مالذي يجري في العراق؟

نبراس الكاظمي

(مترجمة عن الانكليزية، نشرت اولا في مدونة باب الطلسم يوم 23 شباط 2016، ترجمة رشا العقيدي)

لقد أوقعَ رئيس الوزراء حيدر العبادي نفسه في مأزق سياسي ومن المستبعد أن يجد مخرجاً منه غير الإستقالة من المنصب. وضعت الولايات المتحدة رهاناً كبيراً على العبادي باعتباره شريكها الضروري الأوحد في العراق، ويرى الكثيرون بأنّ أمريكا لا تملك النفوذ الكبير على العديد من الشخصيات السياسية لكي تبقي العبادي في منصبه. هذه الشخصيات السياسية، التي تشعر بالتهميش والإبعاد نتيجة العلاقة بين العبادي والولايات المتحدة، قد ترى بأنّ على إدارة أوباما أن تبرهن لعامة الأمريكيين أنّها تؤدي عملٍ ما ضد الجهاديين في العراق بدلاً من المخاطرة بالتلويح بالابتعاد الأمريكي عن العراق في حال فشل الساسة في مجاراتها في ميولها السياسية.

التغيير الوزاري. أعلن العبادي عن عزمه إجراء “تغيير وزاري شامل” وتشكيل حكومة من “التكنوقراط” وليس من السياسيين. من المزعوم أنّ رؤيته تضمن استبدال جميع الوزراء، باستثناء وزيرين، مع إبقاء وزير التخطيط في منصبه، وتسمية عادل عبدالمهدي (وزير النفط الحالي) وزيراً للخارجية. يعتقد العبادي بأنّ التغيير الوزاري سيكسبه الوقت وحسن النوايا في ذهن العوام في العراق الذين يزداد استياءهم كما هو واضح في مواقع التواصل الاجتماعي، إذْ يعتقد العبادي أنّه قادر على صرف الانتقادات عنه وتصويبها نحو العملية السياسية والقائمين عليها. يعتقد العبادي أنّ جناحه في حزب الدعوة في مأمن لأنهُ في حال تنحيته، لن يتمكن الحزب من اقتراح اسم بديل له من بين صفوفه، وسيذهب منصب رئيس الوزراء إلى كتلة شيعية أخرى. أعتقد العبادي أيضاً بأنّه تمكن من تحجيم مقتدى الصدر من خلال التنسيق معه في الإعلان عن التغيير الوزراي حيث اعتمد على دعم الصدر لاقناع كوادر حزب الدعوة المذعورين بأنّ “القفزة الكبيرة” لن تعرض هيمنة الحزب على منصب رئيس الوزراء إلى الخطورة.

ولكن هناك مشكلتان في تبريرات العبادي حول التغيير الوزاري.  من الناحية الإدارية، فأنّ الوزارء الذين يحملون الملفات الأهم في العراق الآن، أي المالية والأمن والتوازنات الإقليمية، هم إداريون متمكنون ويتمتعون بمقدار من انفوذ السياسي. أستطيع تسمية ثلاث وزراء فقط ممن اعتبرهم “الحلقة الأضعف” ولذلك يستوجب تغييرهم في المؤسسات التالية: المالية، البنك المركزي، التخطيط، النفط، الكهرباء، الدفاع، الداخلية، والخارجية. يصعب إيجاد بديل أفضل لهوشيار زيباري كوزير للمالية، أو لعادل عبد المهدي كوزير للنفط، مثلا. إذا عجز العبادي عن العمل مع أعضاء حكومته كما هم فإنّ الفشل على الأرجح يقع على عاتق أسلوبه في الادارة.

سياسياً، لم يتمكن العبادي من تشكيل تحالف مؤثر بين جماعتهِ في دولة القانون وبين الحكيم والصدر على الرغم من موقف المرجعية الداعم لمثل هذا التحالف.  إدارة العبادي لعلاقته مع الحكيم على وجه الخصوص تعكس تقصيراً سياسياً من طرف رئيس الوزراء. إنّ وزراء كتلة الحكيم في الحكومة على وشك تقديم الإستقالة حسب ما هو متواتر،  فإنّ كان شكوى العبادي الأكبر للأمريكان هو خطورة المالكي على سلطته، لا داعي إذن لحصول شرخ بينه وبين الحكيم. من المتوقع جداً أن يسعى الحكيم جاداً بتكوين أغلبية نيابية من الشيعة والسنّة والكرد لاستبدال العبادي وإعادة ترتيب الأوراق السياسية منذ تشكيل الحكومة. أفضل مثال للفشل الإداري والسياسي معاً هو إساءة إدارة العبادي لتنسيقه مع الصدر قبيل الإعلان.

