عراق ما بعد سليماني في حقبة الهذيان السني

نبراس الكاظمي

houthidemobaghdad

من بعد استراتيجية “كسر العين” التي اتبعتها ايران في المنطقة في السنوات الأربع الماضية، وما واكبها من شوفينية شيعية، وما ترتب عليها من رد الفعل لدى الطرف المقابل، ها نحن ندخل الى حقبة الهذيان السني.
عندما “عِصَتْ” تكريت، تبين لدى الكثير محدودية قوة ايران، بل بسبب تكريت، وابعادها النرجسية في إثبات حجم هذه القوة، من ناحية البُعد الاستفزازي للهدف، والتكابر على الدعم والتنسيق الأمريكي، والتي أتت متزامنة مع ظرف فقدان السيطرة على احداث اليمن، وما يقال عنه بأنه اتفاق نووي وشيك ما بين ايران وامريكا، اتى رد الفعل السني ليعوض عن مرحلة التقاعس والنخور السابقة، وليستغل انكشاف نقاط الضعف لدى الإيرانيين.
الأنظمة السنية في المنطقة تريد ان تثبت “فحولتها” امام جماهيرها، واصبح مقياس الفحولة هو صد ايران والشيعة، وذلك من بعد عقود من الادلجة الإعلامية العربية التي صورت ايران كــ “بعبع”، حتى من قبل الثورة الإسلامية في فترة التوسع الشاهنشاهي في خليج بات اسمه موضع شك وخلاف، ومن بعد صعود نجم الشيعة في العراق، وصمود العلويين في الحكم بدمشق، واستعراضات و”خاوات” حزب الله في لبنان، وآخرها الومضة الحوثية الآنية والتي لم تكن في الحسبان، اصبح امر اثبات الذات ملحا ووجوديا بالنسبة لهذه الأنظمة السنية، في السعودية ومصر وتركيا والأردن والامارات، وصولا الى الباكستان، خصوصا مع ظهور “فحولة” دولة الخلافة والتي سوقت نفسها بأنها هي وحدها قد غدت السد المنيع، وصاحبة الصولة المرتدة، ضد التخول والمد الشيعي.
وكل هذا يحدث من بعد زلزال الربيع العربي، الذي افقد الأنظمة السنية العربية توازنها، وادخلها في عالم سياسي واستراتيجي جديد، وتفرّخ عن عودة قوية للإسلام السياسي يستمد شرعيته من انهاء حالة الامر الواقع، ومخاض رد فعل ايران تجاه ما حصل من خلال الوقوف مع نظام بشار الأسد، وعودة روسيا الى نزعتها الامبراطورية، واعتقاد اردوغان بدور تاريخي للتُرك في المصير الإسلامي، وتغطرس الاخوان بوهم بأن هذا الزمن هو ما وعدهم به حسن البنا. والاهم من كل هذا، منهجية الرئيس باراك أوباما في إدارة ملف الشرق الأوسط والتي كانت ملامحها هي الاعتكاف والنظر الى الأمور من مكان بعيد، لا يكلف خزينته ولا عديد قواته الاثمان الباهضة المترتبة على لعب دور أمريكا التقليدي منذ الخمسينات كالضامن لإستقرار الشرق الأوسط.
فأنتظر آل سعود، ومحورهم، عودة الراعي الأمريكي لمدة ثلاثة سنوات، كضامن للامر القائم في البحرين، وثم كرادع للإخوان في محور مرسي-قطر-تركيا، وكناظم لما شخصوه بأنه طيش إيراني في معالجة ملفات بشار الأسد وحزب الله ونوري المالكي، فخابت توقعاتهم، وثم راقبوا بنيامين نتنياهو وهو يدق ناقوس الخطر ليعلن للعالم بأن إدارة اوباما قد ادارت ظهرها لحلفائها، وفي لحظة التجلي هذه، راقبوا ما حصل في تكريت، وما تبلور في اليمن، واعلنوا النفير.
