بصورة أكبر من أي وقت مضى. في أواخر عام 2006،اخبرني ماكريستال انه شكل قوة خاصة لقتل واعتقال المتمردين المدعومين من ايران، فضلا عن عناصر فيلق القدس.

ففي ديسمبر من ذلك العام, داهمت قوات الكوماندوس الأمريكية مجمع عبد العزيز الحكيم، وهو سياسي شيعي قوي، وعثروا على الجنرال محسن شيزاري، رئيس قيادة العمليات في فيلق القدس. كما ذكر مايكل غوردون و برنارد ترينور في “نهاية اللعبة”, كان اعتقال شيزاري من قبل قوات الكوماندوس الامريكية صدمة بكل المقاييس لبغداد. “، لقد تفاجأ الجميع”، كما اخبرني قائد عسكري كبير سابق. “لقد ذهل الايرانيون. كنا قد كسرنا قانونا غير المكتوب. ” عندها طالب نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي, الاميركيين بتسليم شيزاري و عندما سلموه للعراقيين على مضض, قام المالكي بالافراج عنه. و بعد هذه الحادثة, ابلغ السفير الاميركي المالكي انهم لن يسلموا اي عنصري ايراني الى العراقيين اذا ما القت القوات الامريكية القبض على اي منهم.

وبعد شهر، تلقى ماكريستال تقارير تفيد بأن الجنرال محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني، قد يكون في قافلة متجها نحو الحدود العراقية, ووفقا لمصادر استخباراتية أخرى، قيل بان سليماني كان معه في تلك الرحلة. وكانت مجموعة من المقاتلين الأكراد في استقبالهم عندما عبرا الحدود. قرر ماكريستال السماح للإيرانيين بعبور الحدود. واضاف “اننا لا نريد أن ندخل في معركة مع الأكراد”.

تعقب رجال ماكريستال القافلة حيث سارت مئة ميلا في العمق العراقي، وصولا الى مدينة أربيل، وتوقفت عند مبنى غريب، معلما بلافتة صغيرة كتب عليها “القنصلية.” لم يكن أحد يعرف أن مثل هذه القنصلية موجودة، الا ان حقيقة تواجد بناء كهذا يدل على ان العاملين به يعملون تحت غطاء دبلوماسي. قام الامريكان بمداهمة المكان في كل الاحوال، واعتقلوا خمسة ايرانيين, جميعهم يحملون جوازات سفر دبلوماسية، وجميعهم، وفقا لماكريستال، كانوا عناصر من فيلق القدس. لم يكن جعفري و سليماني حاضرين، بل بدا انهم في اللحظة الأخيرة قرروا الانفصال عن الموكب والتجأوا الى منزل آمن يسيطر عليها الزعيم الكردي مسعود بارزاني. “، كان سليماني محظوظا” وقال داغان، كما قال لي رئيس الموساد السابق في اشارة الى ما حصل في الغارة، “من المهم أن تكون محظوظا.”

بعد تسعة أيام، توقفت خمس سيارات دفع رباعي سوداء جديدة عند بوابات مركز محافظة كربلاء في جنوب العراق. كان الرجال داخل هذه السيارات يتحدثون الإنجليزية، و يرتدون بزات على الطراز الأميركي، ولوحوا ببطاقاتهم التعريفية ، وهكذا سمح لهم بالمرور. في المجمع، قفزوا من سياراتهم وركضوا مباشرة إلى مبنى مخصص للجنود الأميركيين حيث كانوا يعملون. قتلوا جنديا امريكيا واسروا أربعة، وتجاهلوا الباقين. في غضون ساعات، كان الاسرى اربعة قتلى. تم اطلاق النار عليهم من مسافة قريبة.

قامت عصائب أهل الحق، احدى الميليشيات المدعومة من ايران، بتنفيذ هذا الهجوم. و يعتقد مسؤولون اميركيون أن سليماني هو من امر بتنفيذ الغارة، ردا على القبض على عناصر فيلق القدس في أربيل. في غضون شهرين، كان الامريكيون قد قتلوا القائد المزعوم للهجوم واعتقلوا العديد من المشاركين فيه. كان احدهم علي موسى دقدوق، احد قادة حزب الله الذين تدربوا في إيران. في البداية، تظاهر دقدوق أنه غير قادر على الكلام، ولقبه الامريكان بحميد الاخرس. ولكن بعد وقت وجيز، قالوا انه بدأ بالتحدث، واخبرهم ان العملية قد أمرت من قبل المسؤولين الايرانيين. للمرة الأولى، يشير القادة العسكريون الأميركيون علنا إلى سليماني. وفي مؤتمر صحفي، صرح العميد كيفن بيرجربان “تنفيذ و تخطيط عملية كربلاء و التي راح ضحيتها خمسة من جنود التحالف قد تم بمعرفة و دعم فيلق القدس الايراني”.