sadr in tahrir

السيد الصدر يذهب إلى بغداد. كان لمقتدى الصدر أفكار أخرى للاستفادة من انفتاح العبادي عليه، حيث حضّر قائمة من المطاليب شبه المستحيلة. رحّب في بادئ الأمر بدعوة العبادي، ولكنه مضى قدماً ووضع معادلة لكيفية اختيار المرشحين الجدد للمناصب الحكومية. قام بتعيين أشخاص في لجان عديدة مهمتها تدقيق واختيار المرشحين، أي منع عن العبادي حقه كرئيس وزراء. ليس هذا فحسب، بل أنّ الآلية ستكون على الأرجح مرفوضة من قبل بقية المؤسسة السياسية، ولكن ليس من واجبهم الرفض العلني لكن واجب العبادي هو ذلك. قد يقول البعض بأنّ الصدر يتصرف بشكل غير عقلاني وغير عملي، ولكن يبدو أنّ هناك منهجية لما يقوم به. قد يكون الصدر متعمداً في توريط العبادي سياساً، ويبدو أنّ الأخير اكتشفَ الآن بأنّه متورط. لا بدّ أن يكون الصدر متنبهاً بأنّ المجال مفتوحاً أمام خامئني بعد الابتعاد الظاهر للسيستاني عن جدال الإصلاح، لقد كان هذا في الأساس “كلمة الشرف” التي اتفق عليها الرجلان قبل سنتين: إذا ما قاد السيستاني الحياة السياسية في العراق فإن خامئني سيذعن، وإلّا ستتاح فرصة للأخير. يعلم الصدر بشأن هذه الاتفاقية كما يعرفها كثيرون غيره. ربما تصوّر بأن خامئني قد يميل لفصائل أخرى من “الصدريين” (مثل عصائب أهل الحق) الذين أظهروا ولاءً أكبر لإيران، فكان على الصدر التصرّف.

وضع الصدر جدول زمني لاقتراحه: 45 يوماً. كما اقترنت أجندته للإصلاح بخطة لتنشيط تظاهرات يوم الجمعة المؤيدة للإصلاح والتي تتواصل منذ ستة أشهر كما ينوي تصدّر تظاهرات يوم الجمعة القادم في ساحة التحرير بعد أن وعد أنصاره بإمامة الصلاة.

فقد العبادي ماء الوجه حين فرض عليه الصدر مكاناً للقاء اليوم: نال الصدر مراده، وأضطر العبادي لمغادرة المنطقة الخضراء والذهاب إلى الكاظمية للجلوس مع رجل الدين الذي يزور بغداد. إنّ صورة رئيس وزراء وهو يتنازل كل هذا القدر لقائد حركة سياسية يريد انتزاع الصلاحيات التنفيذية عنه، ويخطط في نفس الوقت لقيادة مظاهرات هي ضمنيا ضد الحكومة، ليست لصالح للعبادي. علاوة على ما سبق، يبدو أنّ الصدر قد فصّل قائمة الأسماء الخاصة بـلجان “اختيار الوزراء” مخصوصاً لكسب المتظاهرين الليبراليين والعلمانيين في ساحة التحرير والذين كانوا سابقاً مستعدين لاعطاء العبادي فرصة لاثبات صدقه في الاصلاح. في هذا الشأن، فإن الصدر يلعب على واحدة من نقاط ضعف العبادي وهي حساسيته، أو يمكن القول حساسيته المفرطة، مما يقولوه العلمانيون الليبراليون عنه في مواقع التواصل الاجتماعي.

من الممكن جداً بعد انقضاء مدة الـ 45 يوماً أن يعلن الصدر بأنّه قد أعطى فرصة للعبادي وقد حان الوقت لاستبداله. وفي هذه الاثناء، قد يجد الصدر بأنّ الحكيم قد حصل على الأصوات الكافية لاغلبية برلمانية تسعى لإزاحة حزب الدعوة من السلطة، وقد يشاركهم في هذا المسعى.

الكرد. حزب  الإتحاد الوطني الكردستاني قطع شوطاً أكبر مما يراه المراقبون فيما يخص إيجاد طرق لتقاسم السلطة بين الفئات المتصارعة داخله، ولكن تقاسم السلطة هنا يعتمد على ثلاث نتائج: الاتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني لإبعاد حزب التغيير “گوران”، فصل مناصب قيادة الحزب عن مناصب قيادة الاقليم، واستبدال فؤاد معصوم. قد يطالب حزب الإتحاد أيضاً باستبدال ثلاثي العبادي-معصوم-الجبوري، وسبب جزئي هو حاجتهم لذلك المنصب لعضو ما في ثلاثية الحزب.

أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فله وفرة من الأسباب لاستبدال العبادي، حيث يساعده ذلك على شراء الوقت أمام شعب يزداد استياءه بسبب الضائفة المالية، وسيكون بامكانهم الادعاء بأن اختيار رئيس وزراء جديد في بغداد قد يساهم بتخفيف بعض المعاناة المالية لحكومة الإقليم. قد يعرض البرزاني تأجيل الاستفتاء على استقلال كردستان أمام رئيس الوزراء الجديد كبادرة حسن نية لبغداد (…وأيضا لأنقرة، وطهران، وواشنطن)، ولبدأ صفحة جديدة مع الحكومة المركزية.

السنّة. يشعر القادة “الوطنيون” السنة بالجرح إذْ يعتقدون بأنّ العبادي والأمريكيين يرون أنّ الحياة السياسية للقادة السنّة قد انتهت صلاحيتها بعد أن استولت الدولة الإسلامية على معظم أراضي السنة العرب. كما يشاهدون العبادي والأمريكيين كذلك وهم يشددون على ضرورة التعامل مع القادة “المحليون” السنة، مثل محافظي الأنبار وصلاح الدين والوقف السني، وهم ساخطون على أنّ العديد من هؤلاء القادة المحليون قد دعمهم سابقاً المالكي في مسعى منه لتقويض القادة الوطنيين.

بغض النظر عمّا إذا كانوا على حق أم لا، فإن وضعهم الحالي قد خلق مناخ من الرفقة الجديدة والقدر السياسي المشترك. منذ مدة وهم يعيدون تشكيل كتلة سنية في البرلمان تحت قيادة أسامة النجيفي على حساب الجبوري. ربما استنتج القادة بأن رهان العبادي وأمريكا على القادة المحليين السنة سيخسر، لأن بعض الاعتبارات المحلية مثل درجة الخراب لمناطق مثل الرمادي ومصفى بيجي، والاخفاق في وضع حد لتجاوزات قوات الحشد الشعبي، ستكون كفيلة بازالة الشرعية عن “سنّة المالكي”. لقد تأذى الجبوري بسبب عجزه عن فعل شيء أزاء تجاوزات الحشد الشعبي في ديالى، مسقط رأسه. كما أنّه رأى فرصة في تعرّض القادة الوطنيين الآخرين إلى التهميش وسعى إلى استغلال ذلك. لم تعبر هذه المواقف على القادة الوطنيين. لذا من المتوقع في حال إزاحة العبادي ومعصوم، سيذهب الجبوري معهم أيضاً.

ما هو القادم؟

لو أنّ العبادي استغل الوقت الذي كان لديه لوضع حلول فورية وأساسية للأزمة المالية العراقية لكان أفضل له. تختلف التقديرات مع التطمينات الرسمية للحكومة بأنّ كل شيء بخير، ولكن العجز بين المال الموجود والنفقات قد يظهر الشهر القادم، وفقاً لمصدر مطّلع.

منطقياً، إنّ آخر ما يحتاج إليه العراق الآن هو استبدال رئيس الوزراء ودعوة المزيد من القلق السياسي. لقد ناقشت هذه المدونة هذا الأساس منذ شهر تشرين الأول الماضي، ولكن رئيس الوزراء نفسه هو من فتح هذا الباب، وفي ذلك كشف بأنّ الوقت قد حان فعلاً لمعالجة قصوره الإداري والسياسي. إنّ المراهنة على تغيير حكومي جذري دون وضع الأرضية السياسية الضرورية وضمان تأييد اللاعبين المهمين في هذه المرحلة الحساسة والحرجة للبلاد تقول الكثير عن الفطرة السياسية لرئيس الوزراء.

احتاجت ادارة اوباما إلى وقت طويل لإنفكاك الذهني عن المالكي، ولكن هذه المرة فإنّ المناورات السياسية من شخصيات مثل الحكيم والصدر تجري بسرعة أكبر مما ترغب واشنطن، وعلى الرغم من وجود الآلاف من جنودها في البلاد، فإن تأثير الولايات المتحدة على سياسة العراق قد ضعف. من المهم تذكر أنّ التحدي الراهن الذي يواجهه العبادي ليس صادراً من الأشخاص والجماعات التابعة لإيران. إنّ أسباب “مشكلة التأثير” في هذه القضية تحديداً ليست صنيعة إيران كلياً.

    1.
  1. January 23rd, 2018 at 6:02 pm
    علي
      يقول:

    امال دور السعودي و التركي والاماراتي المدمر,,وشروط البنك الدولي التي دمرت الاقتصاد وملئت البلد بالفساد,يجعل المقال كانة بعثي

تعليق