بعض المقالات التحليلية من العام الماضي

نشرت هذه المقالات من قبل وكالة سنديكيشن بيورو للرأي باللغتين العربية والانكليزية وما ادناه هو ترجمة من الاصل الانكليزي

الحظر البريطاني على حزب الله: لماذا الآن؟

مارس 12, 2019

اغرب ما في قرار المملكة المتحدة الاخير القاضي بحظر تنظيم حزب الله اللبناني بأكمله واعتباره منظمة ارهابية هو انه لم يتخذ منذ سنوات عديدة. ولكن لا يقل غرابة عن ذلك هو حدوثه في هذا الوقت، مما حذا بمراقبي الشأن الشرق الاوسطي الى اطلاق موجة من التخمينات، تتراوح ما بين تلك التي تعزو الامر الى مجرد تجاذبات سياسية بريطانية موجهة بالضد من زعيم حزب العمال جيريمي كوربين من جانب وزير الداخلية ساجد جاويد، الى تأويلات اكثر شؤماً تنطلق من اوساط استخباراتية بريطانية تتحدث عن استحالة التفاهم بصورة معقولة مع الايرانيين، الذين يسيطرون في نهاية المطاف على حزب الله، وبأن الامور تتجه الى مواجهة اقليمية.

وكانت هذه الدوائر الاستخباراتية البريطانية قد سعت على مدار عامين لإيجاد قناة اتصال خلفية مع القيصر الايراني الصاعد، الجنرال قاسم سليماني، وهو من يوجه تنظيم حزب الله فعليا. وكان الامر باديا بالخصوص في المشهد العراقي حيث حاول الانكليز استثمار صلات امنية ومالية مع اي شخص قد يُحسب مقربا من سليماني. فحينما استردت الدولة المركزية سيطرتها على كركوك من الاكراد في اكتوبر 2017، كان الامر قد دبّر في بعض من جوانبه ما بين سليماني والبريطانيين حسب ما تواتر في بغداد في وقتها. وفي حين ظفر الجنرال الايراني بإمتيازات سياسية واستراتيجية جراء تلك الحركة، بدى بأن الانكليز اكتفوا بجوائز تجارية، مثلا قيام شركة “بي پي” بتولي تشغيل بعض آبار كركوك المرغوبة.

وهنا تبرز ازدواجية في نظرة العديد من سكان الشرق الاوسط الى الدور البريطاني. احد المسؤولين الامريكيين السابقين ممن لديه تعاملات تجارية مع المنطقة يستشيط غضبا كلما سأله محاوروه “ولكن ما هو رأي الانكليز؟” ليصرخ به قائلا إن بريطانيا لم يعد لديها جيش وبأن اهميتها الجيوستراتيجية حالياً تتراوح بنفس منزلة هولندا.

إنه يبالغ ولكن ليس بالكثير. فمن نواح عدة، يبدو وكأن السياسة الخارجية البريطانية قد انحسرت الى اطرها الدارجة في القرنين الاولين من تاريخ “شركة الهند الشرقية”، اي انها تضع المتاجرة فوق الاعتبارات الاستراتيجية العظمى، وبالتالي نجدها مسترزقة في ممارساتها، انتهازية في نظرتها، ومتلاشية في وجودها. ومع ذلك فإن وهج الارث الامبريالي الباهت بات متعلقا بإسم بريطانيا في الاذهان، وما زال هذا الارث يحظى بشيء من الانبهار في الاراضي التي تأثرت به، ولهذا نجد بأن الكثيرين في الشرق الاوسط لا يسعهم الاستخفاف بالبريطانيين على المنوال الذي يطالبهم به رجل الاعمال الامريكي ذاك.

ولكن تبقى امريكا في الصدارة حتى عند من لا يزال يحسب الحساب للإنكيز، لأن اولئك يرون بأن العلاقة الاطلسية مكمّلة لبعضها البعض، حيث يضعون بريطانيا في التابعية لأمريكا كشريكها الاصغر. فإن كان الرئيس الامريكي يشرع في سياسة خارجية تعتبر كل شيء عبارة عن سلعة وصفقة، فإن البريطانيين سيمتثلون الى نفس النهج، وكما وصحفها لي احد اللبنانيين من اصحاب الفطنة واللباقة: “بريطانيا هي (ريتويت) لأمريكا”.

ولذلك يسهل علينا ان نستخلص بأن القرار البريطاني جاء ليتماهى مع خطة امريكا الحالية القاضية بوضع “الضغط الاقصى” على ايران، وبالتالي لندن تستطيع ان تظهر حسن النية من خلال هذا القرار، او على الاقل تضع نفسها في خانة متقدمة على باريس وبرلين في اعين الامريكان. وما يعنيه القرار فعليا هو ان رفع رايات حزب الله الخضراء والصفراء اثناء استعراضات يوم القدس تحت سماء بريطانيا الرمادية قد تضع احدهم في السجن.

كانت هذه ايماءة صغيرة وغير مكلفة بالنسبة للإنكليز، ولكنهم يستطيعون استثماراها من اجل التنسيق مع الامريكان في شتى الميادين. ويذهب بعض المحللين الى ابعد من ذلك بالقول انه ربما وجد البريطانيون استعدادا لدى حزب الله بالاعتدال وبالنأي بنفسه تدريجيا عن الايرانيين لغرض اجتياز العاصفة التي يتوعدهم بها الرئيس دونالد ترمب. فيذهب هؤلاء الى التعقيب بأن الضغط البريطاني قد جاء لدفع الامور الى الكسر ما بين حزب الله وايران والاسراع به، او هكذا يتصورون. فيما يـأخذ محللون آخرون تصوراتهم الى دهاليز اكثر غرابة، مستشهدين ببعض الحركات المبهمة على جبهات اليمن والبحرين والتي توحي بتطورات وشيكة مما قد تكون قد اثرت على القرار.

