إنه الوقت الانسب لقيام امريكا بترك العراق

كتابة: نبراس الكاظمي

نشرت في موقع “باب الطلسم مجددا” في 25 ايار 2020

ترجمة: قتيبة ياسين

انقسمت إدارة ترامب في حملتها المعروفة بـ “الضغط الأقصى” والتي تشنها ضد النظام الإيراني الى مسارين متناقضين: “إنهيار النظام” من ناحية، و “لنجعل إيران عظيمة مجدداً” من ناحية أخرى، والأخيرة أقرب لقلب الرئيس دونالد ترامب، فبالإمكان تحقيقها بواسطة التفاوض، وهو أيضاً شعار قاله ترامب في السابق. إن المفاوضين العراقيين الذين من المقرر لهم أن يجلسوا مع نظرائهم في الخارجية الأميركية الشهر المقبل، كجزء من جولة “الحوار الاستراتيجي” المخطط له على عجل، لايعرفوا أي من المسارين سيواجهونه عبر الطاولة.

لكنهم بالتأكيد لن ينهمكوا في محادثات حول أهمية العراق بالنسبة للولايات المتحدة لإنه بكل بساطة امر غير مهم. فحسب وجهة نظر الإدارة الأميركية الحالية، العراق مهم فقط في سياق الضغط على إيران.

إن التحدي المتمثل بجعل العراق ذات اهمية ذاتية ومستقلة كي يكون وثيق الارتباط بالحسابات الاستراتيجية الأمريكية لهو تحدٍ يقع على عاتق قادة البلد، لكن رحلته تبدأ حينما تغسل اميركا يديها من العراق. ويصادف ان الوقت الحالي هو الامثل للشروع بذلك. 

ولكن كم عدد الدول ذات “اهمية ذاتية ومستقلة” حقاً؟ أليس هذا معيار عالٍ يفوق طموح العراق للوصول اليه؟ هناك درجات من الذاتية هنا. فالعراق اليوم يقف على أرض خطرة. فلو توصل ترامب لاتفاق مع الإيرانيين، فهناك احتمال بأن يهب العراق إليهم كجزء من الصفقة. اذن يجب على بغداد العمل لكي تتحول الى جائزة ثمينة بحد ذاتها بأعين الأميركان، وهذا العمل سيستغرق وقتاً وقرارات قاسية. وذلك لن يحدث فيما لو استمرت أميركا بملاطفة وتدليل العراق كي يبقى بعيداً عن أيادي إيران التي تبتغيه ايضا، فهذا الوضع يشجع القادة العراقيين لسلك المسارات السهلة حيثما ينتظرون من الدول الأخرى لكي تحل مشاكل العراق.

ثم ماذا بشأن الأكراد؟ وماذا بشأن قوى تنظيم داعش؟ ألا يُعد الإنسحاب دلالة على الضعف؟ ألا تشجع مثل هذه الحركة إيران على التوسع المتزايد في العراق والشرق الأوسط؟ فالعراق ليس مستقلاً بذاته فمشاكله ايضا غير مستقلة بل كثير منها إقليمية في منبعها ومضمونها. فمغادرة العراق تعني تسليم جزء كبير من الميدان، جزء ليس بمقدور حدود دولة محددة احتواءه ضمن حدودها. ثم لماذا العجلة أصلاً؟ لماذا لا ندع الوضع يبقى كما هو لعدة شهور.. لعدة سنوات.. لحين تبلور بيئة أفضل، قد تكون مع إدارة أميركية أخرى!

كل هذه تُعتبر مخاوف مشروعة، ولكن الحل الافضل لها جميعا سيتحقق حالما تنسحب الولايات المتحدة كلياً من العراق.

الحوار الاستراتيجي

يوجد حماس بين متابعي الشأن العراقي في واشنطن، والذين تتضائل اعدادهم رويدا رويدا مع السنين، في ترقبهم للمحادثات القادمة. فقد شعروا بارتياح من قرار وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو والقاضي بتمديد “استثناء العراق لـ120يوماً” من العقوبات الأميركية التي تتيح له شراء الكهرباء من إيران كمكافأة مبكرة على إثر تسنم مصطفى الكاظمي منصب رئاسة مجلس الوزراء. فوصول شخص كان يشار اليه كمخبر ذات درجة “(صيانة صارمة)” من السرية الى صدارة المشهد قد يحسبه البعض على انه اشارة لتزايد النفوذ الامريكي على بغداد.  

ثم اصبح المعيار الحالي لإثبات النفوذ هو الوجود العسكري الامريكي في البلد، حيث يُطمئن المراقبون أنفسهم بالقول إنه طالما استمر الوجود العسكري فأميركا مازالت تملك ارتباطاتها بالملف. إنهم يتأملون البقاء أو تغيير توجّه الإدارة الحالية المقتنعة بالتراجع واعادة تموضعها العسكري بعيدا عن المناطق الساخنة في الشرق الأوسط.

إن ترك الجنود الأمريكيين من أجل مسك الأرض، كما الحال في رمال سوريا، يعتبر اجراء ضعيف من أجل احتواء أو مواجهة إيران، وهو مثال على تمسرح كابوكي يتمثل زيفا بالاستراتيجية، وسوف لن يؤدي سوى الى استعراض دمى مثير للسخرية للقوة الأمريكية. وهو ليس كافٍ أيضاً لردع طهران من مغبة تحديه ومواجهته، ولا يكفي لإقناع العراقيين ولا أي أحد آخر بأن هذا الأجراء يعكس التفوق الإقليمي.

الرأي العام الأمريكي يريد الإنسحاب من العراق، وترامب استمد وقوداً لحملته الانتخابية الماضية من هذه النزعة. ومن بين كل التوريطات الخارجية لأميركا، يبقى العراق ورطة مريرة بشكل خاص. فالجمهور الانتخابي لترامب بدأ يتحول من الشعور بـ “الارهاق من العراق” الى شعور الـ”اشمئزاز من العراق”. وتأتي التظلمات الامريكية الصادرة من ترامب حيال كيف يقوم حلفاء امريكا بحلبها واستغلال طيبتها بصورة مضاعفة عندما يتناول شأن بغداد: فالعراق غير ممتن لكل مافعلناه، وكذلك ليس له القدرة بإصلاح نفسه. فقادتهم عندما ينصرفون عن سفك الدماء (دماء الأمريكان ودماء العراقيين) فأنهم يتوجهون لنهب موارد البلد.

يملك جمهور ترامب (والذي يقابله ويتماهى معه شيء من جمهور برني ساندرز) مشاعر عميقة من فقدان الثقة بالأقاويل التي تتفوه بها طبقة الخبراء في واشنطن—سواء كانوا من الداعين الى ازدياد دور امريكا الدولي او من الصقور بحديثهم حول ايران—حول أهمية البقاء في العراق. السيناريوهات المخيفة مثل (التمدد الإيراني؛ ترك الكرد وحيدين؛ رجوع داعش) لا تؤتِ أكُلُها مع الأغلبية الجماهيرية بعد اليوم. الجمهور الأميركي بات يسمع بشكل متزايد عن تداخل المصالح المالية الشخصية لدى هؤلاء الحاملين لراية العولمة من رجال داڤوس، وأصحاب اللوبيات في واشنطن، ومراكز البحوث المدعومة بأموال الخليج—الذين اصبحوا بمثابة البعبع لدى رهط كبير من اليمين واليسار—والدعوات من أجل البقاء في العراق. ويستمع الجمهور أيضاً للحجج المتعارضة والمتناقضة من آخرين من ضمن هذه الطبقة ومفادها بأن العراق ميؤوس منه وغير قابل للإصلاح. ولا يوجد بالكاد اي نشاط يشرح وجهة النظر العراقية لهذا الجمهور من جانب الممثلين الدبلوماسيين العراقيين في امريكا.

