ايران…وقادة شيعة العراق

نبراس الكاظمي

ما اسمعه، مؤلم. الجنرال قاسم سليماني وصل به الامر، لعله ناجم عن ارهاق او مجرد تكبّر فطري، الى معاملة كبار قادة التحالف الوطني بصورة غير مهذبة، صلفة وفظة.

وفي المقابل، يتم ابتلاع الموقف من قبل اشخاص يتمتعون بتأييد الملايين من الناخبين، وهم قائمين على احدى اغنى بقاع العالم من ناحية الثروات الطبيعية، ولديهم فرصة للإنفتاح على العالم الخارجي وبناء امتن واعمق العلاقات الاستراتيجية.

اريد ان احسن الظن بهؤلاء، واتعذر لهم هذا “الانبطاح” (…واعذروني لقساوة هذه المفردة) امام من هو، فعليا، موظف من درجة متوسطة في الجهاز التنفيذي الايراني. ربما هم يرون الامر بشكل مغاير، بأن العراق وخصوصا شيعة العراق الذين يتزعموهم، بأمّس الحاجة لأيران ان تدهورت الامور. في هذه الحالة، فإن ايران هي العمق الاستراتيجي لشيعة العراق، عسكريا واقتصاديا ومعنويا، وملاذا آمنا إن تطلب الامر.

ولكنني اريد ان احاججهم في هذا التصور.

هناك نظرة انطباعية، اجدها خاطئة، ترى بأن قادة ايران آتين من حضارة عميقة، حضارة لعبة الشطرنج، يستمد منها قادتها نظرة بعيدة الامد، نظرة تمتاز بالتكتيك واللعب الاستراتيجي المعقد. فهم بارعين بحبك المخططات كما يبرع قروييهم بنسج السجاد، ولهذا السبب يمتازون بنظرة ثاقبة، وتأني وصبر، وقابلية على رسم استراتيجية لعقود من الزمن، وحسبان تحرك البيادق لعشرين خطوة قادمة.

ولكن اي قراءة لسفر هذه الحضارة الاقدم، كتاب الشاهناماه، يعطينا انطباع آخر. نجد بأن قادة هذه الحضارة يتخبطون، ويدورون في دوائر فوضوية، وينكسرون بسهولة امام الغزو الخارجي. واستقراء سريع لتاريخ ايران منذ الحقبة الساسانية، مرورا بالعهد الاسلامي، والتركي، وثم سلالات الصفويين والافشار والقاجار، الى يومنا هذا، يبدو لي بأنه يساير ما تسرده الشاهناماه من فوضوية وتخبط.

فأين كانت الجمهورية الاسلامية، وحذاقة قادتها، امام زعيم عصابة ارعن مثل صدام؟ استهل الايرانيون الحرب، التي مرت ذكرى انتهائها البارحة، بأقوى ترسانة عسكرية في الشرق الاوسط، جمعها الشاه محمد رضا بهلوي من كافة المنابت، واسس حولها اقتصاد عصري صناعي متطور، ولكنهم لم يستطيعوا ان يغيروا الموازين على الجبهات. وان اسلفنا بأن الغرب وروسيا وقفوا مع صدام، حانت الكثير من الفرص لقادة ايران للتفاهم المباشر مع الولايات المتحدة، مثلا، صفقة ايران-كونترا مع ادارة الرئيس ريغان، ولكنهم بددوا هذه الفرصة ايضا.

وثم اين كانت ايران من مذابح الشيعة الهزارة في باميان على يد الافغان الطالبان والعرب القاعديين؟ وفي اضعف فترات عدوهم صدام، لم يستطيعوا استثمار انتفاضة 1991، ودعمهم جاء فوضيا وركيكا، مما تسبب بمقتل مئات الآلاف من شيعة العراق. واثناء الحصار، وواقع يقول بأن غالبية العراقيين من الشيعة والاكراد يكرهون البعث، لم تستطع ايران، بكل قابلياتها التخطيطية المزعومة، ان تهدد كيان صدام من جهة غربها، ولا زعزعة سلطان الملا في مشرقها. بل تطلب الامر ظهور محمد عطا وجورج بوش للإنقضاض على اعداء ايران.

ومع وجود الامريكان في العراق الجديد، وبزوغ نجم الشيعة هناك، لم تستطع ايران ان تستثمر ذلك لا لمصلحتها ولا لمصلحة الشيعة، بل قررت، وهنا يأتي دور الجنرال السليماني وتأثيره، ان تجعل من العراق ساحة حرب، مما افقدها فرصة لإسترداد انفاسها دوليا من خلال وضع الاسس لتفاهمات مصلحية، و اتى مفعول سياساتها معاكسا، فوجدت نفسها معزولة ومنهكة اقتصاديا، وشيعة العراق ضعفاء ومعزولين معها.

وثم جاء الربيع العربي، وقام قادة ايران، بمشورة من قاسم سليماني مرة اخرى، بتوريط علويي سورية وشيعة لبنان بصراع مرير مع محيط سني سيستمر لأجيال، ومن دون فرج قريب.

وفي هذا المشهد كله، نرى بأن حتى الشيعة في الخليج “الفارسي”، وهي المنطقة التي يفترض بدولة اقليمية كبرى مثل ايران ان تبسط شيء من نفوذها، مهمشين ومستضعفين، فإيران لم تستطع ان تستخدم سياسة النفوذ الناعم كي تغير من حالهم الى الافضل في ظل انظمة قمعية طائفية.

فإين هي “العبقرية” الايرانية؟ وهل عناقيد الحصرم والحقد التي حصدها قاسم سليماني لشيعة الشرق الاوسط هي افضل ما كنا نتوقعه؟

وفي ظل كل هذا، يفوّض شيعة العراق هذه الايام امرهم مرة اخرى لسليماني، الذي يضع فيتو على فلان، ويحاول تمرير علان، لرئاسة مجلس الوزراء العراقي، في ظل اخطر ازمة وجودية تمر على البلد في تاريخه.

ومع هذا السجل السابق من الاخطاء والهفوات والفوضوية والفرص المهدورة، هل سنتوسم خيرا من عواقب “حكمة” قادة ايران، ورعايتهم “الابوية” لمصير الشيعة، وتحمّل فظاظة املاءاتهم؟

    1.
  1. May 16th, 2016 at 3:02 pm
      يقول:

    […] Shiites perceive that Iran is a strategic depth for them to protect themselves from the sectarian threat posed by Sunni Arab regimes. Yet, important Iraqi Shiite forces have condemned the Iranian use of […]

تعليق