بعض المصادر ابلغتني بأن حزب الله قد اخذ على حين غرة بالقرار رغم انه كان على دراية بأن الموضوع قد طرح الى النقاش منذ فترة. وهذا القرار سينعكس بصورة مهمة على التنظيم إذ ان تواجده القانوني والعلني في لندن كان فيه فائدة اكبر من مجرد رفع الاعلام في الاستعراضات التذكارية. إن الكثير من الثروة التي تستحصل عليها الجالية اللبنانية الشيعية المهاجرة الى غرب افريقيا تتدفق عبر المصارف البريطانية وبيوت المال اللندنية، مما يوفر ايرادات معتبرة لخزائن حزب الله، فضلا عن تسهيل اخفاء تحويلاته المالية حول العالم.

وعلاوة على ذلك، كانت لندن ملاذا للجماعات الاسلامية الشيعية المعارضة منذ الثمانينات، وبعض تلك الجماعات مثل حزب الدعوة العراقي كان قد طور تواجده في تلك الساحة الى تفاهمات بل تحالفات عميقة مع اوساط استخباراتية بريطانية، جاءت لصالح الطرفين خصوصا من بعد استحواذ عناصر الحزب على كثير من المواقع التنفيذية في العراق ما بعد 2003. وكان حزب الله يأمل في ايجاد مرسى لوجوده العالمي في المياه البريطانية من خلال علاقة مماثلة.

ما يخسرة البريطانيون من بعد طرد حزب الله هي تلك القنوات الامنية التي اثبتت فائدتها اثناء الحرب الاهلية السورية، بدءاً من تبادل المعلومات حول المقاتلين الاجانب لدى الدولة الاسلامية وغيرها، الى عمليات انقاذ الرعايا البريطانيين المختطفين. وكانت اهم القنوات التي تحظى بمقبولية لدى حزب الله تمر من خلال اللواء عباس ابراهيم، المدير العام للأمن العام اللبناني. وهناك قناة اتصال اخرى زُعم ان حزب الله يلتقي من خلالها وجهاً لوجه مع الانكليز في العاصمة الرومانية بوخارست، بعيدا عن الانظار. ولكن مع انحسار المواجهات في سوريا، ونظرا الى ان البريطانيين لم يكونوا ابدا الاصحاب الحصريين لهذه القنوات، اذ كان عليهم الاشتراك بها الى جانب اوروبيين آخرين، فإن قيمتها الامنية قد انخفضت.

ولكن بالرغم من كل ما تقدم فإن السعي الى قطع علاقة حزب الله بإيران هو مجرد وهم. وبالمثل، فإن الايماء نحو الامريكيين هو جهد لا ضرورة له، لأن البريطانيين لا يحتاجون الى فعل الكثير ليبدووا افضل من الاوروبيين في انظار واشنطن. كلا، هذه التفسيرات لا تسعفنا في فهم توقيت القرار، مما يحيلنا الى ما هو غير مرأي: ما هو الدافع لدى البريطانيين في قطع المساعي القائمة منذ سنتين لخطب ود سليماني؟

لربما رأي البريطانيون ما رآه وزير الخارجية الايراني جواد ظريف قبل ان يطرح استقالته البهلوانية مباشرة، وهو ان الكفة قد مالت الى سليماني في تحديد مسار ايران القادم، وسليماني هذا ليس مكترثا بالحديث، وإنما هو ذاهب الى المواجهة.

لذا فإن معاقبة حزب الله قد تستمد دوافعها لدى الانكليز من نفس دوافع ظريف، اي انها اشهار بالاستياء ونوبة غضب من طرف تم تجاهله، وليست اكثر من ذلك. ولكن هذا الاستنتاج ايضا يخبرنا بأن الدوائر الاستخباراتية تلك التي نصحت بالقرار قد تجهل ما بجعبة سليماني من مفاجآت.

المتاهات السياسية الإيرانية في اختيار القادة العراقيين

أكتوبر 15, 2018

فور الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة في العراق، حيث تم اختيار رئيس للجمهورية ورئيس مكلّف لمجلس الوزراء، غرّد السيناتور الأمريكي ماركو روبيو قائلا، بشيء من الحدة، بأن التوليفة هذه، والتي عادة ما تتشكل جراء توافقات ما بين الكتل الفائزة في الانتخابات النيابية التي جرت في شهر أيار الماضي، جاءت نتيجة “وساطة شخصية” بادر بها الجنرال الإيراني قاسم سليماني. مما لا شك فيه هو ان السيناتور الجمهوري من ولاية فلوريدا والذي يحسب ضمن صفوف الصقور فيما يخص الملف الايراني كان قد اطلع على معلومات استخبارية كشفت عن دور محوري لسليماني، مما جعل روبيو بإدلاء هذا التصريح من دون لبس او مواربة. من جانب آخر، فإن الإدارة الامريكية، متمثلة بوزير خارجيتها مايك بومبيو وطاقمه، حاولت إضفاء لمسة إيجابية عما حدث، وعدّت النتيجة بالـ “جيدة” إذا ما قورنت بالبدائل الاخرى الممكنة، ومن الجائز احتساب اختيار برهم صالح وعادل عبد المهدي لهذين المنصبين كنقطة قد جاءت في صالح أمريكا.

هاتان النظرتان تفتقران لاحتمالية أخرى وهي انهما قد اخطئا في تفسير غايات سليماني. لربما لم تكن نيته ابدا إدارة العراق من خلال الواجهات او الوسطاء. لربما لعبته هي استنزاف الحياة السياسية في العراق، والتي كانت دوما تمثل عائقا امام تحقيق طموحه في بغداد، وايصالها من بعد حين الى نقطة الانهيار. اذن، قد تكون غايته هي التخلص من السياسة عموما، او على الأقل تقويضها والتقليل من شأنها. وإن اخذنا بالنظر الى مستويات الغضب الشعبي المنصبّة بالضد من الطبقة الحاكمة، سنجد بأن هناك عدة سبل قد يتخذها سليماني في الوصول الى مبتغاه.