وبالتالي، من الصعب جدا تسويق اهمية الملف العراقي عند ترمب. ولو كان هناك شيء يجب على الجميع معرفته، فهو إن أي سياسة يتم حبكها ولا تحظى بمشاركة وتأييد الرئاسة الأميركية فهي محكوم عليها بالإجهاض بواسطة تغريدة واحدة. اعجاب ترامب يتمثل فقط بقاعدة عين الأسد الجوية وكمية الأموال التي تم انفاقها هناك. هذا كل ما رأه من العراق في حياته، بل انه زار القاعدة ليلا فلم يرى اي شيء من تضاريس البلد من الجو حتى. وقد تبدو الصواريخ الإيرانية التي تم اطلاقها على القاعدة كردّ تجاه مقتل قاسم سليماني بمثابة صفعة واهنة في الحسابات الاستراتيجية الكبرى، لكنها أظهرت لترامب بأنه حتى هذه البقعة الصغيرة—الوحيدة التي قد يتعلق بها شخصياً—بالإمكان العبث فيها.

الإبقاء على اصبع لرجل امريكا في العراق سيعرضه الى ان يداس. وقد يقوم الايرانيين بالتمسك بهذا الاصبع كجزء من سياستهم في التوريط. هو يشبه تقديم هدف ذو دفاعات ضعيفة كلقمة بفم عدو متهيء جيداً مع تقييد قدرة القوة العظمى على المناورة. إن كلفة معاودة الدخول الأميركي الجاد في الشأن العراقي مرتفعة للغاية، وهو ثمن سيرفض ترامب والجمهور الذي يقف وراءه دفعه بالتأكيد. لكي أعطيك لمحة لما تبدو عليه توقعات العراقيين حول كيف سيبدو التأثير الأميركي في العراق مرة أخرى، تخيّل الشائعات التي تنطلق بين حين وآخر التي تتحدث عن إنقلاب ستقوم به وكالة الاستخبارات الأميركية، يترجل على اثرها جنود المارينز المشاة في محيط المنطقة الخضراء ويقبضوا على الساسة العراقيين.

قام صديق لي بإرسال مقطع صوتي في الواتس اب قبل أسابيع عديدة، المتحدث غير معلوم الهوية ولكنه يتحدث بلهجة عراقية، ويؤكد بثقة شديدة بأن الشرق الأوسط على أعتاب تغيير دراماتيكي كبير نتيجة تسنم الكاظمي لرئاسة الوزراء، لأن بريطانيا تريد ذلك وتخطط بنشاط حول هذا الأمر. لقد أرسل البريطانيين فريقاً سرياً مهمته إعادة ترسيم الحدود العراقية-الكويتية من جديد وذلك لصالح العراق، وهذا سيمنح الكاظمي انتصاراً سهلاً وسريعاً. كما ستتخلى الكويت عن مطالبها بشأن تعويضات الحرب المستحقة لها. سيعود العراق دولة قوية في المنطقة وسيكون مسنودا من قبل التحالف الأميركي-البريطاني-الخليجي، وستُكلّف بغداد بمواجهة طهران وأنقرة والتي أصبحت انظمتها غير ذي فائدة للبريطانيين. سينتصر الحكم العلماني في العراق، ويتحتم على إيران سحب جميع أذرعها بسرعة وإلا ستندلع الحرب بتاريخ 29 حزيران. هكذا أدعى المتحدث، وتم نشر هذا المقطع على نطاق واسع بين النخبة العراقية. صديقي، وهو رجل أعمال ناجح وتربطه علاقات أقليمية وغربية واسعة، جاء ليسألني بحماس “هل هذا الكلام صحيح؟” 

هذا هو مستوى التوقعات هناك، وهذه الأحكام اليقينية حول ما سيبدو عليه الحراك الجيوسياسي قد تجدها لدى العديد من الشرق أوسطيين.

هذا لن يحدث أبداً، ولكن ما بإمكان أميركا فعله هو تنفيذ سياسات التراجع للخلف والتي تشبه فنون الدفاع عن النفس (اسلوب غوزوشي) وسحب إيران الى الامام كي تتهاوى بتلقاء نفسها.

تعريف الإنسحاب

تغير الموقف تغيرا جذريا في جميع أنحاء الشرق الأوسط بعد أن سقطت صاعقة ترامب على عجلة قاسم سليماني وهي تسير على الطريق الدائري الداخلي في مطار بغداد الدولي. كانت طموحات فيلق القدس وآماله تتجسد وتنعكس في قائده قاسم سليماني ولا يمكنها أن ترى النور بدونه. ولكن هذه المساحة التي كان يشغلها في العراق ليس الفراغ الوحيد الذي تركه سليماني من بعده، فهدفه وواجبه الأكبر كان بدحر أميركا من “غرب أسيا” كلها، وقد كان جزءاً لا يتجزأ من خطط خلافة خامنئي. اذن مقتله لم يخرجه من ساحة العراق فحسب، بل تم قلعه من مستقبل إيران ايضا.

وسّع مقتل سليماني من مساحة الفرص الجيوسياسية لللاعبين الراغبين في تحدي طهران عند لحظة مرورها بِحيرة إبان خسارته. قبل الضربة التي حدثت بتاريخ 3 كانون الثاني، كانت السياسات الأميركية في شمال الشرق الأوسط (تركيا، سوريا، لبنان، ايران، العراق، باكستان، افغانستان) تشهد إنهياراً استراتيجياً غير مسبوق، كانت معظمها نتيجة لنجاحات سليماني بالتوازي مع أخطاء واشنطن. ولكن أفقاً جديداً قد تم فتحه بتاريخ 4 كانون الثاني وربما قد نشهد انحساره قريبا.

لقد حان الوقت الآن للعراقيين من أجل أن يتقدموا في ملئ ذلك الفراغ وفق ما تقتضيه مصلحة بلدهم. ومع العجز اللحظي الذي يمر به المعسكر الإيراني، ينبغي على العراقيين الإعتراك من أجل تحقيق سيادتهم. مواجهة الايرانيين باتت مسألة وجودية لقادة العراق الحاليين، فمصيرهم مرتبط بنتيجتها. وإن التحالف السياسي الذي قد يجرؤ على الدخول في ذلك الفراغ هو في اقوى حالة. رئاسة الجمهورية، ورئاسة البرلمان، ورئاسة الوزراء يُديرها اليوم أفراد يملكون سجلاً حافلاً بالألفة تجاه أميركا، وهم مدعومون من غالبية رؤساء الأجهزة الأمنية والعسكرية في البلد وهم أيضاً ممن أظهروا الولاء للإمريكان فيما سبق. ثم هناك مقتدى الصدر والمتظاهرين الذين سيرجحون كفة الخطاب المضاد لإيران. والأهم من ذلك كله هو وجود آية الله العظمى علي السيستاني، والذي يقف بمثابة المرشد والموجّه لهذا التحالف. هو السبب أيضاً، بحكم عمره، للتصرف بسرعة قبل أن يخسروه. وهو شخص لايمكن تعويضه ويُرجح أن غيابه قد يؤدي الى فراغ قد يطول لعقد من الزمن.

إن الوضع الراهن لايمكن أن يستمر طويلاً، لاسيما وإن المشاكل الاقتصادية أصبحت تطفو في المقدمة. فرواتب الموظفين بمثابة الغراء الذي يلصق كيان الدولة ويحميها من الإنهيار ويخفف من احتقان السكان. الملايين من الموظفين والمتقاعدين يكبتون غضبهم تجاه سوء الإدارة الحكومية ويؤجلون انفجارهم عند ترقب مطلع الشهر وقدوم الراتب. نظام الدولة يمر اليوم بحالة إجهاد وتهديد خطير في ظل تضاؤل إيرادات الدولة. الطبقة الحاكمة اليوم بحاجة الى استخدام حيلة التحدي القومي، حتى لو تبجحت قليلاً، من أجل غض البصر عن أدائها السيء في الحكم. وفي حين كان بعض اللاعبين سابقاً يتبجحون بمقاومتهم “للإحتلال” الأميركي، اليوم هناك فرصة لتحويل هذا التبجح بالضد من إيران.