مع تعاظم الحرب السرية مع إيران ، بدأ المسؤولون الأميركيون يفكرون في عبور الحدود إلى إيران لمهاجمة معسكرات التدريب ومصانع القنابل. “بعضنا يريد و بشدة ان نضربهم” اخبرني بذلك ضابط أميركي رفيع المستوى كان في العراق في ذلك الوقت. و استمرت هذه المناقشات بصورة حيوية حتى نهاية عام 2011، حتى غادر اخر جندي امريكي البلاد. و في كل مرة، يقرر الأمريكان عدم عبور الحدود، لاعتقادهم بانهم سيعطون للإيرانيين بذلك سببا سهلا لتصعيد القتال.

في نفس الوقت تقريبا، بدأ سليماني سلسلة مراسلات مع كبار المسؤولين الأمريكيين. كان يرسل هذه الرسائل من خلال وسطاء يسعى في بعض الاحيان فيها الى طمأنة الأمريكان، وأحيانا اخرى لانتزاع شيء ما. كانت اولى هذه الرسائل قد وصلت في أوائل عام 2008, و كانت عبارة عن رسالة نصية عبر الهاتف الخليوي إلى الجنرال ديفيد بترايوس، والذي تولى قيادة القوات الأمريكية في العام قبل الماضي، وقام الرئيس العراقي، جلال طالباني بتسليمها اليه. كان نص الرسالة يقول: “عزيزي الجنرال بترايوس، يجب أن تعرف أنني أنا، قاسم سليماني، المسيطر على مجريات السياسة لايران فيما يتعلق بالعراق ولبنان وغزة وأفغانستان. وفعلا فان السفير الايراني في بغداد هو أحد عناصر فيلق القدس, و الشخص الذي سيحل محله هو ايضا عنصر من عناصر فيلق القدس.” و بعد ان قتل الجنود الامريكان الخمسة في كربلاء, أرسل سليماني رسالة للسفير الأمريكي يقول فيها “أقسم بقبر الخميني أنا لم اّمر باطلاق رصاصة واحدة ضد الولايات المتحدة”. لم يصدقه احد من الامريكيين.

كتب بترايوس في تقرير للبيت الأبيض يصف فيه سليماني بانه كان “الشر بعينه”. لكن في بعض الأحيان كان يبدو على الرجلين انهما غارقين في التفاوض بينهما. وفقا لبرقيات دبلوماسية كشفت عنها ويكيليكس، أرسل بترايوس رسائل عديدة من خلال المسؤولين العراقيين الى سليماني، مطالبا اياه بالغاء الهجمات الصاروخية على السفارة الأمريكية وعلى القواعد الأمريكية. في عام 2008، كان الأميركيين والجيش العراقي يصدان هجوما ضد جيش المهدي, و هي ميليشيا شيعية تابعة لمقتدى الصدر, و كانت الميليشيا تقصف المنطقة الخضراء بصورة منتظمة. سليماني، الذي لامس انفراجا ديبلوماسيا، أرسل الى بتريوس رسالة معربا فيها عن قلقه على الوضع مخبرا اياه بانه كلف عددا من عناصره لملاحقة و اعتقال المهاجمين. فأجاب بتريوس، “لقد ولدت في يوم الأحد، لكنه لم يكن الأحد الماضي.” في نهاية المطاف، توسط سليماني لوقف إطلاق النار بين الصدر والحكومة.

في بعض الأحيان، كان يبدو سليماني مسرورا و ممعنا في السخرية من نظرائه الأمريكان، وانتشرت قصص من مآثره في ذلك. ففي صيف عام 2006 خلال الحرب الاربع وثلاثون يوما بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، كان العنف قد بدأ ينحسر في بغداد. اخبرني سياسي عراقي انه عندما انتهى القتال بعث سليماني يفترض رسالة إلى القيادة الأمريكية. “آمل أن تكونوا قد استمتعتم بالسلام والهدوء في بغداد!” قرأها الامريكان على ان معناها كان “لقد كنت مشغولا في بيروت!”