يُحسب النفوذ الإيراني في العراق اليوم في ذروته، في حين ان نفوذ أمريكا في أدنى مستوياته. لدى ايران عشرات الآلاف من رجال المليشيات الموالين اليها بصورة مباشرة، وهي متحالفة مع كتل سياسية كانت قد حصدت أصوات كثيرة. وفي هذه الاثناء نجد بأن الولايات المتحدة اضطرت الى اخلاء قنصليتها في البصرة خوفا من وابل القذائف. قد يُحاججنا المشككين بقدرة ايران على المناورة الواسعة في العراق بالقول ان القنصلية الإيرانية في البصرة كانت تعرضت هي الأخرى الى التخريب والحرق. ولكن الفرق هنا هو ان كان الإيرانيين قد أرادوا فعلا الدفاع عن منشآتهم الدبلوماسية لاستطاعوا ردع حشد من حوالي الف شاب غاضب من خلال ادواتهم “الحشدية”.

ومع ذلك، لم تكن ايران مرغمة بأن تتنازل لرئيس كانت تحسبه مقربا بشكل حميم من الدوائر المخابراتية الامريكية اثناء سنوات المعارضة قبيل الـ 2003، او رئيس مجلس وزراء كان قد اعترض عليه المرشد الأعلى علي خامنئي عدة مرات فيما سبق في السنوات الخمس عشر الماضية كلما ورد اسمه مرشحا لأعلى منصب تنفيذي في البلاد. هناك عدة تفسيرات لهذا الاعتراض ولكن الأقرب الى المعقول هو ان القيادة الإيرانية كانت تنظر الى عبد المهدي على انه من شاكلة ومريدي قادة الحركة الخضراء في ايران عام 2009 مهدي كروبي ومير حسين موسوي، وهو يشاركهما عقليتهما وآراءهما.

سواء إن كان التأثير الإيراني في العراق مبالغا به ام لا، فمن المؤكد بأن لدى ايران القدرة على ابداء امتعاضها وعرقلة مسيرة مرشحين لم تستسيغهم ابدا. فهل حرى بنا ان نعتقد بأن تحفظات ايران حول هذا الثنائي قد تبددت بصورة سحرية؟ حتى ولو قام صالح وعبد المهدي بتقديم شتى الضمانات وعلامات الطاعة والولاء للقيادة الإيرانية فمن غير المتوقع بأن تتراجع هي عن نظرتها المسبقة تجاههما. كما ان الإيرانيين مدركين بأن الانطباع الذي سيتولد عند الرأي العام هو ذاته الذي يعرضه بومبيو، اي أن الاختيار هو مكسب امريكي، فهل الجانب الإيراني مستعد لإضفاء هذا النجاح لأندادهم بتلك الأريحية في هذا الزمن المتوتر ما بين الجانبين؟

هناك عائقان رئيسيان لثنائي صالح-عبد المهدي قد يستغلهما سليماني في تقويض الحياة السياسية. بغداد اختارت الكردي الذي تفضله لا الكردي المفضّل من قبل الاكراد. صالح كان ينافس مرشحا مدعوما من قبل مسعود البارزاني، الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق. البارزاني لا يحظى بشعبية تذكر لدى سكان العراق من غير الاكراد وذلك لأسباب عديدة، أهمها تاريخه وتاريخ اسرته في قيادة الحركة الانفصالية. ومع ذلك، فإن البارزانيين حصلوا على اكبر نسبة من الأصوات في الانتخابات المحلية التي جرت في شهر أيلول الماضي، حيث تجاوز رصيد أصواتهم ما كسبه منافسيهما الرئيسيين مجتمعين.

أراد البارزاني اختبار الطبقة السياسية في بغداد لمعرفة إن كانت حقا تسعى الى طوي احداث الاستفتاء على الاستقلال في العام الماضي والتي انتهت بقيام بغداد بإرسال الدبابات الى كركوك واذلال البارزاني بصفته الداعي الأبرز إليه. ومن وجهة نظر البارزاني فإن بغداد فشلت في الاختبار عندما رفضت مرشحه. علاوة على ذلك، فإن صالح ضعيف سياسيا حتى داخل حزبه الذي تركه خلال العام الماضي وقاد حملة دعائية مناهضة لقيادته ومن ثم عاد الى صفوفه خائبا من بعد فشل حزبه الجديد عند صناديق الاقتراع، وبعدما تم اغراءه بمنصب رئيس الجمهورية كمرشح اوحد لحزبه القديم، فاصبح مضربا لمثال الانتهازية السياسية المجردة من القيّم. وفي أي مواجهة قادمة وحتمية ما بين بغداد والاكراد سيكون موقفه هشاً وهزيلا عند محاولته التهدئة والتوافق ما بين الجانبان، وهو السبب الأساسي الذي جُعل من منصب الرئيس محصورا لدى الكرد في التفاهمات والتوازنات السياسية العراقية فيما سبق.