فتحرك هذا التحالف بموضعه القوي الحالي، في مقابل التأثير الايراني الذي هو في أضعف حالاته، قد يكون كافياً لإحداث بعض الجَلبة التي قد تلهي العامة عن سوء الاحوال. إن قام السياسيون في العراق بمنازلة التغلغل الإيراني وبعدها فشلوا فهذه هزيمتهم يتحملون وزرها وليس هزيمة أميركا، وكذلك هو الحال إن تخاذلوا وتقاعسوا ولم يفعلوا شيئا. قد تربح إيران أرض العراق كجائزة ولكن “الحكومة العراقية الفاشلة” ستظل مثل المرساة حول عنقها، مما سيغرقها. أليس هذا وجه آخر من “الضغط الأقصى”؟ 

المغادرة، هي السبيل الوحيد لثني الساسة العراقيين عن ممارسة المهارة الوحيدة التي يتقنوها في إدارة الدولة: ممارسة سياسة الوقوف على الحياد بين الولايات المتحدة وإيران واللعب على الحبلين. ذلك الحياد يجعل بعض الوسطاء ينشطون ويزدهرون في أوقات العبث الاستراتيجي. إن محاولات التوازن بين أميركا وإيران ليست منطقية نظراً للتفاوت في القوة بين الطرفين. هذه المواقف المترددة يستفيد منها الحزب الضعيف وتزعزع الحزب القوي. هذا الوضع بالخصوص يجعل القادة العراقيين يستسهلوه: فلا يوجد موقف مهم يستدعي منهم أخذ زمام المخاطرة وتفضيل جبهة على أخرى. إنه الوقت المناسب لسلب العصا التي يتعكزون عليها وارغامهم على المضي قدما. 

الطياف ما بين الاقوياء يمكن له تحريك بعض الأوهام الخطرة لدى الضعفاء والتي تجعلهم يتصورون انهم في مقام اعلى من مقامهم. على سبيل المثال: الكثير من الطبقة السياسية يعتقدون بأن احتجاجات تشرين مدفوعة من قبل اميركا كانتقام منها تجاه الاتفاقية العراقية-الصينية طويلة الامد.

كان الكاظمي يعمل بمثابة وزير خارجية في الظل في عهد حكومتي حيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومن هذا الدور استمد مكانة محورية. ومن المرجح أن يستعيد ذلك الدور الخارجي بشكل مركزي من مكتبه الشخصي بينما يترك ملفات التمويل المالي وتنمية الاقتصاد لباقي كابينته. هناك تصور لدى البعض في واشنطن لفعل ما يستطيعونه لدعم الكاظمي واسناده، وبأن ذلك التزام عليهم. ولكن ليس من المعقول تفصيل سياسة امريكية على قياساته كوسيط اقليمي بارع.

لقد كانت هناك نوايا دعم متشابهة لعبد المهدي من أجل تحقيق النجاح في وقت مبكر، لقد كان هو أيضا يملك العديد من المساندين في الغرب. لا ينبغي على القوى الكبرى أن تراهن كثيراً في الأفراد. لقد تكبدت أميركا خيبات أمل كثيرة بقادة الشرق الأوسط في هذا الصدد. لقد راهنت فيما سبق على العديد من الأفراد، لكنها لا يسعها اليوم العودة الى نهجها القديم خصوصا مع تبلور فرصة الرحيل.

وبدلاً من أن يضيُع القادة العراقيين وقتهم في العمل كوسطاء، يجب عليهم أن يتسلقوا منحنى تعلم الحكم الرشيد بواسطة السياسات المبنية على “المنطق العقلي” وبناء التحالفات. مهمتهم الأولى تتمثل بإنعاش العملية السياسية من جديد وعمل تحالف ضد إيران، بعدها سيحتاجون البحث عن حلفاء – مؤقتين ودائمين – من جيرانهم. وبالتالي، فإن الانسحاب الأميركي سوف لن يتمثل بانسحاب عسكري فقط، بل بتخفيض احتساب اهمية العراق الاقتصادية والاستراتيجية لدى اميركا وتصنيفه بالتوازي مع بوركينا فاسو. يجب أن تتضمن هذه التدابير تقليل التمثيل الدبلوماسي، المساعدات المالية والتغطية الاعلامية. عندها فقط سوف يدرك الايرانيون والقادة العراقيون إن الولايات المتحدة جادة بمسألة المغادرة وتركهم يتصرفون وحدهم بشؤونهم الخاصة.

هذا الانفصال الدراماتيكي سيحث القوى الإقليمية على زيادة ارتباطاتها ودعمها لبغداد. لسنوات عديدة من الان، افترضت دولاً مثل السعودية وتركيا إن الولايات المتحدة تدرك كيفية “إدارة” العراق. وحينما تظهر المشاكل بينهما وبين العراق كانا يذهبان الى واشنطن. فعندما أرسلت السعودية وزير خارجيتها في شباط 2017 الى بغداد للمرة الأولى منذ سقوط نظام صدام، أصر السعوديون على أن ترافق وزير الخارجية السعودي عادل الجبير وهو يتجول في عموم العراق إجراءات أمنية مقدمة من السفارة الأميركية، أي إن مهمة ترطيب العلاقات العراقية السعودية وقعت على كتف امريكا، حيث ان هذا النوع من التقارب من شأنه أن يخدم الطرفين.

هذه المعادلة يجب أن تتغير حالما تنسحب أميركا من العراق. نائب رئيس الوزراء للشؤون المالية علي علاوي كان في زيارة للمملكة السعودية قبل يومين، متأملاً الحصول على بعض الأموال السخية منها، وهو بذلك ينضم الى عدد من ممثلي الدول ذات الإقتصاد المتزعزع ويطلبون نفس الدعم من السعودية. لكن لو كان هناك تحالف جديد، فيستوجب على السعودية أن تملك الأولوية بنفسها دون الرجوع الى أميركا؛ هذه فرصتهم بأخذ زمام القيادة في المنطقة في عراق مابعد أميركا بطريقة لاتستطيع إيران مضاهاتها. هناك أخبار أولية عن عزم السعودية بتقديم 3 مليارات دولار كمساعدة للعراق. ولكن السعوديون، على أية حال، لديهم سجلاً حافلاً بتقديم الوعود والاختفاء بعدها.

فرص ضائعة

لدى أميركا تاريخ طويل مع العراق، حيث يزعم البعض إن هذه العلاقة بدأت مطلع الستينات من القرن الماضي إبان تسنم حزب البعث للسلطة، حيث بدأت العلاقة عن طريق وكالة المخابرات الأميركية (CIA)، علاقة لم يتم اثباتها حتى اللحظة لكن من الصعوبة نفيها بالوقت نفسه. لكن من المؤكد أنهم قد تورطوا في هذا البلد منذ ثمانينات القرن الماضي. أولئك الذين يصفون حرب 2003 بـ”إنها أسوأ خطأ فردي ارتكبته أميركا في تاريخها” كما قالها ترامب في الآونة الأخيرة يجدر بهم أن يقيموا العلاقة مع بغداد بجدول زمني أطول. فلا يوجد بلد في العالم قد أزعج صانعي القرار في واشنطن مثل العراق: كل الحلول قد تم تطبيقها فيه، كل أدوات النفوذ العظمى قد تم تجريبها مرة واثنين، لكن كل ذلك قد باء بالفشل. هذا كان تقييمي حتى عام 2016:

بمحض الصدفة (هل هي صدفة حقّاً؟) أنّ دولة العراق الحديثة شكّلت واحدةً من أكبر التحديات لنظام الأمر الواقع في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان على الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية وضع كافة أنواع العلاجات الممكنة لجعل السجال الواقعي فعّالاً. دخل العراق في واحدة من أكثر الحروب دمويةً في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الحرب العراقية الإيرانية. استبشر الواقعيون بالحرب، فكان العراق سيحل لهم المشكلة مع إيران التي عجز الرئيس كارتر عن فعل شيء تجاهها. وما كادت تمضي سنتين على نهاية تلك الحرب حتى اندفع العراق نحو اقلاق الأمر الواقع في الخليج. كان الواقعيون قد أملوا أنْ يتحرر نظام صدام بتلقاء نفسه شيئا فشيء. انصدموا عندما غامر العراق باحتلال الكويت وأخذ يهدد السعودية. شكّل الواقعيون أولَ تحالف دولي من الجيوش في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لإجبار صدام على التراجع عن مغامرته. فرضوا بعد ذلك نظام عقوبات صارم لتقييد طموحات صدام، وأطلقوا أسم سياسة “الاحتواء المزدوج” على سياسة تقييد صدام وإيران معاً. فرضوا بعد ذلك مناطق حظر الطيران لكي لا يقوم صدام بذبح أكراد العراق مرة أخرى. كان الرئيس كلينتون، بين الحين والآخر يعطي الضوء الأخضر لقصف العراق لإيقاف تجاوزات صدام. سعى الواقعيون بعد ذلك للحد من مضار العقوبات من خلال برنامج الأمم المتحدة “النفط مقابل الغذاء” ليشاهدوا بلا حول ولا قوة صدام وهو يقوضها لأهدافه الشخصية، ويقوم أحياناً برشوة مسؤولين في الأمم المتحدة وأقاربهم من أرباح البرنامج. استمر صدام بقتل الناس، ولكن ذلك لم يكن سبباً كافياً للتدخل من منظورهم البعيد.

وحتى عقب أحداث الحادي عشر من أيلول، كان الواقعيون يأملون حقّاً أن ينصلح صدام ويتفادى الحرب من خلال التعاون مع المفتشين الدوليين التابعين للأمم المتحدة. ولكن صدام لم يفعل ذلك، لأنه صدام.

لقد كان العراق طبق بتري لعلاجات الواقعيين السريعة على مدى عقدين، ولم تنجح أيٍ من هذه العلاجات.

 منذ عام 2003 والعراق يتحمل واحدة من أبشع موجات الفوضى في العصر الحديث، ولكنه صمد. لقد شهد العراق احتلالاً فاشلاً، تمرُّد، فسادٌ لا نظير لحجمه، صراع طائفي وعرقي، أشكال الأرهاب الأكثر همجية والأوسع مدى، ومسعى للعودة إلى حكم الفرد الواحد (المالكي، مع غض إدارة أوباما الطرف عنه). بعد أنْ غادرت الولايات المتحدة العراق، بدأ المالكي بضرب السنة من خلال نموذجه من الشوفينية الشيعية، ولكن السنّة لجأوا إلى التظاهر وليس السلاح. ولكن عندما حرمهم المالكي من حق التظاهر، عاد الجهاديون السنّة بقوة وتمكنوا للمرة الأولى خلال عقد من السيطرة على مدينة الفلوجة.

عبر مراحل من الإنتخابات الوطنية والمحلية، انتخب الشعب العراقي نخبة سياسية غير فعالة، أحياناً قابلة للبيع والشراء، ولم تستطع هذه النخبة مجاراة هذه التحديات العديدة. خلال العامين الماضيين فقط، تحمل العراق خسارة حوالي ثلث مساحته لصالح “الخلافة”، وعادت المليشيات الشيعية المدعومة من إيران، وانفصال الكرد على ارض الواقع. يواجه البلد انهيار مالي وشيك بسبب سوء الإدارة المالية وتراجع أسعار النفط. في جميع المقاييس، يجب أن يكون العراق ميتاً، أو شبه ميت. لكن عكس جميع التوقعات، لا تزال هناك دولة: يذهب الأطفال إلى المدارس والموظفون إلى دوائرهم، ويبيع أصحاب المحلات بضائعهم، ويباع النفط في الأسواق العالمية، كما يتم استرجاع المناطق التي سيطرت عليها دولة الخلافة مؤخراً. يواجه الكرد الآن حقيقة أنّ كيانهم المنفصل قد لا يتمكن من الإكتفاء المالي دون حصتهم من نفط البصرة. وعلى الرغم من فساد وعدم احترافية النخبة السياسية إلّا أنها استطاعت حرمان المالكي ولاية ثالثة رغم فوزه بأغلبية الأصوات.

وما يفاجأ أكثر هو أنّ آخر انقباضات حركة الاحتجاجات العالمية هي في بغداد، وهي قائمة منذ شهور. لماذا يتظاهر أي شخص ضد ما هو ميت؟

ألا يتبع التظاهر أملٌ ضئيلٌ بإمكانية إصلاح النخبة السياسية لنفسها؟ من أين يأتي هذا الأمل؟

بالإمكان كتابة تاريخ موازٍ حول كمية الفرص الضائعة التي مرت على العراق، سواء كانت من جانب الأميركان أو من الطبقة السياسية نفسها. ولو كان بالإمكان عمل دراسة حول مناطق مختلفة وحقبات زمنية متنوعة، فمن الصعب أن نجد فيها سجلاً حافلاً بسوء الحكم والفشل في تصحيح الأخطاء مثلما نجده عند صانعي السياسات الأميركية حول العراق. كانت آخر فرصة ضائعة هي الاحتجاجات الأخيرة والتي تحمس لها وزير الخارجية مايك بومبيو لكنه لم يحسن استغلالها بطريقة ذكية. لم تكن هناك شحة أفكار تجعلهم يتقاعسون لعمل حركة ما. إحدى هذه الأفكار جائت عبر مذكرة سلمها السياسي العراقي المتقاعد مثال الآلوسي الى إدارة ترامب بتاريخ 6 تشرين الثاني 2019. جادل الآلوسي بالقول إن باستطاعة أميركا كسب الرأي العام العراقي وصياغة سياسة شعبية جديدة بسعر بخس عبر إهانة الطبقة السياسية الحالية بسبب الفساد المستشري فيها. وبشكل فعال، بما معناه استثمار خطاب ترمب ضد الطبقات الحاكمة عالميا. لقد كتب:

يريد ترامب عدم تحميل أميركا مسؤولية ما يحدث في الشرق الأوسط، يريد أن يتحمل الساسة المحليون المسؤولية بدلاً من ذلك. ما رأيناه في العراق ولبنان هو خروج الكثير من المواطنين للمطالبة بالاستماع لشكاواهم. هم غاضبون من الإدارة السيئة لحكوماتهم وبالخصوص، من الفساد المستشري فيها. وغضبهم هذا يتفاقم طالما تستمر الطبقة السياسية بعدم الاستجابة لهم، أو تقوم بإصلاحات ترقيعية أو ترد بشكل عنيف ودموي. يعرف الناس في الشرق الأوسط، وبالعراق على وجه الخصوص بأن الفساد والقمع المستمر فتح الأبواب لدخول مجاميع داعش، وتستغل الميليشات الإيرانية عذر تواجد داعش بأن تتمدد داخل أراضي الدولة. يطالب الناس بمعالجة المشكلة من جذورها -الفساد- لذا يتحتم على القوى الأجنبية كأميركا بأن لا تستمر بتدخلها المتذبذب كل بضع سنوات لتُطفئ النار هنا وهناك. أو كما سماها الرئيس دونالد ترامب بـ”الحروب بلا نهاية”.

يريد الرئيس ترامب المغادرة، لكن قبل أن يغادر يجب أن يعطينا هدية بمناسبة الفراق. هدية بالإمكان أن تصبح مذهباً له على صعيد السياسة الخارجية؛ “عقيدة ترامب”. فعندما يخرج الناس للمطالبة بحكومات جيدة، يجب على أميركا الإلتزام بتقديم المساعدة عن طريق “تجفيف المستنقعات” والمياه السياسية الآسنة كما يحلو لترمب وصفها امريكيا. نحن نطلب من الرئيس ترامب بتصريف تجفيف المستنقعات المستشرية في بغداد وبيروت والسيطرة على الفساد ومحاسبة الطبقة السياسية على كذبها وقلة جدارتها. سيقف الرئيس ترامب بجانب الشعوب ضد الفاسدين في جميع أنحاء العالم. وبالإمكان البدء بإثبات هذه العقيدة الجديدة من العراق، البلد الذي تبلغ حجم الأموال المختلسة فيه مئات المليارات من الدولارات، ربما الحجم الأكبر من السرقة في التاريخ الحديث لو تم قياسها بمقياس عالمي.