في خطاب القاه عام 1990، قال خامنئي بأن مهمة فيلق القدس هو “لتأسيس خلايا شعبوية لحزب الله في ارجاء العالم”. وبالرغم من ان هذا الهدف لم يتحقق، فإن حزب الله اصبح اهم قوة في لبنان—قوة عسكرية وحزب سياسي يكاد يتفوق على الدولة. بعض الخبراء يعتقدون بانه لم يعد بنفس التبعية لإيران من بعد نضوجه عبر السنين. ولكن، وعلى مأدبة عشاء في بيروت العام الماضي، تذمر وليد جنبلاط، السياسي اللبناني، من ان قادة حزب الله لا يزالون تابعين لطهران. “تجلس وتتكلم معهم ولكن ما بوسعك قوله؟” حسبما قال لي. “هم لا يقررون. خامنئي وسليماني هم الذين يقرران.”

سبق وان اقر زعيم حزب الله حسن نصر الله مبدأ ولاية الفقيه، الذي يعتبر المرشد الاعلى الايراني بمثابة السلطة المطاعة، وقد اقر ايضا وجود عناصر من فيلق القدس في لبنان. ما بين الاعوام 2000 الى 2006، قدمت ايران مئة مليون دولار سنويا الى حزب الله. وذلك لأن مقاتلي التنظيم لديه مزايا مهمة، فهم عكس الايرانيين، يتكلمون العربية، مما يجعلهم انسب للعمل في سوريا ومناطق اخرى من العالم العربي. وبالعمل مع الايرانيين، فهم إما نفذوا او اعدوا هجمات في قبرص واذربيجان وتركيا.

ولكنهم لا يعملان دوما سوية. فبعد قيام احد عناصر حزب الله بالهجوم على حافلة للسياح مليئة بالاسرائيليين في بلغاريا في شهر تموز الماضي، تقول بعض المصادر الامريكية ان سليماني سئل من يعملون تحته، “هل يعلم احدكم أي ذلك عما حدث؟” ولم يكن احد يعرف. “تصرف حزب الله بمفرده في تلك الحالة” كما قال لي مسؤول دفاع امريكي. بالرغم من ذلك، فإن فيلق القدس يبدوا مشاركا في عدد من الامور المهمة التي حصلت في تاريخ لبنان القريب. في 2006، امر نصر الله مجموعة من مقاتليه بخطف جنود اسرائيليين—وهي عملية نفذت بمساعدة سليماني، حسب رواية مسؤول امني شرق اوسطي. وتلى ذلك حربا قصيرة ولكنها شرسة، دمر الجيش الاسرائيلي خلالها الكثير من لبنان. واضاف المسؤول، “لا اتصور بأن سليماني توقع رد الفعل هذا”.

وكانت مسألة النفوذ الايراني في لبنان قد ظهرت الى العلن مرة اخرى سنة 2011، عندما قامت المحكمة الخاصة بلبنان، التي شكلتها الامم المتحدة، بتوجيه التهم لاربعة من كبار قادة حزب الله في شأن دورهم في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري سنة 2005. حريري، وهو سني، كان يحاول اخراج لبنان من فلك المحور السوري-الايراني. وفي يوم فالنتاين، قتل جراء انفجار حافلة مفخخة زنة المتفجرات فيها تتجاوز الخمسة آلاف رطلا.

تعرف المحققون على هوية القتلة من حزب الله عن طريق آلية تحليل المواقع المشتركة—وذلك بمطابقة الهواتف النقالة التي استخدمت في وقت التفجير مع ارقام اخرى كان يستخدمها المتهمون. امتنعوا عن ادانة مسؤولين سوريين، ولكنهم وجدوا، حسبما قالوه، دلائل مقنعة على تورط حكومة الاسد في اغتيال الحريري. وقال لي محقق في المحكمة الخاصة بأن هناك مسببات للإعتقاد بدور للإيرانيين ايضا: “نظريتنا للقضية هي ان بإستطاعة حزب الله الضغط على الزناد، ولكن ليس من دون مباركة سوريا وايران ودعمهم اللوجستي.” احدى الهواتف التي يعتقد بأن احد القتلة استخدمها كانت قد اجرت ما لا يقل عن اثنى عشر مكالمة الى ايران قبيل وبعد الاغتيال. ولكن المحققون لم يتوصلوا الى من كان الشخص الذي يتم الاتصال به في ايران، ولم تقوم وكالات الاستخبارات الغربية بمساعدتهم في التحقق من ذلك. ولكن كما تبين، فإن هذه الوكالات الاستخبارية كانت تعلم الكثير. وقال لي ضابط استخباراتي كبير بأن عناصر ايرانية سمعت تتحدث في الدقائق ما قبل عملية الاغتيال. واضاف، “كان هنالك ايرانيين على الخط يوجهون الهجوم”. وعبق روبرت باير، ضابط السي آي آى السابق على ذلك قائلا، “اذا ايران كانت متورطة، فمن الحتمي كان سليماني في صلب الموضوع.”