ومن جهة أخرى، قد يصبح عبد المهدي عبئا على المرجعية الدينية في النجف، وخصوصا تلك العائدة لآية الله العظمى علي السيستاني. فمن الأمور المريبة التي حصلت في الشهر الذي سبق الإعلان عن تكليفه، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي ومجاميع الواتسآب الخاصة حملة من الاشاعات تشير الى ان عبد المهدي هو مرشح محمد رضا السيستاني، نجل المرجع الاكبر والطامح الى وضع بصمته على الحياة السياسية. يبدو بأن سليماني يسعى الى اضعاف قدرة النجف على توجيه الأمور في العراق وفي أماكن أخرى، وقد يرى هو وقيادته بأن النجف بمثابة منافس وعائق امام توجهات طهران. اذن، إن تم افشال أدارة عبد المهدي فإن الرأي العام العراقي سيتم تأجيجه لاحتساب هذا الفشل على السيستاني أيضا مما سيقوض منزلة النجف السياسية والمعنوية. وقد يكون هذا الهدف بالضبط ما يصبو اليه سليماني قبيل تهيئة الظروف كي يوجه ضربته القاضية للكيان السياسي العراقي الدارج منذ 2003 والذي وفّر حيزا من المناورة لدى أمريكا وقوى دولية وإقليمية أخرى غير ايران في اظهار نفوذها في بغداد.

كيف أسفر سوء إدارة واشنطن عن إعطاء إيران موطئ قدم في بغداد

سبتمبر 13, 2018

في التاسع والعشرين من أغسطس دعا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو رئيس حكومة كردستان العراق السابق مسعود برزاني إلى مساندة رئيس الوزراء حيدر العبادي للحصول على فترة جديدة، ووفقاً لمصدر أمريكي قد قام بالاطلاع على تلك المحادثة فإن برزاني لم يتعهّد بمساندة العبادي، وبعد كل هذا فقد كان العبادي هو من أرسل الدبابات إلى كركوك في أكتوبر الماضي رداً على الاستفتاء الكردي المثير للجدل حول الاستقلال عن بغداد، وهو الاستفتاء الذي أيّده مسعود البرزاني، وقد وقفت الولايات المتحدة إلى جانب العبادي هذه المرة، وبدا أن واشنطن نفضت يدها عن القيادة الكردية، والآن فقد اختارت واشنطن البرزاني دوناً عن الجميع كي يصنع لها معروفاً، وقد أنهى مايك بومبيو محادثته مع البرزاني قائلاً:” إذا لم تقل نعم للعبادي لن يصبح الرجُل رئيساً للوزراء“، وقد رد البرزاني بوضوح “ليكن ما يكون“.

والواقع أن سوء الإدارة الأمريكية فيما يتعلّق بالعلاقات السياسية بين الأكراد والسُنّة في العراق لم تسفر فقط عن الفشل في دعم العبادي ولكن انهيار السياسة السُنِيّة سمح للإيرانيين باجتذاب الساسة السُنّة إلى معسكرهم.

وقد تمحورت السياسة الأمريكية في العراق خلال العام الماضي حول هدف واحد: الحفاظ على العبادي رئيساً للحكومة، لذا فقد كان من المفاجئ عدم بذل المجهود الكافي من أجل الإعداد لتلك العملية، وقد تم إيعاز مهمة تحقيق تلك الأهداف إلى المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية “بريت ماكغورك” والذي تم تعيينه في أكتوبر من العام 2015، والذي قدّم الدعم للعديد من الإدارات العراقية على مدار 15 عاماً، وهناك قصة خفية فيما يتعلّق بالنداء الذي أطلقه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، ووفقاً لتسريبات ظهرت في العديد من وسائل الإعلام الناطقة بالعربية فإنه خلال آخر مقابلة تمت بين ماكغورك والزعيم الكردي فقد ضغط المسئول الأمريكي على البرزاني من أجل دعم العبادي، وربما تم ذلك بطريقة غير مهذبة حيث قاطعه البرزاني قائلاً: “لا يمكن لك التحدُث معي بتلك الطريقة”.

وقد سيطرت على بغداد فكرة أن ماكغورك ليس على وفاق معه، كما أن مقترح المسئول الامريكي بإبعاد البرزاني أدّى إلى القضاء على المهمة الأمريكية، وربما هذا ما يفسر تدخُل بومبيو وقيامه بدور الوسيط، والذي قام بإطلاق تغريدة في الأول من سبتمبر مؤكداً على أن ماكغورك كان في بغداد ممثلاً لبومبيو وللرئيس دونالد ترامب وأن ماكغورك “قام بعمل عظيم”، وأضاف بومبيو أن “قيام حكومة عراقية قوية على أسس قومية هو أمر جوهري فيما يخُص إنزال الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية”.

وفي ذات اليوم أجرى بومبيو مكالمة هاتفية أخرى مع نائب الرئيس العراقي إياد علاوي الذي كان حينها في زيارة إلى أربيل العاصمة الإقليمية للأكراد، وقد بدا واضحاً أن تلك المكالمة أيضاً لها علاقة بمجهودات واشنطن لإقناع الأكراد، وقد ذهب علاوي لمقابلة البرزاني بناء على اقتراح من ماكغورك، وذلك من إجل إعطاء بغداد انطباعاً بأن كتلة سُنِيّة كبيرة قد ألقت بثقلها خلف العبادي، وأنه إن لم يقُم الأكراد بخطوة ما فسوف تنقطع علاقتهم بتلك القضية، وعلى أي حال فقد أعلن العبادي أن مجهوداته أيضاً قد باءت بالفشل.

وقد كان بصحبة علاوي اثنين من القادة السُنّة وهما نائب رئيس الوزراء سابقاً صالح المطلك ورئيس البرلمان سابقاً سالم الجبوري، وبالنسبة للبرزاني فإن القادة الثلاثة هُم عبارة عن تشكيلة غريبة تحاول الوصول لهدف ماكغورك وهو دعم حيدر العبادي الذي قام بطرد كل من المطلك وعلاوي من مناصبهم بشكل غير رسمي في العام 2015 كجزء من حزمة الإصلاحات التي تمّت على عجل، ولم يفعل الأمريكان شيئاً من أجل التدخُل أو حفظ ماء الوجه فيما يخُص المطلك أو علاوي، والواقع أنه لم يكن ماكغورك وحده مؤيدا لقرارات العبادي حيث أرسل فريق ماغورك رسالة مفادها أن القادة القوميون السُنّة مثل المطلك ورئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي قد فقدا مصداقيتهما ويجب أن يتقاعدا عن المشهد السياسي في مرحلة ما بعد تحرير الموصل.