إن عامل الإغراء الإضافي هو أن هذه السياسة/العقيدة ستكون خاصة بترامب وحده؛  فقد سخّفت النخبة السياسية الامريكية المتخصصة بالأمن القومي والسياسة الخارجية صعود القوى العلمانية والمدنية والداعية لنبذ الطائفية في الشرق الأوسط واستزهئت بها. وحسب قول هذه النخبة فإن هذه القوى الصاعدة لاتضاهي قوة الطبقة السياسية الأوليغارشية المستبدة والطائفية، خصوصا اذا كانت مدعومة من قبل إيران. ورغم ان هذه الأفكار قد عفا عليها الزمن، لكن خروج الشباب والفتيات اليوم قد فاجأ الطبقة الحاكمة وفاجئ العالم وتفاجؤا الشباب حتى بأنفسهم. أنها لحظة جميلة لا يجب إهدارها كما فعل الرئيس السابق باراك أوباما عندما أهدر الزخم الذي حدث في الأسابيع الأولى من الربيع العربي. مازال أمامنا ثلاثة أو أربعة أسابيع من أجل ضخ النجاح بداخل هذا الحراك. إن جزءاً كبيراً من هذا النجاح سيتحقق عندما يشعر هؤلاء الفتية بأن قائد أقوى دولة على وجه الأرض قد سمعهم وسيقدم تعهد منه بأن أميركا ستساهم في دحر الفساد في بلدهم.

ثم عقب الآلوسي بتقديم توصيات محددة في تلك المذكرة لما يجب فعله. لم تكن هناك حاجة بتشريع هذه التدابير؛ فمناقشتها فقط في أروقة واشنطن كان بإمكانه أن يوصل رسالة تأييد بليغة للعراقيين. من نافلة القول انه لم يتم النظر بأي من هذه التوصيات، أي لا رسالة ولا فعل. كان هناك جهد موازٍ في الكونغرس الأميركي فيما يخص الفساد في العراق ولكن النائب توم مالنوفسكي انبرى لتمييع اهم مرتكزاته. وما تبقى كان لبومبيو أن يكتب تغريدات مشجعة بين فترة وأخرى، يا للسخرية!

معركة بومبيو المتهورة مقابل منهجية ترامب اللامبالية 

بومبيو مستعجل ومتهور والوقت ينفذ منه، لقد قام بتمديد سياسة “الضغط الأقصى” ستة أشهر من بعد ستة اشهر سابقة، وثم يعيد المحاولة، وفي كل مرة استطاع أن يقنع ترامب إن الإيرانيين سيأتون باكين أمامه. ولكن هناك خطر حقيقي إنه وخلال فترة التمديد الحالية قد يقوم الايرانيون بفعل شيء قد يؤدي الى تعقيد المشهد الانتخابي وتعكير انتخاب ترامب لدورة جديدة. حينها سيُجهّز منتقدوا ترامب شعاراتهم: “حسناً، ماذا سيحدث باعتقادكم بعد مقتل سليماني؟” اتت صحيفة نيو يورك تايمز بتاريخ 20 آيار بإدعاء سخيف بأن الإيرانيين لا يريدون جر ترامب لمواجهة مباشرة في العراق لأن ذلك قد يرفع حظوظه في الانتخابات الأميركية، بالتالي فقد اختاروا سياسة “التهدئة الضمنية”. هذا التفسير ينم عن سوء فهم جوهري لمشاعر الجمهور الأميركي. وقد تكون قراءة خاطئة وخطيرة حول السبب الذي يدفع إيران للتصرف بإستكانة في الوقت الحالي.

قد يكون استعجال بومبيو وتهوره مكلفاً بالنسبة للرئيس. فهو لا يتصرف بذكاء كافٍ. إذ قام بإصدار بيان صحفي بتاريخ 11 كانون الثاني يتناول الدعوات التي تتصاعد في بغداد والداعية للإنسحاب الأميركي من العراق، حيث تحدث بشكل مباشر حول عدم نية الولايات المتحدة سحب جنودها من العراق وإنما بالإمكان مناقشة “إعادة تموضعها في الشرق الأوسط” كما أشار الى الشراكة الاستراتيجية التي تربط البلدين والتي لا تقتصر بالملف الأمني وإنما تمتد لتشمل الملف الاقتصادي والدبلوماسي والمالي. “نريد أن نكون شركاء وأصدقاء مع عراق قوي ومزدهر ومستقل.” وفي الوقت نفسه، تسربت قصة في صحيفة وول ستريت جورنال تقول أن وزارة الخارجية قد وجهت رسالة شفوية للحكومة العراقية مفادها إن “الولايات المتحدة عازمة على غلق حساب العراق في البنك الفدرالي الأميركي.” اين ذهبت السيادة إذن؟! وفي إعلانه عن المحادثات المرتقبة بتاريخ 7 نيسان، وصف بومبيو الولايات المتحدة بأنها “قوة داعية للخير في ذلك البلد (اي العراق) وإنها أقرب صديق للعراق.” أحم.

إن مثل هذه التصرفات البهلوانية لاتشير الى قوة اميركا. بدلاً من ذلك، فإن الإشارة الى ان الولايات المتحدة تريد البقاء بصورة ملحّة في العراق سيؤدي الى كشف ضعف الجانب الأميركي أمام الإيرانيين عندما يجعلون من التواجد العسكري كمعيار ذهبي لمفهوم “بقائهم”، وذلك سيؤدي الى اعطاء الإيرانيين هدفاً محدداً وقدرة بالسيطرة على جدول الاحداث. في المقابل، لأميركا ان تنتصر بالابتعاد عن المقارعة.

لا يملك بومبيو أية أجابات مقنعة حول كم ستطول سياسة “الضغط الأقصى”. هل ستستمر الى ان يسقط النظام كما يدّعي؟ أو ما الخطوات التالية فيما لو رفضت إيران الجلوس والتفاوض مع ترامب؟ هل سيرهنون مصير العراق لممارسة سياسات مفتوحة وغير مثمرة؟

الآن لنقارن بين الحاح بومبيو المرتبك وبين منهجية رئيسه ترمب. قام ترامب بقتل سليماني لأنه لا يبالي بالعراق. لا بد أنه قد اطلع بشكل مسهب على التداعيات المحتملة لرد الفعل الإيراني، والتي سيحدث معظمها في العراق. ربما وضع ترامب احتمالية حدوث مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران قد تستمر في ظنه أسبوعاً أو اثنين، تتطاير فيها النيران فوق المدن الإيرانية، ثم يتوسل الإيرانيون بعدها للجلوس على طاولة المحادثات.

لقد قام ترامب بالتخلص من سليماني كخطوة تفاوضية. وكما فعل سابقاً في نقل سفارته إلى القدس قبل عامين، قام ترامب بإبعاد طبق التحلية من الطاولة، وهو تكتيك كلاسيكي في إظهار القوة أثناء المفاوضات. كان من المرتقب لو حدثت مفاوضات ان نشهد الإيرانيون يتظاهرون فيها بالتردد والتثاقل في حسم الاشكال المتمثل بما يقوم به سليماني، ليقوموا في النهاية بالتنازل عنه على مضض إظهاراً لحسن النية من جانبهم، وهذا سيكسبهم مزيداً من الوقت والتألق كي يحصلوا على تنازلات افضل من الجانب المقابل. وقد تكون مسألة إبعاد سليماني أحد الخطوات الأخيرة القلائل التي يُظهرون بها للعالم بأنهم عقلانيون وطبيعيون مما سيزيد الضغط على المفاوض الامريكي. قام ترامب ببساطة بتخطي ذلك الجزء مما وفّر حلاً لمشكلة الجانب الآخر من جهة، لكنه حرمهم في نفس الوقت من فرصة أن يكون مديناً لهم بالفضل.