وفي هذه الاثناء، فإن المتهمين الاربعة من حزب الله قد تواروا عن الانظار. احدهم، مصطفى بدر الدين، وهو صهر عماد مغنية وصانع متفجرات لحزب الله منذ امد بعيد، كان قد تم مشاهدته من قبل الثوار في سوريا، حيث يقولون بأنه يقاتل دفاعا عن الاسد.

في 22 ديسمبر 2010 ، أصدر جيمس جيفري، السفير الأميركي في العراق، والجنرال لويد أوستن، القائد الاعلى للقوات الأمريكية في العراق, مذكرة تهنئة الى الشعب العراقي على تشكيل حكومة جديدة بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي . كانت البلاد من دون حكومة لمدة تسعة أشهر بعد انتهت نتائج الانتخابات النيابية الى طريق مسدود. كان تشكيل الحكومة مهما و حرجا، ففي تلك الاثناء, كان لا يزال هناك ما يقرب من مائة ألف جندي أمريكي في البلاد، و كان القادة الامريكيون يأملون في ترك وحدة امريكية عند مغادرتهم للبلاد. واضاف الرجلان في مذكرتهما “اننا نتطلع إلى العمل مع الحكومة الائتلافية الجديدة في تعزيز رؤيتنا المشتركة لعراق ديمقراطي “.

ما لم يقله جيفري و أوستن هو أن الصفقة الحاسمة التي أتت بالحكومة العراقية لم تكن مقترحة من قبلهم بل من قبل سليماني . فوفقا لعدة مسؤولين عراقيين وغربيين, قام سليماني, في الأشهر التي سبقت تشكيل الحكومة، بدعوة كبار الزعماء الأكراد والشيعة في لقائه في طهران و مدينة قم و انتزع منهم تعهدا بدعم المالكي كالمرشح المفضل لديه. جلب الاتفاق مجموعة معقدة من التجاذبات. فالمالكي و الأسد يكرهان بعضهما البعض؛ جمعهما سليماني معا باغرائهما باتفاقية لانشاء خط انابيب نفط مربح من العراق الى الحدود السورية. و من أجل كسب مقتدى الصدر رجل الدين الى جانبه، وافق سليماني على اعطاء الوزارات الخدمية العراقية لرجال الصدر .

و كان ابرز ما جلبه هذا الاتفاق, وفقا لمسؤولين عراقيين وغربيين ، شرطان املاهما سليماني على العراقيين . كان الشرط الأول أن يصبح جلال طالباني ، وهو صديق قديم للنظام الإيراني, رئيسا للبلاد. و الشرط الثاني ان يصر المالكي و حلفائه في الائتلاف المشكل على مغادرة القوات الامريكية للبلاد. قال سليماني “لا امريكيين!” حسب قائد عراقي سابق “وبذلك علاقة عشر سنوات مع الامريكان ذهبت سدى”.

مما اخبرني به مسؤولون عراقيون, ان الامريكان, في وقت إعلان جيفري ، علموا أن سليماني قد دفعهم الى الخروج من البلاد لكنهم محرجون جدا من البوح بذلك. “كنا نضحك على الأمريكان”, قال القائد العراقي السابق ، وتزايد غضبه وهو يتذكر الموقف “تبا تبا! لقد هزمهم سليماني تماما، فين حين كانوا يهنئون انفسهم على الملأ على تشكيل الحكومة!”