وقد ارتكزت خطة ماكغورك حول تعزيز القاعدة الشعبية للقيادة السُنِيّة ورفع تلك القاعدة تدريجياً للمستوى القومي، وقام ماكغورك بالتركيز على المحافظين والقادة المحليين الذين قاموا بإدارة الأراضي السُنِيّة التي تم استعادتها من الجهاديين، وبات الجبوري هو القائد القومي الوحيد الذي قام بالتحول حيث أن القادة الجدد يستطيعون التجمُع برعايته فقط، وعلى مدار العام 2017 كانت هناك مجهودات لاستضافة مجموعة متنوعة من المؤتمرات ببغداد والعواصم الإقليمية بغرض تكليف الجبوري بهذا الدور، لذا فإن على البرزاني أن يجمع بين كل تلك المتناقضات في اللجنة التي ستكون أمامه، حيث زاد تردد الرجُل فيما يتعلّق بكل من العبادي وماكغورك.

وكذا فإن على البرزاني أن يكون على يقين من أن الأمور لم تسير كما خطط لها ماكغورك، فقد قام الجبوري بخوض الانتخابات تلك المرة في بغداد بدلاً من ديالى مسقط رأسه وبصفته الرجُل رقم 2 في قائمة إياد علاوي، حيث خاض الانتخابات تلك المرة كمرشح يتبنى المفهوم الليبرالي وليس كعضو في الحزب الإسلامي (الإخوان المسلمين)، وفشل الرجُل في الحصول على أي مقعد، والواقع أن المجموعة الجديدة من البرلمانيين الذين يمثلون السُنّة هي مجموعة متنوعة، والعديد من القادة القوميين أثبتوا أنهم لا تزال لديهم القدرة على الفوز، وهناك عدد من القادة القوميين الأساسيين الجدد والذين كان يعلق عليهم ماكغورك آمالاً قد فازوا أيضاً، لكن لا توجد هناك رؤية محددة أو سُلطة تستطيع توجيه هؤلاء، وبعضهم أثبت استعداداً مبكراً لتملُق الإيرانيين.

والواقع أن الكتلة التي تمثل السُنّة اليوم تعاني من التمزُق كما أنها تتسم باللامبالاة، وهناك سببين رئيسيين لذلك وهما: فشل الحكومة المركزية خاصة مجلس وزراء العبادي في وضع رؤية محددة فيما يتعلّق بسُنّة العراق في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية، وكذا التأثير على القادة السابقين كما حاول ماكغورك، ولهذا لم يتم دعم الكتلة السُنِيّة خلال تعيين ماكغورك، ومع التردد الذي ظهر عليه مسعود البرزاني فإن المعسكر المعارض للعبادي والذي يبدو أنه مدين بالفضل للإيرانيين والذي يقوده رجال مثل نوري المالكي وقائد لواء بدر الموالي لطهران هادي العامري، والذين قد يتمكنوا من السيطرة على 33 – 38 من أعضاء البرلمان السُنّة لدعم مجهودات هذا المعسكر من أجل تشكيل حكومة جديدة.

تفعيل البصمة “الترامبية” على الشرق الاوسط مع استقدام بولتن

مارس 26, 2018

سيكون لإختيار جون بولتن كمستشار الامن القومي الجديد لدى الرئيس دونالد ترمب انعكاسات ملموسة على سياسات امريكا تجاه الشرق الاوسط. ولكن هذه المتغيرات ستنجم عن كون بولتن اداري كفء وصاحب إلمام دقيق بشؤون السياسة الامريكية على عكس من سبقه في هذه الوظيفة الجنرال اه آر مكماستر، اي انها لن تكون ناجمة عن اي افكار او قناعات مسبقة يمتلكها بولتن عن المنطقة. فمن الخطأ احتساب ما جرى في الاسبوع الماضي بمثابة انقلاب عقائدي في البيت الابيض، لأنه ليس من الصحيح احتساب بولتن على المحافظين الجدد كما اعتقد الكثير من المعلقين ذلك وعلى مدى عقود. بولتن، كونه قومي المُنحنى وآحادي التوجه في الشؤون الخارجية، هو “ترامبياً” من قبيل ظهور ترمب. اذن، ما يمكن توقعه هو تطبيق شديد لتلك الرؤية على الشرق الاوسط، والتي يمكن لنا وصفها على انها متجردة من العواطف والحنين، واستغلالية في دوافعها، وتصطحب معها توقعات بقيام حلفاء امريكا بحمل العبئ الاكبر من الالتزامات العسكرية والاستراتيجية مقابل التحدي الايراني.