توقيت الضربة له دلائله أيضاً، فقبل ستة أشهر، اوقف ترامب العد التنازلي لمواجهة مباشرة مع الإيرانيين، وبعدها صرح بأعذب كلام باستطاعته تجميعه قائلاً: “الإيرانيين أذكياء جداً وطموحين ويملكون مؤهلات هائلة” قالها في وصف أصدقائه الإيرانيين في نيويورك ولكن من خلالها اراد ان يدغدغ مشاعر الايرانيين حول العالم.  ترامب وصف نفسه أيضاً بالقول إنه “ليس داعية حرب ولا حمامة.” هو يتصرف بطريقة منطقية، ويؤكد بأن كل ما يريده هو “لا للإسلحة النووية.” 

 “لذا سنبدأ من جديد. بمقدورنا عقد اتفاق جديد بسرعة معهم؛ لو كانوا يرغبون بذلك… الأمر متروك لهم، لو وافقوا على ذلك ستصبح إيران دولة غنية وسعيدة، وسأصير أفضل صديق لهم.” ثم صاغ عبارته الشهيرة بطريقة أخرى “لنجعل إيران دولة عظيمة مجدداً”.

وبعد ستة أشهر – لنتذكر إن هذه الجداول الزمنية كانت من صنيعة بومبيو التي أراد توريط الرئيس فيها ولم تأت بنتيجة-لم يرى ترمب تجاوبا مع كلامه المعسل. فأتت خيبته على شكل: “باي باي حجي قاسم.” 

المفارقة إن سليماني كان يعتقد بأنه طرف مفاوض أيضاً وبشكل مباشر مع ترامب. فقبل أربعة أشهر من مقتله، كان بعض الإماراتيين يتجولون في بغداد وبيروت باحثين عن شخص موثوق يوصلهم للجنرال. كانوا يدعون ان باستطاعتهم العمل كقناة مباشرة للوصول الى ترامب. لا أعرف هل نجحوا بالتواصل مع سليماني أم ذهبت جهودهم عبثاً. لكن سليماني كان يعي هذه الجهود، وبحسب وجهة نظره كان يعتقد بأن الإماراتيين يتحركون حسب توجيهات مباشرة تأتيهم من البيت الأبيض. وربما انه فهم عدم الرد على عملية استهداف مصافي بقيق السعودية في شهر أيلول الماضي كإشارة على أن ترامب يفضّل الحوار، وربما يفضل الحوار مع قائد فيلق القدس بشكل مباشر.

سليماني كان ينتظر استغلال وقوع حدث كبير لكي يعمل على إخراج الأميركان من سوريا والعراق. كانت تلك هي لحظة النصر بالنسبة له. ليس نصراً على الامريكان بالدرجة الاولى، وإنما لإثبات واقع جديد امام كل من يتابع شأن هذين البلدين، بأن هناك شخص جديد على رأس الهرم، أي سليماني نفسه. التظاهرات التي حدثت أمام السفارة الأميركية في 31 كانون الأول لم تكن هي الحدث المنشود بالنسبة له. فبينما كانت البوابة الخارجية للسفارة تحترق، كان سليماني حينها يعتقد أن بإمكانه التواصل مع المسؤولين في الداخل ورؤساؤهم في واشنطن موجهاً رسالة مفادها “رغم اننا لم نكن المسؤولين عما حدث في كركوك (الهجوم الصاروخي في 27 كانون الأول) ورغم انتقامكم كان غير عادل ضد رفاقنا (في القائم في 29 كانون الأول) إلا أن هذا الشغب هنا هو أقصى ما سنقوم به.”

وعندما غرد ترامب حول “بالضد من بنغازي” في إشارة الى التعامل الأميركي مع الحدث هناك، فهمها سليماني على أن ترامب قد وصلته الرسالة. فلو ربطنا ما حصل في حادثة السفارة الأميركية وماحدث في ليبيا قبل سبع سنوات مضت ومقارنتها مع إدارة هيلاري كلينتون لها في ذلك الوقت، سنعرف أن ترامب لم يُرد سوى كشف حقيقة أنه لايضع للعراق أهمية وليس مهتماً بما يحصل هناك. وفي تلك اللحظة بالذات، كان يتكلم إلى جمهوره الانتخابي، مع التذكير بأنه كان يريد دائماً الخروج من العراق.

ما زال قرار ترامب بتوجيه ضربة وقتل سليماني يبدو شيئاً سريالياً. بالتأكيد، كانت هناك إحاطات مفصلة للضربة، لكنني أشك بأن الجهات التحليلية الحكومية كانت تملك دراية كاملة عن العواقب التي قد تترتب عليها هذه الضربة، فلقد تبيّن إنه رهان محظوظ وسعيد لغاية الآن. ولكن بعد كل هذه المكاسب الاستراتيجية، يجب على المقامر التفكير بمغادرة الطاولة حاملاً مكاسبه.

بعد موته، ظهرت إن مكانة سليماني أكبر مما كانت تتصوره الأوساط المراقبة للشأن الإيراني. ومنذ ذلك الوقت أصبح الحديث السائد اليوم هو عن دوره المُحتمل بأن يكون المنسق والمدبر في مرحلة ما بعد خامنئي – وهو الدور الذي قام ترامب بإجهاضه.

تدفقُ الحزن في شوارع إيران إثر فقدان الجنرال بدا شيئاً حقيقياً. فمن هم أولئك الذين جاؤوا لتشييعه؟ أنا أعتقد أن جميعهم من المؤمنين جداً بالنظام، الذين مازالوا يريدون ان تثبت “الثورة الاسلامية” شيء ما وتحقق رسالتها. فالكثير منهم قد ضحوا—مثل سليماني—من أجل هذه المفاهيم الثورية، وكانوا يرون في سليماني الأسد الأخير والمخلّص للثورة. كان مُقدّراً له أن يطهّر المعبد الأعلى، ويطرد النخبة الفاسدة التي ترتدي زي الثورة وتتحدث بكلمات نارية، لكنها ضلّت طريقها، من أروقة الحكم. وشخص مثل سليماني لايمكن تعويضه لكي يكمل إنجاز هذا المشهد، لقد استغرق الأمر أربعين سنة لتهيئته وإعداده لمثل هذا الدور. لا يوجد شخص مثله، اذن هؤلاء المعزون يبكون الرجل ويبكون حلمه. 

ليس للخامنئي خطة بديلة لخليفته، ولم يقتنع مراقبي الشأن الإيراني بشخص آخر مميز.  يبدو أن مقتل سليماني قد هزّه، فلا توجد نار متوقدة في عينيه. فصائل النخبة الاخرى، تلك التي كانت تستشعر الخطر بتصاعد نجم سليماني، أخذت تتنفس بارتياح الان. هم الان مشغولون بإحكام سيطرتهم على تصرفات خامنئي من تحته. لقد اختاروا مسار تخفيف التصعيد مع الولايات المتحدة، مما أثار غضب “مشيعي سليماني” الذين يضمرون لهذه النخبة بالفعل مشاعر الاحتقار. مشيعي سليماني لديهم اسئلة مشروعة: “ما الداعي لكل هذا الفعل الثوري لو لم تكن هذه اللحظة السبب في القتال؟ لماذا يدفعوا ثمن كونهم منبوذين عالمياً لو لم ينتقموا لمقتل سليماني؟ الا يستاهل الجنرال ثأراً مزلزلاً؟” أخطر ما يواجهه النظام الايراني هي هذه الجهة التي تستحق وصف “الضغط الأقصى”—دائرة مناصري سليماني—الذين قد أداروا ظهورهم لنظام كان يحسبهم خط الدفاع الأول له. 