كانت الصفقة التي جاءت بالحكومة ضربة قوية لاياد علاوي وهو سياسي علماني موالي للولايات المتحدة. كان حزبه قد فاز بأكثرية المقاعد البرلمانية في الانتخابات ، لكنه فشل في تشكيل ائتلاف على اساس الاغلبية. و صرح علاوي في مقابلة له في الأردن ان بامكانه ان يبني ائتلاف أغلبية بدعم من الولايات المتحدة. بدلا من ذلك، دفع الأمريكان به جانبا لصالح المالكي . قال علاوي إن نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن اتصل به ليخبره ان يتخلى عن مسعاه لمنصب رئيس الوزراء ، قائلا: ” لا يمكنك تشكيل الحكومة. ”

وقال علاوي انه يشتبه في أن الأميركيين لم يكونوا مستعدين للتعامل مع المشاكل التي سيختلقها الإيرانيون اذا ما أصبح رئيسا للوزراء. هم يريدون البقاء في العراق، ولكن فقط في الحدود الادنى الذي يتطلبه بقائهم . ” أنا كنت بحاجة للدعم الأميركي لكنهم أرادوا أن يخرجوا، و سلموا البلاد للايرانيين. امسى العراق دولة فاشلة الآن، تحول الى مستعمرة ايرانية”.

ووفقا لمسؤولين عراقيين و امريكان سابقين، فان سليماني يمارس نفوذه على السياسة العراقية من خلال شراء المسؤولين, دعم الصحف و محطات التلفزيون، وعند الضرورة ، عن طريق التخويف. ثلة قليلة من المسؤولين من هم في مأمن من تأثيره. “لم اجد حتى الان اي حزب سياسي شيعي لا يموله قاسم سليماني ” ابلغني المسؤول العراقي البارز السابق و اضاف “انه الرجل الأقوى في العراق ، دون منازع”.

حتى المالكي نفسه غالبا ما يشعر وكأنه سجين من قبل الإيرانيين. فعندما نفاه صدام ، عاش المالكي لفترة قصيرة في إيران ، ولكن انتقل بعد ذلك إلى سوريا في محاولة للفرار من التسلط الايراني كما اخبرني به المقربون من المالكي . وقال كروكر ان المالكي قال له ذات مرة، ” لا تعرف ما معنى الغطرسة حتى تكون عراقيا عربيا مضطرا للجوء الى الايرانيين!” اخبرني السياسي العراقي المقرب من كلا الرجلين، ان المالكي يمقت سليماني ، و أن الشعور متبادل. “يقول المالكي ان سليماني لا يستمع و يقول سليماني ان المالكي مجرد كذاب!”

ورغم ذلك, يبدو المالكي مدينا لسليماني لجهوده في جعله رئيسا للوزراء. فوفقا لضابط كبير سابق في المخابرات ، تتولى حكومة المالكي ادارة عددا من المشاريع الوهمية بمئات الملايين من الدولارات سنويا ، لمساعدة النظام الإيراني في مخادعة العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة عليه . اذ اخبرني رجل أعمال عراقي بارز أن عملاء مدعومون من ايران ما فتأوا في استخدام النظام المصرفي العراقي بانتظام لإجراء التحويلات الوهمية التي تسمح لهم ببيع العملة العراقية في أرباح ضخمة”، و قال ايضا “وإذا رفضت البنوك ، فانه يتم اغلاقها من قبل الحكومة”.

المصدر الرئيسي الآخر للدخل بالنسبة للايرانيين هو النفط. يقول مسؤولون ان حكومة المالكي تخصص ما يعادل مائتي ألف برميل من النفط يوميا، أي حوالي عشرين مليون دولار تستحق في أسعار النفط الحالية ويرسل هذا المال إلى سليماني. بهذه الطريقة، حصّن فيلق القدس نفسه من الضغوط الاقتصادية الناجمة من العقوبات الغربية, واضاف “انه برنامج سري للتمويل الذاتي! سليماني لا يحتاج حتى لميزانية الدولة الايرانية لتمويل عملياته!”

في ديسمبر الماضي ، عندما بدى نظام الأسد على وشك الانهيار ، رصد مسؤولون امريكيون فنيين سوريين يعدون قنابل حاملة لغاز الاعصاب ليتم تحميلها على الطائرات. كانت كل الدلائل تشير أنهم يخططون لهجوم كيماوي هائل. و بشكل محموم اتصل الامريكان مع نظرائهم الروس الذين اتصلوا مع نظرائهم في طهران, و بحسب ما ذكره مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية ، فقد بدا ان سليماني كان مفيدا في إقناع الأسد بالامتناع عن استخدام هذه الأسلحة .