بولتن مضطلع بالفنون البيروقراطية، فهو يدرك دهاليزها بشكل متعمق ويعرف متى واين له ان يزيد او يخفف من الضغط كي يدفع مساعيه وسياساته الى الامام. هذه المهارة، وليس ايديولوجيته، هي العامل المتغير الجذري في عملية اختياره لهذه المهمة. قد اكتسب ترمب ذراعا ايمنا يشاركه افكاره ويستطيع خوض حروبه ضد “الدولة العميقة” بنجاح وتفانٍ. وهذا المصطلح، اي الدولة العميقة، استخدمه ترمب في بعض تغريداته ويقصد بها الاشارة الى المجاميع المخفية في اجهزة الامن القومي الامريكي والتي تسعى، حسب تصوره، الى تقويض رئاسته من خلال تلبيسه بتهم شتى. عمل بولتن في مواقع ادارية متعددة في الدولة الامريكية منذ عهد ريغان، وهو خبير في مقارعة هذه المجاميع. وهذه الخبرة، وليس افكاره، هي ما يفسر تقبله من جانب اكثر من طرف في الحزب الجمهوري الذي عادة ما لا يتقبلون التنوع الفكري في اوساطهم. فحلفاء بولتن الجمهوريين يتنوعون ما بين السيناتور الراحل جيسي هلمز، الى الطبقة الارستقراطية المحيطة بعائلة بوش (بولتن عمل كأحد ابزر المحامين لجورج بوش الابن في عملية اعادة فرز اصوات ولاية فلوريا المثيرة للجدل عام 2000)، وايضا الى اعتى المحافظين الجدد من امثال ريشارد بيرل. قابلية بولتن في الحفاظ على هذه الروابط والصلات تعكس مهاراته السياسية ايضا، ولكنها توضح ايضا بأنه غير محسوب على اي مدرسة او فئة معينة ضمن التقاليد الواشنطونية.

بولتن سيّاف بيروقراطي ماهر قد جاء من الاطراف الرمادية والهامشية المحيطة بالحلقات المعروفة في السياسة الخارجية الامريكية. ومن الصعب تحديد مرجعيته الفكرية في تلك الافلاك المعهودة، لأنها ببساطة لم تكن دارجة او متداولة فيما سبق. وهذا هو سبب الاخطاء المزمنة في تعيين مكانه من الاعراب الايديولوجي. ولكن إن تفحصنا سيرته واقواله، سنجد استمرارية واضحة في سردياته: على امريكا ان تتجنب القيود القانونية المترتبة على مشاركتها في الاتفاقات الدولية متعددة الاطراف، وعليها ايضا ان ترد بحدة على اي من كان يروم تحديها في المجال الاستراتيجي وبأن لا تتنازل مقدار انملة في اي مضمار تحسب عائديته لها، ويجب ان لا تتحمل امريكا مسؤولية نشر الديموقراطية وتمويل عملية “بناء الامم”، وبأن لا تسمح لاجهزة الامن القومي العائدة لها برسم سياسات مستقلة عن اوامر الرئيس وبأن هذه الاجهزة يجب تقليمها، بالاضافة الى ذلك لامريكا التعايش مع الحكام المتسلطين حول العالم إن لم يشكلوا تهديدا مباشرا عليها. هل يبدو هذا الكلام مألوفا؟ بالطبع، لأنه مطابق مع ما قاله ترمب في الشؤون الخارجية منذ اوائل عقد الثمانينات من القرن الماضي. ولكن هذه الافكار لم يكن لديها معبدا يحتضنها فيما سبق في دهاليز السلطة، الى ان وجدت بيتا لها في المكتب البيضوي مع قدوم ترمب.

هذه الخلفية الفكرية غير المعهودة ستعقّد عملية استقراء دوافع ومنطلقات بولتن، ومن خلفه ترمب، حول قضايا الشرق الاوسط. قد تبدو فوضوية ولكنها ليست كذلك. على الاغلب، سينصح بولتن رئيسه بإستثمار الفرص الجيوستراتيجية حال ظهورها في المنطقة، ولكن ان غابت تلك الفرص فإن امريكا ستغيب عن المنطقة او على الاقل لن تقود مشاريع طموحة لإعادة تشكيل الشرق الاوسط. ايران قد تتلقى ضربة موجعة إن كشفت عن ضعف ما. وقد نسمع اقوال ذات سقف عالٍ مثل “تغيير النظام”. ولكنني اشك في جدية قيام ترمب بإستنزاف رصيده السياسي في تحقيق هذه التأملات. هذا الاسلوب في التفاعل مع المنطقة قد يشابه الاسلوب “الواقعي” الاسرائيلي في ادارة محيطه. قد نرى بعض العمليات الجسورة هنا وهناك، ولكن لن تواكبها طموحات كبيرة ووردية. اذن، قد نشهد تدميرا لمفاعل نووي سوري قيد الانشاء، او عملية لإغتيال عماد مغنية، ولكن لن نرى انخراطا واسعا، لا لوجستيا ولا عاطفيا، في استبدال نظام الاسد ببديل ديموقراطي. هذه التوازنات كانت ماثلة في كيفية ادارة بولتن لمسعى اعادة تأهيل معمر القذافي في منتصف العقد الاول من هذا القرن بعدما تنازل الديكتاتور الليبي عن اسلحة الدمار الشامل التي كان يكتنزها. وخلاصة الكلام هو ان اي مساعي لإحداث تغييرات جذرية كبرى في المشهد الشرق اوسطي ستترك للقوى الاقليمية. وستكون امريكا مشجعة لهم، ولكن لن تقوم بأدوار اكبر من ذلك. وتحت هكذا ظروف، فإن الولايات المتحدة الامريكية قد ترحب بقيام سلاح الجو الاسرائيلي بتنفيذ غارات على المنشئات النووية الايرانية بدلا من محاولة اصلاح او تعديل ما يعرف بالاتفاق النووي الايراني من خلال الآليات الدبلوماسية.

