مطر في تموز، في الحيّ

مطر في الحي

نبراس الكاظمي

لست من الحي او جصّان. لست من الكوت ايضا. وكلش كلش، يجوز اعرفلي واحد اصله حياوي، واثنين من جصان. بس البارحة، لمن قريت، وشفت الصور، بأنها مطرت هناك، ومطرت بقوة، وبتموز! ما ادري ليس فرحت من كل عقلي. اتخيلت شلون هذا المي راح يسگي نخلة، لو تتجمع قطرات المطر وشوية شوية تروح صوب الشط، وهناك راح نشوف دجلة يآخذ نفس، ويشيل هاي القطرات ووديها للهور، وتخيلت اكو سمچاية متمددة بين القصبات الصفرة، بآخر لحظاتها، كاتلها الجفاف، بس فجأة اجتها موجة من الماي، خلتها تلبط يمنة يسرة، وترد إلها الروح، وتگول ويا نفسها: “ما بقة شي على الربيع الجاي، خل اصبر وهية تفرج”. وبعدين هاي القطرات، اللي نزلت بالحي، تطلع من رئة السمچة، وترجع الى مجرى المي، ويا اهل دجلة، وبالگرنة تشوف ولد عمها، وتشوف ما جايين هواي منهم هاي السنة، وتسمع الكبارية يسئلوهم، “ها عيني يا اهل الفرات، شخبار حديثة، بعدها صامدة؟” ويعاينهم فد واحد فراتي، مزحّچ، شاف ما شاف من لحظة ما نزل ثلج على جبل من جبال كردستان، وبعدين مآع، وصار سيل، وشال ملوحة وطعم لمن عِرگ الجبل بنيسان، ومن ذاك اليوم وهو يمر بإنتخابات تركيا وبآلام سورية وبشاعة دولة الخلافة وجثث طايفة بالشط، وتلوث، وفساد، ولسوء حظه، سحبت الاسالة مواليده، وفات بفد دوش ونزل قطرة على راس واحد معمم كلاوچي، ورجع بالبالوعة، وحس بروحة إتنگس، ووراها دخل دهليز من المجاري وفسادها، وسمع قصة ذاك المقاول اللي حفر وردم علسريع، وخطية داخ هذا الفراتي، وگال بصوت عالي، “إشجابني على هذا الخط، لو نازل بصفحة دجلة مو احسن، هو نفس الجبل، مناك نروح لدجلة الخير ومنا نروح لهاي المصيبة.” سمعه فد واحد لاخ، گلة “عمي انته اشداتسولف، ما سامع اشصاير بأهل دجلة، ما سامع اشصاير بالموصل وبتكريت، ما سامع بسوايات عصام الاسدي ومشروع ماي الرصافة، خالي حتى جماعة جانوا شوية دا يگمّزون بمسدسات الماي كفروهم ولعبوا بخلقتهم…” وعاد حجالة كلشي الصاير بذيج الصفحة.
فلمن شاف الفراتي هذا الوليد الحياوي دا يسبح ما بين اهل دجلة، وشمشم بي، گلة، “لا انته من جماعة سد إليسو، لا انته من اهل الزاب، ولا انته من العظيم، وما بيك ريحة ديالى، انته من يا عمام إبني؟”
“عمو آني ذاك اليوم إجيت…ولو تدري اشصاير!” وبعدين سولفله على ذيچ النخلة، وشلون انقذ السمچة، وشلون وصل للگرنة.
عاين عليه الفراتي، ودردم ويا نفسه “…مسكين هل الصغيرون، ما يدري شكو شماكو من مصايب بهل ديرة. وماكو داعي اكسر خاطرة، خلي شاب ومتونس بمغامراته وما بقه شي ويوصل للبحر، ومناك يضيع بالمحيطات ويشوف العالم شكبره.”
“عمو عمو، هسة منين نطلع؟”
“تعال وليدي، خل اشوفك شط العرب، شايف هاي النبگة؟ هاي اهنا يگلون رب العالمين خلقنا، ونزلت اول قطرة ماي من السما، وإبمكانها طلعت هاي الشجرة…زين انته سامع بالبصرة؟ اهل الاول يسولفون عن جنات النخيل…انته فرحان بذيچ النخلة؟ هسة راح تشوف نخل بكثر قطرات المي، وسمچ اشكل انواع…وبساتين يا ما بساتين بأبو الخصيب، والجماعة اهنا غير شكل، ناس نزلو مطر بالهند، ريحتهم ريحة الفلفل، وناس نزلوا مطر بالموزمبيق بيهم نكهة فواكه ما سامعين بيها، وناس نزلوا على جبل من جبال فارس، وناس جايين حتى من القطب المتجمد الجنوبي، نزلوا قبل مليون سنة، وهسة يالله ماعوا…”
ومشوا ومشوا ومشوا، وهذا الحياوي طاير من الفرح، راح يشوف البصرة وكل هل الجمال وهاي الناس…
بس بالطريق فات عليهم ماي احمر، وماي بنفسجي، وماي اصفر، وماي إمزيّت…قطرات مي مثلهم، بس متوسخين بشي، وخطية، گالبين خلقتهم، وما إلهم خلگ يگلون مرحبا، وهذا الفراتي الشايب كل شوية يريد يسألهم الطريق للبصرة، بس يتجبجب، ويخاف على وقاره وهيبة شيباته، لا تجي حجاية ثگيلة من واحد جزعانة روحة، بس هوه سامع من اهل الاول، اذا تظل تمشي ويا شط العرب، اكيد راح تمر بجنة البصرة…
فمشى ومشى…وهذا الحياوي يظل يسئله “ها عمو، وصلنا؟”
والفراتي يگله، “ما بقه شي وليدي، ما بقه شي ونوصل…”
وبعدهم بنص الشط والمي تمولح حيل…ومروا من يم قطرة من اهل حلبچة، تعرج، متشوهه من بقایا الكيمياوي، وبصفها، ايد بأيد، دمعة أم، والحياوي يباوع عليهم ما يدري شنو القصة، والفراتي غلس ومشى…
وظلوا يمشون ويدورون، وعبروا راس البيشة، والفراتي يدردم ويا نفسه…”ما بقه شي، ما بقه شي…”

 

 

تعليق