بالتالي فإن مقامرة ترامب مازالت مستمرة بالعطاء.

مسار الحظ؟

غرد خامنئي مرة أخرى بتاريخ 17 أيار قائلاً ” الأميركان لن يبقوا في سوريا والعراق، سوف يُطردون” بالتأكيد، قد يكون هذا مجرد كلام. لقد تحدث بمثل هذا القبيل سابقاً. لكن من الخطأ السماح له بتحديد خط النهاية بنفسه. في الوقت الحالي، يمكن للإيرانيين التحشيد وضرب بعض الصواريخ التي دوما ما تخطئ هدفها—السفارة الأميركية ببغداد— في الوقت الذي يقومون فيه بتعليق لوحات اعلانية في عدة مدن عراقية يظهر فيها الخميني وخامنئي وسليماني احتفالاً بيوم القدس. هذه تصرفات باهتة وضعيفة، ومن الخطأ اعتبار مثل هذه الأفعال المسرحية بوصفها هيمنة ايرانية أو حتى تحدٍ حقيقي من جانبهم. ومع هذا، لو تباطئت أميركا في البقاء في العراق، واستطاع خامنئي أن ينهض من ركوده ويُثير انصاره لخلق مشاهد إذلال، عندها ستفقد أميركا كل مكاسبها التي حصلت عليها من مقتل سليماني.

في غضون ذلك، يُغرد بومبيو بعد حديثه مع رئيس الوزراء الكاظمي في 22 أيار، قائلاً “من الواجب على الكاظمي التحرك لتنفيذ الاصلاحات التي يطالب فيها الشعب العراقي الذي يستحق حكومة خالية من الفساد وتلبي احتياجاته وتلتزم بالتغلب على الأزمات الاقتصادية التي تواجه البلد.” يضع بومبيو آمالاً كبيرة في “رجُله”، الذي كان نظيره في السابق عندما رأس جهاز المخابرات العراقي في الوقت الذي كان فيه بومبيو يرأس وكالة المخابرات الأميركية، وهكذا كلام قد يبدو للعراقيين أن أميركا سوف تساند الكاظمي في مواجهة التحديات في طريقه.

يملك الكاظمي تاريخاً جيداً من الدعم الأميركي الكبير والثابت. حتى إن جون برينان، وهو مدير وكالة المخابرات الأميركية الأسبق، قد دفع بالرئيس باراك أوباما قبل عدة سنوات بأن يتصل بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان ويحثه على تقديم ثناء بحق تسنم الكاظمي منصبه السابق. كما أوصى الأميركان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالتواصل مع الكاظمي لكي يحسن علاقة السعودية مع بغداد والنجف. 

لكن لم يكن للأميركان أثر كبير بعملية تنصيب الكاظمي كرئيس للوزراء.

لم يصل الكاظمي لمنصبه عن طريق عملية سياسية، بل بواسطة “لعبة تجسس” تناولتها أدوات إيرانية تعمل بالضد من أدوات إيرانية أخرى. هذه المكائد نفسها دفعت بسلفه عدنان الزرفي الى دائرة الضوء ولو لفترة وجيزة. تكشّفت هذه المؤامرات الغريبة في الأسابيع المضطربة الماضية والتي شهدت قيام بعض عناصر الحرس الثوري الإيراني بتقويض ما تبقى من قوة القدس، وهو فرع من فروعهم والذي على ما يبدو أصبح أكبر من أصله او هكذا اصبحوا يتحسسون منه. قام جواسيس الاطلاعات الايرانية بطعن من يقف في وجههم بممرات السلطة في بغداد وطهران، وقاموا بإثخان اسماعيل قاآني، خليفة سليماني، بالجراح. فقد وصل الى بغداد للمحافظة على إرثه لكنه اضطر للتراجع قبل ان تلحق به هزيمة نكراء: لقد حفظ ماء وجهه شيئا ما بعرقلة تنصيب الزرفي، لكنه لم يكن قوياً كفاية لإعاقة صعود الكاظمي.

وبدلاً من أن يهنئوا أنفسهم بتنصيب الكاظمي، يجدر على الأميركان القلق بشأن إعادة لملمة الإيرانيين لأنفسهم بعد انتهاء المشاجرات الداخلية بينهم. يجب أن يقلقوا بشأن دعم الإطلاعات الايرانية القوي لترشيح الكاظمي ثم الالتفاف عليه وتسريب قصص خطيرة في صحيفة الغارديان حول لقاء مزعوم حدث في أواخر شهر شباط بين الكاظمي وزعيم حزب الله حسن نصر الله كتمهيد للوصول لرئاسة الوزراء. لا تزال اللعبة يشوبها شيء من الغموض، لكن في الأيام القليلة القادمة سيظهر تسلسل هرمي جديد يعيد ترتيب النفوذ الأيراني وتأكيده، ثم تحويل العراق بواسطته الى أداة إيرانية عند التفاوض مع ترامب. لو بقيت الولايات المتحدة تستثمر بقوة في شخص الكاظمي، فهذا سيحوله هو وفريقه الى هدف لجميع أنواع السهام المسمومة.

لم يكلف ترامب نفسه عناء حفظ أسماء حيدر العبادي وعادل عبد المهدي وأتخيل أن الأمر سيبقى متشابهاً مع الكاظمي لو خير له ذلك، إلا لو استمر بومبيو بإلحاحه عليه. غريزة ترامب بالتعامل مع هذا الملف قد تكون مفيدة.

هناك فرصة بتحويل اللامبالاة الرئاسية هذه الى لامبالاة إستراتيجية. لو لم تستمر الولايات المتحدة بتعزيز قواتها العسكرية وآمالها في العراق، فإنها ستنكر اعتبار الإيرانيين كخصم. ففي بعض الاحيان التنازل عن مواجهة خصم متهيأ للنزال هو انتصار بحد ذاته. في الواقع، هو ابعاد طبق تحلية آخر من على طاولة المفاوضات. سيغرد خامنئي قائلاً بأن “المهمة اكتملت” لكن باقي العالم سوف يرى ويتذكر بأن هذا نصر وهمي لأن ترامب لم يكن مهتما بالعراق من الأساس.

هل من المنطقي تفصيل سياسة خارجية تتلائم مع غرائز ترامب؟ هكذا يفترض بالنظام الامريكي أن يعمل حسب الدستور والتجارب المسبقة. أنصار سياسة “الضغط الأقصى” ليسوا الوحيدين الذين يعملون على عرقلة مسار ترامب. فبالنظر الى الكراهية التي يضمرها موظفي مؤسسات الأمن القومي لهذا الرئيس، فأن دافعهم اللا إرادي هو احباط مخططاته في الشرق الأوسط. “ترامب يريد إخراج قواتنا؟ لا، بل يجب علينا إبقائهم مهما كلف الثمن” وثم كالعادة سيُغرد بريت مكغورك معلنا معارضته لترامب. هم لا يعتقدون بقدرته على استيعاب وفهم المنطقة. ولكن من المفيد لهم أن يقرؤا السير الذاتية لأكثر رجال الدولة والمخططين الاستراتيجيين تأثيراً في التاريخ، حتى أولئك كانوا يتصرفون بشكل خاطئ.