وهنا، فيما سيلي، سنشهد حقبة استعادة الثقة، وما سيتبعها من افراط في الثقة والغرور، الى ان تحين الساعة وتتبين محدودية هذه القوة، وقد يطول الامر لسنوات عديدة. والى ذلك الحين، سيبقى وهم “عودة المارد السني” يلوح بالافق.
الجيل الأمني والعسكري من آل سعود هو جيل شاب، تواً تبوأ مناصبه من بعد إعادة ترتيب أوراق العائلة المالكة ما بعد وفاة الملك عبد الله. وهو جيل لم يشهد تحديات الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ومحدودية قوة السعودية آنذاك إزاء المخاطر التي كانت تهدد كيانها والتي كانت اليمن احدى مسارحها.
قد يجد هذا الجيل نصرا سهلا في اليمن، في معركة غير متكافئة، وقد يتصور بأن الانسحاب الإيراني التدريجي من المنازلات هو انعكاس لهذه القوة الجديدة، حتى مع احتساب شيء من حفظ ماء الوجه الإيراني في مواقف معينة.
التراجع الإيراني امر وارد، فإيران منهكة من بعد تعدد الجبهات وادامتها على مر سنوات، والتكوينات الشيعية في الشرق الأوسط هي منهكة أيضا، لأنها كانت على خط النار لفترة طويلة.
هذا التراجع سيعزز من غرور هؤلاء الامراء، وسيلحقه نظام السيسي لأن مصير مصر قد ارتبط بالاستثمارات السعودية والاماراتية الى الأمد البعيد، وقد يعتقد هؤلاء بأن الظروف ستسنح لهم بحسم الصراع في سوريا لصالح وكلاءهم، وكي يظفروا بالجائزة التي تزاحمهم عليها دولة الخلافة، والتي في نهاية الامر تتطلع الى ارتقاء عروشهم.
وهذا الاندفاع سيحفز المحور الاخواني، برفع وتيرة اندفاعهم هم أيضا في جبهة سوريا، كي لا تفوتهم الغنائم الاستراتيجية، وكي يتوسعوا في شمال العراق، وليدعون أيضا بأن هم من أوقف ايران عند حدها، وهذا للتسويق السني الداخلي، ومن جانب آخر سيدعون بأنهم من انهى وجود دولة الخلافة، وذلك للإستهلاك الغربي.
وفي هذه الفوضى العارمة من التبختر والتموضع والغرور، علينا احتساب بأن دولة الخلافة، ومقوماتها المهمة، لن تقف متفرجة، فهي لديها هامش كبير من المناورة، وانطلت على مخيلتها أوهام التوسع والانتصار.
وبالطبع، هناك إسرائيل أيضا، التي قد يأخذها غرورها هي أيضا الى التدخل في الاحداث الجارية من حولها، وبشكل يثبت “فحولتها” هي الأخرى.
التراجع الإيراني، والهذيان السني، والتردد الأمريكي، و”عركة” الغنائم الاستراتيجية، كلها أمور قد تعود بالفائدة على العراق، إن تم استغلال الظرف بدفع ضجيج المعركة بعيدا عنا.
والحلقة الأضعف عراقيا التي قد يغرها هذا الهذيان السني الإقليمي هم زعامات سنة العراق، وقد يأخذهم الامر الى ملازمة هذه المغامرات الجديدة وربط مصيرهم بها. وسيكون هذا خطأ كبير. المجتمع السني العراقي منهك، وعملية تفكيك الروابط السياسية والوجاهية والمالية من حيث تستمد هذه الزعامات شرعيتها ستستمر اذا ما استمر التطاحن، وظهور دولة الخلافة خير دليل على ذلك. بالطبع، قسم منهم ستأخذه العزة بالاثم، ولكننا نأمل ان تظهر بينهم كتلة من العقلاء الذين يماثلون زعامات شيعية رفضت الانخراط بمغامرات قاسم سليماني.
فالعراق فيه خير وفير، وإن تم التوصل الى توازن سياسي واقتصادي لن تكن هناك حاجة الى الاستقواء بــ “العصف” السني في المنطقة لتغيير الموازين داخليا.

تعليق