فهم هذا التوازن ما بين تحيّن الفرص او التخطيط بعيد الامد في الوصول الى غايات امريكا في الشرق الاوسط يتطلب اعادة تقييم لحربها في الحرب، والتي تمر ذكراها الخامسة عشر هذه الايام. بولتن كان من الانصار الصادحين لها، ولكن كيفية توصله الى هذا الموقف تكتنفها بعض التفاصيل الدقيقة والمثيرة. لأن بولتن، في هذا الشأن وفي شؤون اخرى تتعلق بالشرق الاوسط، كان يستمد النصيحة والتوجيه من زميله السابق في مؤسسة امريكان انتربرايز انستتيوت حيثما عملا في نهاية التسعينات الدكتور ديفيد وورمزر. في كثير من الاحيان، يتم ادراج وورمزر ايضا في خانة المحافظين الجدد وهو امر لا يتقبله عن نفسه. وإن كان هناك تشابه عقائدي الا ان كيفية وصول وورمزر الى قناعته فيما يخص حرب العراق تختلف عنهم، وهذا ما وضحه في مقال نشره في مجلة ناشيونال ريفيو الالكترونية في شهر نوفمبر 2015 مع وفاة السياسي العراقي احمد الجلبي. كان يتطلع وورمزر في تورّد الديموقراطية في الشرق الاوسط، ولكنه لم يكن يرى في نموها شأن حتمي او سهل التطبيق هناك، وهذا الرأي يتنافى مع منطلقات المحافظين الجدد. ولكن ما جعله ينخرط لتحقيق هدف ازالة نظام صدام حسين هو وجود الجلبي، الذي عدّه وورمزر من الفرص التاريخية النادرة، وكان يعتقد بأن في استطاعة الجلبي قيادة التغيير الديموقراطي في العراق وعلى نطاق اوسع في الشرق الاوسط. ومع وفاة الجلبي، اعلن وورمزر في مقاله انتهاء هذه الفرصة في حاضر المنطقة الحالي.

من السابق لأوانه التكهن في كيفية تأثير هذه القناعات التفصيلية على بولتن وترمب عند اتخاذهم للقرارات الكبرى. ولكن ما يمكن قوله هي اننا سنشهد عدولا واسعا عما اعتدناه من واشنطن حيال المنطقة. ولكون بولتن معروف بالكفاءة والمهارة البيروقراطية، فإن الفئات الاخرى المشاركة في القرار، إن كانت لا تزال موجودة في اروقة وزارة الخارجية او الدفاع او السي آي آى، او حتى الكونجرس، والتي فيما سبق كان لها المماطلة او التمييع في تنفيذ قرارات الرئيس، ستجد بأن قابليتها على المناورة قد تقلصت بصورة كبيرة، ولن تستطيع لملمة هذه التوجهات الجديدة وتأطيرها ضمن المعلوم والمألوف.

خيبة الآمال العراقية في مؤتمر المانحين

فبراير 16, 2018

قبيل انعقاد مؤتمر المانحين الدولي، سربت مصادر مجهولة من لدن المؤسسات الرسمية الامريكية اقوالا تفيد بأن الولايات المتحدة لن تلتزم بإغداق اي اموال لغرض اعادة بناء العراق، على الرغم من ان وزير الخارجية ريكس تيلرسون كان من المقرر ان يحضر لمدة 15 دقيقة في هذا الحدث في الكويت. وفي اليوم الاول من المؤتمر، اصدر الرئيس دونالد ترمب احدى تغريداته المثيرة حيث قال: “سيكون هذا اسبوعا مهماً بالنسبة للبنية التحتية (الامريكية). بعد ان صرفنا وبشكل غبي 7 تريليون دولار في الشرق الاوسط، حان الاوان للإستثمار في بلدنا!” قد يتساءل المرئ إن كانت هذه الشقشقة الرئاسية ذات صلة بمناشدات من جانب تيلرسون الى رئيسه الممانع والتي تذهب الى أن على امريكا قيادة عملية اعمار العراق من خلال فتح محفظتها. لأن الامر من دون ريادة امريكية قد يجعل دول الخليج، وخصوصا المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة، يستنتجان بأن هذه المسألة ليست بتلك الاولوية بالنسبة لإدارة ترمب مما يرفع عنهما المسؤولية لدفع ما تتطلبه عملية اعادة اعمار المناطق السنية والتي دُمرت خلال محنة داعش التي استمرت لمدة ثلاث سنوات. ولكن عند المراجعة، قد يتضح بأن النتائج المخيبة للأمال التي انبثقت عن المؤتمر قد تؤول في مجملها الى سوء ادارة التوقعات من قبل العراقيين انفسهم وفشلهم في قراءة المواقف الدولية والاقليمية بصورة واضحة.

وإن كانت دول الخليج تروم تجنب دفع الفواتير الهائلة لإعادة اعمار العراق، والتي قدرتها الحكومة العراقية بنحو 88 مليار دولار، فإن مسعاها هذا قد تم تحقيقه من قبل الوفد العراقي نفسه الذي اخفق في جعل امر معالجة ما خربته داعش اولوية غايات المؤتمر. فبدلا من ذلك، اتى الوفد العراقي محملا بلائحة من الامنيات الخيالية، مثلا، طلبهم من المجتمع الدولي الاستثمار في مترو بغداد الذي تبلغ تكلفته المتوقعة 6 مليارات دولار. بل ان غالبية المشاريع المقترحة والتي تراكم عددها الى 212 مشروعا والتي عرضها الجانب العراقي كانت في مناطق لم يمسها التوغل الجهادي. فاختتم المؤتمر بجني 1.6 مليار دولار كتبرعات مباشرة، و10 مليارات دولار اخرى كضمانات لقروض مستقبلية، و3 مليارات دولار من الائتمانات لتسهيل عملية تصدير بضائع وسلع امريكية الى العراق. وهذا الالتفاتة الاخيرة قد تشغّل مصانع ولاية بنسيلفانيا ولكنها لن تعالج قضية البطالة المتفشية ما بين شباب الموصل والحيلولة دون التحاقهم مجددا بموجات الثورة والجهاد.