كانت وجهة نظر سليماني و موقفه من استخدام الاسلحة الكيمياوية غير معروفة. فخلال الحرب بين إيران و العراق ، عانى الآلاف من الجنود الإيرانيين من هجمات كيماوية، و الناجين منها لا يزالوا يتحدثون علنا عن تلك الصدمة. لكن بعض المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن جهوده لكبح جماح الأسد كان لسبب اكثر واقعية : الخوف من التدخل العسكري الأمريكي. ” اخبر الروس و الايرانيون الاسد بانه ‘لا يمكننا أن ندعمكم امام الرأي العام العالمي إذا كنت تستخدم هذه الاسلحة” كما جاء على لسان مسؤول عسكري أمريكي كبير سابق.

ويعتقد أن النظام قد استخدم الاسلحة الكيمياوية اربع عشرة مرة على الأقل منذ العام الماضي. ولكن حتى بعد الهجوم الهائل بغاز السارين في يوم 21 أغسطس الفائت و الذي أسفر عن مقتل الفا و اربعمائة شخص من المدنيين ، فان دعم سليماني للنظام السوري لا يتزعزع. فمن اجل إنقاذ الأسد ، استنفذ سليماني كافة المقومات التي بناها منذ توليه قيادة فيلق القدس: مقاتلو حزب الله, كل مقاتلي الميليشيات الشيعية من مختلف أنحاء العالم العربي ، وجميع الأموال و العتاد التي امكنه اعتصارها من حكومة بلده المحاصرة. ففي بغداد ، اخبرني شاب عراقي شيعي يسمي نفسه أبو الحسن انه تم تجنيده للقتال من قبل مجموعة من العراقيين . تم نقله بالحافلة إلى مدينة مشهد الايرانية ، حيث اقام هو و قرابة الاربعون عراقيا لمدة أسبوعين تلقوا فيها تدريبات على القتال على يد مدربين ايرانيين. سافر الرجال بعدها الى ضريح السيدة زينب بالقرب من دمشق ، حيث أمضوا ثلاثة أشهر يقاتلون للدفاع عن حكومة الأسد، جنبا إلى جنب مع جنود من حزب الله وقناصة ايرانيون. ” لقد فقدنا الكثير من الناس” اردف أبو حسن.

و يبدو ان اعظم انجاز قام به سليماني حتى الان هو إقناع وكلاءه في الحكومة العراقية بالسماح لإيران لفتح المجال الجوي العراقي أمام الطيران الايراني لنقل الرجال و الذخائر إلى دمشق. الجنرال جيمس ماتيس، والذي كان حتى آذار الماضي قائد القوات العسكرية الأمريكية المتمركزة في الشرق الأوسط، قال أنه بدون هذه المساعدات فإن نظام الأسد كان ساقطا منذ أشهر. ويشرف على هذه الرحلات وزير النقل العراقي هادي العامري شخصيا، وهو حليف قديم لسليماني و القائد السابق لفيلق بدر، وجندي قاتل الى الجانب الإيراني في الحرب العراقية الإيرانية. ففي مقابلة معه في بغداد ، نفى العامري أن الإيرانيين يستخدمون الأجواء العراقية لتمرير الاسلحة. لكنه أوضح حبه لقائده السابق. وقال ” أنا أحب قاسم سليماني!” وهو يدق على الطاولة، واضاف “انه أعز اصدقائي”.

الى هذا الحين، لا يزال المالكي يقاوم ضغوطا لتوريد الرجال و الاسلحة برا لنظام الاسد من خلال العراق. لكنه لم يوقف الجسر الجوي، اذ ان فكرة وجود نظام سني راديكالي في سوريا تغلبت على تحفظاته بالتورط في حرب أهلية . “المالكي لا يحب الإيرانيين ، وانه يبغض الأسد ، لكنه يكره جبهة النصرة ، ” واضاف كروكر “انه لا يريد ان تتشكل حكومة القاعدة في دمشق”.

هذا الجو الطائفي المشحون بشكل صارخ قد يكون احدى مآثر سليماني الأكثر ديمومة على الشرق الأوسط . فلإنقاذ إمبراطوريته الإيرانية في سوريا ولبنان، ساعد على اشعال الصراع السني-الشيعي الذي يهدد بابتلاع المنطقة في اتون حرب لسنوات طويلة – حرب يبدو سليماني فيها سعيدا لاطلاقها . قال ماتيس “لدى سليماني كل الاسباب للاعتقاد بأن إيران هي القوة الصاعدة في المنطقة” واضاف “لم يسبق لنا ان نتعامل معه بضربة موجعة وقاضية”.