ذات مرة، في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، تراودت في ذهن رجل الدولة العراقي نوري السعيد آنذاك فكرة تحويل ابن سعود الى أقوى رجل في المنطقة. كان السعيد آنذاك يعمل بالنكاية بالملك غازي وحاشيته والذين قاموا بعزل السعيد سياسيا، لكنه تخلى عن الفكرة عندما عاود ارتباطه الوثيق مع الهاشميين مرة أخرى. لكن الفكرة ظلت باقية، الى حين اكتشفها حاييم وايزمان وتم اغواءهُ من قبل ساينت جون فيلبي، الضابط البريطاني الذي تحول “دلّالاً” لدى السعوديين، بمزاياها الاستراتيجية التي قد تخدم القضية الصهيونية ايضا. قام وايزمان بإثارة الفكرة مع ونستون تشرشل أيام الحرب العالمية الثانية عندما كان الأخير يبحث عن أفكار جديدة وكبيرة تتلائم مع إعادة برمجة سياسات بريطانيا تجاه الشرق الأوسط كلياً وجذرياً. اعجب تشرشل بالفكرة كثيرا وأراد تحويل ابن سعود الذي كان يصفه بـ “اعظم عربي على قيد الحياة” الى “زعيم زعماء” المنطقة، حتى ان تشرشل قد أيد الغاء الملكية في العراق وشرق الأردن من أجل تمهيد الطريق لذلك. ثم طلب من وايزمان أن يناقش الفكرة مع الرئيس الامريكي فرانكلين دي روزفلت قائلاً “لا يوجد شيء لا نستطيع القيام به لو اتفقنا أنا وهو على فكرة واحدة.”

إبن سعود، وبشكل غير معهود، لم يغتنم الفرصة ولم يدع الخطة تسير ليعرف بعدها ماذا سيجري، لقد عبّر عن استياءه من بعض بنود الاتفاق التي قد تُظهره امام حاشيته، وقسم منهم كانوا من العروبيين، وكأنه يستلم رشوة صهيونية في جيبه. شعر روزفلت بالغضب أيضًا عندما سمع انه قد تم الاستشهاد باسمه عند ابن سعود كأحد أطراف الاتفاق، حتى قبل أن يطلع الاميركان على فحواه وبنوده. لقد ساهمت القضية بأكملها بتقليل شعور الإعجاب الذي يكنه ابن سعود للبريطانيين. ورفعت من احترام روزفلت لشخص ابن سعود على حساب الصهاينة. يُمكن دراسة هذا الموقف واعتباره كأول لبنة شراكة بين أميركا والسعودية، شراكة سوف تمهد لوجود أميركي متزايد في الشرق الأوسط الى حين يومنا هذا. (لقراءة المزيد عن هذه القضية ادعوكم لمطالعة كتاب يهوشع بوراث الثمين “البحث عن الوحدة العربية 1930-1945” والصادر سنة 1986)

كانت الاجهزة البيروقراطية في لندن وواشنطن أكثر ذكاء في ذلك الوقت، أو بالعبارة الادق كان في صفوفها من يتمتع بموهبة على الأقل. لقد تمكنوا من احباط هذه الفكرة من أجل الحفاظ على الوضع الراهن كما هو، اي التمسك بسياسة الامر الواقع. لكن بالطبع، لم يكونوا أذكياء بالشكل الكافي لكي يدركوا بأن المنطقة كانت بالفعل تحتاج لأفكار جديدة وكبيرة وجذرية في الواقع. سوء تقديرهم هذا أودى بالأنظمة التي أوجدوها في الفترة مابين الحربين العالميتين؛ الأنظمة – في سوريا ومصر والعراق، وهي الدول الناطقة بالعربية ذات الاهمية— كلها ستنهار في غضون عقد من الزمن بسبب تقاعسهم هذا عن ايجاد طريق جديد.

لذا على المراقبين ان يسنحوا لترامب بتطبيق علاجاته كما يراها، خصوصاً وإن جميع المراجعات التاريخية تُظهر بأن كل شيء تم تجربته في العراق باء بالفشل وهذه المراجعة تشجعنا على تجريب فك الارتباط الشديد معه. دعونا نجرب طريقته فالبديل، بإبقاء الأمور كما هي على أمل ظهور جو بايدن وفريقه، لهو حماقة مطلقة: من ينسى ان هذه الحفنة المحيطة ببايدن كانت متورطة بإفساد الامور بصورة تامة في العراق والمنطقة؟ 

العواقب

لقد استقال جيم ماتيس بسبب احتمالية انسحاب ترامب من سوريا، واستقال جون بولتون نتيجة لعدم قيام ترامب بفعل شيء تجاه ايران على إثر سقوط طائرة الاستطلاع  RQ-4A، بالإضافة الى رغبة الرئيس بالانسحاب من افغانستان. وقد ينضم بومبيو اليهم ويقدم استقالته، على الرغم من ان ذلك سيكون خروجاً ملحوظاً من الطريق الحذر الذي ارتسمه لنفسه منذ شبابه نحو الرئاسة. ولكن حتى لو فعل ذلك، فباستطاعة الرئيس تحمل هذا الإحراج وقلبه الى فوز بمساندة قاعدته الشعبية.

يتوجب على الولايات المتحدة أن تجعل عملية الانفصال هذه نظيفة ونهائية. وهذا لا يعني اعادة تموضع قواتها الى كردستان العراق، فالقيام بذلك سيؤدي الى تمييع هدف وروحية المغادرة. ترك العراق بشكل نهائي سيخلق لحظة الحقيقة لدى القادة الأكراد. لحظة ستجعلهم يحسمون موقفهم الحالي المعلق، فأمامهم إما القتال مع بغداد من أجل محاولة الحصول على استقلال كامل، أو القبول بما هم عليه. وهذا ينطبق أيضًا على العرب السنة؛ يجب على جميع الفصائل العراقية التفاوض حول شكل الدولة النهائي، والتي قد يكون أحدها المحافظة على الدولة العراقية الحالية وتوطيدها. إن الوجود الأميركي لا يشجع سوى على التعنت وإظهار المشاعر الدرامية من كل الاطراف التي تعتقد بأن أميركا تقف الى جانبها—وهو امر قد يتقلب من اسبوع الى آخر. في شهر تشرين الأول عام 2017، اعتقد مسعود بارزاني انه يملك حماية أميركية. وادى ذلك الى انتهاء كارثة الاستفتاء من أجل الاستقلال، وانتزاع كركوك بأكملها، الى إحراج أميركا وتوجيه ضربة قاتلة في قلب الحياة السياسية في العراق بعد أن أثبت سليماني خطأ اعتقادات بارزاني. يجب على الولايات المتحدة ألا تسمح لنفسها أن تُستخدم كدعامة في الخلافات الصغيرة التي تحدث بين لاعبين من الدرجة الثانية و الثالثة.

أما بالنسبة لخطر المجاميع الجهادية، فالعراقيون يملكون مايكفي من التدريب والامدادات. ويمكن للمرء أن يعتقد بأن دوافع العراقيين الوجودية للنصر، سوف تجعلهم يقضون على ما تبقى من الدولة الاسلامية، أو تحييد خطرها في الصحارى على الأقل. فلا يمكن انقاذهم لو لم ينقذوا انفسهم بانفسهم. علاوة على ذلك، كان سليماني يصر على أن النصر قد تحقق بفضل سواعد قوات الحشد الشعبي، دعونا نرى ما إذا كان باستطاعة ورثته تكرار هذا الانجاز من دون غطاء جوي أميركي.

طوال حياتي العملية، كنت مدافعاً للتحالف الأميركي العراقي وتعاملت معه كحجر أساس لصناعة نموذج استراتيجي وتحولي جديد في الشرق الأوسط. كنت اعتقد بقدرة الولايات المتحدة على تحويل العراق الى حليف إقليمي لها، تشير اليه بحماس عندما تدعو الى حياة سياسية ديمقراطية جديدة في الشرق الأوسط. لم يكن من السهولة عندي أن اتصالح مع فكرة إن هذه الشراكة هي شراكة سامة، لا يمكن معالجتها الى عن طريق الانفصال. مع ذلك، مثل هذه الافكار لا تأتي بسبب الإرهاق أو التشاؤم من الوضع الراهن. لكنها خطة “المنطق السليم” لكي تمضي الأمور عبرها قدماً.

يأمل المرء برؤية عراق يتمتع بأمن وسيادة يتخذ طريقاً باتجاه مدار الولايات المتحدة في نهاية المطاف بينما تمر المنطقة بتشنجات عديدة، وتفشل فيها قوى-مدّعية وقوى إقليمية بالمحافظة على انظمتها.

بعد كل ذلك، ما الخيار الذي يمتلكه العراق؟

تعليق