إن هذه العوائد الضئيلة والباهتة من بعد التضخيم ورفع سقف التوقعات على ما سيتم انجازه في مؤتمر الكويت لا بد وان تضع آثارا فورية ومقلقة على الاقتصاد العراقي، مما سينعكس تلقائيا على الحظوظ السياسية لدى رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي. في الاشهر التي سبقت المؤتمر، كانت الحكومة العراقية ترسم موازناتها لهذا العام وسياساتها المالية على اساس الآمال بأن الاموال الخليجية ستعوض النقص المالي المطلوب لغرض اعادة الاعمار. ولكن، وبصراحة تامة، لن يستطيع العراق تحمل هذه الكلف، وبالتأكيد لن يقتدر على ذلك إذ لم يعالج احجام رواتب القطاع العام المتضخمة والتي تعد من المسائل الحساسة سياسياً. فكان المسؤولين العراقيين يعتقدون بأن الضغوطات الامريكية ستجتمع مع رغبة اقليمية بالحد من المظالم الاقتصادية التي قد تعيد الانفاس الى داعش، مع استمرار شهر العسل ما بين بغداد والرياض وتوجّه الاخيرة الى تقليص النفوذ الايراني في العراق، وستؤدي هذه العوامل مشتركة الى تدفق نحو 20 مليار دولار نقداً في سبيل تمويل الجهود الاغاثية العاجلة. ومن شأن ذلك اصلاح ما يقدر بـ 140 الف منزل كان قد تضرر او دمر بسبب القتال الذي امتد الى خمس محافظات ولا تزال آثاره ماثلة في تعليق مصير اكثر من مليوني لاجئ ينتظرون العودة الى مدنهم واحياءهم المنكوبة. ليس ذلك فحسب، بل كان الجانب العراقي يتوقع اعلانا لمبادرة سعودية لشطب الديون التي قدمتها ابان الحرب العراقية الايرانية والتي تشكل عبئا على كاهل التصنيف الائتماني للعراق وتعيق قدرة البلد على الاقتراض من المصارف الدولية. وهذا ايضا لم يحصل.

وفي الاسابيع التي سبقت الاجتماع، ادركت الحكومة العراقية بان هذه الاموال “السهلة” لن تكون في انتظارها في الكويت. لذا اعادوا تحوير خطتهم بشكل متعجل ومتخبط، فبدلا من التركيز على جمع التبرعات، قرروا استعراض الفرص الاستثمارية في جميع ارجاء العراق. ولكن عند قيامهم بذلك، فهم سنحوا للمجتمع الدولي فرصة في التهرب من واجباته الاخلاقية والاعتبارية تجاه العراق الذي استطاع هزيمة داعش بأثمان باهضة.

كما ابرزوا بغير قصد اوجه القصور في ادارة الدولة والتي ابتلى بها العراق الجديد منذ عام 2003. فهناك جثث محنطة لفتيات صغار، لواتي الضفائر الرقيقة، تخرج من حطام الموصل القديمة الى يومنا هذا، من بعد مرور خمسة اشهر على صمت المدافع. ولا يزال هناك الآلاف من “المختفين” الايزيديين. كما ان وسائل التواصل الاجتماعي مليئة بصور روافد نهر دجلة المجففة، والتي تخترق مساحات زراعية تعيل مئات الآلاف من السكان.

فهل هذا حقا افضل الاوقات لتوجيه انتباه المانحين والمستثمرين الى سكة قطار آحادي لمدينة بغداد وبتكلفة 1.5 مليار دولار؟ او الى مطار دولي في الناصرية؟ وهل الكويت مكانا مناسبا للبحث عن مستثمرين مستعدين لإيداع 6 مليارات دولار مقابل انشاء ميناء الفاو الكبير؟ هذا الميناء سينافس ميناء مبارك الكويتي والذي بني حديثا مباشرة عبر مجرى خور الزبير المائي مقابل الموقع المفترض لميناء الفاو. وقد استطاعت الكويت ان تسبق العراق الى خلق هذه المنشأة الحيوية ذات الابعاد الجيوستراتيجية الكبيرة. مما قد يحدو بالمستشر بأن يتساءل لماذا حدث ذلك، بالرغم من تمتع العراق لمدخولات نفطية سنوية بلغت اكثر من 100 مليار دولار على مدى العقد المنصرم، وقد يجد هذا المستثمر جوابا يدور رحاه في ملحمة من الفساد وعدم الكفاءة والبيروقراطية المترهلة وانعدام الرؤية المستقبلية. وهذه تحديات لم يستطع العراق معالجتها الى هذا الحين.

“كان مشهدا محزن لمن رأه،” هذا ما قاله لي رجل اعمال عراقي كان حاضرا في المؤتمر. “كم مرة اخرى سيجد العراق نفسه في دائرة الاهتمام الدولي؟ اضيعت الفرصة، وتبين كم من العمل لا يزال يتعين علينا القيام به قبل ان نتمكن من تقديم خطة عملية واضحة الى بقية العالم.” ولكن هذا التقييم السلبي لم يمنع مستشاري العبادي من اطلاق التغريدات المهللة في موقع تويتر تصاحبها ارقام مضللة تشير الى ان العراق حصل على 22.5 مليار دولار من التزامات مالية واغاثة فورية. قد يكون هذا النوع من التزييف امرا ضروريا لحفظ ماء الوجه امام الناخبين قبل انتخابات شهر ايار القادم بعد ان وعد المسؤولين الشعب العراقي بأن مؤتمر المانحين سيضع مرهما لكافة آلام العراق الاقتصادية والمالية. ولكن هذه التصريحات لن تعيد الحياة الى مصفى بيجي في اي وقت قريب، وهو الذي كان احد اكبر المشغلين للأيادي العاملة في المحافظات السنية، والتي دمر كليا جراء الحرب والنهب.

نعم، هذه هي احجام الخيبات العراقية والفرص التي اضيعت.

تعليق