في شهر يونيو الماضي انتخبت ايران رئيسا جديدا معتدلا، وهو حسن روحاني، واعدا بانهاء العقوبات التي قد استنزفت البلاد و قضت فيها على طبقتها الوسطى. وارتفعت الآمال في الغرب بأن خامنئي قد يسمح روحاني للتوصل الى اتفاق. فعلى الرغم من أن روحاني معتدل بحسب المعايير الايرانية فهو رجل دين شيعي وملتزم بمبادئ الثورة, فقد بدأت ادارته الجديدة سلسلة من مبادرات حسن النية، بما في ذلك الإفراج عن أحد عشر سجينا سياسيا و تبادل الرسائل مع الرئيس أوباما. روحاني في نيويورك هذا الأسبوع لإلقاء كلمة في الأمم المتحدة ،و بما للقاء أوباما . ستدور المحادثات حول إمكانات لايران لكبح جماح برنامجها النووي ، في مقابل التراخي مع العقوبات المفروضة عليها.

يأمل الكثيرون في الغرب ان تساهم ايران في وضع نهاية للحرب الطاحنة في سوريا. فمؤخرا عرض نائب رئيس الوزراء الأسد إمكانية وقف إطلاق النار ، وقال: “دعونا أن لا نقلق اذا ما استمر النظام في شكله الحالي” لكنه لم يقل أن الأسد سيتنحى و الذي يعتبره المتمردون شرطا اساسيا للتفاوض. كانت هناك تلميحات قوية من الايرانيين بان الاسد لا يستحق التمسك به. ففي خطاب ألقاه الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني مؤخرا ، قال ”لقد استهدفت الحكومة شعبها باسلحة كيمياوية” (نفى رفسنجاني هذه التصريحات بعد ان سبب تسجيلا مسربل للخطاب ضجة هائلة في إيران). ان اي نظام يكون اقل تعاونا في سوريا سيؤدي الى تقويض محور المقاومة ، و يؤدي الى تعقيد الشراكة بشكل جذري بين ايران و حزب الله .و يبدو في كل الاحوال ان النظام الايراني منقسما بشدة فيما بينه مما يقوض احتمالية التوصل الى اتفاق, “في أي وقت يصدر فيه بيان من الحكومة، تذكر ان هناك عش للجرذان يتقاتلون فيما بينهم تحت السطح” كما قال لي كيفان هاريس، أستاذ علم الاجتماع في جامعة برينستون الذي درس إيران على نطاق واسع. فكما يحاول روحاني الاندماج مع الغرب ، فسيتعين عليه أن يتعامل مع المتشددين ، بما في ذلك سليماني ورفاقه ، الذين حددوا سياسة ايران الخارجية لأكثر من عقد من الزمان بأنها حرب سرية ضد الولايات المتحدة و إسرائيل. يقول هاريس “انهم لا يثقون في الجانب الآخر “. واضاف “انهم يشعرون بأن أي تنازل من جانبهم سيعتبره الغرب علامة ضعف”.

أن التخلي عن الأسد يعني لسليماني التخلي عن مشروع التوسع التي احتل تفكيره طيلة خمسة عشر عاما. ففي خطابه الأخير أمام مجلس الخبراء, وهو مجلس يضم رجال الدين الذين يختارون المرشد الأعلى، تحدث عن سوريا في لغة شديدة العزم وقال ” نحن لا تولي اهتماما لاشاعات العدو، لأن سوريا هي الخط الأمامي للمقاومة و هذا واقع لا يمكن إنكاره”. “لدينا واجب الدفاع عن المسلمين لأنهم تحت الضغط والقهر”. سليماني يحارب الحرب ذاتها ، ضد نفس الأعداء ، وهو يحارب طيلة حياته؛ فبالنسبة له ، على ما يبدو ، تنازلات فن الحكم لا تقارن مع جنات ساحات الحرب. واضاف “اننا سوف ندعم سوريا حتى النهاية”.

    1.
  1. January 3rd, 2016 at 9:56 am
    mayamin
      يقول:

    السلام عليكم
    لقد قرات هذا المقال اكثر مرة زفي كل مرة يجيب على عده علامات استفهاملدي ويخلق عدة علامات استفهام
    لكم جزيل الشكر لهذه الجهود وتمنياتي لكم بالموفقية

تعليق